INICIAR SESIÓNتسللت ديانا بعد منتصف الليل خارج القصر، متلفعة بعباءة داكنة استعارتها من إحدى الخادمات، وظلت تتجول في الحديقة الواسعة وهي تبحث عن شيء في ذهنها: "بحسب أحداث الرواية، ستكسر لورينس رجلها وهي تعبر الجسر الواقع فوق البركة التي في حديقة القصر. فأين يكون هذا المكان؟".
كانت الحديقة في هذه الساعة من الليل مكاناً ساحراً ومخيفاً في آن واحد، تضيئه فوانيس خافتة معلقة على الأشجار، تتراقص ألسنة نيرانها الصغيرة مع كل نسمة هواء، وتتردد في أرجائها أصوات الحشرات الليلية، وخرير مياه نافورة بعيدة يمتزج مع حفيف أوراق الأشجار العتيقة. كانت ديانا تتقدم بحذر، تتتبع صوت الماء المتدفق حتى وصلت إلى جسر خشبي صغير يعلو بركة هادئة تتلألأ فيها أضواء القمر، تنعكس على سطحها الساكن كقطع من الفضة المتناثرة. وقفت لحظة تتأمل المشهد، وشعرت بسلام غريب يغمرها رغم كل الخطر المحيط بها، وفكرت في نفسها: "لو أن هذا كله كان مجرد حلم أعيشه، لتمنيت أن يطول قليلاً قبل أن أستيقظ". لكنها سرعان ما استعادت تركيزها، وبدأت تتفحص ألواح الجسر الخشبية بحثاً عن أي خلل قد يكون سبب سقوط لورينس في الرواية الأصلية. فجأة، عاد الملك على صهوة حصانه من رحلته المبكرة، ودخل القصر، لكنه لمع خيال شخص يتحرك في الحديقة، ظل نحيل يتسلل بين الأشجار في هذه الساعة المتأخرة. صاح بصوت حازم: "من هناك؟". خافت ديانا وجرت مسرعة، وهي تهمهم لنفسها: "لا يمكن أن يراني الآن. لو رآني وعرف أنني لست خادمة، فسيسأل عن هويتي الحقيقية، وسينكشف كل شيء قبل أن أفهم حتى قواعد هذا العالم". صاح الملك وهو يعتلي حصانه: "قفي مكانك، وإلا ندمتِ!". كان صوته يحمل سلطة لا تقبل الجدل، سلطة رجل اعتاد أن يُطاع فور أن يتكلم. جرى وراءها بحصانه حتى تعثرت قدماها، فسقطت في البركة، وارتفع رذاذ الماء البارد حولها كأنه يحتفل بسقوطها. نزل الملك عن صهوة حصانه بحركة رشيقة، واقترب منها بغضب ظاهر يخالطه فضول لا يخفيه: "من أنت؟ وكيف تسللتِ إلى قصري؟". ردت ديانا بتوتر شديد، وهي تحاول أن تخفي ملامحها في الظلام، صوتها يرتجف من برودة الماء ومن الخوف معاً: "أنا... أنا مجرد خادمة فقيرة يا سمو الملك، وقد خفت أن أكون قد أزعجت جلالتك، فجرت من خوفي". مد الملك يده نحوها: "مدي يدك حتى أخرجك، أم أنك تنوين المبيت في الماء؟". كان في نبرته شيء من التهكم اللطيف، رغم الجدية التي حاول أن يحافظ عليها. صرخت ديانا في عقلها: "لا، لا، لا يمكن أن يراني، أنا الأولى التي يجب أن تبقى مجهولة، فلو رآني الآن، وتذكر وجهي غداً في الحفل، فستنكشف كل خطتي قبل أن تبدأ". مدت يدها بسرعة، وأخذت حفنة من الطين، ومسحت بها وجهها بحركة سريعة كادت تفضحها: "لا يمكنني أن أمسك يد سموك يا مولاي، اعذرني". قفزت خارج البركة بسرعة، وجرت بأقصى طاقتها وهي تدعو ألا يلحق بها، وشعرت بقلبها يدق بعنف في صدرها، من الخوف تارة، ومن ذلك الشعور الغريب الذي انتابها حين سمعت صوته من قرب، صوت لم تسمعه من قبل إلا في مخيلتها وهي تقرأ الرواية. استغرب الملك من تصرفها، وشعر بصدمة خفيفة لم يفهم مصدرها، ووقف مكانه لحظات طويلة، يحدق في الاتجاه الذي اختفت فيه، وكأن شيئاً غريباً يشده نحوها رغم أنه لم ير وجهها. عادت ديانا إلى جناح الضيافة، وغسلت وجهها في عجلة، وهي تردد: "يجب ألا أدع لورينس تعبر من على الجسر. يجب أن أقربهما من بعضهما في أسرع وقت، كي أضع نهاية للقصة، وأعود إلى عالمي". جلست أمام المرآة، تتأمل انعكاس وجهها الشاحب، وتساءلت في سرها عن معنى ذلك الشعور الذي اجتاحها للحظة قصيرة قرب البركة، شعور لم تسمِه بعد، لكنه ترك أثراً خفيفاً في صدرها كبقايا عطر يصعب نسيانه. في صباح اليوم التالي، استيقظت ديانا، فلم تجد ولا خادمة واحدة في جناح الضيافة، والصمت يخيم على الأروقة بشكل غير معتاد. سألت: "ما الذي يجري يا لورينس؟". أجابت لورينس، وهي تطل من النافذة بفضول: "الملك جمع كل الخادمات، يبدو أن أمراً ما قد حدث، ورأيت الحرس يبحثون في كل زاوية من زوايا القصر". توترت ديانا، وهمست لنفسها: "هل رآني رغم الطين الذي غطى وجهي؟! يبدو أنه يبحث عني. تُرى لو رآني وعرفني، هل سيحكم علي بالإعدام؟ ولو مت هنا، هل أموت أيضاً في الحقيقة؟". جلست على حافة السرير، ويداها ترتجفان قليلاً، وهي تحاول أن تقنع نفسها بأن كل شيء سيمر بسلام. في مجلس الملك، وقفت الخادمات يطأطئن رؤوسهن خوفاً، صفاً طويلاً من الفتيات المرتديات ثياباً موحدة، ينظرن إلى الأرض تجنباً لملاقاة عيني الملك الغاضبتين. سأل الملك: "أموجودة بينكن؟". كان يمشي بينهن ببطء، يتفحص كل وجه بدقة، محاولاً أن يعثر على شيء يذكره بتلك اللحظة الغامضة عند البركة. أجاب كبير الخدم: "لا يا سموك، هؤلاء جميع خادمات القصر". قعد الملك وقال باستغراب: "لكنها قالت إنها خادمة هنا! كانت ترتدي سلسلة فيها حجر فيروزي. ابحثوا عنها يا كبير الخدم، اقلبوا القصر كله حتى تجدوها". ثم أضاف، وهو يتأمل النافذة المطلة على الحديقة، بصوت أخفض كأنه يحدث نفسه: "امرأة تهرب من الملك بدلاً من أن تسعد بلقائه... امرأة غريبة حقاً".كانت لورينس جالسة مع الحارس الذي أرسله الملك معها، رجل طاعن في الأربعين، صارم الملامح لكن عينيه تحملان نظرة صبر عجيبة، وهو يقدم لها الفاكهة على طاولة خشبية بسيطة أمام الكوخ:"تفضلي، أنتِ لم تأكلي شيئاً منذ أن تركنا القصر".نظرت إليه لورينس من فوق إلى تحت، بنظرة ازدراء اعتادت أن تستخدمها مع من هم أدنى مكانة منها، ولفت وجهها، فقال لها ببرود لا يخلو من حزم: "كما تريدين. حياتكِ لم تعد كما كانت يا آنسة لورينس كريستوف. وفي الريف إما أن تزرعي وتأكلي من صنع يديك، وإما أن تموتي من الجوع".نظرت لورينس إلى الفاكهة بنظرة جانبية، وشعرت بشيء غريب يتحرك في داخلها، ليس حقداً كما اعتادت أن تشعر، بل شيئاً أقرب إلى اليقظة، إلى إدراك مفاجئ بأن كل الامتيازات التي عاشت في ظلها طوال حياتها قد تلاشت في لحظة واحدة. كانت الأيام الأولى في الريف قاسية عليها؛ فهي التي عاشت عمرها محاطة بالحرير والذهب، لم تعرف يوماً كيف تحضر الماء من البئر، أو كيف تشعل ناراً لتدفئ كوخها الصغير، ولا حتى كيف تغسل ثوبها بيديها دون مساعدة خادمة تقف خلفها منذ الصغر.في الليالي الأولى، كانت تبكي وحيدة في ظلام كوخها البارد، تتذكر صوت المل
رجعت كل واحدة إلى شكلها الحقيقي، عادت خصلات ديانا البنية إلى مكانها، وعادت ملامح وجهها التي عرفتها طوال حياتها القديمة، ونظرت ديانا إلى الملك بفرح غامر: "صوتي، أنا قادرة على الكلام، أنا عدت أتحدث من جديد".فرح الملك، واحتضنها بقوة أمام الجميع، غير آبه بنظرات الحراس المتفاجئة، أما لورينس فقد خسرت صوتها بعد أن كسر الساحر التعويذة التي كانت تربطها بالعجوز، وفاءً بشرط العهد الذي خالفته حين حاولت قتل ديانا بدلاً من الاكتفاء بأخذ مكانها. جلست في ركنها، تحاول أن تصرخ أو تبكي، لكن لا شيء يخرج من فمها سوى صمت ثقيل يشبه صمت القبور.نظرت إليها ديانا بحزن ممزوج بشيء من الرأفة رغم كل ما فعلته: "الملك قرر نفيَكِ إلى الريف. هناك تستطيعين أن تبدئي حياتك من جديد يا لورينس، بعيداً عن كل هذا الحقد الذي زرعه فيك ذلك الساحر اللعين".ابتسمت لورينس بسخرية مريرة، ولفت وجهها بعيداً، رافضة أن تنظر إلى أختها ولو للمرة الأخيرة، فخرج الجميع من الزنزانة تاركين إياها في ظلامها، وقال الساحر لديانا وهو يقف عند المدخل، بنبرة غامضة تحمل حكمة عصور: "أنا أعرف أنكِ لستِ من هنا، لكن هذا قدرك".صدمت ديانا، وقبل أن تسأله كيف
نظر اللورد إلى ديانا، ثم رجع ينظر إلى لورينس بحزن عميق، وقد بدا كأن عالمه بأكمله ينهار أمام عينيه في لحظة واحدة. تهجمت لورينس على ديانا حتى تقتلها، أخرجت من كم ثوبها خنجراً صغيراً كانت قد أخفته منذ البداية احتياطاً، وهجمت بسرعة لا تصدق نحو أختها التي وقفت مذهولة، لكن الملك تدخل، ودفع ديانا الحقيقية بعيداً بحركة انعكاسية سريعة، ووقف بينهما، وأخذ الطعنة مكان ديانا، فاخترق النصل الحاد جانبه، وانتشر الدم بسرعة على قميصه الأبيض المطرز بالذهب.ارتعبَت لورينس، وتراجعت خطوات، ونظرت إلى الملك بخوف حقيقي بدد كل الغضب الذي غمرها لحظات، وسقط الخنجر من يدها على الرخام بصوت معدني حاد: "ثيو، لا، أرجوك، أنا لم أقصد، لم يكن من المفترض أن تكون أنت، ثيو، انهض، أرجوك". انهارت باكية بجانبه، محاولة أن تمسك جرحه بيدين مرتجفتين، وكأن كل الحقد الذي زرعه الساحر فيها قد تلاشى فجأة أمام مشهد الدم.دخل الحرس بسرعة، وأمسكوا لورينس التي في شكل ديانا، وهي تصرخ وتقاوم بضعف، وأخذوها إلى السجن، أما الملك فتم نقله إلى غرفته على محفة سريعة، وذهب إليه الطبيب على وجه السرعة، بينما وقفت ديانا الحقيقية في وسط القاعة الفارغة
نزلت لورينس بخطى قوية إلى قاعة الزفاف، وثوبها الأبيض يتموج خلفها كسحابة، وقد استعادت هدوءها المصطنع كأن شيئاً لم يحدث. حاولت ديانا أن تتبعها، لكن الحارس منعها، واقفاً بجسده الضخم أمام الباب كجدار لا يُخترق:"اعذريني يا آنسة ديانا، لكن ممنوع عليكِ أن تغادري الغرفة حتى ينتهي الزفاف".عادت ديانا إلى الغرفة، قلبها يخفق بعنف، ونظرت إلى النافذة بعزم مفاجئ. بسرعة، شدت ملاءة السرير، وربطت بها أي قماش رأته، ستائر، وشرشفاً إضافياً من الخزانة، فصنعت حبلاً متيناً بقدر استطاعتها، ونزلت من النافذة بعزيمة لا تعرف التردد، رغم الخطر الذي كان يحيط بها من كل جانب، ورغم ارتفاع النافذة الذي جعل يديها ترتجفان من الخوف، لكن إصرارها كان أقوى من كل خوف.في قاعة الزفاف، حيث امتلأت المقاعد بالنبلاء في أبهى حللهم، وزُينت الأعمدة بأكاليل الياسمين الأبيض، سلم اللورد كريستوف ابنته ديانا (المزيفة) ليد الملك، وقال له بصوت يحمل ثقل الأبوة:"هذه ابنتي الأولى، وأول عهدي بالأبوة، كونك ملكاً لن يثنيني أبداً عن أن أحاسبك لو جرحت ابنتي في يوم من الأيام".ابتسم الملك، وأمسك يد ديانا المزيفة بحب: "مستحيل أن أسمح لنفسي أن أزعج
ظلت ديانا جالسة عدة أيام في غرفتها، ترفض الخروج، تكتفي بمراقبة الاستعدادات المحمومة للزفاف من خلف النافذة، وتشعر بيأس متزايد كلما رأت أخرى العمال وهم يزينون القصر بالورود والأشرطة الحريرية. جلست بجانبها أمها، واحتضنتها بحنان مفرط:"حرام عليك يا ابنتي، لم كل هذا الحزن؟ ارضي بقدرك يا لورينس، وباركي لأختك".قامت ديانا، وأحضرت دفتراً وقلمًا من الدرج، بحركة يائسة، وكتبت بغضب، والقلم يرتجف بين أصابعها:"أنا لست لورينس، أنا ديانا. لورينس استخدمت السحر، وختمت قلادتي التي ورثتها عن أمي، وأوهمت الجميع أنها هي ديانا. أنا حتى—".بكت، وأكملت الكتابة تحت صدمة الأم مما تعرفه، خطوطها متعرجة من شدة الارتجاف:"حتى صوتي. سقتني سحراً، وختمت صوتي حتى لا أتكلم. انظري في عينيَّ جيداً، أنا لست ابنتك لورينس".توقفت عن الكتابة، ونظرت في عيني أم لورينس التي كانت تحدق فيها بذهول متزايد، ووضعت يدها على فمها بصدمة:"مستحيل، ابنتي، ابنتي لورينس استخدمت السحر! كيف؟ إنها بريئة ونقية، كيف تفعل هذا؟!". تراجعت خطوة إلى الوراء، وكأنها تحاول الهروب من حقيقة لا تريد تصديقها، لكن نظرة ديانا الصادقة كانت أقوى من كل إنكار.جل
استيقظت ديانا في اليوم التالي على صوت والدتهما: "لورينس، حبيبتي، قومي يا حبيبتي، كفاك نوماً، لا تخيفيني عليك". كان صوت الأم مليئاً بالحنان الذي لم تسمعه ديانا موجهاً إليها من قبل.نظرت ديانا إلى أمهما باستغراب، وحاولت الكلام، لكن صوتها لم يخرج، فقط أنين خافت بالكاد يُسمع."لورينس، هل أنت بخير يا ابنتي؟".تخضت ديانا، وجرت لتنظر في المرآة، فتفاجأت أنها أصبحت بشكل لورينس، الشعر الذهبي، والعينان الزرقاوان، والوجه الذي طالما رأته في المرآة أختها لا هي. صدمت، وبقيت واقفة تبكي بحزن صامت، دموعها تنساب بلا صوت على خدين لم تعرفهما.اقتربت منها أمها، واحتضنتها بحنان غريب لم تألفه ديانا منها: "لا تحزني يا حبيبتي، الملك من نصيب أختك، وحتماً ستجدين رفيقاً مناسباً يحبك ويهتم بك. لا تظهري حزنك هذا في حفل زفاف أختك، لا نريد أن يتسلّى النبلاء بسيرة عائلتنا".نظرت إليها ديانا بصدمة، وقالت في نفسها: "زفاف! كيف؟! يعني لورينس—". شعرت بالأرض تدور من تحتها، وحاولت أن تتماسك، لكن الرعب كان أقوى من قدرتها على الوقوف بثبات.جرت بخوف، وهي تفكر: "يعني النهاية كانت هكذا! هذا ما حدث فعلاً. لورينس أخذت شكل ديانا، وح







