INICIAR SESIÓNفي اليوم التالي، انطلق موكب عائلة اللورد كريستوف نحو العاصمة، تجره خيول سوداء فارهة تلمع أعرافها تحت شمس الصباح، ويحيط به حراس يحملون رايات العائلة ترفرف في الريح، شعارها أسد ذهبي يعلو سيفاً متقاطعاً. كانت العربة الملكية مبطنة بالمخمل الأحمر، وتفوح منها رائحة خشب الصندل، بينما كانت عجلاتها الثقيلة تصدر صريراً منتظماً على الطريق الترابي.
طوال الطريق، كانت ديانا تراقب كل تفصيلة من العالم الذي وجدت نفسها داخله: التلال الخضراء الممتدة كأمواج بحر هادئ، والقرى الصغيرة التي ينحني أهلها احتراماً كلما مر الموكب، أطفالها يركضون خلف العربات بفضول براءة، ونساؤها يحملن سلال الخبز الطازج وهن يبتسمن ابتسامات خجولة. مرّوا بجانب الغابات الكثيفة التي يقال إنها تخفي مخلوقات سحرية قديمة، غابات تتشابك أشجارها حتى تحجب ضوء الشمس، وتنبعث منها أصوات غامضة لم تستطع ديانا تمييز مصدرها، فارتجفت قليلاً وهي تتذكر أن الرواية ذكرت مرة أن تلك الغابات مسكونة بذئاب سحرية تحرس حدود المملكة. سألتها لورينس في إحدى اللحظات وهي تلاحظ شرود أختها: "لم تبدين شاردة هكذا منذ الصباح؟ هل تخافين من لقاء الملك؟". أجابت ديانا بابتسامة متكلفة: "لا شيء، فقط أفكر فيما سيحمله لنا هذا الطريق". ثم أضافت، محاولة أن تجعل حديثها يبدو طبيعياً: "وأنتِ يا لورينس؟ ألا تشعرين بالتوتر من فكرة الزواج من رجل لم تريه من قبل؟". ابتسمت لورينس بحلم واضح في عينيها، وهي تنظر من نافذة العربة إلى الأفق البعيد: "بل أنا سعيدة جداً. تخيلي يا ديانا، أن أصبح ملكة، أن أعيش في قصر تحيط به الحدائق، وأن يحبني رجل قوي وعادل كما يصفونه في القصص. أشعر أن هذا قدري، وأن السماء ادخرتني لهذا اليوم منذ ولادتي". ابتلعت ديانا ريقها بصعوبة عند سماع كلمة "قدري"، وفكرت في داخلها: "لو تعلمين يا لورينس أن هذا القدر نفسه هو ما سيقتلك في نهاية القصة التي جئت منها، لما نطقت به بهذه السعادة". وبعد ثلاثة أيام من السفر الشاق، توقف الموكب مرتين للاستراحة عند نزل صغير على الطريق، حيث تناولت العائلة عشاءها على ضوء الشموع، واستمعت ديانا إلى حكايات الحراس عن معارك قديمة خاضتها المملكة ضد ممالك الشمال، وعن أسطورة السيف الذهبي الذي تحمله عائلتها، السيف الذي – بحسب ما تذكرت من الرواية – سيكون أداة الجريمة التي ارتكبتها ديانا الروائية في النسخة الأصلية من القصة. نظرت إلى الصندوق الذي يحمله أحد الخدم بحذر شديد، وشعرت برجفة باردة تسري في جسدها. وصل الموكب بأمان إلى أسوار العاصمة المهيبة، أسوار حجرية شاهقة تعلوها أبراج المراقبة، وبوابات ضخمة من الحديد المطعم بالذهب. استقبلهم كبير الخدم عند بوابة القصر بانحناءة عميقة: "أهلاً باللورد العظيم، للأسف فإن جلالة الملك في رحلة خارج العاصمة، وقد أمرني أن استقبلكم بشكل لائق، وأن أضيفكم في أفضل جناح في القصر إلى أن يعود جلالته من رحلته بأمان". رد والد ديانا بابتسامة راضية: "أتمنى رحلة آمنة لسمو الملك، وشكراً لاستضافتكم واستقبالكم اللائق". انحنى كبير الخدم تعبيراً عن احترامه لمكانة اللورد، ثم أرشدهم إلى جناح الضيافة الفاخر، حيث فرشت الأرض بالسجاد الأحمر، وتدلت من السقف ثريا ذهبية تعكس ضوء الغروب، وامتلأت الغرف برائحة الورد الطازج الذي وُضع في مزهريات فضية على كل طاولة، وكأن القصر كله يستعد لاستقبال عروس. جلست لورينس على السرير وقالت بانبهار لا يخفيه صوتها: "هل رأيتِ القصر يا ديانا؟ إنه كبير جداً، وكل شيء فيه فاخر وثمين. ولوحة الملك في الردهة... إنه وسيم جداً". قامت من مكانها وجرت نحو النافذة، تطل منها على الحدائق الممتدة تحتهم، وقالت بحماس طفولي: "انظري إلى هذه الحدائق! أتمنى أن أتمكن يوماً من التجول فيها بحرية، أن أعيش هنا إلى الأبد". قالت ديانا وهي تحاول إخفاء ابتسامة رضا: "أجل، أجل، أراك منبهرة، أتمنى أن يمر الغد على خير، وأن تتزوجا وأرتاح". فأجابت لورينس بارتباك، وقد التفتت إليها بعينين واسعتين: "ماذا تقولين يا ديانا؟!". تداركت ديانا كلامها سريعاً: "لا، لا، لم أقل شيئاً، أقول فقط إنه ينبغي أن ننام، فقد أنهكنا السفر". ضحكت ضحكة متوترة، وحاولت أن تغير الموضوع بسرعة قبل أن تلاحظ لورينس زلة لسانها. نظرت لورينس في المرآة وقالت: "معك حق، يجب أن أنام نوماً هادئاً كي أحافظ على بشرتي، فيعجب بي الملك". أخذت تمشط شعرها الذهبي بحركات بطيئة، وهي تتمتم بأغنية قديمة كانت أمها تغنيها لها في طفولتها، بينما جلست ديانا على طرف السرير الآخر، تراقبها بصمت، وتفكر في مدى سذاجة الفتاة التي ستدفع ثمناً باهظاً في القصة الأصلية لمجرد أنها أحبت رجلاً لم تختره بنفسها.كانت لورينس جالسة مع الحارس الذي أرسله الملك معها، رجل طاعن في الأربعين، صارم الملامح لكن عينيه تحملان نظرة صبر عجيبة، وهو يقدم لها الفاكهة على طاولة خشبية بسيطة أمام الكوخ:"تفضلي، أنتِ لم تأكلي شيئاً منذ أن تركنا القصر".نظرت إليه لورينس من فوق إلى تحت، بنظرة ازدراء اعتادت أن تستخدمها مع من هم أدنى مكانة منها، ولفت وجهها، فقال لها ببرود لا يخلو من حزم: "كما تريدين. حياتكِ لم تعد كما كانت يا آنسة لورينس كريستوف. وفي الريف إما أن تزرعي وتأكلي من صنع يديك، وإما أن تموتي من الجوع".نظرت لورينس إلى الفاكهة بنظرة جانبية، وشعرت بشيء غريب يتحرك في داخلها، ليس حقداً كما اعتادت أن تشعر، بل شيئاً أقرب إلى اليقظة، إلى إدراك مفاجئ بأن كل الامتيازات التي عاشت في ظلها طوال حياتها قد تلاشت في لحظة واحدة. كانت الأيام الأولى في الريف قاسية عليها؛ فهي التي عاشت عمرها محاطة بالحرير والذهب، لم تعرف يوماً كيف تحضر الماء من البئر، أو كيف تشعل ناراً لتدفئ كوخها الصغير، ولا حتى كيف تغسل ثوبها بيديها دون مساعدة خادمة تقف خلفها منذ الصغر.في الليالي الأولى، كانت تبكي وحيدة في ظلام كوخها البارد، تتذكر صوت المل
رجعت كل واحدة إلى شكلها الحقيقي، عادت خصلات ديانا البنية إلى مكانها، وعادت ملامح وجهها التي عرفتها طوال حياتها القديمة، ونظرت ديانا إلى الملك بفرح غامر: "صوتي، أنا قادرة على الكلام، أنا عدت أتحدث من جديد".فرح الملك، واحتضنها بقوة أمام الجميع، غير آبه بنظرات الحراس المتفاجئة، أما لورينس فقد خسرت صوتها بعد أن كسر الساحر التعويذة التي كانت تربطها بالعجوز، وفاءً بشرط العهد الذي خالفته حين حاولت قتل ديانا بدلاً من الاكتفاء بأخذ مكانها. جلست في ركنها، تحاول أن تصرخ أو تبكي، لكن لا شيء يخرج من فمها سوى صمت ثقيل يشبه صمت القبور.نظرت إليها ديانا بحزن ممزوج بشيء من الرأفة رغم كل ما فعلته: "الملك قرر نفيَكِ إلى الريف. هناك تستطيعين أن تبدئي حياتك من جديد يا لورينس، بعيداً عن كل هذا الحقد الذي زرعه فيك ذلك الساحر اللعين".ابتسمت لورينس بسخرية مريرة، ولفت وجهها بعيداً، رافضة أن تنظر إلى أختها ولو للمرة الأخيرة، فخرج الجميع من الزنزانة تاركين إياها في ظلامها، وقال الساحر لديانا وهو يقف عند المدخل، بنبرة غامضة تحمل حكمة عصور: "أنا أعرف أنكِ لستِ من هنا، لكن هذا قدرك".صدمت ديانا، وقبل أن تسأله كيف
نظر اللورد إلى ديانا، ثم رجع ينظر إلى لورينس بحزن عميق، وقد بدا كأن عالمه بأكمله ينهار أمام عينيه في لحظة واحدة. تهجمت لورينس على ديانا حتى تقتلها، أخرجت من كم ثوبها خنجراً صغيراً كانت قد أخفته منذ البداية احتياطاً، وهجمت بسرعة لا تصدق نحو أختها التي وقفت مذهولة، لكن الملك تدخل، ودفع ديانا الحقيقية بعيداً بحركة انعكاسية سريعة، ووقف بينهما، وأخذ الطعنة مكان ديانا، فاخترق النصل الحاد جانبه، وانتشر الدم بسرعة على قميصه الأبيض المطرز بالذهب.ارتعبَت لورينس، وتراجعت خطوات، ونظرت إلى الملك بخوف حقيقي بدد كل الغضب الذي غمرها لحظات، وسقط الخنجر من يدها على الرخام بصوت معدني حاد: "ثيو، لا، أرجوك، أنا لم أقصد، لم يكن من المفترض أن تكون أنت، ثيو، انهض، أرجوك". انهارت باكية بجانبه، محاولة أن تمسك جرحه بيدين مرتجفتين، وكأن كل الحقد الذي زرعه الساحر فيها قد تلاشى فجأة أمام مشهد الدم.دخل الحرس بسرعة، وأمسكوا لورينس التي في شكل ديانا، وهي تصرخ وتقاوم بضعف، وأخذوها إلى السجن، أما الملك فتم نقله إلى غرفته على محفة سريعة، وذهب إليه الطبيب على وجه السرعة، بينما وقفت ديانا الحقيقية في وسط القاعة الفارغة
نزلت لورينس بخطى قوية إلى قاعة الزفاف، وثوبها الأبيض يتموج خلفها كسحابة، وقد استعادت هدوءها المصطنع كأن شيئاً لم يحدث. حاولت ديانا أن تتبعها، لكن الحارس منعها، واقفاً بجسده الضخم أمام الباب كجدار لا يُخترق:"اعذريني يا آنسة ديانا، لكن ممنوع عليكِ أن تغادري الغرفة حتى ينتهي الزفاف".عادت ديانا إلى الغرفة، قلبها يخفق بعنف، ونظرت إلى النافذة بعزم مفاجئ. بسرعة، شدت ملاءة السرير، وربطت بها أي قماش رأته، ستائر، وشرشفاً إضافياً من الخزانة، فصنعت حبلاً متيناً بقدر استطاعتها، ونزلت من النافذة بعزيمة لا تعرف التردد، رغم الخطر الذي كان يحيط بها من كل جانب، ورغم ارتفاع النافذة الذي جعل يديها ترتجفان من الخوف، لكن إصرارها كان أقوى من كل خوف.في قاعة الزفاف، حيث امتلأت المقاعد بالنبلاء في أبهى حللهم، وزُينت الأعمدة بأكاليل الياسمين الأبيض، سلم اللورد كريستوف ابنته ديانا (المزيفة) ليد الملك، وقال له بصوت يحمل ثقل الأبوة:"هذه ابنتي الأولى، وأول عهدي بالأبوة، كونك ملكاً لن يثنيني أبداً عن أن أحاسبك لو جرحت ابنتي في يوم من الأيام".ابتسم الملك، وأمسك يد ديانا المزيفة بحب: "مستحيل أن أسمح لنفسي أن أزعج
ظلت ديانا جالسة عدة أيام في غرفتها، ترفض الخروج، تكتفي بمراقبة الاستعدادات المحمومة للزفاف من خلف النافذة، وتشعر بيأس متزايد كلما رأت أخرى العمال وهم يزينون القصر بالورود والأشرطة الحريرية. جلست بجانبها أمها، واحتضنتها بحنان مفرط:"حرام عليك يا ابنتي، لم كل هذا الحزن؟ ارضي بقدرك يا لورينس، وباركي لأختك".قامت ديانا، وأحضرت دفتراً وقلمًا من الدرج، بحركة يائسة، وكتبت بغضب، والقلم يرتجف بين أصابعها:"أنا لست لورينس، أنا ديانا. لورينس استخدمت السحر، وختمت قلادتي التي ورثتها عن أمي، وأوهمت الجميع أنها هي ديانا. أنا حتى—".بكت، وأكملت الكتابة تحت صدمة الأم مما تعرفه، خطوطها متعرجة من شدة الارتجاف:"حتى صوتي. سقتني سحراً، وختمت صوتي حتى لا أتكلم. انظري في عينيَّ جيداً، أنا لست ابنتك لورينس".توقفت عن الكتابة، ونظرت في عيني أم لورينس التي كانت تحدق فيها بذهول متزايد، ووضعت يدها على فمها بصدمة:"مستحيل، ابنتي، ابنتي لورينس استخدمت السحر! كيف؟ إنها بريئة ونقية، كيف تفعل هذا؟!". تراجعت خطوة إلى الوراء، وكأنها تحاول الهروب من حقيقة لا تريد تصديقها، لكن نظرة ديانا الصادقة كانت أقوى من كل إنكار.جل
استيقظت ديانا في اليوم التالي على صوت والدتهما: "لورينس، حبيبتي، قومي يا حبيبتي، كفاك نوماً، لا تخيفيني عليك". كان صوت الأم مليئاً بالحنان الذي لم تسمعه ديانا موجهاً إليها من قبل.نظرت ديانا إلى أمهما باستغراب، وحاولت الكلام، لكن صوتها لم يخرج، فقط أنين خافت بالكاد يُسمع."لورينس، هل أنت بخير يا ابنتي؟".تخضت ديانا، وجرت لتنظر في المرآة، فتفاجأت أنها أصبحت بشكل لورينس، الشعر الذهبي، والعينان الزرقاوان، والوجه الذي طالما رأته في المرآة أختها لا هي. صدمت، وبقيت واقفة تبكي بحزن صامت، دموعها تنساب بلا صوت على خدين لم تعرفهما.اقتربت منها أمها، واحتضنتها بحنان غريب لم تألفه ديانا منها: "لا تحزني يا حبيبتي، الملك من نصيب أختك، وحتماً ستجدين رفيقاً مناسباً يحبك ويهتم بك. لا تظهري حزنك هذا في حفل زفاف أختك، لا نريد أن يتسلّى النبلاء بسيرة عائلتنا".نظرت إليها ديانا بصدمة، وقالت في نفسها: "زفاف! كيف؟! يعني لورينس—". شعرت بالأرض تدور من تحتها، وحاولت أن تتماسك، لكن الرعب كان أقوى من قدرتها على الوقوف بثبات.جرت بخوف، وهي تفكر: "يعني النهاية كانت هكذا! هذا ما حدث فعلاً. لورينس أخذت شكل ديانا، وح







