登入تمر السنوات سريعة كخطى الغرباء، تتبدل ملامح الوجوه، وتتسع الفجوات بين البيوت، لكنها لم تزد تلك الرابطة التي جمعت الفتيات الأربع إلا رسوخًا ومتانة؛ بقين كفًا واحدة تأبى أن تنفرط أصابعها رغم تبدل الفصول وقسوة الظروف.
أما عن أيمن، فقد كان يواجه معركته الخاصة ليرمم أنقاض روحه، ولم تنقطع طوال تلك السنين صلته بوتين؛ ظلت هي نافذته الوحيدة على الأمان، واليد الطاهرة التي كلما كاد يغرق في لُجّة يأسه، تشبثت به لتعبر به نحو بر الأمان. استدارت تروس الزمن، وتكلل ذلك الانعزال الطويل والمجهود المضني الذي بذله أيمن؛ إذ وضع أمام عينيه هدفًا حاسمًا ليكون سلاحه في مواجهة مجتمع لا يرحم. صبّ كل تركيزه واهتمامه في الفترة الماضية على محراب الدراسة، ليحصد في النهاية ثمرة صبره ويسطر اسمه في المركز الأول على ترتيب مدرسته للبنانيين. كان ذلك النجاح المدوي بمثابة الخطوة الأولى الثابتة ليعبر بها بوابات كلية الطب، عازمًا أمره بروح صلبة لا تلين على أن يتخصص في "الطب النفسي"؛ وكأنه يسعى لمداواة عقول البشر ليفهم صراعاتهم، ويعالج أرواحًا أضناها الوجع كما أضناه هو يومًا. وعلى الدرب ذاته من الكفاح والشغف، كانت وتين تجني ثمار نبلها وإصرارها. اجتهدت وسهرت الليالي حتى حصلت على مجموع مراد ومُرضٍ لقلبها النابض بالطموح. وبخطوات واثقة مفعمة بالأمل، دلفت إلى قاعات كلية الإعلام لتضع أولى خطواتها الحقيقية نحو تحقيق حلم طفولتها بأن تصبح صوتًا للحق، وناقلة للحقيقة والجمال في هذا العالم. وعلى النقيض، كانت بقية الحكايات تسير بنبرة شجية هادئة. فها هي سيليا قد استسلمت في النهاية لتلك الظروف القاهرة التي تبرع في رسم أقدارها؛ لم تعد تملك طاقة للمقاومة، فتركت نفسها للتيار لتكون كلية الآداب هي نصيبها ومستقرها الدراسي. ففي طوال الفترة الماضية، كانت سيليا تخوض حربًا صامتة ومريرة في أعماقها، وتعاني من اضطراب حاد في المشاعر وتشتت الروح، نتيجة الجروح العائلية الغائرة التي تركها خذلان والدها وقسوة خالتها الكبرى خلفهم. أما ريهام، فقد أنهت دراستها بالثانوية الفنية، وطوت صفحة الدفاتر لتجد نفسها فجأة أمام جدار الصمت القديم؛ قبعت داخل غرفتها في الطابق الثالث، عاجزة، مكتوفة الأيدي وفي حالة ترقب وخوف، بانتظار أن يحدد والدها سمير مصيرها القادم وعالمها الجديد، وكأنها قطعة شطرنج يملك هو وحده حق تحريكها. وفي الطابق الأول، انضمت سندس إلى رفيقاتها لتنهي هي الأخرى مسيرتها الدراسية بسلام. وقفت عند مفترق طرق جديد، فقررت أولاً أن تأخذ قسطًا من الراحة لالتقاط أنفاسها المنهكة، ململمة شتات فكرها، قبل أن تبدأ رحلتها الجادة في البحث عن عمل يمنحها بعض الاستقلالية، ويحميها من نظرات الوعيد وضيق المساحات في بيتها المزدحم. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ في منزل سندس، كانت جدران البيت الصغير تضيق بما رحبت، والملل ينهش في أعصابها بينما كان إخوتها الصغار يملأون الفضاء من حولها صراخًا وعراكًا لا ينتهي. صاحت بهم مرارًا، زعقت بملء صوتها حتى بُحَّت حنجرتها، ولكن دون جدوى؛ لم يكن لصوتها أي صدى في تلك الفوضى العارمة التي جعلتها تشعر منذ الصباح وكأنها تقبع في حضانة أطفال صاخبة، وليست في منزل يفترض أن تجد فيه بعض السكينة. طوقها ضجيج داخلي خانق، فباتت تتنفس بصعوبة، منتظرة بفارغ الصبر تلك اللحظة التي تطرق فيها صديقاتها الباب، ليتجمعن أسفل البناية ويهربن معًا من هذا السجن الضيق، علّها تستريح قليلاً من تلك الضوضاء التي تملأ أركان الشقة المتكدسة. فجأة، دوت طرقات قوية على الباب. انتفض قلب سندس بلهفة، وأسرعت تفتح الباب بعفوية وظنت أن الفرج قد جاء، لكن الصدمة شلت حركتها؛ لم تكن الطارقة أيًّا من صديقاتها، بل كان والدها "نبيل" يقف بهيبته الصارمة، وبجواره رجل غريب في مثل عمره، رمقها بنظرة فاحصة من أعلاها لأسفلها، نظرة لزجة وقحة أدركت سندس شفرتها على الفور واقشعر لها جسدها. تطلعت إليه سندس بغضب مكتوم، ودون أن تنبس ببنت شفة، أو حتى ترد تحية الرجل، استدارت ودلفت إلى الداخل بخطوات مشحونة بالنفور. لحق بها صوت والدها الجاف يأمرها بنبرة آمرة - اعمليلنا فنجانين قهوة بسرعة يا بت. توجهت سندس إلى المطبخ الضيق، وهي تهمهم بكلمات غير مفهومة، كانت في حقيقتها سبابًا لاذعًا تخص به هذا الغريب الوقح الذي يتطلع إليها بجرأة لا تناسب شيبته. وبعد دقائق معدودة، وبينما كانت تقف أمام الموقد، دلفت إليها والدتها، وكان وجهها يشع سعادة غير معتادة، واقتربت من سندس بلهفة لتطوقها بحضن دافئ وتقبل وجنتيها وهي تهتف بزغاريد مكتومة - ألف مبروك يا حبيبتي! ألف مبروك يا قلب أمك وقفت سندس مكانها مذهولة، متجمدة، لا تستوعب ما تراه أو تسمعه. وضعت كنكة القهوة جانبًا، والتفتت بجسدها بالكامل تواجه والدتها، وقد تجعدت ملامح وجهها بغير فهم، وطالبتها بعينيها بتفسير لهذا الجنون المباغت. ابتسمت الأم ببلاهة وفرحة طفولية، وجرت سندس من يدها قائلة بعجلة وهي تدعوها لاتباعها دون حديث - تعالي معايا بس جوة وانا هفهمك..... الدنيا هتتعدل يا ولاد وصلت بها إلى الغرفة، ووقفت أمامها والتماع الفرحة يملأ عينيها لتقول بسعادة غامرة - بقولك إيه.. غيري الهدوم اللي عليكي دي قوام، والبيسي فستان حلو من بتوعك، وحطي شوية أحمر شفايف يظهروا وشك على ما أعمل أنا العصير للضيوف. لا تزال سندس على حالتها من الذهول الصرف، لم تتحرك إنشًا واحدًا من مكانها، تتطلع لوالدتها وفاغرة فاها بصدمة كاد معها فكها أن يلامس الأرض. حاولت جاهدة أن تجمع شتات تركيزها، وسألت والدتها بنبرة متحشرجة - مبروك على إيه يا ماما؟ وفستان إيه؟ فهّاميني فيه إيه برة؟ ردت الأم وهي تلتفت مغادرة المطبخ على عجل - لراجل اللي قاعد مع أبوكي برة طلب إيدك للجواز وعايز يكتب قوام زواج؟ طرقت الكلمة مسامعها كقذيفة. تملكتها نوبة ضحك بائسة، فابتسمت ببلاهة لوالدتها تحاول نفي الأمر وتصنيفه تحت بند المزاح الثقيل، أو أنه أمر عابر لا يستدعي التفكير حتى. عادت سندس نحو الموقد بنوع من اللامبالاة المصطنعة لتكمل إعداد القهوة، وقالت بصوت جاف - ماما، بلاش هزارك ده.. أولاً أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي خالص، وبعدين إزاي يعني أتجوز واحد من غير ما أشوفه أو أعرفه؟ وقفت والدتها فترة تراقب ابنتها بقلة حيلة، وتحاول استيعاب إنكارها، لترد عليها بتلقائية وفجاجة أطاحت بآخر حصون ثباتها - تشوفيه فين يا خايبة؟ ما العريس هو الراجل اللي قاعد برة مع أبوكي في الصالة ده هنا انقطع خيط الاحتمال. "هو؟ ذلك الكهل الوقح ذو النظرات المقززة؟ كيف؟!" كيف فكروا ولو لوهلة في رميها هذه الرمية؟ كيف يجرؤون على بيعها لرجل أكبر من والدها سنًّا، لمجرد التخلص من عبئها أو طمعًا في مال يدفع بها خلف جدران المجهول؟ تحركت سندس بخطوات سريعة، متثاقلة بالغضب والقهر، متوجهة إلى غرفتها. كانت تريد العزلة، لكن حتى مقصدها كان خاطئًا؛ فإخوتها الصغار كانوا يلهون في أرجاء الغرفة ويملأونها صراخًا. حاولت بنفاد صبر أن تخمد أصواتهم، لكن خانتها قواها، فانفجر سد دموعها وراحت تبكي بهستيرية، وتهطل عبراتها كالأمطار. ساد الصمت فجأة فور رؤية الصغار لدموع أختهم الكبرى؛ صمتوا برعب وشفقة، واقتربوا منها بوجوه وجلة، يربتون على ظهرها بحنان طفولي فجَّر شجونهًا فأجهشت بالبكاء المرير، حانية رأسها بين ركبتيها. لم يدم هذا الضعف طويلاً؛ إذ انتفض الجميع برعب على صوت باب الغرفة وهو يُفتح فجأة وبعنف همجي كاد يقتلعه من مفصلاته. تطلعت سندس بذعر نحو الباب، لترى والدها "نبيل" يقف بجسده الضخم، وعيونه محتقنة باللون الأحمر بفعل الغضب والوعيد، يشير إليها بإصبع غليظ وهو يأمرها بصوت هادر يشبه الرعد - خلصي يا بت وبطلي دلع ماسخ.. اغسلي وشك والبسي الزفت وقدمي الشربات لعريسك اللي برة.. الراجل شاري وإحنا قرينا الفاتحة خلاص أغلق الباب بالقوة ذاتها، تاركًا خلفه حقيقة مرة تنهش أحشاءها؛ لقد أصبح الأمر واقعًا مصمتًا كالجدار، وعليها الآن أن تجرع كأسه وتتقبله، أو تُسحق تحت أقدام عائلتها.تحولت أيام سندس التالية إلى حلقة مفرغة، رتيبة، مملة، وخالية تماماً من أي شغف؛ باتت تتحرك في أرجاء شقتها الواسعة كآلة صماء تُنفذ الأوامر دون روح. وما زاد الطين بلة، هو ذلك الدوار المفاجئ الذي بات يجتاح رأسها في الأيام الأخيرة، ويجعل الدنيا تدور من حولها كلما بذلت أدنى مجهود. التفتت سندس بوجل، وأطلقت تنهيدة ثقيلة يملؤها الأسى عقب سماعها لصوت حركة المفتاح المألوفة في قفل الباب الخارجي؛ لقد وصل جلادها. نهضت بآلية تامة متوجهة نحو المطبخ لتحضير طعام العشاء، وهي تقبض بيدها على حافة المقعد لتحارب ذلك الشعور اللعين بالدوار الذي أخذ يضغط على صدغيها. دلج جمال إلى الداخل بوجهه المتجهم الصارم كالعادة، ألقى بمفاتيحه على المنضدة الخشبية بعنف أحدث جلبة، ثم ألقى بجسده في تعب وضعف بادٍ على مقعده الوثير، فالسن لها أحكامها التي يحاول إخفاءها دائماً بفرض سطوته. تتطلعت إليه سندس بطرف عينها وهي واجفة، واعتصر قلبها حزن مرير على نفسها وعلى ربيع عمرها المستباح مع هذا الكهل المتملّك. دلفت إلى المطبخ وبدأت في إعداد الأطباق بسرعة، ولم يمر سوى دقيقة واحدة حتى تغلغل صوته الجهوري الحاد من الخارج، ليمزق سكون
وقفت وتين في بهو الجامعة الفسيح والحيرة تشل حركتها؛ كانت محاصرة بقرارات شتى وجدول زمن يغلي بالمواعيد المتضاربة. فمن جهة، اقترب موعد محاضرة هامة للغاية لا يمكنها تفويتها، ومن جهة أخرى، كان هاتفها يرتجف في يدها برسائل ملحة من شقيقها تيم، يستحلفها بالذهاب معه الآن لمقابلة مصيرية مع أحد المهندسين، لشرح فكرة ماكيت القاعة المتنقل ومساعدته في رسم خطط تنفيذها. وفي ذات التوقيت، انبثق على الشاشة اتصال من ريهام تخبرها بصوت متهدج أنها تحتاجها فوراً في أمر جلل، تلاه رنين متصل من سيليا التي تبحث عنها بالتأكيد لتبثها هماً جديداً. تطلعت وتين إلى شاشة هاتفها المضيئة بسيل من المكالمات والإشعارات المتلاحقة، وشعرت بضغط رهيب يجعل ألماً حاداً يدب في صدغيها ورأسها. أخذت نفساً عميقاً، وقررت إعمال منطق العقل؛ فرتّبت أفكارها في عقلها ب حسم: ستحضر محاضرتها أولاً، ثم تنطلق مباشرة لدعم أخيها تيم في مقابلته، وفي المساء تهبط لجمع شتات صديقتيها ريهام وسيليا. انقبض صدرها بارتياح وشعرت بالرضا عقب هذا الترتيب الاستراتيجي، واستدارت بسرعة لتتحرك نحو المدرج؛ لكن بهجتها المؤقتة تبددت في جزء من الثانية حين ارتطمت بقوة بج
وسط صخب الاحتفالات، وأجواء عقود القران، والتجمعات العائلية التي تضج بالحياة في كل مكان، كان هناك ركن مظلم بارد لا يلتفت إليه أحد، حيث يجلس أيمن بمفرده. انزوى عن العالم وكأن غيابه لا يُحدث فارقاً، فلم يعد يهتم لوحدته القاتلة إنس، واستسلم لواقعه الجديد حتى أصبحت شاشة حاسوبه وهاتفه هما أصدقاءه الوحيدين، بل وعائلته البديلة التي لا تلومه ولا تنفر منه. لم يعد هناك رنين يكسر صمت هاتفه الموحش، سوى اتصالات متقطعة تأتيه من وتين وأخيها تيم. كانت الوحدة تعتصر قلب أيمن بقسوة كأنها كتلة من حديد تطبق على أنفاسه. إنه يقف الآن في منتصف طريق وعر ومؤلم؛ في برزخ خانق بين ماضٍ يطالبه بمحو ذكريات طفولته بالكامل من ذاكرته تلك الذكريات التي عاشها ولم يعد يستطيع البوح بها أو مجرد التلميح إليها وبين حاضر مجهول لا يستطيع التأقلم معه في حياته الجديدة كذكر. وما زاد الطين بلة والموقف قسوة، هو موقفه داخل بيته؛ فوالده حريص كل الحرص على الصمت التام وعدم التطرق لهذا الأمر نهائياً، بل ويتجنب النظر في عينيه، واصفاً إياه في خلواته وبعينيه القاسيتين بوصمة العار التي حلت بالعائلة. أما والدته، فبالرغم من مضي كل هذه المدة،
ساد صمت ثقيل خانق بين جمال وسندس طوال طريق العودة، صمت كان يسبق العاصفة ولم تبدده سوى تكات الساعة الرتيبة. وما إن دلفا من باب شقتهما وأُغلق خلفهما، حتى تفجر مخزون القهر في صدر سندس؛ التفتت إليه بجسد يرتجف، وجلبت شجاعتها المبعثرة لتعاتبه بنبرة باكية على تصرفاته الفظة، وآخرها ذلك الموقف المهين الذي جردها من كرامتها وسبب لها حرجاً بالستاً أمام صديقاتها وخال سيليا. لكن الكلمات تيبست في حلقها، وتوقفت عن الحديث تماماً عقب رؤية نظرته؛ كانت عيناه جمرتين متقدتين بالشرر، وتحملان وعيداً لا يوحي بخير أبداً. ابتلعت باقي حديثها في جوفها وهي ترتعب من أقصى أعماقها، لتتفاجأ به يتقدم نحوها بخطوات فاحشة القرب، ويصرخ بوجهها بصوت جهوري زلزل أركان الشقة - أنا اللي تصرفاتي غلط يا هانم؟! وإنتي إيه؟ قاعدة تتنططي وتضحكي وتكلمي ده وتسلمي على ده ولا كأن ليكي راجل مالي مركزة... لا ليا قيمة ولا إعتبار في حياتك استمر في صب جام غضبه وهو يلوح بيده بحدة، متذكراً تفاصيل الحفل التي أثارت حنقه - عاجبك قوي المسخرة اللي كانت في الحفلة دي؟ عاوزة واحد مش مكسوف من نفسه ومن قلة رجولته وهو بيبوس إيدها وسط الناس؟ والّا المي
امتلأ البيت عن آخره بالأهل والأقارب، وتعالت أصوات الأغاني والزغاريد في الخارج لتعلن بدء الاحتفال، بينما كانت ريهام تجلس في غرفتها، والتوتر الإيجابي يسيطر على جوارحها، تترك وجهها لوتين التي راحت تضع لها لمسات رقيقة من مساحيق التجميل بحرفية وحب. ما إن انتهت وتين، حتى وقفت ريهام أمام المرآة الكبيرة؛ ولأول مرة منذ وقت طويل، أشرق وجهها بسعادة حقيقية كشفت عن جمالها الأخاذ الذي تضاعف بفضل تلك اللمسات البسيطة. تطلعت ريهام إلى انعكاس صورتها بفرحة غامرة، ودارت حول نفسها وهي تردد بنبرة يملؤها الهيام والشغف - أنا مش مصدقة نفسي يا بنات.. كلها دقائق معدودة وأبقى رسمياً حرم الأستاذ أشرف تبادلت وتين وسيليا نظرات ممتلئة بالدهشة والذهول من هذا الانقلاب الجذري في حال صديقتهما؛ تحولت من النقيض إلى النقيض في لمح البصر! تذكرتاها قبل فترة وجيزة وهي تبكي وتنحب بمرارة، معلنةً رفضها التام لهذه الزيجة وخوفها من قسوة الأب. تساءلت الفتاتان في سرهما... أهذه هي السطوة السحرية لفرحة البدايات؟ أم أن عقولهن لم تصل بعد إلى النضوج الكافي للحكم على تقلبات القلوب؟ أم أن ريهام، بوعي أو بدون وعي، قد وجدت ضالتها ومأمنها ب
دلج حسن إلى داخل أحضان والدته، في عناق طويل طالت مدته حتى بدا وكأنه يعوض به جفاء السنين. كان يشعر بنبضات قلبها الهزيلة المتسارعة تحت صدره، وهي تعانقه بشوق أموي جارف جففت به بحور الغربة. تغلغلت رائحتها المميزة العتيقة إلى أعماق رئتيه، فكانت بمثابة مسكن قوي وفوري لكل تلك الآلام والندوب التي صنعتها قسوة الأيام في بلاد السفر؛ لقد جاءت أنفاس والدته الدافئة لترمم تلك التصدعات الشروخ التي خلفتها الغربة في جدران روحه. تراجع حسن خطوة ليخرج من بين أحضانها، فسارعت العجوز ووضعت وجهه الرجولي بين كفيها المرتعشتين، تتشرب ملامحه بعينين مغرورقتين، وكأنها لا تكتفي بالنظر، بل تحتضن ملامحه وتخبئها بين أهدابها القصيرة. استندت بكامل ثقلها عليه، ليدلفا معاً إلى داخل ردهة الشقة، بينما كانت دموعها الشاخصة تأبى التوقف، لتكون في صمتها أبلغ من آلاف الكلمات والعبارات. ساعدها حسن برفق شديد حتى استقرت في جلستها على الأريكة، وجلس بجوارها، محتضناً كفها الوهن بين كفتيه القويتين، يرفعه إلى شفتيه ليقبله بين الفينة والأخرى بحفاوة بالغة. أخذت والدته ترحب به بنبرة متهدجة، وتسأله بلهفة عن أحواله، وعن زوجته، وأولاده الذين
كعادة هذا البيت، كان يضج بالصخب والضوضاء المألوفة؛ أصوات الأطفال المرتفعة، وصراخ منال المستمر لمحاولة السيطرة على الفوضى. لكن وسط هذه الجلبة، ارتفعت طرقات مرحة متلاحقة على الباب، حملت نغمة غريبة ومبشرة. أسرعت منال لتفتح الباب، وتسمرت في مكانها لثوانٍ قبل أن تنفرج أساريرها؛ فلقد كانت سندس تقف أمامه
عند نجلاء، كانت خيوط المؤامرة قد تشابكت في عقلها لتغزل في النهاية ذلك الحل "المثالي" الكفيل بفض تلك الخطبة النكراء وإخماد فرحة سيليا. كانت ترى أن هذه الزيجة ما هي إلا تدمير لمستقبل ابنتها، ولن تسمح بمرورها مرور الكرام. التقطت هاتفها بعزم، وضغطت على أرقام حفظتها عن ظهر قلب، لتتصل بشقيقها الأكبر حسن
عند نجلاء، كان الغليان سيد الموقف في غرفتها المغلقة. جلست الخالة الكبرى لسيليا تتوسط ابنتيها، وتفرك يديها بعصبية مفرطة وغيظ يكاد يمزق صدرها عقب علمها بأمر خطبة خالد وسيليا. كانت الأفكار السوداء تتصارع في رأسها؛ كيف لتلك الفتاة، ابنة شقيقتها الراحلة، أن تحصل دائماً على كل شيء؟ كانت ترى في وجود سيلي
عند سيليا، كانت أنغام الموسيقى الصاخبة تملأ أركان المطبخ، ممتزجة بصوت حركتها وهي تتنقل بخفة بين الأواني وتعد الطعام بانسجام تام. تماهت مع اللحن لدرجة فصلتها عن العالم الخارجي، فلم تسمع رنين جرس الباب، ولا الخطوات الهادئة التي تسللت لداخل البيت. وفجأة، انشقت الأرض خلفها عن صوت رجولي عميق ودافئ، داه
![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






