LOGIN(2)
دخل يامن الغرفة فجأة كما لو كانت الرياح تدفعه بقوة، تسارعت خطواته بطريقة تُعبر عن كل ما يعصف به من غضب وكراهية، كان وجههُ مشدودٌ وعيناه غارقتان في عاصفة من الغضب، لكن لسانه كان عاجزًا عن إطلاق الكلمات في البداية، أغلق الباب خلفه بعنف حتى أن الصوت الذي خرج من إطباقه قد انتزع الحياة من الغرفة..
كانت زهرة جالسةٍ على المقعد وعيناها تتابعانه بصمت، قلبها ينبض ببطء كما لو أنها كانت تشعر بشيء يقترب، لكن لم تكن تعرف بعد ما هو..
كان يامن أمامها ولكن لم يكن ذلك الرجل الذي عرفته يومًا، الشاب الذي كان يضحك ويمرح ويهون عليها مصاعب الحياة، هذا كان رجلاً آخر لا يعرف الرحمة ولا يرحم نفسه، واجهها يامن بعيون نارية وكأن قلبه يصرخ قبل أن تخرج الكلمات من فمه:
– زهرة... كفى! لن أستطيع الاستمرار هنا! لا يمكنني العيش في هذا المكان أكثر من ذلك!
كان صوته يعلو وهو يردد الكلمات وكأنها فريسة تُحاصره حتى أن الهواء صار ثقيلًا عليه وهو يصك أسنانه بغضبٍ قائلًا:
– أنا لم آتِ من كندا لأقضي بقية حياتي في هذا البلد... أريد العودة حالًا، مهما كان الثمن! لقد بلغتُ أقصى حدود احتمالي... أفهمي هذا!
كانت زهرة تعرف أن الكلمات تشتعل بداخله، ولكن هناك شيء في صوته لا يشبهه، نعم لقد كان الغضب واضحًا لكن وراءه هناك خوف حقيقي وكأن هذا الشخص الذي أمامها لم يعد يعرف من هو وهذا مؤشر لا يأتي بخيرٍ أبدًا!
نهضت بهدوء وتحركت تجاهه لكنها شعرت بأن هناك مسافة لا يمكن عبورها قد ظهرت بينهما، فقالت بصوت هادئ محاولةٍ أن تجد طريقًا نحو عقله المضطرب:
– ما الذي تغيّر يا يامن؟
– أنا أعلم جيدًا أنك لست راضيًا عن هذا المكان، ولا أنا أيضًا أحببته، ولا أجد نفسي قادرة على التعايش فيه… لكن الحياة لا تأتي دائمًا كما نشتهي، هناك أمور لا نملك التحكم بها،
ولكن يمكننا تجاوزها معًا، إذا تمسّكنا ببعضنا البعض.
قاطعها بصوت كالصخر المتصدع، تتخلله نبرة قاسية متأججة كأن كلماته تستمد حدتها من النار التي تأكله من الداخل:
– أنتِ لا تدركين ما أمرّ به! كل شيء من حولي ينهار، وكل ثانية تمرّ هنا تضغط على صدري، تخنق أنفاسي، تسجنني أكثر فأكثر!
– لا أستطيع الاحتمال بعد الآن... لا يمكنني العيش تحت هذه القيود الخانقة! حتى وإن كان الثمن حياتي... كفى!
ثم اندفع مردفًا بصوت يحمل في طياته الغضب والعجز وقد انفجرت مشاعره في لحظة:
– لستُ هنا لأؤدي دورًا لا يشبهني،
أنا لطالما كنتُ شابًا حرًّا، منطلقًا، أفعل ما يسعدني ويشبهني، ثم وجدتُ نفسي في مكان غريب، كل شيء فيه "عيب"... "لا يليق"... "لا يصح"...
ولا أحد يشرح لماذا!
أنا لا أفهم حتى سبب وجودي هنا من الأساس!
كانت زهرة تراقبه بعيون مثقلة بالحيرة، تقرأ في ملامحه معركة شرسة بين اليأس والغضب، كانت الكلمات التي ألقاها كالسكاكين التي تُقطع الهواء بينهما، أحست بوجع دفين ليس بسبب كلماته وحدها بل بسبب ما كان يخفيه وراءها، لم يكن اعتراضه على المكان أو الوضع فقط، بل كان انعكاسًا لخوفٍ يلتهمه من الداخل، لخسارة تتربص به في الظلام...
اقتربت منه بخطوات بطيئة تحاول ألا تشعل مزيدًا من النيران بينهما ثم قالت بصوت أقرب للهمس ونبرة تحمل كل ثِقل الحقيقة:
– إن عدتَ إلى كندا… ستموت، هل تفهم ذلك؟
لقد فررنا من هناك لأن لا عودة ممكنة،
وإن فكّرنا في الرجوع، فالموت سيكون أهون بكثير مما قد يحدث لنا.
تجمد في مكانه وقد ارتطمت الكلمات التي خرجت من شفتيها بجدار قلبه وتركته مشلولاً للحظات، عيناه شردتا في اللاشيء، وعقله ظل يبحث عن مخرج وسط الفوضى، ثم تحرك فمه بصعوبة وقد صار النطق حملًا ثقيلًا على لسانه:
– كيف؟! ماذا تعنين بأنك لم تجدي حلاً لكل هذا؟!
صوته كان أشبه بظلٍ ضعيف لما كان عليه قبل لحظات، وكأن السؤال استنزف منه بقايا القوة وهو يتابع بمرارة:
– كيف تطلبين مني أن أنسى كل ما عشته هناك؟ كيف أعيش هنا وأنا محاصر بالخوف في كل زاوية من زوايا هذا القصر البغيض؟
زاغ بصره واشتعلت حدقتيه وهو يبتعد عنها بحنقٍ ويهز رأسه برفض قائلًا:
– حين دفعتِني للمجيء إلى هذا المكان، لم تخبريني أن الأمر سيكون هكذا!
تقدمت زهرة نحوه و خطواتها مُثقلة بالواقع الذي تحاول أن تجعله يتقبله وكل كلمة منها كانت تمثل جسراً هشاً بينهما:
– نحن في حرب يا يامن، وهذه الحرب لا منتصر فيها منّا، الهروب لن ينقذك، بل سيجعلك تهلك أكثر، لكن إن بقيت هنا... ربما تجد طريقًا، ولكن عليك أن تكون مستعدًا لدفع الثمن.
لم يكن يامن في حالة تسمح له برؤية ما وراء كلماتها، قلبه كان يصرخ قبل أن ينطق وأخيرًا خرجت منه صرخة مفعمة بكل ما يحمله من وجع وتمرد:
– أنتِ لا تفهمين شيئًا! لقد أخبرتك أنني لا أستطيع العيش هنا! لا أستطيع أن أبقى وأرى كل شيء ينهار من حولي... أنا أتحطم يا زهرة، ولا أريد أن أفعل شيئًا أندم عليه، أريد العودة، مهما كان الثمن... أنا مستعد لمواجهته، حتى وإن كانت تلك هي نهايتي.
كانت كلماته تندفع كالسياط، تُمزق الهواء وتجلد قلب زهرة دون هوادة، كان يقف أمامها كإعصارٍ هائج، ملامحه تنبض بالغضب الذي تحوّل إلى عدو مستتر، عدو لا يفرق بين الحبيب والغريب، عيناه اللتان طالما كانتا ملاذًا لها أصبحتا الآن كسيفين يحدقان بها، يقيدان كل محاولاتها للوصول إليه..
صرخ بصوت مشبع بالقهر و كل كلمة تخرج من فمه تحمل عبئًا أثقل من سابقته، وأضاف بصوت يقطر لائمة واحتقانًا:
– أنتِ السبب في كل هذا! لقد جئتِ بي إلى مكان لا يحتوي سوى على عادات وتقاليد مُقزّزة، ثم تريدين مني أن أعيش هنا؟ هذا جنون!
كانت يده مشدودة بعنف وكأنها تقبض على الفراغ الذي يلتهم كل أمل حولهما، عيناه المتوترة تحومان حول المكان وهو يبحث عن مهرب لا وجود له، بينما ظل يدور في حلقات كمن لدغه عقرب..
ظلت تراقبه بصمت ثقيل وهي تحاول أن تجد كلمات تمتص غضبه، كلمات تحمل إليها شريان حياة ينقذ ما تبقى بينهما بينما حاستها الأنثوية التقطت إشارات توحي لها برغبة الشديدة في تفريغ شهوة لم يعد يستطيع التحكم بها، أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بصوت هادئ لكنه مثقل بالقلق:
– يامن… نحن لسنا في نزهة، ولسنا في مكان اخترناه بإرادتنا، كل خطوة خطوناها هنا كانت لحماية أنفسنا، عليك أن تدرك أن البقاء هنا ليس خيارًا… بل هو قَدَر!
لكن كلمتها الأخيرة كانت الشرارة التي أشعلت النار فيه من جديد، التفت إليها سريعًا وجهه مشدود كوتر مشحون بالغضب ورد بنبرة حادة كالخنجر:
• قَدَر؟! أنا لا علاقة لي بقدرك أنتِ! سرت خلفك دون تفكير، وثقت بكِ، لكن الآن؟ لم أعد أصدق أن هذه حياتي… لن أبقى هنا من أجل أحد!
كلماته كانت كسيل من الحجارة يسقط على صدرها، لكنها برغم الألم تقدمت نحوه خطوة بخطوة وكأنها تحاول أن تصل إلى قلبه المتواري خلف هذا الجدار السميك، وقالت بصوت حمل محاولة أخيرة لإنقاذه:
• يامن، أفهمني أرجوك… إن خرجنا من هذا المكان وذهبنا إلى أي بلدٍ آخر، حتى وإن لم نعد إلى كندا، ستكون النهاية أفظع مما تتخيل. نحن هنا نحاول أن نعيش… أما في الخارج؟ فالموت بانتظارنا، وأنت تعلم ذلك جيدًا!
توقف للحظة وهو يزن كلماتها التي أخمدت قليلاً من النيران المستعرة داخله، نظر إليها لكن تلك النظرة لم تكن تحمل سوى خليط من الضياع والتحدي، ثم تمتم بصوت منخفض وكأن الحديث مع نفسه:
– وما الفرق؟ كل الطرق تؤدي إلى الهاوية... فلا تلوميني حين أختار أنا النهاية.
شعرت زهرة بداخلها يتفتت لكنها جمعت ما تبقى من شجاعتها محاولة أن تصل إليه:
– الفرق أنك هنا معي... أننا نواجه كل هذا معًا،
– أنا لا أستطيع أن أتحمّل هذا وحدي، و...
قاطعها بنبرة مملوءة بالبرود وكأن قلبه قد أغلق أبوابه تمامًا:
– لستُ مهتمًا بما تقولينه، إن أردتِ البقاء هنا، فابقي وحدك...
أنا راحل على أي حال، برضاكِ أو رغمًا عنك.
كانت الكلمات كسكين غرز في صدرها، لكنها رفضت أن تظهر ألمها، وقفت هناك تحدق فيه وهي تأمل أن يغير رأيه في اللحظة الأخيرة، لكنه لم يفعل.. استدار وتركها في مواجهة فراغ لم تعرف كيف تملؤه!
ورغم ذلك وفي عمق الألم الذي كان يمزقها، شعرت بشيء جديد يشتعل داخلها، شعور ليس بالغضب بل بالإصرار، لم تكن زهرة مستعدة للانهيار.. ليس الآن وليس بسبب ولدٌ مثل يامن مجرد كأس خمر وفتاة جميلة سينسى كل ما تفوه به.. وقفت في مكانها تحملق في الطريق الذي سار فيه ورددت بصمت:
"حتماً سأجد حلاً."
ـــــــــــــــ
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته
ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…
كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا
كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته ق
استيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظل







