ログインحينها فقط أدركت الكارثة…
أن ما سُلب منها لم يكن جسدها وحده؛ بل روحها، واسمها، ومكانتها في مجتمعٍ يتقن جلد الضحية ويغضّ الطرف عن الجاني، أحسّت أن الموت أقرب إليها من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية.. ارتجفت أصابعها وهي تزحف على التراب مثل طفلةٍ تحبو في عتمةٍ باردة، حتى وصلت إلى حقيبتها المرمية قرب الجدار، مدّت يدها المرتعشة تفتّش عنها وكأنها تبحث عن طوق نجاةٍ وسط غرقٍ لا ينتهي، وجدت الهاتف الصغير مطمورًا بين أشيائها، فانتشلته بيدٍ مرتجفة، واهتزّ قلبها حين رأت شاشته تومض بعشر مكالمات فائتة من "تولاي" شقيقتها و نصفها الآخر، ظلّها الذي لا يفارقها. لم يكن في حلقها صوتٌ لتردّ به، لكن أصابعها ضغطت زر الإجابة، أتى صوت تولاي على الطرف الآخر، متسارعًا، مرتجفًا، متقطّعًا بأسئلةٍ متلاحقة لا تنتهي، لكن ضي لم تستطع أن تنطق، تحرّكت شفتاها ولم يخرج سوى هواءٍ خافت، أنينٌ مبحوح لا يشبه الكلام، سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف كالقصبة في مهبّ الريح، وانهارت على الأرض تبكي بصمتٍ يقطع نياط القلب، صمتٌ أقسى من أي صراخ.. رفعت الهاتف مرةً أخرى بأصابعٍ مرتعشة، وكتبت لتولاي رسالة قصيرة: «تعالي… هاتِي لي ملابس، لا تسألي أحدًا… لا تخبري أحدًا، أنا… لا أستطيع الكلام، سأرسل لكِ مكاني.» كانت يداها ترتجفان حتى كادت الأحرف تتبعثر على الشاشة، أرسلت الموقع الإلكتروني، وأغلقت الهاتف وهي ترتجف، وفي تلك اللحظة شعرت أنها كشفت قلبها كلّه، وكأن الرسالة التي خرجت من بين أصابعها كانت آخر ما تبقى من قوتها.. على الطرف الآخر، كانت تولاي تحدّق في شاشة هاتفها وهي تشعر بدمٍ ساخن يهبط من رأسها إلى قدميها.. قلبها كاد أن يتوقف، ذلك القلب الذي يعرف نبض نصفها الأخر الذي أدرك أن كارثةً عظيمة وقعت قبل أن ترى أو تسمع شيئًا، ارتجفت أصابعها وهي تضغط على زر الاتصال مرارًا، لكن الصوت يذهب ويعود، وقلقها يتضاعف كريحٍ تعصف بها في مكانها، كانت تشعر أن روحها تُنتزع من جسدها، وأن قلبها يقفز من بين ضلوعها لينطلق نحو أختها، كأن بينهما خيطًا سريًّا يُترجم الألم والكارثة بلا حاجة إلى كلمات.. وقفت تولاي في مكانها للحظةٍ عاجزة، ثم أمسكت حقيبةً عشوائية جمعت فيها ما استطاعت من ملابس، وارتدت أول ما وجدت من ثياب، وخرجت كالسهم من بيتها، لا ترى شيئًا أمامها سوى طريقٍ واحد… طريقٌ يقودها إلى ضي، إلى أختها التي لا بد أن تكون قد مرّت بالجحيم نفسه الذي تتذوقه الآن تولاي في قلبها.. كانت كل ثانيةٍ تمرّ عليها تشبه طعنةً جديدة، وكل خطوةٍ تخطوها كأنها تمشي على جمرٍ ملتهب، عقلها يعجّ بالأسئلة، لكن قلبها يعرف — يعرف أن ما أصاب أختها ليس حادثًا عابرًا، بل شيءٌ أكبر من الكلام، شيءٌ سيغيّر حياتهما إلى الأبد. ((16 " فارس بلا راية " عاد يامن إلى القصر مثقلاً بخطواته، والأرض تستنكر خطواته عليها، كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وكلماته تتناوب داخله ما بين ندمٍ ولومٍ وشتائم يوجهها لنفسه.. "لماذا فعلت ذلك؟ لمَ لم أُمسك بزمام عقلي؟" ظل يرددها في سرّه حتى كاد صوته يفضحه.. اقترب من البوابة المقابلة لحجرته، التفت يمينًا ويسارًا، ثم تسلل إلى الداخل بخفة المُرتاب، فمن حسن حظه أن ذلك القصر يغط في نومٍ عميق بعد صلاة العشاء مباشرة، خلع ملابسه الملطخة والمتسخة بعصبية ورماها على الأرض، ثم تمدّد على فراشه متصنّعًا النوم، يخبّئ أنفاسه المتلاحقة تحت غطاءٍ ثقيل.. لم تمضِ لحظات حتى فُتح الباب ببطء، ودخلت زهرة، تقدمت بخطوات حذرة، وعيناها تجولان فوق وجهه الساكن، مالت برأسها قليلًا تبحث عن نَفَسٍ يكشف يقظته.. ثم ابتسمت بخفوت، وهمست: • هذا أفضل، اتمنى أن تظل كذلك. ثم سحبت الغطاء برفق على كتفيه وصدره العاريان، وخرجت من الغرفة بهدوء.. بمجرد أن أُغلقت الباب خلفها، فتح يامن عينيه المليئتين بالذنب، وزفر بحرقةٍ مكبوتة، وقد أصبح صدره قفص ضيق يحاول أن يشطره نصفين.. جلس على فراشه، ثم أسند رأسه إلى كفّيه وهو يضغط صدغيه، بينما الألم ينزف منه اعترافًا حارقًا.. "ما الذي فعلتُه؟! أكنتُ شيطانًا حين تركتُ نفسي إلى هواها؟" صوته الخافت تردد في جدران الغرفة، لكن داخله كان يصرخ أضعاف، شعر بمرارةٍ تجتاح حلقه، وبطعمٍ يشبه الدم، يذكّره بمدى دناءته وهو يستبيح كل جزء من جسدها الساكن أسفل جسده، حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد لحظة ضعف، أن يردم الجُرح بالكذب، لكن الحقيقة كانت تقف أمامه عاريةً: هو لم يضعف فقط… بل تلذذ بما فعلهُ حتى آخر لحظه! لم يكن الندم وحده يفتك به، بل ذلك الشوق المسموم الذي أعاد صورة ضي إلى ذهنه مرارًا، ملامحها المرتعشة، صوتها المبحوح، عيناها حين امتلأتا بالخوف والارتباك وحتى حين غابت عن الوعي وظلت شفاهها اللتان جعلته كالمحموم يرتجفان رغم سكونها التام… كلها اجتمعت أمامه كلوحةٍ ملعونة، كلما حاول أن يغض بصره عنها عاد قلبه ليطلبها، وجسده يشتعل بالشهوةً التي لا تريد أن تهدأ.. مدّ يده إلى صدره كأنه يريد اقتلاع ما ينبض بداخله، لكنه ازداد إدراكًا أنه أسير، لا يملك أن يتحرر.. لامس شفتيه بارتجافٍ وهو يستعيد طعمها، إحساسًا يجلده من الداخل، يثير في روحه صراعًا بين رغبةٍ وحشية وعقلٍ يتوسّل الخلاص.. ألقى بجسده على الفراش بقوة، وأغلق عينيه متصنّعًا النوم، بينما أفكاره تنهشه، أراد أن يصرخ ليطرد صورتها، لكنه ابتلع صرخته مخافة أن يسمعه أحد... انتفض بجسده وجلس على طرف فراشه والنار المشتعلة داخله لم تعد تُحتمل، زمّ شفتيه بقسوة، وزفر طويلًا، والدمع يلمع على حافة عينيه لكنه يأبى أن يسقط وهو يهمس.. "كيف سأطلبها مرّةً أخرى؟… وأي لعنةٍ هذه التي جعلتني أحتاجها كما يحتاج الظمآن ماءً لا يُرويه؟" كان يعلم أن الخطيئة لم تنتهِ تلك الليلة، بل بدأت، الكارثة أنه لم يعد يرى في جسده إلا عدوًا له، ولا في قلبه إلا ساحةً مفتوحة لذنبٍ يريد أن يتكرر، مهما حاول أن يقاومه.. نهض يامن فجأةً من الفراش كمن لدغته ندامةٌ لا تطفئها الراحة، خطا بخطواتٍ ثقيلة نحو الحمّام، أغلق بابه بإحكام، خلع ثيابه الداخلية بتوترٍ تلك الملطخة بخطيئته، وما إن دار مقبض الماء حتى انهمرت عليه قطرات الدش الباردة، تساقطت على جسده كسهامٍ توقظه، لكنه لم يجد فيها خلاصًا.. ترك رأسه منكسًا تحت اندفاع الماء، ينساب على شعره ووجهه وصدره، لكنه أحسّ أن كل قطرة تزيد من اشتعال النار التي بداخله، راح يضغط كفيه على الحائط المبلل، وصوته يخرج مبحوحًا مع أنفاسه: "لماذا… لماذا لا أستطيع أن أطردها من ذهني؟ لما هي تحديدًا، لقد عاشرت العشرات غيرها، ما المميز في جسدها كي أغدو أسيرًا مكبلًا به هكذا؟!" ارتجف، وأغمض عينيه بقوة وصورة ضي تعود إليه بقوة وخاصة تلك الارتجافة التي سرت في جسدها حين دخل بها… تلك اللحظات ظلت تسحبه تحت زخات الماء كأنها تُعاد أمامه في مشهدٍ لا ينتهي، كان يكره نفسه لأنه استسلم، لكنه في الوقت ذاته كان يزداد توقًا لتكرار ما جرى، وتلك اللعنة تترسخ بداخله أكثر كلما حاول محوها.. ابتلع ريقه بمرارةٍ وهو يهمس لنفسه: "إنها لن تخرج من قلبي… ولا من جسدي… أريدها مرة ثانيةً… وثالثة…" رفع وجهه إلى الماء المنهمر، كأنه يتطهر، لكن الغسل تحوّل إلى اعترافٍ صامت، في داخله، راح يخطط بلا وعي.. كيف يمكن أن يقترب منها مجددًا دون أن يفضحه أحد؟ كيف يخدع العيون والقلوب التي تحيط بها؟ وكيف يقنعها أن تستسلم له مرةً أخرى، برغم ما فعله بها؟ ضرب الحائط بكفه، فارتجّ صداه في ذلك المكان الضيق، بينما ترددت صرخته المكتومة عبر البلاط المحيط به، لم يعد يعرف إن كان عدوّه هو شهوته، أم ضعفه، أم تلك الفتاة التي صارت لعنةً تجري في دمه.. أدار وجهه جانبًا، والماء يتدفق على وجنتيه كدموعٍ مصطنعة، وهمس كأنه يقسم: "سأجد سبيلًا إليها… حتى لو احترقتُ بذنبي." ***************** لم يستغرق الطريق طويلًا، لكن تولاي شعرت أنه أطول دربٍ مشت فيه في حياتها، قدماها كانتا تجريان أسرع مما يحتمل قلبها، وكل ثانيةٍ تمرّ كانت تزيدها خوفًا على أختها التي لم تعرف عنها يومًا أن تنهار أو تطلب نجدة مهما حاولت إظهار كونها رقيقة وحالمة.. وصلت إلى المكان الذي دلّها عليه الهاتف، كوخٌ مهجور عند أطراف الطريق الترابي، تحيطه أشجار ملتوية كأنها شهودٌ على ما لا يُقال، ارتجف قلبها وهي تدفع الباب الصدئ، وصوت صريره قد شقّ الصمت في هذا المكان الخَرِب فانتفض جسد ضي في موضعها، وحين دخلت تولاي رأت المشهد الذي لم تتخيل حتى أن تراه في أسوء كوابيسها يومًا! كانت ضي ممدّدة على الأرض، جسدها ملتف حول نفسه كطفلةٍ ترتجف في رحم الألم، ملابسها ممزقة، شعرها مبعثر على التراب، ووجهها غارقٌ بين دموعٍ جافة وعينين تائهتين لا تركّزان على شيء، بدت كأنها عائدة من عالمٍ آخر… عالمٍ سلب منها الحياة.. شهقت تولاي بصوتٍ مسموع، وانكسر صوتها في حلقها، وهرعت إليها وارتمت على ركبتيها بجوارها، وذراعاها تحيطان بجسد أختها الممزّق، وهي تسألها بصوتٍ مبحوح: ــ ضي يا أختي… ردي عليّ، تراي هِـني! لكن ضي لم تُجيبها، ولم تكن تملك صوتًا لتردّ به، فقط نظرت إليها بعينين غارقتين في العار والانكسار، ومدّت يدها المرتجفة تتشبث بأصابع أختها كما يتعلق الغريق بآخر خشبة نجاة.. انهارت تولاي باكية وهي تحتضنها، وجسدها كله يرتعش كأنها منقضّة على نفسها، لا تدري أيهما الموجوع أكثر.. هي التي ترى بعينيها الخراب الذي حلّ بأختها، أم ضي التي عاشت الجحيم بأكمله.. انهارت ضي بين ذراعي شقيقتها تولاي، كطفلةٍ تبحث عن أمانٍ تائه، جسدها يرتجف وروحها تحترق ببطء، غارقة في ظلامٍ كئيب أفظع من غرقها في دمائها المُساله وملابسها الممزقة، كانت الليلة أطول من أي وقت مضى، مثقلةً بذكرياتٍ سوداء، تدرك أن كل لحظة منها ستلاحقها حين تواجه أباها الذي قد يقتلها بهدوءٍ وصمت، وكأن شيئًا لم يحدث.. توقفت تولاي عن البكاء وتصلبت في مكانها، وجسدها كله أصبح كالصخر، ووجهها شاحبٌ وقد هرب الدم منه فجأة، وهي ترى دماء عذرية شقيقتها على الأرضية تختلط بالتراب، فتأملت جسد أختها الغارقة في الألم بين ذراعيها، عاجزة للحظة عن استيعاب ما تراه، كان المشهد أمامها ينهش قلبها بلا رحمة، فأختها، جزءٌ من روحها، تحولت إلى شبحٍ ممزق، كائنٍ يبحث عن ملاذٍ آمن، والعالم بأسره قد تحالف ضدهما.. ابعدتها تولاي عن صدرها وظلت تحدق في وجهها المكسور، بعينين مذهولتين لا تستوعبان ما جرى، كان عقلها صامتًا، مشوشًا، بينما أفكارها غرقت في ضبابٍ كثيف يمنعها من رؤية أي مخرج، للحظة شعرت أنها معلّقة في هذا الفراغ المؤلم، عاجزة، لا تدري إن كانت قادرة على إنقاذ أختها أو حتى نفسها من هذا الجحيم.. ولكن، وسط ذاك الضياع، اشتعل بداخلها شعورٌ آخر، إحساسٌ بالقوة يتسلل عبر أوصالها، يُشعل قلبها بالغضب المتقد، لم تعد تلك الأخت القوية، الهادئة التي تكتفي بتلك الحواجز التي تصنعها من حولها، بل تحولت إلى شيء آخر، شيء لا يمكن إيقافه، لمعت عيناها بتصميمٍ غريب، وكأن روحًا جديدة قد حلت فيها، روحًا رافضة أن تُذل أو تتراجع.. نظرت إلى ضي بنظرةٍ مختلفة، مليئةٍ بالعزم، وأمسكت بيدها بقوةٍ وهي تقسم لها على شيءٍ دفين، في تلك اللحظة، أدركت تولاي أن أختها لن تكون وحيدة أبدًا في هذا العذاب، وعدت نفسها سرًا، في صمتٍ شديد، أن تأخذ حقها بأي ثمن.. تطلعت للأفق بعينين متوقدتين، مصممة على أن تنتزع حق شقيقتها ممن سلبها حياتها حتى لو كانت هذه المعركة الأخيرة لها.جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاكين صدئة، مطلبان كلاهما ألعن من الآخر..أن يُسلّم له عمته، المرأة التي طالما كانت عزيزة مكرمة، مدللة بين آل الجعافرة، لتُلقى في حضن ولده الذي لا يعرف الرحمة، وتذهب لقصرهم كزوجة ثانية بعد أن اعتادت العزة والكرامة… وأن يبيع تجارته، عِرق جبينه، ووجاهته بين الرجال، ذلك الإرث الذي صنع مكانته بينهم..لكن المال لم يكن يعني شيئًا لشاهين، ولا التجارة بقدر ما كان يعنيه غسق، اسمها وحده كان كفيلًا بأن يحرق ما تبقى من اتزانه، أرادها، ولا شيء سواها..ولكن بأي ثمن؟اقترب من النافذة، نظر إلى ظلام الليل الممتد، والريح تضرب النوافذ الزجاجية فتئن وكأنها تعكس أنينه الداخلي، رفع يده ليمسح جبينه المبتل بالعرق، لكنه لم يجد في ملامحه سوى صورة رجلٍ يُساق إلى الهاوية بخطاه هو..قال لنفسه بصوتٍ
حينها فقط أدركت الكارثة…أن ما سُلب منها لم يكن جسدها وحده؛ بل روحها، واسمها، ومكانتها في مجتمعٍ يتقن جلد الضحية ويغضّ الطرف عن الجاني، أحسّت أن الموت أقرب إليها من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية..ارتجفت أصابعها وهي تزحف على التراب مثل طفلةٍ تحبو في عتمةٍ باردة، حتى وصلت إلى حقيبتها المرمية قرب الجدار، مدّت يدها المرتعشة تفتّش عنها وكأنها تبحث عن طوق نجاةٍ وسط غرقٍ لا ينتهي، وجدت الهاتف الصغير مطمورًا بين أشيائها، فانتشلته بيدٍ مرتجفة، واهتزّ قلبها حين رأت شاشته تومض بعشر مكالمات فائتة من "تولاي" شقيقتها و نصفها الآخر، ظلّها الذي لا يفارقها.لم يكن في حلقها صوتٌ لتردّ به، لكن أصابعها ضغطت زر الإجابة، أتى صوت تولاي على الطرف الآخر، متسارعًا، مرتجفًا، متقطّعًا بأسئلةٍ متلاحقة لا تنتهي، لكن ضي لم تستطع أن تنطق، تحرّكت شفتاها ولم يخرج سوى هواءٍ خافت، أنينٌ مبحوح لا يشبه الكلام، سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف كالقصبة في مهبّ الريح، وانهارت على الأرض تبكي بصمتٍ يقطع نياط القلب، صمتٌ أقسى من أي صراخ..رفعت الهاتف مرةً أخرى بأصابعٍ مرتعشة، وكتبت لتو
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر







