Masukأُغلق باب السيارة خلف إيلينا بصوت مكتوم.
ألقت نظرة على المقاعد الجلدية السوداء، ثم التفتت إلى كايسن الجالس بجوارها، وكأن إحضار امرأة غريبة إلى منزله في ساعة متأخرة من الليل أمر عادي تمامًا. “هل تنقل الناس إلى منزلك دائمًا دون أن تمنحهم وقتًا للاستعداد؟” لم يرفع كايسن عينيه عن هاتفه. “فقط عندما يوقعون عقودًا يبدأ تنفيذها فورًا.” “لقد وقعت عقدًا للعمل لديك، ولم أوافق على اختطافي.” “عادةً ما يتطلب الاختطاف رفض الشخص الصعود إلى السيارة.” استدارت إيلينا نحوه. “امنحني خمس دقائق، وسأكون سعيدة بإثبات ذلك.” سعل السائق بهدوء، وكان صوته قريبًا بشكل مريب من ضحكة حاول كتمها. رفع كايسن عينيه أخيرًا عن الشاشة. “هل هناك ما يثير تسليتك يا توماس؟” “لا يا سيدي.” “إذن ركز على الطريق.” “حاضر يا سيدي.” ضغطت إيلينا شفتيها، مصممة على ألا تضحك. لم تكن تنوي منحه متعة معرفة أنه نجح في إضحاكها. في الخارج، كانت أضواء المدينة تمر متتابعة خلف النوافذ. راقبتها إيلينا بصمت، بينما اشتدت قبضتها حول حزام حقيبتها. أصبحت عائلتها بأمان، ولم يعد منزلهم مهددًا. لكنها وقعت للتو عقدًا تخلت بموجبه عن ستة أشهر من حياتها لرجل يبدو أنه يعتبر طرح الأسئلة إهانة شخصية. والآن، ستعيش تحت سقفه. يا لها من بداية رائعة! “هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟” قالت أخيرًا. “يبدو أنكِ مصممة على طرح الأسئلة سواء سمحت لكِ أم لا.” “لماذا اخترتني؟” هذه المرة، وضع كايسن هاتفه جانبًا. “كانت عائلتكِ بحاجة إلى حل، وكنتِ بحاجة إلى المال. الاتفاق يفيد الطرفين.” “هذه ليست إجابة عن سؤالي.” “إنها إجابة عن الجزء الوحيد المهم.” تأملت إيلينا ملامحه الجانبية. “كان بإمكانك عرض هذا العقد على شخص آخر.” “كان بإمكاني ذلك.” “إذن لماذا أنا؟” لم يتغير تعبير وجهه. “مؤهلاتكِ تناسب الوظيفة.” كادت تضحك من شدة استغرابها. “مؤهلاتي؟ أنت لم تطرح عليّ سؤالًا واحدًا عن خبرتي!” “لقد راجعت سجلاتكِ.” “سجلاتي؟” “تعليمكِ، وأعمالكِ السابقة، والتوصيات المتعلقة بكِ، ووضعكِ المالي.” حدقت فيه إيلينا. “هل أجريت تحقيقًا عني؟” “لقد اتخذت قرارًا تجاريًا.” “أنا إنسانة يا سيد فانس، ولست شركة تفكر في شرائها.” “إذن يفترض أن يسعدكِ أنني خصصت وقتًا لمعرفة من سأوظف.” “كان ذلك سيبدو أكثر إقناعًا لو أنك لم تستخدم ديون عائلتي لضمان عدم قدرتي على الرفض.” للمرة الأولى، طال صمت كايسن بما يكفي ليبدو وكأنه يحمل إجابة لم يرغب في قولها. ثم أدار وجهه نحو النافذة. “ستحتفظ عائلتكِ بمنزلها. كان ذلك هدفكِ الأساسي، أليس كذلك؟” أشاحت إيلينا بنظرها. “نعم.” “إذن فقد حقق الاتفاق الغرض منه.” أرادت أن تجادله، لكن الكلمات علقت في حلقها. لقد أنقذ عائلتها من خسارة كل شيء. لم يجعل ذلك منه رجلًا طيبًا، ولم يمنحه الحق في التصرف معها كما يشاء، لكنه جعل الأمر أكثر تعقيدًا مما أرادت. تباطأت السيارة. نظرت إيلينا من النافذة، ونسيت حجتها التالية تمامًا. كانت بوابات حديدية شاهقة تحيط بملكية عائلة فانس، وخلفها ارتفع المنزل الضخم مضاءً وسط الظلام. بدا المبنى جميلًا بطريقة باردة ومهيبة، بنوافذه الواسعة وجدرانه الحجرية الفاتحة وممره الطويل الذي تحيط به أشجار مشذبة بعناية. لم يبدُ منزلًا عاديًا، بل مكانًا يتعلم فيه الناس خفض أصواتهم بمجرد دخوله. انفتحت البوابات، وتقدمت السيارة نحو المدخل، ثم توقفت تحت المظلة. قبل أن تمد إيلينا يدها إلى المقبض، كان كايسن قد نزل بالفعل. فتح بابها بنفسه. رمشت بدهشة ونظرت إليه. “أستطيع فتح باب السيارة.” “لاحظت ذلك.” “إذن لماذا…؟” “لأننا نقف تحت المطر يا آنسة هايز.” رفعت رأسها، فاكتشفت أن المطر بدأ يهطل، خفيفًا في البداية، ثم أخذ يشتد فوق الممر. نزلت إيلينا وهي تضم حقيبتها إلى صدرها. أغلق كايسن الباب، ثم اتجه نحو المدخل دون أن ينتظر ليتأكد من أنها تلحق به. تبعته، لأنها لم تكن تعرف إلى أين يمكنها الذهاب غير ذلك المكان. كانت قاعة المدخل هائلة الاتساع. امتد درج منحني نحو الطابق العلوي، وانعكست الأضواء الناعمة على الأرضية الرخامية المصقولة. بدا كل شيء أنيقًا ومرتبًا، لكنه كان هادئًا إلى حد مزعج. اقتربت منهما امرأة في أواخر الخمسينيات من عمرها. كانت ترتدي فستانًا داكنًا بسيطًا، وقد صففت شعرها الرمادي بعناية. “السيد فانس، عدت أبكر مما توقعت.” “تغيرت الخطط يا إليانور.” انتقلت نظراتها إلى إيلينا، وتوقفت لحظة عند أكمام معطفها المبتلة والحقيبة التي تحملها. قال كايسن: “هذه الآنسة هايز. ستقيم هنا خلال الأشهر الستة المقبلة.” ارتفع حاجبا إليانور قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها. “بالطبع يا سيدي. أهلًا بكِ يا آنسة هايز.” “شكرًا لكِ.” “إذا تفضلتِ باتباعي، فسأريكِ غرفتكِ.” التفتت إيلينا نحو كايسن. “هل سأراك غدًا؟” “سترينني على مائدة الإفطار.” “هل هذه دعوة أم أمر آخر؟” “اعتبريها معلومة مفيدة.” ناول كايسن إليانور ملفًا رفيعًا. “جدولها وتفاصيل العقد في الداخل. تأكدي من أن لديها كل ما تحتاج إليه.” “سأفعل يا سيدي.” استدار كايسن ليغادر. “سيد فانس؟” توقف والتفت إليها. عقدت إيلينا ذراعيها. “أين أجدك إذا كانت لديّ أسئلة عن العقد؟” “ستعرفين مكان مكتبي.” “وماذا لو لم تكن فيه؟” “يمكنكِ ترك رسالة.” حدقت فيه إيلينا. “إن دفء تعاملك لا يُقاوم.” “سأحاول ألا أسمح له بالتفاقم.” غادر قبل أن تتمكن من الرد. راقبته إيلينا حتى اختفى في نهاية الممر، ثم التفتت إلى إليانور. “هل يتحدث دائمًا بهذه الطريقة؟” تحرك طرف فم إليانور بابتسامة خفيفة. “بأي طريقة يا آنسة هايز؟” “وكأن كل محادثة صفقة تجارية.” “ليس كل محادثة.” نظرت إليها إيلينا بشيء من الأمل. لكن إليانور أضافت: “أحيانًا لا يتحدث على الإطلاق.” ضحكت إيلينا بخفة. وللمرة الأولى في تلك الليلة، بدا المنزل أقل رهبة مما كان عليه عند وصولها. ⸻ اصطحبتها إليانور إلى الطابق العلوي، وسارت بها عبر ممر هادئ حتى توقفت أمام أحد الأبواب وفتحته. ظهرت غرفة نوم واسعة، بجدران كريمية وسرير كبير ومنطقة جلوس صغيرة ونوافذ تطل على الحديقة. لكن ما لفت انتباه إيلينا كان حقيبة سفر موضوعة قرب خزانة الملابس. توقفت عند الباب. “ما هذه الحقيبة؟” “أمر السيد فانس بإحضار أغراضكِ من منزل عائلتكِ بعد ظهر اليوم.” استدارت إيلينا ببطء. “لقد أرسل شخصًا إلى منزلنا؟” “رتب لنقل أغراضكِ إلى هنا. وأُبلغ والداكِ بأنكِ ستقيمين في هذه الملكية خلال عملكِ لدى شركته.” اقتربت إيلينا من الحقيبة، لكنها لم تفتحها. “لم يخبرني أنه سيفعل ذلك.” أجابت إليانور بهدوء: “يميل السيد فانس إلى ترتيب الأمور العملية قبل مناقشتها.” “يبدو هذا وصفًا مهذبًا لشخص يفعل ما يشاء دون أن يسأل أحدًا.” ابتسمت إليانور ابتسامة حذرة. “ستكتشفين أن العيش هنا يتطلب الصبر.” “ليس لديّ الكثير منه.” “إذن ستتاح لكِ فرصة لاكتساب المزيد.” ضحكت إيلينا بخفوت. أرتها إليانور الحمام، وأوضحت لها مكان المناشف النظيفة، ثم أشارت إلى الهاتف الموضوع على الطاولة الجانبية. “إذا احتجتِ إلى أي شيء خلال الليل، يمكنكِ الاتصال بي.” “شكرًا لكِ يا إليانور. لقد كنتِ لطيفة معي.” “هذا عملي يا عزيزتي. وبيننا، قليل من اللطف لا يضر في هذا المنزل.” بعد أن غادرت إليانور، أغلقت إيلينا الباب وأسندت ظهرها إليه. ساد الصمت. لا أصوات غاضبة، ولا مكالمات يائسة من والديها، ولا رسائل تحذرهم من احتمال خسارة منزلهم. للمرة الأولى منذ أسابيع، استطاعت أن تتنفس براحة. ابتعدت عن الباب واتجهت نحو النافذة. امتدت الحديقة تحت المطر، وكانت الأشجار تتحرك برفق مع الرياح. ثم لاحظت شيئًا فوق الطاولة الجانبية. ظرفًا أبيض. كُتب اسمها على واجهته بخط أسود أنيق. الآنسة إيلينا هايز. عقدت حاجبيها وفتحته. وجدت بداخله ورقة واحدة. الإفطار في السابعة. يبدأ دوامكِ في الثامنة. الالتزام بالمواعيد أمر متوقع. — كايسن فانس حدقت إيلينا في الورقة. ثم ضحكت، لا لأن الأمر كان مضحكًا، بل لأنها لم تستطع تصديق أن الرجل أرسل إليها جدولًا مكتوبًا قبل أن تتمكن حتى من تفريغ حقيبتها. أخذت قلمًا من درج الطاولة، وقلبت الورقة إلى الجهة الفارغة. ثم كتبت: مساء الخير لك أيضًا. — إيلينا هايز أعادت الورقة إلى الظرف، ووضعته فوق الطاولة. في الغد، ستواجه كايسن فانس مجددًا. وكانت تنوي التأكد من أنه يفهم أمرًا واحدًا. قد تكون تعيش في منزله. وقد تعمل تحت إشرافه. لكنها لم تتخلَّ عن حقها في التعبير عن رأيها. ليس بعد.كانت القاعة أكثر فخامة مما توقعت إيلينا. ثريات كريستالية ضخمة تتدلى من السقف، وأضواء ذهبية تنعكس على الأرضية الرخامية، فيما انتشر الضيوف في أرجاء المكان بملابسهم الأنيقة وأحاديثهم الهادئة. دخلت إلى جانب كايسن، وذراعها تستقر فوق ذراعه كما فعلت عند وصولهما. كانت تحاول إخفاء توترها، لكن الأمر لم يكن سهلًا. لم تعتد حضور مناسبات كهذه، ولا الوقوف وسط أشخاص يبدو أنهم يعرفون بعضهم جيدًا، بينما لا تعرف هي حتى سبب اهتمام بعضهم بالنظر إليها. مال كايسن نحوها قليلًا. “أنتِ متوترة.” التفتت إليه. “هل يبدو ذلك واضحًا؟” “بالنسبة إليّ، نعم.” أشاحت بنظرها نحو القاعة. “ربما لأنني لا أعرف أحدًا هنا.” “ستتعرفين.” قالها بثقة، ثم أضاف وهو يلتقط كأسًا من أحد النادلين: “ولا داعي لأن تحاولي إرضاء الجميع.” كادت تبتسم. “لم أكن أنوي ذلك.” “جيد.” تابعا السير، وتوقف كايسن بين الحين والآخر لمصافحة أحد الضيوف أو تبادل كلمات مقتضبة معه. وفي كل مرة كان يعرّفها باسمها، دون أن يشرح طبيعة علاقتها به. كان ذلك يثير فضولها، لكنها لم تسأله. حتى اقترب منهما رجل مسن، أنيق المظهر، بدا أنه يعرف كايسن منذ سنوات.
منذ تلك الأمسية مع آدم، وجدت إيلينا نفسها تفكر في كايسن أكثر مما أرادت. لم تكن تفهم سبب تصرفاته. كان يقول لها ألا تسمح لأحد بلمسها، ثم يتصرف معها بطريقة تجعلها هي نفسها لا تعرف كيف تتعامل مع قربه. والأسوأ أنه لم يكن يبدو مرتبكًا أو مترددًا مثلها؛ كان يفعل ما يريد بهدوء مستفز، ثم يتابع يومه وكأن شيئًا لم يحدث. قررت ألا تمنح الأمر أهمية. لكن كايسن، بطريقته الخاصة، لم يجعل ذلك سهلًا. ⸻ في صباح اليوم التالي، كانت إيلينا تنزل الدرج وهي تحمل حاسوبها المحمول وملفًا سميكًا وبعض الأوراق التي أرادت مراجعتها قبل الاجتماع. عند الدرجة الأخيرة، انزلقت إحدى الأوراق من بين الملفات. انحنت بسرعة لالتقاطها، لكن يدًا سبقتها. “أنتِ تحملين نصف المكتب معكِ؟” رفعت رأسها. كان كايسن يقف أمامها، وقد التقط الملف السميك من يدها دون أن ينتظر جوابًا. “إنها أوراق العمل.” نظر إلى الأوراق المتبقية بين ذراعيها، ثم أخذها أيضًا. تجمدت للحظة. “سيد فانس، أستطيع حملها.” “لم أقل إنكِ لا تستطيعين.” قالها وهو يتجه نحو الصالة، تاركًا إياها واقفة مكانها للحظة قبل أن تلحق به. كان تصرفه بسيطًا، لا يستحق كل ذلك الا
كان صباح السبت مختلفًا عن بقية الأيام. للمرة الأولى منذ انتقالها إلى قصر فانس، لم تستيقظ إيلينا وهي تفكر في الملفات والاجتماعات أو في المهام التي قد يطلبها منها كايسن. كان لديها موعد مع أصدقائها، وهذا وحده جعلها تستيقظ بمزاج أفضل مما توقعت. اختارت فستانًا بسيطًا بلون داكن، يصل إلى ما تحت ركبتيها بقليل، وتركت شعرها منسدلًا على كتفيها. وضعت بعض العطر، ثم وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها للحظات. بدت كأنها تستعيد جزءًا صغيرًا من حياتها. وعندما نزلت إلى الطابق السفلي، وجدت كايسن في الصالة، جالسًا على الأريكة الجلدية، يتصفح بعض الأوراق. رفع عينيه إليها بمجرد سماع خطواتها. لم يقل شيئًا في البداية. اكتفى بالنظر إليها نظرة طويلة، ثم أغلق الملف الذي بين يديه. “ستخرجين؟” “نعم. أخبرتك أمس أنني سألتقي بأصدقائي.” “أتذكر.” عاد الصمت بينهما لثوانٍ. ثم قال: “السيارة جاهزة.” “لم أطلب سيارة.” “أعرف.” نظرت إليه، محاولة فهم إن كان ينتظر منها اعتراضًا أم أنه يخبرها فحسب. “سأذهب معهم، وربما أعود مع مينا.” “حسنًا.” كانت إجابته هادئة، لكن عينيه بقيتا عليها حتى استدارت نحو ال
مرّ أسبوعين منذ انتقلت إيلينا إلى الجناح الشرقي من قصر كايسن. لم تعتد المكان تمامًا بعد، رغم أن الجناح كان واسعًا بما يكفي ليكون منزلًا مستقلًا. غرفة نوم كبيرة، وصالة خاصة، ومكتب صغير يطل على الحديقة الخلفية، وحتى مدخل جانبي يسمح لها بالوصول إلى الحديقة دون المرور ببقية أرجاء القصر. لكنها لم تكن تشعر بالاستقلال الذي توحي به تلك المساحة. فوجود الحراس عند المداخل، والكاميرات التي تراقب الممرات، والبوابة التي لا تُفتح إلا بعد التأكد من هوية الزائر، كانت تذكرها دائمًا بالسبب الذي جعلها هنا. الخطر الذي تعرضت له لم ينتهِ بعد، وكايسن لم يترك لها خيار العودة إلى منزلها قبل التأكد من سلامة الوضع. في البداية، ظنت أن إقامتها ستكون مؤقتة لبضعة أيام، لكنها بدأت تدرك أن الرجل لم يكن يتعامل معها باعتبارها ضيفة ستغادر قريبًا. كان قد أعد لها كل ما تحتاج إليه، حتى الأشياء الصغيرة التي لم تطلبها. وهذا تحديدًا ما كان يربكها. ⸻ في ذلك المساء، كانت إيلينا جالسة في الصالة الخاصة بجناحها، تقلب صفحات كتاب اختارته من مكتبة القصر. سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، ثم دخلت إليانور، مدبرة المنزل، بابتسامتها
لم يكن حضور الاجتماعات جزءًا اختياريًا من عمل إيلينا. منذ بدأت العمل لدى كايسن، كان الاتفاق واضحًا: ستنفذ كل ما يُطلب منها ضمن مهام الشركة، سواء تعلق الأمر بإعداد الملفات أو متابعة المشاريع أو حضور الاجتماعات مع العملاء والمستثمرين. وفي المقابل، تُخصم مستحقاتها من الدين الذي تركه أخوها خلفه. لم تكن تملك رفاهية اختيار المهام التي تناسبها، ولا الاعتراض على كل تكليف لا يعجبها. ولهذا وجدت نفسها ذلك المساء في قاعة خاصة بأحد الفنادق الفاخرة، إلى جانب كايسن، لحضور عشاء عمل مع السيد ريتشارد هاريسون، أحد أهم المستثمرين الذين تسعى الشركة إلى إبرام اتفاق طويل الأمد معهم. كان الرجل في أواخر الخمسينيات، واسع النفوذ، معتادًا على أن يحظى باهتمام الجميع. ومنذ لحظة وصوله، بدا واضحًا أنه يفضل إدارة الحديث بطريقته الخاصة. قدّم كايسن إيلينا إليه. “إيلينا هايز، المسؤولة عن تنسيق المشروع.” ابتسم هاريسون ومد يده إليها. “سمعت عنكِ الكثير.” صافحته بأدب. “أتمنى أن يكون ما سمعته جيدًا، سيد هاريسون.” ضحك الرجل، ثم أشار إلى المقعد المجاور له. “تفضلي. أريد أن أسمع منكِ تفاصيل المشروع، لا من الأوراق فقط
وصلت إيلينا إلى المكتب في الموعد المعتاد، لكنها لم تنسَ الاجتماع الذي ظهر فجأة في جدولها. كانت قد قررت ألا تذهب. لم يكن لديها سبب مهني يدفعها إلى حضور اجتماع لا تعرف موضوعه، ولم تعد مستعدة للتعامل مع قرارات كايسن المفاجئة وكأنها أوامر لا تقبل النقاش. فتحت حاسوبها، وأرسلت إلى مساعده رسالة مقتضبة تطلب فيها توضيح سبب الاجتماع. لم تمر خمس دقائق حتى ظهر الرد: «السيد فانس ينتظرك في قاعة الاجتماعات.» أغلقت الرسالة بضيق. كان بإمكانها تجاهلها، لكنها عرفت أن ذلك لن ينهي الأمر. لذلك أخذت دفترها واتجهت إلى القاعة، عازمة على ألا تسمح له بتحويل الأمر إلى مواجهة أخرى. كان كايسن جالسًا في الطرف البعيد من الطاولة. أمامه ملف واحد، وكوب قهوة لم يمسه. رفع عينيه عندما دخلت. “اجلسي.” اختارت المقعد المقابل له. “أفضّل أن أعرف سبب الاجتماع أولًا، سيد فانس.” لم يعلّق على اللقب هذه المرة. فتح الملف، وأدار إحدى الأوراق نحوها. “اقرئي.” نظرت إلى الورقة، فتجمدت ملامحها تدريجيًا. كان طلبًا رسميًا من إدارة الفندق بتغيير المسؤول عن تنسيق حفل الافتتاح، مع نقل جزء من صلاحياتها إلى شركة خارجية. وفي أسفل ا







