Share

البارت الثامن

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-18 20:19:24

عند أيمن، كانت الأسرة تجتمع في الصالة بالخارج، يتقاسمون الضحكات والأحاديث والأطباق الدافئة، ولكن بدون أيمن.. كعادتهم المقيتة التي استمرت طوال السنوات الثلاث الماضية. حتى وجبات الطعام غدت طقسًا يمارسه وحيدًا خلف بابه المغلق؛ فقد رسخ في أعماقه يقين مرير بأنه كائن منبوذ، غريب عن نسلهم، ومطرود من جنة قبولهم. وحجتهم الجاهلة في عزله كانت دائمًا حاضرة، فحتى ذلك التفوق المدوي الذي أحرزه، والمركز الأول الذي انتزعه من بين براثن ظروفه، لم يشفع له لديهم، ولم يزحزح من صدره ذاك الشعور الثقيل بالاضطهاد الذي ظل يلازمه كظله.

بينما كان يقبع في ركن غرفته المظلمة، غارقًا في محيط أفكاره الوجودية التي لا تهدأ، تناهت إلى مسامعه أصواتهم بالخارج وهم يتداولون سيرته بتهكمهم المعتاد. لم يقطع حبل أفكاره سوى طرقات مباغتة على خشب الباب، طرقات لم تكن لـوتين أو لوالده، بل كانت لأخيه الأصغر أمجد.

كان أمجد، طوال السنوات الفائتة، يمثل رأس الحربة في عائلته للتنمر على أيمن؛ كان الأكثر قسوة وسخرية، والأسرع في قذف الكلمات المسمومة التي تنهش هويته. لكن الآية انقلبت إلى النقيض التام فجأة؛ تبدل حال أمجد عقب ظهور النتيجة وحصول أيمن على ذلك المجموع العالي الذي أهله لارتداء وشاح كلية الطب.. فالطب في عُرف عائلتهم تذكرة عبور للوجاهة الاجتماعية التي يشتهونها.

دلفت قدما أمجد إلى الغرفة، مرتدياً قناع الأخ الأكبر الممازح، وتقدم خطوتين وهو يقول بنبرة لزجة تحاول التودد

- إيه يا دكتور؟ منور وسط كتبك.. ما تخرج تقعد معانا برة وتفصِل شوية، عاملين سهرة حلوة وفاتحين التلفزيون.

تطلع إليه أيمن بطرف عينيه؛ نظرة واحدة باردة، ثاقبة، جردت شقيقه من قناعه المزيف وأعادت التذكير بكل طعنة وجهها إليه يوم كان ضعيفًا. ودون أن ينبس ببنت شفة، أو يمنحه شرف العتاب، عاود أيمن التطلع إلى شاشة هاتفه، مكملاً تقليب الصفحات بلامبالاة صلبة كالصخر.

شعر أمجد بوطأة الصمت وحجم التحقير الذي قوبل به؛ حك مؤخرة رأسه بارتباك، وأخذ يفكر لثوانٍ في طريقة يستعيد بها كبرياءه الجريح. تحرك ببطء نحو الباب، وأمسك بالمقبض فاتحًا إياه، وقبل أن يخطو خطوة واحدة للخارج، استدار نحو أيمن، وارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة، ونطق بكلمات تقطر خبثًا دفينًا

- على فكرة.. وأنت بنت كنت أحسن بكتير، ودمك كان خفيف عن القعدة دي

وما إن أنهى كلمته المسمومة، حتى صفق الباب خلفه بقوة وعنف، وفر هاربًا في الردهة، تاركًا وراءه خنجرًا آخر انغرس في صدر أيمن؛ ليثبت له الواقع من جديد أن جراح الماضي لا تموت، وأن قبولهم المزيف ليس سوى قشرة واهية تخفي تحتها بئرًا من الجهل والإنكار.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

عند سندس، ما إن انصرف ذلك الرجل وأُغلق الباب الخارجي، حتى هرولت نحو غرفتها وكأنها تفر من حريق يلتهم ثيابها. ارتمت على فراشها تزرف الدمع الغزير على تلك الأحلام الطفولية والوردية التي طالما نسجت منها سحبًا تطوف في سماء حياتها، ولم تكن تعلم أن رياح عائلتها ستسوق نحوها غيومًا سوداء قاتمة، لتسقط أمطار أحلامها دفعة واحدة على أرض الواقع، فتدوسها الأقدام بلا رحمة.

بينما كانت غارقة في نحيبها، دلف والدها "نبيل" بعينيه الجاحظتين البارزتين، ووقف متصلبًا على باب الغرفة ينهرها بقسوة على تصرفها النفور أمام العريس، فقد أبدت بجفاء عدم تقبلها له ولم تحاول حتى تصنع الابتسامة.

لم تعد سندس تملك رفاهية الكبرياء؛ نهضت عن فراشها بخطوات متعثرة، وهرولت نحو والدها وقد تحولت عيونها إلى كاسات ممتلئة بالدم والدموع، وبحركة يائسة انحنت لتركع على قدميه، ممسكة بطرف ثوبه وتقبل حذاءه تستعطفه بكل ما أوتيت من ضعف ألا يقبل بتلك الزيجة المقبضة، وراحت تصرخ بنبرة متحشرجة وممزقة

- أبوس رجلك يا بابا بلاش الجوازة دي..... ده أكبر منك في السن والله العظيم.. أنا هشتغل، هدور على أي شغل من بكرة وهساعدك في مصاريف البيت ومش هكلفك لقمة واحدة، بس بالله عليك بلاش الجوازة دي

في تلك اللحظة العابرة، انحنى والدها عليها، ولثانية واحدة بدا وكأن نياط قلبه قد تقطعت شفقة على ابنته البكر التي تترجاه بهلع، لكن قسوة الحاجة والعقلية المتحجرة جعلتاه ينتفض مستعصمًا بالجفاء، فالمرء في عُرفهم لا يملك ترف العاطفة أمام المال.

أمسكها من كتفيها ورفعها بحزم حاد، متهربًا من النظر في عينيها، وقال بصوت صلب يحاول إخفاء تردده

- خلاص، قرينا الفاتحة والموضوع انتهى والرجوع فيها عيب في حقنا.. بعدين الراجل شاري، هياخدك بشنطة هدومك مش هيغرمنا قرش، وكمان هيدفع لنا مبلغ محترم هيفك زنقتنا ويساعد شوية في جهاز وتربية إخواتك الصغار.

عند هذه الكلمات بالذات، توقف نبض الزمن في عروق سندس. شعرت ببرودة الموت تسري في أطرافها؛ لم تكن في أعينهم ابنته الغالية، بل مجرد سلعة تُباع وتُشترى في سوق الرقيق، صفقة تجارية رابحة تُسدد بها ديون العائلة. تشتت عقلها بين تساؤلات مريرة: هل ذنبها أنها ولدت بوجه جميل يتهافت عليه الكهول؟ أم أن قَدَرها المحتوم هو لعب دور الضحية الدائمة من أجل إخوتها؟

كانت حجة الجميع الجاهزة والمقدسة تلاحقها كعنة

- أنتِ البنت الكبيرة.

- تحملي المسؤولية وقسوة الأيام.. لأنكِ الكبرى.

- تخلي عن تعليمكِ وطموحاتكِ وأحلامكِ.. لأنكِ الكبرى.

- والآن، تزوجي من رجل يكبر أباكِ سنًّا ليقتات إخوتكِ من ثمنكِ.. لأنكِ أيضًا الكبرى

دارت الأفكار في رأسها بعنف، تصارع ما تبقى من وعيها، حتى خمدت الثورة فجأة وتحولت إلى جثة هامدة نُزعت منها الروح وعمها السكون. تملكها ضعف كامل شلّ أطرافها، فرفعت رأسها ببطء وتطلعت لوالدها بنظرة أخيرة غامضة وغير مفهومة؛ لم يعد يعلم والدها أتلك نظرة استعطاف أخير، أم أنها نظرة اتهام صامتة تحاكمه وتلعن قسوته؟

ولم يكن التفسير مهمًا كثيرًا في تلك اللحظة.. فما داموا قد أحضروا السكين وساقوها نحو المقصلة، فما على الذبيحة إلا أن تجهز عنقها وتستسلم للذبح برضى زائف، طالما أن صراخها لن يسمعه أحد.

✨✨✨✨✨✨

في الطابق الثاني، حيث تخيم العتمة خلف الستائر السميكة، كان "منير" يجلس بجسده الضخم على مقعده، وعيناه تنطلق منهما شرارات الغيظ والغل الحارق. كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة وهو يفكر في ابنه "أشرف"، ذلك الفتى الفاسق الذي سحب اسم العائلة في وحل الأميرية. لقد استنفد معه كل وسائل الأرض؛ جرب اللين فتمرد، وجرب الحزم ففجر، والآن يقف عاجزًا، ينهشه تساؤل مرير ومقيت: ما الذي يجب عليه فعله لتقويم هذا الاعوجاج؟

وعلى المقعد المقابل، كانت زوجته تجلس منكسرة، تعتصر منديلها القماشي بين كفيها المرتعشتين، والدموع تتدفق بسخاء على وجهها المنهك بحسرة الأمومة. لم تكن تملك سوى البكاء على حال ولدها الذي يتدهور وينزلق إلى القاع أمام عينيها، ترفع كفيها نحو السماء وتدعو الله بنبرة مخنوقة بالرجاء أن يصلح له شأنه ويهديه قبل أن يبتلعه الضياع بالكامل.

بينما كان الصمت الثقيل يطبق على أنفاس الزوجين، دوت حشرجة مألوفة في قفل الباب الخارجي. انفتح الباب ببطء وهمجية، ليدلف منه أشرف.

فور دخوله، تطلعت إليه عينا منير بنظرة كادت تقتله، وانتفض الأب واقفًا فجأة كالمارد، وتقدم نحوه وهو يصرخ في وجهه بصوت هادر زلزل أركان الشقة، موبخًا إياه على تأخيره المعتاد وتسكعه في الحواري حتى الفجر. لكن الكلمات تيبست في حنجرة منير حين لاحظ أن ابنه يترنح يمينًا ويسارًا، عاجزًا عن تثبيت قدميه على الأرض. وعندما همّ أشرف أن يتحدث بكلمات ثقيلة وغير مفهومة، فاحت من فمه رائحة الخمر النفاذة والمقززة، ليعلن المجون عن نفسه صراحة داخل البيت.

في تلك اللحظة، عمي الضوء في عيني منير؛ ثارت دماء العصبية في عروقه، ولم يعد يرى أمامه سوى مسخٍ يلطخ كبرياءه. اندفع نحو ابنه كالعاصفة، وانهال عليه بضرب مبرح وقاسٍ، يلكمه ويسدّد إليه الصفعات، ملقيًا فوق رأسه شتائم وسبابًا لاذعًا ينهش كرامته المفقودة. كان أشرف يتلقى الضربات ببلادة السكارى، ولولا استبسال والدته التي ألقت بجسدها في منتصف المعركة، ووقفت حائلاً صلبًا بين بأس الأب وجسد ابنها، لتنتهي الليلة بمأساة.

دفع الأب زوجته بعيدًا بأنفاس لاهثة، بينما استغل أشرف الفرصة وجرّ قدميه الثقيلتين ليدلف إلى غرفته، صافقًا الباب وراءه ليرتمي في عتمته.

وقفت الأم أمام زوجها الثائر، تجمع شتات أنفاسها وتمسح دموع الوجع عن وجهها. نظرت إلى منير، ولأول مرة اختفت نبرة الانكسار من عينيها ليحل محلها حزم قاطع وثابت. تقدمت منه خطوة، وقالت بنبرة جافة وصوت لم يرتعش

- اسمع يا منير.. الضرب والشتيمة مش هيصلحوا اللي انكسر، والواد بيضيع مننا علنًا.. أنا عندي الحل النهائي لأزمة ابنك دي، والحل ده مفيش غيره هيلمه

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • دموع تطفئ العشق    54

    54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.

  • دموع تطفئ العشق    53

    53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما

  • دموع تطفئ العشق    52

    52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،

  • دموع تطفئ العشق    51

    51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض

  • دموع تطفئ العشق    50

    50 استيقظ أشرف في الصباح الباكر وثقل غريب يكبّل رأسه؛ جاهد طويلاً لفتح عينيه المنتفختين اللتين غزتهما حمرة التعاطي، وشعر بجفاف شديد في حلقه كأنه يتنفس رمادًا. حرك يده بآلية فوق الفراش ليمط جسده، فارتطمت كفه بجسد يرقد الغرفة إلى جواره. تطلع حوله بتعجب وذهول، والحطام المتبقي من ذاكرة الليلة الماضية لا يسعفه، ليتساءل بملامح متصلبة وهو يهتف باسمها بنبرة حادة - ريهام؟ انتفضت ريهام مفزوعة من نومها، وجلس بجسد يرتعش كعصفور بلله المطر. تطلعت إليه برعب حقيقي، متأملة هيئته الغاضبة العابثة وعينيه اللتين تطاير منهما الشرر، وأجابته بصوت متقطع وخوف لجم حنجرتها - نـ.. نعم يا أشرف؟ لم تلبث أن تستوعب ملامحه حتى تفاجأت به يزجرها بغضب وتشنج، ملقيًا بكلماته كالسياط - أنتِ مش كنتِ غُرتي وسبتِ البيت إمبارح؟ إيه اللي رجعك هنا تاني؟ ومين جابك؟ صمتت ريهام لثوانٍ ثقيلة، وتفرست في ملامحه المتبلدة لتعلم بيقين يمزق أمعاءها أنه في اليوم السابق لم يكن يعي من أمره شيئًا؛ كان مجرد جثة تحركها السموم والخمور التي تجرعها، ولا يتذكر من تنازله وهمجيته أو ضربه لها حرفًا واحدًا. ابتلعت ريقتها في ارتباك وخوف من نوبات ج

  • دموع تطفئ العشق    49

    49 نهضت سيليا سريعًا من على الفراش، وكأن روحًا جديدة دُبّت في جسدها المنهك عقب سماعها تلك الجملة المباغتة من خالد. امتدت كفها المرتعشة تمسح بقايا الدموع عن وجنتيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية؛ لقد استجاب الله لدعائها، وبعث لها بوالدها في أحلك لحظات انكسارها ليكون طوق النجاة. التفتت إلى خالد وأخبرته بنبرة متلهفة تحاول تجميع شتات نفسها أنها تحتاج دقائق معدودة وستكون جاهزة، فأومأ لها خالد برأسه في صمت كئيب، ثم خرج من الغرفة دون أي تعليق. توجهت سيليا نحو الحمام بخطى حثيثة، غسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ لهيب وجعها، ثم أسرعت تبدل ملابسها وتصفف شعرها المبعثر. وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، وبأنامل مرتعشة وضعت بعض مساحيق التجميل، محاولةً باستماتة أن تواري بها الآثار الزرقاء والانتفاخ الشاحب الذي خلفه ضرب خالد الوحشي ليلة أمس؛ حتى لا يرى والدها انكسارها من اللحظة الأولى. بعد قليل، خرجت سيليا إلى الصالة والنبض يتسارع في صدرها، تقدمت لتلقي التحية على والدها واشتهت روحه ارتماءة كاملة بين أحضانه تعوضها عن جحيمها. لكنها ما إن اقتربت منه، حتى تجمدت أطرافها؛ إذ مدّ يد

  • دموع تطفئ العشق    البارت العاشر

    عند وتين، كان الصمت يلف أرجاء الغرفة، خرقته نبرة صوت أيمن القادمة عبر مكبر الصوت في الهاتف، بينما جلست وتين بجوار شقيقها الأصغر تيم تتابع الحوار بملامح يكسوها الإحباط.كانوا يتناقشون حول المصير البائس الذي انتهت إليه سندس مؤخراً، وجاء رأي أيمن قاطعاً ومفعماً بالمرارة- سندس مجرد ضحية تانية لعائلتها

  • دموع تطفئ العشق    البارت التاسع

    تجمعت الصديقات حول سندس في حلقة دافئة، يحاولن انتشالها من تلك الحالة الهامدة التي تملكتها منذ أن جرتها قدماها إليهن.دثرتها ريهام بين ذراعيها، واحتوتها في عناق صامت طويل علّه يرمم بعضاً من شتاتها. أما سندس، فكانت غارقة في بحر من الأسئلة المريرة.... كيف يملك الآباء هذه القدرة على تفصيل مصائرنا وفق م

  • دموع تطفئ العشق    البارت السابع

    تمر السنوات سريعة كخطى الغرباء، تتبدل ملامح الوجوه، وتتسع الفجوات بين البيوت، لكنها لم تزد تلك الرابطة التي جمعت الفتيات الأربع إلا رسوخًا ومتانة؛ بقين كفًا واحدة تأبى أن تنفرط أصابعها رغم تبدل الفصول وقسوة الظروف.أما عن أيمن، فقد كان يواجه معركته الخاصة ليرمم أنقاض روحه، ولم تنقطع طوال تلك السنين

  • دموع تطفئ العشق    البارت السادس

    في صالة المنزل، كان سمير يجلس دافنًا جسده في مقعده العتيق، قبالة شقيقه الأكبر الذي كان وجهه يفيض حنقًا وغيظًا وهو ينفث تفاصيل خيبته في ابنه البكر. كان العم يصف ابنه بكلمات حارقة، ناعتًا إياه بالفساد، والعقوق، والركض الأعمى خلف شهواته ونزواته الطائشة التي باتت تزكم الأنوف.أما سمير، فقد انبرى بكل هد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status