LOGINاسندت ظهرها للحائط من خلفها و يداها تضغطان على رأسها في محاولة لإيقاف كل تلك الأصوات التي تحاصرها، لكن صوت معاذ ظل يتردد في عقلها، يطاردها ككابوس لا تستطيع الهروب منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ركب مالك السيارة التي كانت تنتظره أمام المقر السري، وداخل السيارة غلفه صمتٌ مشحونٌ بالتوتر، الهواء كان باردًا على نحو غير معتاد، وصوت المحرك مسموع بوضوح وسط سكون الليل الذي خيَّم على المدينة..
الظلام كان كثيفًا، لكن عينيه كانتا مشتعلتين بأفكارٍ مشوشة، تركّزت بالكامل على ما سيقوله له الرئيس بعد قليل، كان يحاول ترتيب كلماته، تهيئة نفسه لأي احتمال، كأنما يجهز نفسه لمعركة لم تبدأ بعد..
كل شيء في داخله كان يتحرك بسرعة، عقله يعمل بأقصى طاقته كما لو أن الزمن يطارده، ولم يكن يعرف ما إن كان هذا اللقاء سيكون نقطة تحول في مسيرته… أم بداية نهايته..
كان يراقب الطريق بصمت، ووعيه غارق في مشاعر متضاربة، لم يكن يعلم تفاصيل المهمة بعد، لكنه يعرف أن المجهول الذي ينتظره لن يكون سهلًا، وأنه مهما كانت الأوامر القادمة، فلن يكون هناك مجال للخطأ...
وصلت السيارة إلى الموقع المحدد حيث كانت الهليكوبتر تقف في الظلام، بلا أي أضواء سوى تلك الخافتة المنبعثة من داخلها، وكان الطيار في انتظاره.
نزل مالك من السيارة ببطء، خطواته كانت هادئة، لكنها مثقلة بإحساس داخلي لم يعرف له تفسيرًا… إحساس يخبره أن ما هو قادم، ليس مجرد مهمة أخرى..
سأله الطيار بنبرة هادئة:
– جاهز يا أمير المؤمنين؟
أجاب مالك بصوت ثابت كأنما يخاطب نفسه قبل أن يرد على الطيار:
– نعم.
ركب مالك الطائرة وأخذ مكانه بهدوء، الحركات كانت سريعة ومباشرة والهواء في الداخل كان مشبعًا برائحة محرك الطائرة وصمت يشوبه الحذر، بدأ الصوت العميق للمحركات يعم المكان وارتفعت الطائرة في السماء الداكنة...
كان الظلام يلف المكان من حولهم وكل ما كان يراه مالك هو نقاط الضوء البعيدة التي كانت تشير إلى أماكن مجهولة، كانت الطائرة تحلق بسرعة كما لو كانت تنقل مالك إلى مكان لا عودة منه...
في أثناء الرحلة كانت أفكار مالك تتسابق مع الوقت، وكأن العملية التي سيكلِّف بها عبارة عن قنبلة موقوتة ويجب عليه أن يتعامل معها بكل دقة لأنها قد تكون بداية لأحداث خطيرة!
سمع الرئيس ومساعديه وهو ينتصت عليهم، أنها عملية انتحارية في بلد أجنبي والهدف هو إخفاء كل أثر يمكن أن يفضح هويتهم، كان يتعين أن تكون العملية مُحكمة وكأنها عمل إرهابي من تنظيم معروف، وبالتالي لابد من أن تُنفذ بأدق التفاصيل...
تراكمت مشاعر القلق والخوف في صدره، لكنه كان يُصمم أن يظل هادئًا، الرئيس يريد أن يضع ثقته فيه وكان مالك يعلم أنه إذا فشل في هذه المهمة فلن تكون هناك فرصة أخرى له، كان كل شيء يعتمد على دقة تنفيذ الخطوات واختيار التوقيت المثالي...
فتح حاسوبه وألقى نظرة سريعة على المقر المتوجه إليه عبر القمر الصناعي الذي يراقب الجميع من خلاله، ثم وضع سماعات الأذن الخاصة به ليسمع إلى الرئيس ومن حوله ليعرف بقية كل ما يدور خلف ظهره..
وبعد ساعات من التحليق وصلت الطائرة إلى وجهتها، كانت المنطقة محاطة بالأشجار الكثيفة، والموقع كان بعيدًا عن أي أعيُن فضولية، تحرك مالك بسرعة ليغادر الطائرة حيث كانت أضواء باهتة تظهر من بعيد، تكشف عن المكان الذي كان يتوجه إليه، عندما هبط من الطائرة شعر بشيء غريب في الجو بينما الأرض تحت قدميه تحمل أسرارًا لا يمكن كشفها ولكنه بالطبع سيعرفها حتى لو أبت..
كانت الأرض مغطاة بالحشائش الكثيفة، والشجر يلتف حولهم من كل جهة، لم يكن هناك ما يدل على أي نوع من الحضارة كان كل شيء غريبًا تمامًا كما شاهد، دخل مالك إلى المكان بحذر وعينيه تراقب تفاصيل البيئة المحيطة، ما إن اقترب من الكهوف الصخرية العميقة حتى شعر بوجود شيء غير مرئي يراقبه، كانت هذه الأماكن هي مخبأ الرئيس الذي اختارها بعناية...
عندما دخل إلى المكان المظلم جلس الرئيس في انتظار مالك وجاءت كلماته الباردة تُنذر بما هو أعظم:
– Malek, you're finally here.
"مالك، أنت أخيرًا هنا."
قال الرئيس بنبرة هادئة ولكنها كانت تحمل قسوة ما وراء الكلمات.
اقترب مالك منه وجلس أمامه، كانت الأنوار الخافتة في الغرفة تزيد الجو سريالية وغموضًا، نظر الرئيس إليه بثبات ثم بدأ كلامه الذي لم يحتمل فيه حتى لحظة تردد: "The operation I am assigning you is extremely delicate, and it must be carried out in a way that leaves no traces behind. It’s an operation that needs to look like a terrorist attack from a specific group, and it must be executed flawlessly."
“العملية التي أكلفك بها حساسة للغاية، ويجب أن تتم بطريقة لا تترك أي آثار خلفها، هي عملية يجب أن تبدو وكأنها هجوم إرهابي من مجموعة معينة، ويجب تنفيذها دون أخطاء.”
أخذ الرئيس نفسًا عميقًا وهو يواصل بلهجة حاسمة:
"This operation will be in a foreign country, and the consequences of failure are catastrophic. If the world suspects any involvement from us, it will be the end. You have to make sure that everything points in the right direction, and that you leave no room for doubt."
“العملية ستكون في بلد أجنبي، وعواقب الفشل ستكون كارثية، إذا شك العالم في أي تورط لنا ستكون النهاية، عليك أن تتأكد من أن كل شيء يشير في الاتجاه الصحيح، وألا تترك مجالًا للشك.”
ظل مالك ينصت باهتمام دون أن ينبث ببنت شفه، كان يعرف مسبقًا من تصنته على الرئيس وأعوانه مدى خطورة هذه المهمة، التي لم تكن عادية، بل كانت معركة خفية قد تكلفه حياته إذا أخطأ ولو لمرة واحدة، كانت عيناه تحدقان في الرئيس وهو يجيب:
– هل هناك أي شيء آخر يجب أن أعرفه؟
أجاب الرئيس بصرامة وكأنما يضع النقاط على الحروف:
"You must make sure that the timing Is perfect. This must appear like an attack that could only have been planned by a highly organized group. Any mistake will lead to disaster. Make no mistake, this Is as close to suicide as It gets."
"يجب أن تتأكد من أن التوقيت دقيق تمامًا، يجب أن يظهر هذا كالهجوم الذي لم يكن من الممكن التخطيط له إلا من قبل مجموعة منظمة للغاية، أي خطأ سيؤدي إلى كارثة..
لا مجال للعثرات فهذه العملية قريبة جدًا من الانتحار."
كان صوت الرئيس حادًا، وتلك الكلمات الأخيرة كانت كالسيف الذي يقطع الشك باليقين..
ظل مالك صامتًا لفترة، لكن الثقة التي كان يحملها بداخله كانت تتضح مع كل حركة منه، بل مع كل نفس...
وبينما كان الرئيس يراقبه بصمت، قرر مالك أن يُظهر له شيئًا يوضح مدى إلمامه بالعملية، لم يكن لديه وقت للمساومة أو التراجع، وكان يعلم أن كل شيء يعتمد على دقة التخطيط والتنفيذ...
وببطء أخرج مالك اللابتوب من حقيبته، كانت يده ثابتة رغم خطورة الموقف، أدار الشاشة باتجاه الرئيس وبمزيج من التركيز والإصرار، بدأ في رسم الخطة على شاشة الكمبيوتر، تلك الخطة التي قد احضرها مُسبقًا في الطائرة، لم تكن مجرد خطة عادية، بل كانت خطة دقيقة جدًا، تضم تفاصيل كل خطوة في العملية، من بداية التنفيذ حتى اللحظة الأخيرة، كانت الخطة متقنة لدرجة أن الرئيس لم يستطع إلا أن تجحظ عيناه من دقة التفاصيل، وكيف أن كل شيء كان مرتبًا بشكل استراتيجي لا يمكن أن يتم إلا بواسطة شخص يمتلك خبرة في التعامل مع العمليات المعقدة، والأغرب من هذا كيف استطاع ترتيب كل ذلك في دقائق اللقاء!
"This is the right time."
"ده التوقيت المناسب."
قال مالك وهو يحدد موعد العملية على الخريطة التي رسمها.
"After several days from now, we will carry out the attack at the exact tIme that suits us, when security Is at its lowest point."
"بعد عدة أيام من الآن، سننفذ الهجوم في الوقت الذي يناسبنا بالضبط، حيث يكون الأمن في أقل درجاته."
ثم أضاف وهو يضيق عينيه في تفكير عميق:
"The moment we strike, this will hit the news. It’ll look like an operation planned by a well-organized group. It’ll be impossible to trace it back to us."
"لحظة الهجوم هتكون الأخبار المرئية والمسموعة بتتكلم عن الخبر، هتظهر كعملية مخططة من مجموعة منظمة بشكل جيد، وهيكون من المستحيل تتبعها لنا."
كان الصوت في عينيه مشبعًا بالثقة وكأن كل كلمة كان يقولها كانت تتحول إلى واقع أمام الرئيس...
استمع له الرئيس بصمت، وعينيه تُركز على الشاشة بينما كان يتفحص الخطة بعناية، ثم بعد أن تأكد من أن كل شيء على ما يرام تنهد بارتياح و كانت هذه هي اللحظة التي كان ينتظرها.
"You’ve got it all figured out, haven’t you?"
"أنت قد وضعت كل شيء في مكانه، أليس كذلك؟"
أومأ مالك برأسه وقال بثقة لا تخلو من التحدي:
"Yes, everything is ready. It’s a matter of execution now. We can’t afford any mistakes."
"نعم، كل شيء جاهز. المسألة الآن أصبحت مسألة تنفيذ. لا يمكن أن يكون هناك أي أخطاء."
نظر له الرئيس بعينيه الثاقبتين، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه راضٍ عن عمله، وأخذ نفسًا عميقًا.
"Fine, I’ll trust you on this. But remember, this is not just about success; it’s about making sure it leaves no room for doubt."
"حسنًا، سأثق بك في هذا.. لكن تذكر، الأمر ليس متعلقًا بالنجاح فقط؛ بل بتأكدنا من أنه لا يوجد مجال للشك بنا."
و دون أن يقول شيئًا آخر، نهض من مكانه..
كانت تلك هي النهاية بالنسبة لهم، عرف مالك أنه قد أتم مهمته بنجاح وأنه الآن على بعد خطوات من تحقيق هدفه...
وقف مالك أيضًا وأغلق حاسوبه بهدوء وهو يضعه في حقيبته مرة أخرى، كانت الحركة بطيئة ولكن متقنة وكأن كل شيء في الحياة الآن يعتمد على ما فعله للتو.
"Good luck."
قال الرئيس وهو يلتفت ليغادر.
"Thanks."
أجاب مالك بصوت هادئ وهو يتجه نحو الباب...
لكن في قلبه كان يعرف أنه لم يكن بحاجة إلى الحظ، هو فقط بحاجة إلى التنفيذ..
وبينما كان مالك يستعد لركوب سيارته مرة أخرى مغادرًا المقر السري بعد اللقاء الحاسم مع الرئيس، كان الشعور بالقلق يلتهم أعماقه، بينما الهواء البارد يلسع وجهه بصقيع يتمنى أن يلامس قلبه ولو القليل منه، بينما الظلام المخيم حوله يضيف إلى شعوره بالعزلة القليل من التوتر والقلق، الخطوة التالية في حياته ستكون أكثر خطورة مما يمكنه تصوره..
لكنه لم يكن وحده في هذا الطريق، كان ثِقل المسؤولية يضغط على صدره فيفقده بعضًا من اتزانه..
قبل أن يدخل إلى سيارته الفارهة رن الهاتف فجأة.. الرقم كان غريبًا كما المعتاد، ولكنه تعرف على الفور على هوية المتصل من برنامج خاص بمعرفة الرقم..
معاذ!
حاول أن يمسك برباطة جأشه رغم أن قلبه كان يخفق بشدة، لم يكن لديه وقت للإجابة، لكن هذا الاتصال كان لا بد من الرد عليه...
– معك يا معاذ.
أجابه مالك محاولًا أن يضبط نبرته قدر المستطاع.
ليأتيه الصوت مشوشًا وكأن معتز يحاول إخفاء توتره لكنه لم ينجح وهو يسأله:
– مالك... أين أنت الآن؟!
تجنب مالك الرد فورًا، ونظر إلى الطريق أمامه، ثم تنفس بعمق قبل أن يقول:
– سأعود إلى المنزل بعد ساعات... هل هناك ما يستدعي القلق؟ هل تواصلتِ مع ملك؟
تردد معتز لحظة قبل أن يجيب، وكأن صوته يحمل نبرة من الدهشة لا تخطئها الأذن:
– نعم، تحدّثتُ إليها... لكن الأمر أعقد مما كُنا نتوقّع، يا مالك، لقد صدمني ردّ فعلها بشدة!
تجمد مالك في مكانه بينما تركزت عينيه على الطريق المزدحم أمامه وهو يجيبه بتوتر:
– ماذا تعني؟ ما الذي حدث؟
توقف معاذ فجأة، والكلمات التي كان يود نطقها ثقيلة كالصخور، تسحق صدره وتمنعه من التنفس:
– مالك... مالك، ملك لا تتذكر إطلاقًا أنها كانت واعية وقت عقد قرانكما، تظن أنك اختطفتها من خطوبتها، وكل الوقت الذي قضته مستفيقة في البيت حين أعدتها، وكل ما دار بينكما من حديث، والمأذون الذي أتيت به، وحتى عندما أخبرت والدي بموافقتها... كل ذلك ليس موجودًا في ذاكرتها، كأن شيئًا قد محي تمامًا، ولا تسألني كيف حدث هذا.
شعر مالك وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميه، بل والأفظع كأن صاعقة قد ضربت جسده جعلته يفشل في استيعاب ما يستمع إليه لدرجة أنه ضغط على مكابح السيارة لتُصدر صريرًا مرعبًا من حوله وعقله يضج بأسئلة عديدة!
هل هذا واقع أم أنه في كابوس مستمر؟ كيف يمكن أن تكون ملك قد فقدت جزءًا من ذاكرتها بهذه الطريقة؟ نظر إلى شاشة الهاتف بذهول، كأن معاذ يمازحه أو يختبره، لكن بمرور لحظات أدرك أن معاذ ليس من النوع الذي يعبث في مثل هذه الأمور، كان حديثه جادًا محملاً بقلق لا يمكن تجاهله...
نطق مالك بصوت متحشرج وكأن حلقه قد جف من هول المفاجأة:
– كيف ذلك؟ ما الذي تقصده تحديدًا يا معاذ؟
مرر يده في شعره بعصبية في محاولة يائسة لإيقاف دوامة الأسئلة التي تنهش عقله وهو يُردف:
ماذا يعني أنها لا تتذكر شيئًا؟ لا شيء على الإطلاق؟
أخذ معاذ نفسًا عميقًا، بينما كان صوته يحمل عبئًا من الألم والتساؤلات التي لا جواب لها:
– نعم، يا مالك... هي تظن أنك اختطفتها، وكأن ذاكرتها توقفت عند اللحظة التي خرجتَ فيها بها من القاعة، وتلك هي الصدمة الأكبر بالنسبة لي، لا تتذكر شيئًا مما حدث بعد ذلك، والوضع أعقد بكثير مما تتخيل..
لا يمكننا التغاضي عن أي تفصيله الآن، لأن من الواضح أن هناك شيئًا خطيرًا قد حدث... ويجب أن نفهمه.
غرق مالك في توتره ويده تمسك بعجلة القيادة بقوة وكأنها المنفذ الوحيد للسيطرة على نفسه وهو يقول له:
– هذا مستحيل يا معاذ... كنت أظن أن صمتها أثناء الهجوم سببه أنها لا تريد الحديث معي، لكن يبدو أن الأمر أخطر بكثير مما كنت أتصور.
ثم ردد وهو يعيد ما حدث بصوتٍ مضطرب:
– ذلك الحيوان، حمزة، كان واقفًا خارج الغرفة يصرخ بأن زوجاتي وملك يميني بالخارج!
وهي؟ كانت تسمعه... تسمع ذلك الحقير وهو يخبرني بالفوضى التي أحدثوها، والتي وصلت حد إطلاق النار لإسكاتهم.
تظن أنها كانت تتذكر شيئًا قبل ذلك؟
لحظة من الصمت القاتل مرّت، بينما مالك كان يحاول استيعاب ما سمعه للتو، كان الصوت الذي يخرج من فمه ممتلئًا بالحيرة، وعقله لا يستطيع استيعاب هذه الحقيقة الجديدة:
– لا، لا… هي من قبل هذه اللحظة وهي ليست على طبيعتها، كانت تنظر إليّ باستغراب وسألتني:
"مَن أنت ؟!"
وقتها ظننت أن السبب هو تأثير المُنَوِّم.
خبط بكفه المقود بعنفٍ وهو يتسأل:
– لكن كيف لا تتذكر أننا تزوّجنا؟ كيف لا تتذكر أنها كانت موافقة؟ هذا غير منطقي تمامًا، يا معاذ… لا أستطيع أن أستوعب كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث!
لم يتردد معاذ في الرد، صوته يحمل نبرة من القلق العميق:
– لست متأكدًا يا مالك، لكن من الواضح أن هناك شيئًا يؤثّر على ذاكرتها بشكل كبير… شيء يجعلها غير قادرة على التمييز بين الواقع والخيال،
علينا أن نكتشف ما الذي حدث بالضبط… هل تعتقد أن هناك من قد يكون…؟
قاطعه مالك بحدة:
– لا تفكّر بهذه الطريقة، فأنت تعرفني جيدًا، لا أسمح لأحد غيري بتحضير طعامًا أو شرابًا.
كان مالك يحبس نفسه في محاولة للتركيز على الأفكار التي تتسابق داخل رأسه، أغمض عينيه للحظة وكأن الظلام الذي يلفه قد يساعده على فك شفرة ما يحدث.. هل هناك فجوة في ذاكرتها لم يلاحظها؟ هل هناك شيء في الماضي الذي أثر على ملك بشكل عميق؟ أم أن هناك شيء قد حدث في نقلها للقصر قد غفل عنه؟! لكن مع كل ثانيةٍ يمر بها كان القلق يتسلل إلى قلبه، وكأن العقاب لن يكون بعيدًا إذا لم يتوصل إلى الحقيقة في الوقت المناسب...
حاول أن يسيطر على الغليان داخله، وكتم غيظه بصعوبة، ثم قال بنبرة مشحونة لكنها ثابتة:
• حسنًا... أنا في طريقي الآن، وسأحاول فهم ما يحدث بنفسي، لكن إن تبيّن أن هناك أمرًا غير صحيح... لا أعلم ما الذي قد أفعله حينها.
رد معاذ بسرعة وبحسم:
• سأكون بانتظارك لتطمئنني، ولا تنسَ أن تخبرني بما فعلت في رحلتك.
شد مالك ذراعيه على عجلة القيادة وانطلق وعينيه مثبتة على الطريق الذي يمتد أمامه في الظلام، كانت الساعة متأخرة، وطائرته تنتظره في مقرها لتقله إلى قصره، ولكن بينما كان يقود السيارة باتجاه الطائرة كانت الأسئلة تتراكم في ذهنه، وكلما زادت كثافة هذه الأسئلة كانت الإجابات تهرب منه، وكأنها تتلاشى بعيدًا عن متناول يده....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته
ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…
كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا
كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته ق
استيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظل







