Masukلم يغمض لتولاي جفنٌ تلك الليلة، جلست إلى جوار سرير ضي، تُحاذي رأسها بقلقٍ متيقّظ، كحارسٌ يخشى أن يفلت منه سرّ الحياة في غفلة، كان الضوء الخافت المنبعث من المصباح الجانبي يُلقي على وجهيهما ضوءً مرتعشًا، بينما الليل في الخارج يزحف نحو نهايته ببطءٍ متعمد..
جسد ضي الهش، كان يرتجف بين الحين والآخر ارتجافًا أشبه برعشة خوفٍ من كابوسٍ لا يرحم، كانت تصحو مذعورة، أنفاسها متقطّعة، عينان واسعتان تلمعان بالدموع، ثم تعود لتغفو في أحضان كابوسٍ آخر، وكلما انتفض جسدها، امتدت يد تولاي سريعًا، تُربّت على كأغلق مالك باب الغرفة خلفه بهدوءٍ هذه المرة، لا بعجلةٍ كما فعل قبل قليل، ولا ببرودٍ كما اعتاد في الأيام الماضية. كان الليل قد تمدد فوق البحر كله، وتحولت المياه خلف النوافذ الزجاجية الضخمة إلى مساحة سوداء لا يُرى منها سوى لمعان الأمواج كلما اصطدمت بالصخور المحيطة بالقصر. ساد الصمت للحظات. صمتٌ مريح... ذلك النوع النادر من الصمت الذي لا يُشعر الإنسان بالوحدة، بل بالطمأنينة. كانت ملك تقف عند الشرفة، تستند بكفيها إلى السور الحجري، بينما تعبث نسمات البحر بخصلات شعرها. لم تلتفت نحوه فور دخوله. لكنها عرفت أنه عاد. شعرت به. كما تشعر الأرض بالمطر قبل أن يهطل. استدارت ببطء. والتقت عيناها بعينيه. تلك النظرة وحدها كانت كافية لتختصر أيامًا طويلة من الغضب والعناد والاشتياق. بقي مالك واقفًا عند الباب للحظات. يتأملها. وكأنه يراها للمرة الأولى. كانت ملامحها أكثر هدو
انطفأت آخر زغرودة طويلة داخل خيمة النساء، ثم انكسرت إلى ضحكاتٍ متفرقة وهمساتٍ خافتة، كأن الفرح نفسه بدأ يلتقط أنفاسه بعد ساعاتٍ من الضجيج والاحتشاد.في تلك اللحظة، وقفت غسق.نهضت ببطء من مكانها بين النسوة، فانسابت الأقمشة الداكنة حولها كجدولٍ ليليٍّ ينساب فوق الرمال، وتعلقت بها عشرات الأعين دفعة واحدة.لم تعد مجرد فتاة من العُسيرات.أصبحت الآن عروس الميزان...العهد الذي اجتمعت لأجله ثلاث عائلات، والكلمة التي أُغلقت بها أبواب الثأر المفتوحة منذ أعوام طويلة.اقتربت منها إحدى النساء المسنّات، فعدّلت طرف غطائها فوق رأسها بحنانٍ خشن يشبه حنان نساء البادية، ثم ربّتت على كتفها وهمست بشيءٍ لم يسمعه أحد.لم تُجب غسق.اكتفت بهزة خفيفة من رأسها.كانت تشعر بأن قلبها يضرب ضلوعها بقوة غير معهودة، لا خوفًا تمامًا، ولا رهبة خالصة، بل شعورًا معقدًا يشبه الوقوف على حافة وادٍ عميق، تعرفين أنكِ مضطرة لعبوره مهما كان ما ينتظركِ في الجهة الأخرى.ارتفعت الزغاريد من جديد.هذه المرة كانت أعلى.أطول.
حركت السفينة أشرعتها بعنف على مياه البحر، والأمواج تتلاطم بجانبها كأنها تحاول عرقلة تقدّمها، حتى توقفت أمام صرح ضخم من الحجر، قصر جديد شامخ يلوح في الأفق، جدرانه ترسم خطوطًا من القوة والسيادة، حتى أن الزمن قد توقف عند عتباته..نزل مالك أولًا، يده على جانبه بثبات، عيناه تراقبان المحيط بحدة، ثم تبعه معاذ، قلبه يخفق بسرعة، نظراته تتنقل بين البحر والقصر، حتى دخلت عائشة، وجهها يحمل دهشة ممزوجة بخوف، لكنه خفي تحت حذرها، وتلتها ملك، عيناها تتسعان لرؤية البناء الضخم، وشعور بالغموض يسيطر عليها..وقفوا عند بوابة القصر، الجنود من حولهم يتحركون بانضباط عجيب، نظاراتهم تتلألأ تحت الشمس المنخفضة، وأسلحتهم جاهزة للحماية، كل شيء يخضع لأمر واحد: الأمان الكامل لكل من سيدخل هذا القصر..نظر مالك إلى ملك، وبصوتٍ عميق هادئ، يحوي الثقة والسيطرة أشار إليها:-تعالي، سأعرفكِ على غرفتك.ابتلعت كلمة (غرفتك) بصعوبة فهو لم يقل غرفتنا، وسارت خلفه ببطء حتى صعد الدرج ووصل لغرفة رئيسية بعد الممر، لتقع عينيها على الأرضية الخشبية المزينة بالسجاد الفاخر، بينما الجدران مرصعة بزخارف دقيقة، والضوء
وفي هدوء ذلك الليل الصاخب، حين خفتت أصوات الخيم وارتخت الأنغام، تسلل يامن من غرفته كظلٍ طويل، خطواته خفيفة لكنها محملة بعزم لا يعرف التردد، قلبه ينبض بسرعة تكاد تسمعها أذناه، وعيناه تلمعان بشهوة متوهجة لا تسيطر عليها سوى فكرة واحدة: ضيركب عربته بصمت، محركها هامس بالكاد يُسمع، وسار في الطرقات الرملية تحت ضوء القمر الفاتح، كل مطب وكل صخرة تمر تحت عجلاته كانت تضاعف شعوره بالإثارة والخطر معًا، لم يكن يامن يبحث عن المغامرة فقط، بل عن قربها، عن رؤية تفاصيلها التي تلازم مخيلته نهارًا وليلاً منذ أن ذاق حلاوتها..وصل إلى بيت ضي، منزلها الهادئ الذي يختبئ بين أصوات النخل وأحجار الساحة، لف حوله عدة مرات، يراقب النوافذ المضيئة والظلال المتحركة، حتى لمح شباكًا مفتوحًا في الطابق العلوي، نافذة صغيرة تطل على غرفتها..اقترب بخفة، صاعد بعناية على الصخور والدرج الخشبي القديم، حتى بلغ الشباك، تنفس بعمق، قلبه يكاد ينفجر من الحماس، ثم دخل من الفتحة، هادئًا كنسيم الليل، ووصل إلى غرفة ضي..هناك، على الفراش، كانت ضي مغمضة العينين، غارقة في نومها العميق، لا تعرف أن أحدهم اقترب من حض
وعند مدخل الخيمة، ظهرت تولاي..لم تدخل كمن يبحث عن الترحيب، كانت تعرف جيدًا طريقها مُسبقًا، لذا جاءت متغطيّة بثوبٍ داكن، رأسها مغطّى بإحكام، لا يظهر منها سوى عينيها، حادتين، يقظتين، تتحركان قبل جسدها..خطوتها ثابتة، تقيس الأرض تحت قدميها، رفعت طرف الستار ودخلت بابتسامة زائفة تُخفي ما بداخلها من قلقٍ على ضي التي تركتها وهي تشعر أن الليلة لن تمر بسلام كما خططت، حضورها كان سعادة لغزل التي كانت طالبة عندها في المرحلة الثانوية قبل أن يُخرجها والدها من المدرسة للزواج، احتضنتها بحراره وباركت لها زيجتها ثم جلست النساء جميعهم في حلقات متصلة، وغَزَل في المنتصف، محاطة بقريباتها وصديقاتها، وهناك ضحكات متداخلة، وأيدٍ ترتّب شعرها، وأصوات زغاريد متقطعة كأنفاس فرحة عارمة..اختارت تولاي مكانًا جانبيًا، قريبًا من عمود الخيمة، بحيث ترى ولا تُرى، جلست، وأسندت ظهرها، وأسقطت كفيها في حجرها، لكن عقلها لم يجلس معها..في الخارج، حيث خيمة الرجال، كان يمان واقفًا وسط الجمع، يضحك، يتبادل الحديث، ينحني ليسمع كلماتهم وسط ذلك الصخب، ثم يرفع صوته ليُسمع حتى لمحها..لم يرَ وجهها، ولم
ساد صمتٌ أعمق، صمت لا ينتظر صوتًا بقدر ما ينتظر قرارًا، حتى تحرّك الطرف الثالث من الساحة… الواقاداب..لم يأتِ دخولهم صاخبًا، ولا متأخرًا، جاء مضبوطًا في معاده المحدد، و كل خطوة منهم وُضعت في ميزان قديم..رايتهم لم تُرفع عاليًا، ولم تُنكس، كانت في مستوى الصدر… لا خضوع فيها ولا تعالٍ، وفي المقدّمة، كان عمّار...تقدّم عمّار وحده، وخلفه رجال عائلته في صفٍّ متماسك، وبين الصفّين، على مسافة محسوبة، سارت ابنتاه..لم تكن مشيتهما بطيئة، ولا متردّدة، بل مشية من يعرف أنه يُقدَّم اليوم عهد وميثاقًا غليظًا، توقّف عمّار في منتصف الساحة و رفع رأسه إلى الرجال الكُبار من العائلتين، وهو يواجه التاريخ لا الحضور، خرج صوته عميقًا، خاليًا من الزخرفة:-أنا عمّار الواقاداب… واليوم جايكم بصدري قبل لساني.أشار بيده إلى جانبه، حيث وقفت حفيدتاه ثابتتين:هذول بناتي… ما هم عرض، ولا فِدى، هم عهد أقدّمه بيدي.سحب نفسًا قصيرًا، ثم أكمل بنبرة أثقل:الدم اللي بينا وبين الجعافرة، أعلنه اليوم واقف.لا أطالب بثأر، ولا أفتح باب قديم.التفت قليلًا ناحية شاهين وجعفر، و
ارتجفت شفتاها وهي تهمس بخفوتٍ مبحوح:ــ لكنك لا تفهم… أنا… لا أستطيع… لا أحتمل حتى التفكير بها.اقترب أكثر، حتى صار صوته يهمس قرب أذنها كنسمةٍ حانيةٍ تنحت الطمأنينة نحتًا في قلبها:ــ بل تستطيعين… لأنني معكِ، هذه المرة لن تكوني وحدكِ، سأكون يدكِ التي تمسك بكِ إن اهتزت الأرض، وسأكون
تقلّبت ملك بين ذراعيه كطيرٍ جريح يحاول أن يلمّ بقايا قوته، لم يكن حضنه هذه المرة ملاذًا كاملاً لها، بل جدارًا يصدُّ عنها حقيقةً أضخم من أن تُحتمل، رفعت رأسها من على صدره ببطء، وعيناها تسبحان في غيمٍ رماديّ أثقل من الدمع، ثم تمتمت بصوتٍ مرتجفٍ لكنّه حاسم:ــ مالك… أنا… لا أستطيع البقاء في هذا
جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاك
حينها فقط أدركت الكارثة…أن ما سُلب منها لم يكن جسدها وحده؛ بل روحها، واسمها، ومكانتها في مجتمعٍ يتقن جلد الضحية ويغضّ الطرف عن الجاني، أحسّت أن الموت أقرب إليها من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية..ارتجفت أصابعها وهي تزحف على التراب مثل طفلةٍ تحبو في عتمةٍ باردة،







