Share

البارت السابع

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-18 20:15:17

تمر السنوات سريعة كخطى الغرباء، تتبدل ملامح الوجوه، وتتسع الفجوات بين البيوت، لكنها لم تزد تلك الرابطة التي جمعت الفتيات الأربع إلا رسوخًا ومتانة؛ بقين كفًا واحدة تأبى أن تنفرط أصابعها رغم تبدل الفصول وقسوة الظروف.

أما عن أيمن، فقد كان يواجه معركته الخاصة ليرمم أنقاض روحه، ولم تنقطع طوال تلك السنين صلته بوتين؛ ظلت هي نافذته الوحيدة على الأمان، واليد الطاهرة التي كلما كاد يغرق في لُجّة يأسه، تشبثت به لتعبر به نحو بر الأمان.

استدارت تروس الزمن، وتكلل ذلك الانعزال الطويل والمجهود المضني الذي بذله أيمن؛ إذ وضع أمام عينيه هدفًا حاسمًا ليكون سلاحه في مواجهة مجتمع لا يرحم. صبّ كل تركيزه واهتمامه في الفترة الماضية على محراب الدراسة، ليحصد في النهاية ثمرة صبره ويسطر اسمه في المركز الأول على ترتيب مدرسته للبنانيين. كان ذلك النجاح المدوي بمثابة الخطوة الأولى الثابتة ليعبر بها بوابات كلية الطب، عازمًا أمره بروح صلبة لا تلين على أن يتخصص في "الطب النفسي"؛ وكأنه يسعى لمداواة عقول البشر ليفهم صراعاتهم، ويعالج أرواحًا أضناها الوجع كما أضناه هو يومًا.

وعلى الدرب ذاته من الكفاح والشغف، كانت وتين تجني ثمار نبلها وإصرارها. اجتهدت وسهرت الليالي حتى حصلت على مجموع مراد ومُرضٍ لقلبها النابض بالطموح. وبخطوات واثقة مفعمة بالأمل، دلفت إلى قاعات كلية الإعلام لتضع أولى خطواتها الحقيقية نحو تحقيق حلم طفولتها بأن تصبح صوتًا للحق، وناقلة للحقيقة والجمال في هذا العالم.

وعلى النقيض، كانت بقية الحكايات تسير بنبرة شجية هادئة. فها هي سيليا قد استسلمت في النهاية لتلك الظروف القاهرة التي تبرع في رسم أقدارها؛ لم تعد تملك طاقة للمقاومة، فتركت نفسها للتيار لتكون كلية الآداب هي نصيبها ومستقرها الدراسي. ففي طوال الفترة الماضية، كانت سيليا تخوض حربًا صامتة ومريرة في أعماقها، وتعاني من اضطراب حاد في المشاعر وتشتت الروح، نتيجة الجروح العائلية الغائرة التي تركها خذلان والدها وقسوة خالتها الكبرى خلفهم.

أما ريهام، فقد أنهت دراستها بالثانوية الفنية، وطوت صفحة الدفاتر لتجد نفسها فجأة أمام جدار الصمت القديم؛ قبعت داخل غرفتها في الطابق الثالث، عاجزة، مكتوفة الأيدي وفي حالة ترقب وخوف، بانتظار أن يحدد والدها سمير مصيرها القادم وعالمها الجديد، وكأنها قطعة شطرنج يملك هو وحده حق تحريكها.

وفي الطابق الأول، انضمت سندس إلى رفيقاتها لتنهي هي الأخرى مسيرتها الدراسية بسلام. وقفت عند مفترق طرق جديد، فقررت أولاً أن تأخذ قسطًا من الراحة لالتقاط أنفاسها المنهكة، ململمة شتات فكرها، قبل أن تبدأ رحلتها الجادة في البحث عن عمل يمنحها بعض الاستقلالية، ويحميها من نظرات الوعيد وضيق المساحات في بيتها المزدحم.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

في منزل سندس، كانت جدران البيت الصغير تضيق بما رحبت، والملل ينهش في أعصابها بينما كان إخوتها الصغار يملأون الفضاء من حولها صراخًا وعراكًا لا ينتهي. صاحت بهم مرارًا، زعقت بملء صوتها حتى بُحَّت حنجرتها، ولكن دون جدوى؛ لم يكن لصوتها أي صدى في تلك الفوضى العارمة التي جعلتها تشعر منذ الصباح وكأنها تقبع في حضانة أطفال صاخبة، وليست في منزل يفترض أن تجد فيه بعض السكينة. طوقها ضجيج داخلي خانق، فباتت تتنفس بصعوبة، منتظرة بفارغ الصبر تلك اللحظة التي تطرق فيها صديقاتها الباب، ليتجمعن أسفل البناية ويهربن معًا من هذا السجن الضيق، علّها تستريح قليلاً من تلك الضوضاء التي تملأ أركان الشقة المتكدسة.

فجأة، دوت طرقات قوية على الباب. انتفض قلب سندس بلهفة، وأسرعت تفتح الباب بعفوية وظنت أن الفرج قد جاء، لكن الصدمة شلت حركتها؛ لم تكن الطارقة أيًّا من صديقاتها، بل كان والدها "نبيل" يقف بهيبته الصارمة، وبجواره رجل غريب في مثل عمره، رمقها بنظرة فاحصة من أعلاها لأسفلها، نظرة لزجة وقحة أدركت سندس شفرتها على الفور واقشعر لها جسدها.

تطلعت إليه سندس بغضب مكتوم، ودون أن تنبس ببنت شفة، أو حتى ترد تحية الرجل، استدارت ودلفت إلى الداخل بخطوات مشحونة بالنفور. لحق بها صوت والدها الجاف يأمرها بنبرة آمرة

- اعمليلنا فنجانين قهوة بسرعة يا بت.

توجهت سندس إلى المطبخ الضيق، وهي تهمهم بكلمات غير مفهومة، كانت في حقيقتها سبابًا لاذعًا تخص به هذا الغريب الوقح الذي يتطلع إليها بجرأة لا تناسب شيبته. وبعد دقائق معدودة، وبينما كانت تقف أمام الموقد، دلفت إليها والدتها، وكان وجهها يشع سعادة غير معتادة، واقتربت من سندس بلهفة لتطوقها بحضن دافئ وتقبل وجنتيها وهي تهتف بزغاريد مكتومة

- ألف مبروك يا حبيبتي! ألف مبروك يا قلب أمك

وقفت سندس مكانها مذهولة، متجمدة، لا تستوعب ما تراه أو تسمعه. وضعت كنكة القهوة جانبًا، والتفتت بجسدها بالكامل تواجه والدتها، وقد تجعدت ملامح وجهها بغير فهم، وطالبتها بعينيها بتفسير لهذا الجنون المباغت. ابتسمت الأم ببلاهة وفرحة طفولية، وجرت سندس من يدها قائلة بعجلة وهي تدعوها لاتباعها دون حديث

- تعالي معايا بس جوة وانا هفهمك..... الدنيا هتتعدل يا ولاد

وصلت بها إلى الغرفة، ووقفت أمامها والتماع الفرحة يملأ عينيها لتقول بسعادة غامرة

- بقولك إيه.. غيري الهدوم اللي عليكي دي قوام، والبيسي فستان حلو من بتوعك، وحطي شوية أحمر شفايف يظهروا وشك على ما أعمل أنا العصير للضيوف.

لا تزال سندس على حالتها من الذهول الصرف، لم تتحرك إنشًا واحدًا من مكانها، تتطلع لوالدتها وفاغرة فاها بصدمة كاد معها فكها أن يلامس الأرض. حاولت جاهدة أن تجمع شتات تركيزها، وسألت والدتها بنبرة متحشرجة

- مبروك على إيه يا ماما؟ وفستان إيه؟ فهّاميني فيه إيه برة؟

   ردت الأم وهي تلتفت مغادرة المطبخ على عجل

- لراجل اللي قاعد مع أبوكي برة طلب إيدك للجواز وعايز يكتب قوام

زواج؟ طرقت الكلمة مسامعها كقذيفة. تملكتها نوبة ضحك بائسة، فابتسمت ببلاهة لوالدتها تحاول نفي الأمر وتصنيفه تحت بند المزاح الثقيل، أو أنه أمر عابر لا يستدعي التفكير حتى. عادت سندس نحو الموقد بنوع من اللامبالاة المصطنعة لتكمل إعداد القهوة، وقالت بصوت جاف

- ماما، بلاش هزارك ده.. أولاً أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي خالص، وبعدين إزاي يعني أتجوز واحد من غير ما أشوفه أو أعرفه؟

وقفت والدتها فترة تراقب ابنتها بقلة حيلة، وتحاول استيعاب إنكارها، لترد عليها بتلقائية وفجاجة أطاحت بآخر حصون ثباتها

- تشوفيه فين يا خايبة؟ ما العريس هو الراجل اللي قاعد برة مع أبوكي في الصالة ده

هنا انقطع خيط الاحتمال. "هو؟ ذلك الكهل الوقح ذو النظرات المقززة؟ كيف؟!" كيف فكروا ولو لوهلة في رميها هذه الرمية؟ كيف يجرؤون على بيعها لرجل أكبر من والدها سنًّا، لمجرد التخلص من عبئها أو طمعًا في مال يدفع بها خلف جدران المجهول؟

تحركت سندس بخطوات سريعة، متثاقلة بالغضب والقهر، متوجهة إلى غرفتها. كانت تريد العزلة، لكن حتى مقصدها كان خاطئًا؛ فإخوتها الصغار كانوا يلهون في أرجاء الغرفة ويملأونها صراخًا. حاولت بنفاد صبر أن تخمد أصواتهم، لكن خانتها قواها، فانفجر سد دموعها وراحت تبكي بهستيرية، وتهطل عبراتها كالأمطار. ساد الصمت فجأة فور رؤية الصغار لدموع أختهم الكبرى؛ صمتوا برعب وشفقة، واقتربوا منها بوجوه وجلة، يربتون على ظهرها بحنان طفولي فجَّر شجونهًا فأجهشت بالبكاء المرير، حانية رأسها بين ركبتيها.

لم يدم هذا الضعف طويلاً؛ إذ انتفض الجميع برعب على صوت باب الغرفة وهو يُفتح فجأة وبعنف همجي كاد يقتلعه من مفصلاته.

تطلعت سندس بذعر نحو الباب، لترى والدها "نبيل" يقف بجسده الضخم، وعيونه محتقنة باللون الأحمر بفعل الغضب والوعيد، يشير إليها بإصبع غليظ وهو يأمرها بصوت هادر يشبه الرعد

- خلصي يا بت وبطلي دلع ماسخ.. اغسلي وشك والبسي الزفت وقدمي الشربات لعريسك اللي برة.. الراجل شاري وإحنا قرينا الفاتحة خلاص

أغلق الباب بالقوة ذاتها، تاركًا خلفه حقيقة مرة تنهش أحشاءها؛ لقد أصبح الأمر واقعًا مصمتًا كالجدار، وعليها الآن أن تجرع كأسه وتتقبله، أو تُسحق تحت أقدام عائلتها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • دموع تطفئ العشق    54

    54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.

  • دموع تطفئ العشق    53

    53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما

  • دموع تطفئ العشق    52

    52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،

  • دموع تطفئ العشق    51

    51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض

  • دموع تطفئ العشق    50

    50 استيقظ أشرف في الصباح الباكر وثقل غريب يكبّل رأسه؛ جاهد طويلاً لفتح عينيه المنتفختين اللتين غزتهما حمرة التعاطي، وشعر بجفاف شديد في حلقه كأنه يتنفس رمادًا. حرك يده بآلية فوق الفراش ليمط جسده، فارتطمت كفه بجسد يرقد الغرفة إلى جواره. تطلع حوله بتعجب وذهول، والحطام المتبقي من ذاكرة الليلة الماضية لا يسعفه، ليتساءل بملامح متصلبة وهو يهتف باسمها بنبرة حادة - ريهام؟ انتفضت ريهام مفزوعة من نومها، وجلس بجسد يرتعش كعصفور بلله المطر. تطلعت إليه برعب حقيقي، متأملة هيئته الغاضبة العابثة وعينيه اللتين تطاير منهما الشرر، وأجابته بصوت متقطع وخوف لجم حنجرتها - نـ.. نعم يا أشرف؟ لم تلبث أن تستوعب ملامحه حتى تفاجأت به يزجرها بغضب وتشنج، ملقيًا بكلماته كالسياط - أنتِ مش كنتِ غُرتي وسبتِ البيت إمبارح؟ إيه اللي رجعك هنا تاني؟ ومين جابك؟ صمتت ريهام لثوانٍ ثقيلة، وتفرست في ملامحه المتبلدة لتعلم بيقين يمزق أمعاءها أنه في اليوم السابق لم يكن يعي من أمره شيئًا؛ كان مجرد جثة تحركها السموم والخمور التي تجرعها، ولا يتذكر من تنازله وهمجيته أو ضربه لها حرفًا واحدًا. ابتلعت ريقتها في ارتباك وخوف من نوبات ج

  • دموع تطفئ العشق    49

    49 نهضت سيليا سريعًا من على الفراش، وكأن روحًا جديدة دُبّت في جسدها المنهك عقب سماعها تلك الجملة المباغتة من خالد. امتدت كفها المرتعشة تمسح بقايا الدموع عن وجنتيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية؛ لقد استجاب الله لدعائها، وبعث لها بوالدها في أحلك لحظات انكسارها ليكون طوق النجاة. التفتت إلى خالد وأخبرته بنبرة متلهفة تحاول تجميع شتات نفسها أنها تحتاج دقائق معدودة وستكون جاهزة، فأومأ لها خالد برأسه في صمت كئيب، ثم خرج من الغرفة دون أي تعليق. توجهت سيليا نحو الحمام بخطى حثيثة، غسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ لهيب وجعها، ثم أسرعت تبدل ملابسها وتصفف شعرها المبعثر. وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، وبأنامل مرتعشة وضعت بعض مساحيق التجميل، محاولةً باستماتة أن تواري بها الآثار الزرقاء والانتفاخ الشاحب الذي خلفه ضرب خالد الوحشي ليلة أمس؛ حتى لا يرى والدها انكسارها من اللحظة الأولى. بعد قليل، خرجت سيليا إلى الصالة والنبض يتسارع في صدرها، تقدمت لتلقي التحية على والدها واشتهت روحه ارتماءة كاملة بين أحضانه تعوضها عن جحيمها. لكنها ما إن اقتربت منه، حتى تجمدت أطرافها؛ إذ مدّ يد

  • دموع تطفئ العشق    البارت الخامس

    في شقة الطابق الثالث، تلاشت مساحات الأمان الضيقة كالعادة ليحل محلها صوت سمير الصارم.وقف والد ريهام يتوسط ردهة المنزل بجسده المتصلب، يوجه إليها أوامر حاسمة مغلفة بجهلٍ وقسوة لا ترحم. كان يوبخها بعصبيته المعهودة، محملًا إياها ذنب صداقة عمرها، ناعتًا تلك العلاقة الطاهرة بالوصمة والعار. ارتجت جدران ال

  • دموع تطفئ العشق    البارت الرابع

    داخل جدران الفصل الدراسي، كانت الهمهمات والضحكات المكتومة تتصاعد من المقاعد الخلفية، بينما تجلس إيمان في المقعد الأوسط، تتوسط سيليا ووتين كمن يحتمي بجدارين من الأمان. كان صوت المعلمة يتردد في أرجاء القاعة وهي تشرح تفاصيل "الجهاز التناسلي للأنثى"، لكن الكلمات لم تكن لتمر على مسامع إيمان كدرس عادي. ك

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالث

    فتحت إيمان باب الشقة بهدوء، يسبقها أمل ضئيل في أن تجد صدرًا رحبًا يستمع إليها في نهاية هذا العام الدراسي الشاق. رأت والدتها تقف في الردهة، فألقت عليها التحية بنبرة حانية محبة، لكن الأم التفتت إليها بوجه متجهم وملامح جامدة لم تحمل أي دفء، وردت بتحية مقتضبة وجافة قبل أن توليها ظهرها وتدلف إلى المطبخ

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثانى

    كانت ليلة الامتحان الأخير تحمل في هوائها مزيجًا غريبًا من الترقب والرهبة.في تلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج، التفت الفتيات الخمس حول منضدة خشبية قديمة، تكدست عليها الكتب والمذكرات، وسادت أجواء الصمت إلا من حفيف تقليب الأوراق وصوت أنفاسهن المتلاحقة. غدًا ينتهي المارثون، غدًا يُسدل الستار على مرحلة ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status