LOGINاسندت ظهرها للحائط من خلفها و يداها تضغطان على رأسها في محاولة لإيقاف كل تلك الأصوات التي تحاصرها، لكن صوت معاذ ظل يتردد في عقلها، يطاردها ككابوس لا تستطيع الهروب منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ركب مالك السيارة التي كانت تنتظره أمام المقر السري، وداخل السيارة غلفه صمتٌ مشحونٌ بالتوتر، الهواء كان باردًا على نحو غير معتاد، وصوت المحرك مسموع بوضوح وسط سكون الليل الذي خيَّم على المدينة..
الظلام كان كثيفًا، لكن عينيه كانتا مشتعلتين بأفكارٍ مشوشة، تركّزت بالكامل على ما سيقوله له الرئيس بعد قليل، كان يحاول ترتيب كلماته، تهيئة نفسه لأي احتمال، كأنما يجهز نفسه لمعركة لم تبدأ بعد..
كل شيء في داخله كان يتحرك بسرعة، عقله يعمل بأقصى طاقته كما لو أن الزمن يطارده، ولم يكن يعرف ما إن كان هذا اللقاء سيكون نقطة تحول في مسيرته… أم بداية نهايته..
كان يراقب الطريق بصمت، ووعيه غارق في مشاعر متضاربة، لم يكن يعلم تفاصيل المهمة بعد، لكنه يعرف أن المجهول الذي ينتظره لن يكون سهلًا، وأنه مهما كانت الأوامر القادمة، فلن يكون هناك مجال للخطأ...
وصلت السيارة إلى الموقع المحدد حيث كانت الهليكوبتر تقف في الظلام، بلا أي أضواء سوى تلك الخافتة المنبعثة من داخلها، وكان الطيار في انتظاره.
نزل مالك من السيارة ببطء، خطواته كانت هادئة، لكنها مثقلة بإحساس داخلي لم يعرف له تفسيرًا… إحساس يخبره أن ما هو قادم، ليس مجرد مهمة أخرى..
سأله الطيار بنبرة هادئة:
– جاهز يا أمير المؤمنين؟
أجاب مالك بصوت ثابت كأنما يخاطب نفسه قبل أن يرد على الطيار:
– نعم.
ركب مالك الطائرة وأخذ مكانه بهدوء، الحركات كانت سريعة ومباشرة والهواء في الداخل كان مشبعًا برائحة محرك الطائرة وصمت يشوبه الحذر، بدأ الصوت العميق للمحركات يعم المكان وارتفعت الطائرة في السماء الداكنة...
كان الظلام يلف المكان من حولهم وكل ما كان يراه مالك هو نقاط الضوء البعيدة التي كانت تشير إلى أماكن مجهولة، كانت الطائرة تحلق بسرعة كما لو كانت تنقل مالك إلى مكان لا عودة منه...
في أثناء الرحلة كانت أفكار مالك تتسابق مع الوقت، وكأن العملية التي سيكلِّف بها عبارة عن قنبلة موقوتة ويجب عليه أن يتعامل معها بكل دقة لأنها قد تكون بداية لأحداث خطيرة!
سمع الرئيس ومساعديه وهو ينتصت عليهم، أنها عملية انتحارية في بلد أجنبي والهدف هو إخفاء كل أثر يمكن أن يفضح هويتهم، كان يتعين أن تكون العملية مُحكمة وكأنها عمل إرهابي من تنظيم معروف، وبالتالي لابد من أن تُنفذ بأدق التفاصيل...
تراكمت مشاعر القلق والخوف في صدره، لكنه كان يُصمم أن يظل هادئًا، الرئيس يريد أن يضع ثقته فيه وكان مالك يعلم أنه إذا فشل في هذه المهمة فلن تكون هناك فرصة أخرى له، كان كل شيء يعتمد على دقة تنفيذ الخطوات واختيار التوقيت المثالي...
فتح حاسوبه وألقى نظرة سريعة على المقر المتوجه إليه عبر القمر الصناعي الذي يراقب الجميع من خلاله، ثم وضع سماعات الأذن الخاصة به ليسمع إلى الرئيس ومن حوله ليعرف بقية كل ما يدور خلف ظهره..
وبعد ساعات من التحليق وصلت الطائرة إلى وجهتها، كانت المنطقة محاطة بالأشجار الكثيفة، والموقع كان بعيدًا عن أي أعيُن فضولية، تحرك مالك بسرعة ليغادر الطائرة حيث كانت أضواء باهتة تظهر من بعيد، تكشف عن المكان الذي كان يتوجه إليه، عندما هبط من الطائرة شعر بشيء غريب في الجو بينما الأرض تحت قدميه تحمل أسرارًا لا يمكن كشفها ولكنه بالطبع سيعرفها حتى لو أبت..
كانت الأرض مغطاة بالحشائش الكثيفة، والشجر يلتف حولهم من كل جهة، لم يكن هناك ما يدل على أي نوع من الحضارة كان كل شيء غريبًا تمامًا كما شاهد، دخل مالك إلى المكان بحذر وعينيه تراقب تفاصيل البيئة المحيطة، ما إن اقترب من الكهوف الصخرية العميقة حتى شعر بوجود شيء غير مرئي يراقبه، كانت هذه الأماكن هي مخبأ الرئيس الذي اختارها بعناية...
عندما دخل إلى المكان المظلم جلس الرئيس في انتظار مالك وجاءت كلماته الباردة تُنذر بما هو أعظم:
– Malek, you're finally here.
"مالك، أنت أخيرًا هنا."
قال الرئيس بنبرة هادئة ولكنها كانت تحمل قسوة ما وراء الكلمات.
اقترب مالك منه وجلس أمامه، كانت الأنوار الخافتة في الغرفة تزيد الجو سريالية وغموضًا، نظر الرئيس إليه بثبات ثم بدأ كلامه الذي لم يحتمل فيه حتى لحظة تردد: "The operation I am assigning you is extremely delicate, and it must be carried out in a way that leaves no traces behind. It’s an operation that needs to look like a terrorist attack from a specific group, and it must be executed flawlessly."
“العملية التي أكلفك بها حساسة للغاية، ويجب أن تتم بطريقة لا تترك أي آثار خلفها، هي عملية يجب أن تبدو وكأنها هجوم إرهابي من مجموعة معينة، ويجب تنفيذها دون أخطاء.”
أخذ الرئيس نفسًا عميقًا وهو يواصل بلهجة حاسمة:
"This operation will be in a foreign country, and the consequences of failure are catastrophic. If the world suspects any involvement from us, it will be the end. You have to make sure that everything points in the right direction, and that you leave no room for doubt."
“العملية ستكون في بلد أجنبي، وعواقب الفشل ستكون كارثية، إذا شك العالم في أي تورط لنا ستكون النهاية، عليك أن تتأكد من أن كل شيء يشير في الاتجاه الصحيح، وألا تترك مجالًا للشك.”
ظل مالك ينصت باهتمام دون أن ينبث ببنت شفه، كان يعرف مسبقًا من تصنته على الرئيس وأعوانه مدى خطورة هذه المهمة، التي لم تكن عادية، بل كانت معركة خفية قد تكلفه حياته إذا أخطأ ولو لمرة واحدة، كانت عيناه تحدقان في الرئيس وهو يجيب:
– هل هناك أي شيء آخر يجب أن أعرفه؟
أجاب الرئيس بصرامة وكأنما يضع النقاط على الحروف:
"You must make sure that the timing Is perfect. This must appear like an attack that could only have been planned by a highly organized group. Any mistake will lead to disaster. Make no mistake, this Is as close to suicide as It gets."
"يجب أن تتأكد من أن التوقيت دقيق تمامًا، يجب أن يظهر هذا كالهجوم الذي لم يكن من الممكن التخطيط له إلا من قبل مجموعة منظمة للغاية، أي خطأ سيؤدي إلى كارثة..
لا مجال للعثرات فهذه العملية قريبة جدًا من الانتحار."
كان صوت الرئيس حادًا، وتلك الكلمات الأخيرة كانت كالسيف الذي يقطع الشك باليقين..
ظل مالك صامتًا لفترة، لكن الثقة التي كان يحملها بداخله كانت تتضح مع كل حركة منه، بل مع كل نفس...
وبينما كان الرئيس يراقبه بصمت، قرر مالك أن يُظهر له شيئًا يوضح مدى إلمامه بالعملية، لم يكن لديه وقت للمساومة أو التراجع، وكان يعلم أن كل شيء يعتمد على دقة التخطيط والتنفيذ...
وببطء أخرج مالك اللابتوب من حقيبته، كانت يده ثابتة رغم خطورة الموقف، أدار الشاشة باتجاه الرئيس وبمزيج من التركيز والإصرار، بدأ في رسم الخطة على شاشة الكمبيوتر، تلك الخطة التي قد احضرها مُسبقًا في الطائرة، لم تكن مجرد خطة عادية، بل كانت خطة دقيقة جدًا، تضم تفاصيل كل خطوة في العملية، من بداية التنفيذ حتى اللحظة الأخيرة، كانت الخطة متقنة لدرجة أن الرئيس لم يستطع إلا أن تجحظ عيناه من دقة التفاصيل، وكيف أن كل شيء كان مرتبًا بشكل استراتيجي لا يمكن أن يتم إلا بواسطة شخص يمتلك خبرة في التعامل مع العمليات المعقدة، والأغرب من هذا كيف استطاع ترتيب كل ذلك في دقائق اللقاء!
"This is the right time."
"ده التوقيت المناسب."
قال مالك وهو يحدد موعد العملية على الخريطة التي رسمها.
"After several days from now, we will carry out the attack at the exact tIme that suits us, when security Is at its lowest point."
"بعد عدة أيام من الآن، سننفذ الهجوم في الوقت الذي يناسبنا بالضبط، حيث يكون الأمن في أقل درجاته."
ثم أضاف وهو يضيق عينيه في تفكير عميق:
"The moment we strike, this will hit the news. It’ll look like an operation planned by a well-organized group. It’ll be impossible to trace it back to us."
"لحظة الهجوم هتكون الأخبار المرئية والمسموعة بتتكلم عن الخبر، هتظهر كعملية مخططة من مجموعة منظمة بشكل جيد، وهيكون من المستحيل تتبعها لنا."
كان الصوت في عينيه مشبعًا بالثقة وكأن كل كلمة كان يقولها كانت تتحول إلى واقع أمام الرئيس...
استمع له الرئيس بصمت، وعينيه تُركز على الشاشة بينما كان يتفحص الخطة بعناية، ثم بعد أن تأكد من أن كل شيء على ما يرام تنهد بارتياح و كانت هذه هي اللحظة التي كان ينتظرها.
"You’ve got it all figured out, haven’t you?"
"أنت قد وضعت كل شيء في مكانه، أليس كذلك؟"
أومأ مالك برأسه وقال بثقة لا تخلو من التحدي:
"Yes, everything is ready. It’s a matter of execution now. We can’t afford any mistakes."
"نعم، كل شيء جاهز. المسألة الآن أصبحت مسألة تنفيذ. لا يمكن أن يكون هناك أي أخطاء."
نظر له الرئيس بعينيه الثاقبتين، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه راضٍ عن عمله، وأخذ نفسًا عميقًا.
"Fine, I’ll trust you on this. But remember, this is not just about success; it’s about making sure it leaves no room for doubt."
"حسنًا، سأثق بك في هذا.. لكن تذكر، الأمر ليس متعلقًا بالنجاح فقط؛ بل بتأكدنا من أنه لا يوجد مجال للشك بنا."
و دون أن يقول شيئًا آخر، نهض من مكانه..
كانت تلك هي النهاية بالنسبة لهم، عرف مالك أنه قد أتم مهمته بنجاح وأنه الآن على بعد خطوات من تحقيق هدفه...
وقف مالك أيضًا وأغلق حاسوبه بهدوء وهو يضعه في حقيبته مرة أخرى، كانت الحركة بطيئة ولكن متقنة وكأن كل شيء في الحياة الآن يعتمد على ما فعله للتو.
"Good luck."
قال الرئيس وهو يلتفت ليغادر.
"Thanks."
أجاب مالك بصوت هادئ وهو يتجه نحو الباب...
لكن في قلبه كان يعرف أنه لم يكن بحاجة إلى الحظ، هو فقط بحاجة إلى التنفيذ..
وبينما كان مالك يستعد لركوب سيارته مرة أخرى مغادرًا المقر السري بعد اللقاء الحاسم مع الرئيس، كان الشعور بالقلق يلتهم أعماقه، بينما الهواء البارد يلسع وجهه بصقيع يتمنى أن يلامس قلبه ولو القليل منه، بينما الظلام المخيم حوله يضيف إلى شعوره بالعزلة القليل من التوتر والقلق، الخطوة التالية في حياته ستكون أكثر خطورة مما يمكنه تصوره..
لكنه لم يكن وحده في هذا الطريق، كان ثِقل المسؤولية يضغط على صدره فيفقده بعضًا من اتزانه..
قبل أن يدخل إلى سيارته الفارهة رن الهاتف فجأة.. الرقم كان غريبًا كما المعتاد، ولكنه تعرف على الفور على هوية المتصل من برنامج خاص بمعرفة الرقم..
معاذ!
حاول أن يمسك برباطة جأشه رغم أن قلبه كان يخفق بشدة، لم يكن لديه وقت للإجابة، لكن هذا الاتصال كان لا بد من الرد عليه...
– معك يا معاذ.
أجابه مالك محاولًا أن يضبط نبرته قدر المستطاع.
ليأتيه الصوت مشوشًا وكأن معتز يحاول إخفاء توتره لكنه لم ينجح وهو يسأله:
– مالك... أين أنت الآن؟!
تجنب مالك الرد فورًا، ونظر إلى الطريق أمامه، ثم تنفس بعمق قبل أن يقول:
– سأعود إلى المنزل بعد ساعات... هل هناك ما يستدعي القلق؟ هل تواصلتِ مع ملك؟
تردد معتز لحظة قبل أن يجيب، وكأن صوته يحمل نبرة من الدهشة لا تخطئها الأذن:
– نعم، تحدّثتُ إليها... لكن الأمر أعقد مما كُنا نتوقّع، يا مالك، لقد صدمني ردّ فعلها بشدة!
تجمد مالك في مكانه بينما تركزت عينيه على الطريق المزدحم أمامه وهو يجيبه بتوتر:
– ماذا تعني؟ ما الذي حدث؟
توقف معاذ فجأة، والكلمات التي كان يود نطقها ثقيلة كالصخور، تسحق صدره وتمنعه من التنفس:
– مالك... مالك، ملك لا تتذكر إطلاقًا أنها كانت واعية وقت عقد قرانكما، تظن أنك اختطفتها من خطوبتها، وكل الوقت الذي قضته مستفيقة في البيت حين أعدتها، وكل ما دار بينكما من حديث، والمأذون الذي أتيت به، وحتى عندما أخبرت والدي بموافقتها... كل ذلك ليس موجودًا في ذاكرتها، كأن شيئًا قد محي تمامًا، ولا تسألني كيف حدث هذا.
شعر مالك وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميه، بل والأفظع كأن صاعقة قد ضربت جسده جعلته يفشل في استيعاب ما يستمع إليه لدرجة أنه ضغط على مكابح السيارة لتُصدر صريرًا مرعبًا من حوله وعقله يضج بأسئلة عديدة!
هل هذا واقع أم أنه في كابوس مستمر؟ كيف يمكن أن تكون ملك قد فقدت جزءًا من ذاكرتها بهذه الطريقة؟ نظر إلى شاشة الهاتف بذهول، كأن معاذ يمازحه أو يختبره، لكن بمرور لحظات أدرك أن معاذ ليس من النوع الذي يعبث في مثل هذه الأمور، كان حديثه جادًا محملاً بقلق لا يمكن تجاهله...
نطق مالك بصوت متحشرج وكأن حلقه قد جف من هول المفاجأة:
– كيف ذلك؟ ما الذي تقصده تحديدًا يا معاذ؟
مرر يده في شعره بعصبية في محاولة يائسة لإيقاف دوامة الأسئلة التي تنهش عقله وهو يُردف:
ماذا يعني أنها لا تتذكر شيئًا؟ لا شيء على الإطلاق؟
أخذ معاذ نفسًا عميقًا، بينما كان صوته يحمل عبئًا من الألم والتساؤلات التي لا جواب لها:
– نعم، يا مالك... هي تظن أنك اختطفتها، وكأن ذاكرتها توقفت عند اللحظة التي خرجتَ فيها بها من القاعة، وتلك هي الصدمة الأكبر بالنسبة لي، لا تتذكر شيئًا مما حدث بعد ذلك، والوضع أعقد بكثير مما تتخيل..
لا يمكننا التغاضي عن أي تفصيله الآن، لأن من الواضح أن هناك شيئًا خطيرًا قد حدث... ويجب أن نفهمه.
غرق مالك في توتره ويده تمسك بعجلة القيادة بقوة وكأنها المنفذ الوحيد للسيطرة على نفسه وهو يقول له:
– هذا مستحيل يا معاذ... كنت أظن أن صمتها أثناء الهجوم سببه أنها لا تريد الحديث معي، لكن يبدو أن الأمر أخطر بكثير مما كنت أتصور.
ثم ردد وهو يعيد ما حدث بصوتٍ مضطرب:
– ذلك الحيوان، حمزة، كان واقفًا خارج الغرفة يصرخ بأن زوجاتي وملك يميني بالخارج!
وهي؟ كانت تسمعه... تسمع ذلك الحقير وهو يخبرني بالفوضى التي أحدثوها، والتي وصلت حد إطلاق النار لإسكاتهم.
تظن أنها كانت تتذكر شيئًا قبل ذلك؟
لحظة من الصمت القاتل مرّت، بينما مالك كان يحاول استيعاب ما سمعه للتو، كان الصوت الذي يخرج من فمه ممتلئًا بالحيرة، وعقله لا يستطيع استيعاب هذه الحقيقة الجديدة:
– لا، لا… هي من قبل هذه اللحظة وهي ليست على طبيعتها، كانت تنظر إليّ باستغراب وسألتني:
"مَن أنت ؟!"
وقتها ظننت أن السبب هو تأثير المُنَوِّم.
خبط بكفه المقود بعنفٍ وهو يتسأل:
– لكن كيف لا تتذكر أننا تزوّجنا؟ كيف لا تتذكر أنها كانت موافقة؟ هذا غير منطقي تمامًا، يا معاذ… لا أستطيع أن أستوعب كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث!
لم يتردد معاذ في الرد، صوته يحمل نبرة من القلق العميق:
– لست متأكدًا يا مالك، لكن من الواضح أن هناك شيئًا يؤثّر على ذاكرتها بشكل كبير… شيء يجعلها غير قادرة على التمييز بين الواقع والخيال،
علينا أن نكتشف ما الذي حدث بالضبط… هل تعتقد أن هناك من قد يكون…؟
قاطعه مالك بحدة:
– لا تفكّر بهذه الطريقة، فأنت تعرفني جيدًا، لا أسمح لأحد غيري بتحضير طعامًا أو شرابًا.
كان مالك يحبس نفسه في محاولة للتركيز على الأفكار التي تتسابق داخل رأسه، أغمض عينيه للحظة وكأن الظلام الذي يلفه قد يساعده على فك شفرة ما يحدث.. هل هناك فجوة في ذاكرتها لم يلاحظها؟ هل هناك شيء في الماضي الذي أثر على ملك بشكل عميق؟ أم أن هناك شيء قد حدث في نقلها للقصر قد غفل عنه؟! لكن مع كل ثانيةٍ يمر بها كان القلق يتسلل إلى قلبه، وكأن العقاب لن يكون بعيدًا إذا لم يتوصل إلى الحقيقة في الوقت المناسب...
حاول أن يسيطر على الغليان داخله، وكتم غيظه بصعوبة، ثم قال بنبرة مشحونة لكنها ثابتة:
• حسنًا... أنا في طريقي الآن، وسأحاول فهم ما يحدث بنفسي، لكن إن تبيّن أن هناك أمرًا غير صحيح... لا أعلم ما الذي قد أفعله حينها.
رد معاذ بسرعة وبحسم:
• سأكون بانتظارك لتطمئنني، ولا تنسَ أن تخبرني بما فعلت في رحلتك.
شد مالك ذراعيه على عجلة القيادة وانطلق وعينيه مثبتة على الطريق الذي يمتد أمامه في الظلام، كانت الساعة متأخرة، وطائرته تنتظره في مقرها لتقله إلى قصره، ولكن بينما كان يقود السيارة باتجاه الطائرة كانت الأسئلة تتراكم في ذهنه، وكلما زادت كثافة هذه الأسئلة كانت الإجابات تهرب منه، وكأنها تتلاشى بعيدًا عن متناول يده....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف الزمن في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، وتحول الصمت إلى كتلة من الأسلاك المشدودة بين أنفاس الأبطال. كان صوت ارتطام الجسد بالخارج كافيًا ليعيد مالك إلى غريزة الصياد التي لم تخطئ يومًا. تحامل على آلام خاصرته الممزقة، وضغط بيده اليسرى على جرحه الذي بدأ ينبض بدم دافئ جديد، بينما ثبتت يمناه المسدس نحو قفل الباب بجمود فولاذي.لم يكن الخوف يعرف طريقًا لقلب مالك، لكن الصراع النفسي الذي يعصف بكيانه في تلك الأجزاء من الثانية كان يتعلق بتلك المرأة المتربصة خلفه. التفت لبرهة خاطفة نحو "ملك" التي كانت تقف محتمية بجدار الحاوية، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينيه بنظرة حملت من العشق واللوعة ما يفوق احتمال البشر. رآها ترتجف، لا ذعرًا من الموت، بل رعبًا من أن تفقده بعد أن امتزجت روحاها ببعضهما وسط لظى المعارك. تمنى في تلك اللحظة لو يلقي بسلاحه ويدفن وجهه بين خصلات شعرها الحريري ليتنفس الطمأنينة، لكن طبول الحرب كانت تقرع بالخارج بلا رحمة.أشار مالك لجلال برأسه، فتحرك جلال بخفة الشبح نحو الجانب الأيمن للباب، مستعداً للأسوأ. وفجأة، تحرك مقبض الباب ببطء، وانفتح ليقذف إلى داخل الكوخ جسداً مترنحاً
تحول الكوخ الخشبي خلال الساعات التالية إلى غرفة عمليات مصغرة، تغذيها الشموع وبعض أجهزة الاتصال المحمولة البدائية التي لم تكن متصلة بالشبكة العامة لتفادي تعقب سامح ورجاله. كان مالك يتبادل النظرات مع جلال الذي بدأ يستعيد توازنه النفسي تدريجياً، مدفوعاً برغبة حارقة في إنقاذ شقيقته الصغرى وتطهير شرف ولائه الذي تلوّث بخيانة سامح.جلس جلال على مقعد خشبي واضعاً خريطة المنطقة الساحلية القديمة أمام مالك، وقال بتركيز شديد:— مالك... الأوراق السرية والملفات الاستخباراتية المشفرة التي يريدها العراب ليست في القصر المحترق، أنا أعلم ذلك. أنت نقلتها قبل أشهر إلى الخزنة الحصينة في السرداب السفلي للمرفأ القديم، تحت المستودع رقم ٣، أليس كذلك؟أومأ مالك برأسه، وكان يضغط بقطعة شاش طبي على جرحه الذي بدأ يلتئم ببطء رغماً عن الحركات العنيفة التي قام بها، وقال بنبرة باردة:— نعم. العراب يظن أنني سآخذ تلك الأوراق وأذهب إليه راكعاً في القصر مستسلماً لشروطه خلال الأيام الثلاثة. هو يعتقد أن إصابتي وخيانة سامح قد جردتني من القدرة على التفكير التكتيكي. لكنه أخطأ في الحساب؛ فالأوراق التي يبحث عنها
ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—
ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
كانت ملك جالسة على طرف فراشها، يحيط بها ظلام ثقيل لا يشبه العتمة التي تملأ الغرفة بل عتمة أخرى أكثر عمقًا، تجثم على صدرها وتسد أنفاسها، الأضواء الخافتة المرتعشة بالكاد تكشف عن ملامح وجهها الباهت، بينما كانت عيناها تبحثان بلا جدوى عن مخرج وسط هذا السكون الذي صار خانقًا...انتبهت حينما كسر ا
كان يمان ممددًا على السرير، جسده مستسلم تمامًا للنوم العميق، لكن داخله كان مضطربًا كبحرٍ يموج في ليلة عاصفة، كل شيء من حوله كان ساكنًا بشكل مريب، وكأن الغرفة بأكملها تآمرت ضده لتُسكت حتى أصغر الأصوات، الهواء ثقيل مشبع برائحة اللافندر التي لطالما كانت علامة مميزة لوجود أمه.. زهرة..تسللت ال
استفاق مالك من نومه فجأة وعيناه ما زالت غارقتين في بقايا الأحلام، غرفة نومه الواسعة التي تعكس ذوقه الرفيع وحياته المترفة كانت تغمرها أشعة الشمس التي تسللت عبر النوافذ الكبيرة المضيئة بالزخارف واللوحات التي تزين الجدران من حولها، هو كان في قلب الراحة والهدوء لكن خلف تلك الأجواء كان عقله لا يهدأ أب
في الزمان والمكان ذاته، كانت ضي تدخل فصل الموسيقى بخطوات خفيفة كأنها تحلق بين الأرض والسماء، كل شيء في المكان بدا مختلفًا عن باقي فصول المدرسة، كأن الفصل نفسه كان يحمل سرًا، سرًا من الألحان والإيقاعات التي تبعث الحياة في الجدران من حولها، حتى أن الهواء كان مشبعًا بصوت الآلات الموسيقية التي تنتقل







