LOGINفي تلك الليلة، لم يظهر سالم على العشاء. جلست شهد وحيدة على الطاولة الطويلة، تأكل قليلًا، وتحدق في الشموع المضاءة. كانت أمينة تقف قرب الباب، صامتة. · أين سالم؟ سألت شهد. · في مكتبه يا سيدتي. لم يخرج منذ الظهر. · هل يحدث هذا كثيرًا؟ · أحيانًا. عندما يكون غاضبًا أو... متضايقًا. · ما الفرق بين الغاضب والمتضايق في عالمه؟ ابتسمت أمينة ابتسامة حزينة: · الغاضب يصرخ ويأمر. المتضايق يصمت ويختفي. شعرت شهد بشيء يتحرك في صدرها. لم تكن تريد أن تشعر بالقلق عليه. لكنها كانت كذلك. بعد العشاء، صعدت إلى غرفتها، واستحمّت، وارتدت ثوب نوم بسيطًا. جلست على السرير، وعيناها على الباب. مرت ساعة، ثم ساعتان، ولم يأتِ سالم. قررت أن تنزل. تسللت إلى الطابق الأرضي، ورأت ضوءًا خافتًا من تحت باب المكتب. ترددت، ثم طرقت الباب بلطف. · ادخلي، جاء صوته مبحوحًا. فتحت الباب، فوجدته جالسًا خلف المكتب، القميص مفتوحًا من الأعلى، والغرفة مليئة برائحة التبغ. كان يحدق في ورقة أمامه، دون أن يرفع عينيه. · ماذا تريدين؟ قال دون أن ينظر إليها. · جئت لأرى إذا كنت ستأتي للعشاء. · لست جائعًا. اقتربت شهد خطو
وفجأة، قال أبو رعد بصوت عالٍ وكأنه يريد إحراج سالم: · هناك من يقول إن الكيالي يخططون لاستعادة "وديعة" من عائلة الحلبي. ربما يقصدون زوجتك الجميلة. تجمد سالم. نظر إلى شهد بطرف عينه، ثم قال: · ومن يقول هذا؟ · مصادر. لكن السؤال: هل أنت مستعد لحرب من أجل فتاة؟ · أنا مستعد لحرب من أجل كرامتي. وشهد ليست وديعة لأحد. إنها زوجتي. شعرت شهد بنظرات الرجال تتغير نحوها. شعرت بالخوف، لكنها أيضًا شعرت بيد سالم تلامس ظهر كرسيها، كأنها حاجز صامت. · هل تسمح لي أن أتحدث؟ قالت شهد فجأة. التفت إليها الجميع بدهشة. أما سالم فقد نظر إليها بعينين ضيقتين: · لا داعي. · أعتقد أن لي الحق. أنا موضوع الحديث. كان صوتها هادئًا لكنه ثابت. تحدت نظرة سالم، ثم التفتت إلى الرجال: · أنا لا أفهم عالمكم. لكنني أفهم شيئًا واحدًا: أنا هنا رغم إرادتي، وأصبحت جزءًا من هذا البيت. ومن يريد أن يؤذيني، فعليه أن يعرف أن سالم العتيبي لا يترك أحدًا يمس ما يخصه. صمتت القاعة. ثم ابتسم أبو رعد ببطء، وقال: · كلام امرأة شجاعة. لكن الشجاعة في عالمنا قد تكون حبلًا يُشنق به صاحبها. · الشجاعة أفضل من الجبن، ردت شهد.
بزغ الفجر على قصر سالم، والضباب الخفيف يلف الحديقة كأنه سر لم يُكشف بعد. كانت شهد مستلقية على السرير، عيناها مفتوحتان على السقف، وجسدها متعب من ليلة أرق طويلة. لم يعد سالم إلى السرير منذ أن خرج إلى الشرفة، وكانت تسمع أحيانًا صوت خطواته الهادئة على البلاط، وأحيانًا صمتًا أعمق من أن يُحتمل. نهضت شهد ببطء، وجسدها يشعر بثقل الحزن والغضب معًا. سارت نحو النافذة، وسحبت الستارة قليلًا، فرأت الشرفة المجاورة فارغة، إلا من كرسي هزاز يتحرك بفعل الريح، ومنفضة مليئة بأعقاب السجائر. كان قد جلس هناك طوال الليل، يشرب سُمَّه بصمت. عادت إلى السرير، وجلست على حافته، تضم ركبتيها. كانت تفكر في الكابوس الذي رأته، وفي صرخته التي مزقت هدوء الفجر: "لا! لا تقترب منها!" من تكون "هي"؟ من الذي يقترب؟ وأي جرح قديم يحمله هذا الرجل خلف قناعه الفولاذي؟ سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، فدخلت أمينة حاملة صينية الإفطار. وضعتها على الطاولة القريبة من النافذة، وقالت بصوت خافت: · صباح الخير يا سيدتي. السيد طلب أن تأكلي جيدًا اليوم. · لماذا؟ هل يخطط لشيء جديد؟ ترددت أمينة، ثم قالت: · سيكون هناك اجتماع مهم في القصر
في المساء، كان سالم قد عاد إلى القصر قبل الغروب. كان مرهقًا، لكن عينيه تحملان نفس البرود. دخل غرفته وخلع ملابسه، ووقف تحت الماء الساخن طويلاً، ثم ارتدى ملابس أنيقة: قميص أسود وبنطال قاتم. اتصل بأمينة ليخبرها أن تجهز شهد للعشاء. في غرفة شهد، كانت أمينة تختار فستانًا آخر: هذه المرة أزرق داكنًا طويلًا بسيطًا. لكن شهد قالت: · سأرتديه. لكن لا أريد مكياجًا. ولا تصفيفًا. · لكن السيد يفضّل أن تبدين أنيقة. · السيد لا يملك وجهي. ذهبت أمينة بلا كلام. نزلت شهد إلى غرفة الطعام الصغيرة في الجناح الشرقي، حيث وُضعت طاولة مستديرة بشموع مضاءة. كان سالم جالسًا هناك، ينتظر. عندما دخلت، رفع عينيه. رأى فستانها الأزرق، وشعرها المنسدل بلا تصفيف، ووجهها الخالي من المساحيق. شعر بشيء غريب في صدره، لكنه ابتلع الأمر. · اجلسي. جلست أمامه. بدأ العشاء في صمت. كان الطعام فاخرًا: لحم مشوي، أرز معطر، مقبلات متنوعة. لكن شهد لم تأكل إلا القليل. كانت تحدق في الطبق، وتشعر أن كل لقمة تعلق في حلقها. كسر سالم الصمت: · لماذا لا تأكلين؟ الطعام جيد. · لا جوع لي. · ستأكلين حتى لو لم تشتهي. أنا لا أحب الهزيلات. نظرت
بقيت شهد تنظر إلى السقف المظلم. كانت تسمع أنفاسه الهادئة، لكنها لم تعرف إذا كان قد نام. حاولت أن تغمض عينيها، لكن النوم كان بعيدًا. بعد ساعات، وقبل الفجر بقليل، شعرت شهد بحركة خفيفة على السرير. فتحت عينيها ببطء، فرأت سالم قد استدار نحوها في نومه، وذراعه ممدودة قليلاً تجاهها، دون أن تلمسها. كان وجهه في الظلام يبدو أكثر هدوءًا، وكأن الوحش قد نام. راقبته طويلاً. في الضوء الخافت القادم من النافذة، بدت ملامحه أقل قسوة، وأكثر بشرية. تساءلت: ما الذي جعل هذا الرجل يتحول إلى هذا الكائن؟ ثم أغمضت عينيها، ونامت على إثر الإرهاق، لكن أحلامها كانت مليئة بمشاهد مضطربة: أيدي تمسكها، أصوات رصاص، ووجه سالم في الظلام. استيقظت شهد على صوت هاتف سالم يرن في الغرفة. فتحت عينيها بثقل، فرأت ضوء الصباح يتسلل من النافذة. كانت ما تزال مستلقية في مكانها، لكن اللحاف كان قد انسحب عنها قليلًا. شعرت ببرودة، فتقلبت لترى هل سالم ما زال بجانبها. كان السرير فارغًا. جلست ببطء، فرأته جالسًا على الأريكة، مرتديًا بنطالًا رياضيًا وقميصًا أبيض، ويتحدث في الهاتف بصوت منخفض حاد. كان يبدو مشغولًا، وأحيانًا يرفع صوته قليلًا
· منذ الليلة، ستنامين في غرفتي. ليس لأنني أرغب فيكِ، بل لأنني أريد أن أتأكد أنكِ لا تخططين للهروب. وكل ليلة سترينني أمامكِ، وستتذكرين أنكِ سجينة. · هذا تعذيب نفسي، قالت شهد بصوت متقطع. · هذا هو الانتقام. تركها فجأة، واتجه نحو الباب. قبل أن يخرج، توقف وقال دون أن يلتفت: · أمينة ستأخذكِ إلى غرفتي. لا تحضري معكِ أي شيء من هنا. خرج وأغلق الباب خلفه. وقفت شهد في مكانها، جسدها يرتجف. شعرت بأنها على حافة الانهيار، لكنها رفعت يدها إلى فمها وكتمت شهقة. لم تكن تريد أن يسمعها أحد. بعد دقائق، دخلت أمينة بهدوء. رأت شهد واقفة وسط الغرفة كتمثال، فاقتربت منها ووضعت يدها على كتفها برفق: · سيدتي... أنا آسفة. · لا أريد شفقة. فقط خذيني إلى حيث يريد. اتبعت شهد أمينة في ممرات القصر الضيقة المضاءة بأضواء خافتة. كانت الغرفة المقصودة في الجناح الشرقي، خلف باب خشبي منحوت. فتحته أمينة، فدخلتا. كانت غرفة سالم أوسع من غرفة شهد بثلاث مرات. سرير ضخم بلوح رأسي جلدي أسود، ومرايا عتيقة على الجدران، وخزانة كتب مليئة بالمجلدات، وركن جلوس صغير أمام نافذة كبيرة. الرائحة فيها كانت رائحته: عطر رجالي ثقيل ممزوج بر







