FAZER LOGINحين اختارك القدر كانت رزان تؤمن أن النجاح لا يُورث، بل يُصنع بالاجتهاد. لذلك رفضت أن تعيش في ظل اسم والدها، واختارت أن تشق طريقها بنفسها، غير مدركة أن القدر كان ينسج لها طريقًا آخر. في الجهة المقابلة، يعيش سيف رأفت، الرئيس التنفيذي لإحدى أكبر شركات الأدوية، حياةً يسير فيها كل شيء وفق خططه... إلى أن تقلب وصية جده الموازين، وتضع أمامه شرطًا واحدًا للحصول على إرث العائلة: الزواج من فتاة اختارها الجد بنفسه. لكن المشكلة أن قلب سيف اختار امرأة أخرى. بين وعدٍ مضى عليه سنوات، وأسرار دفنتها الأجيال، وصراعات بين عائلتين، وطموح لا يعرف الاستسلام، يجد سيف ورزان نفسيهما في مواجهة لم يخترها أيٌّ منهما. فهل يكون القدر أقوى من الحب؟ أم أن بعض الوعود كُتبت لتغيّر مصير الجميع؟
Ver mais"هل أنت متأكد من هذا القرار يا سيدي؟"
تردد السؤال في أرجاء المكتب الهادئ، بينما كانت قطرات المطر ترتطم بزجاج النوافذ الكبيرة، فتملأ المكان بسكون ثقيل لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار. جلس حسن رأفت خلف مكتبه العريض المصنوع من خشب الجوز العتيق، يوقع آخر صفحة في ملف جلدي أسود. كانت يده ترتجف قليلًا بفعل السنين، لكن توقيعه ظل ثابتًا، يحمل الحزم ذاته الذي اعتاد أن يوقع به أهم صفقات حياته. رفع رأسه ببطء، ثم نظر إلى المستشار القانوني، خالد، الذي جلس أمامه وقد ارتسم التردد على ملامحه. قال خالد بصوت خافت: "لقد أعددت الوصية كما طلبت يا سيدي... لكنني ما زلت أرى أن قرارك شديد القسوة." ابتسم حسن ابتسامة هادئة امتزجت بالحنين، ثم قال: "أحيانًا... لا تكون القرارات الصائبة هي الأكثر رحمة." تردد خالد للحظة قبل أن يسأل: "وماذا لو رفض السيد سيف تنفيذها؟" استند حسن إلى ظهر مقعده، وأطلق زفرة طويلة، ثم قال بثقة لا تعرف التردد: "سيغضب..." ساد الصمت لثوانٍ. ثم أردف: "لكنه في النهاية... سينفذها." أغلق خالد الملف بعناية، ووضعه داخل ظرف بني سميك، ثم قال: "إذن سأحتفظ به في الأمانات كما أوصيت، ولن يطلع عليه أحد حتى يحين الوقت." أومأ حسن برأسه. وقبل أن يغادر خالد، استوقفه صوته الهادئ. "خالد." التفت المستشار إليه. "حين يحين الموعد... سلّم الوصية إلى حفيدي بنفسك." "كما تأمر يا سيدي." انحنى خالد باحترام، ثم غادر المكتب وأغلق الباب خلفه بهدوء. بقي حسن وحده. نهض ببطء، مستندًا إلى عصاه، واتجه نحو خزانة صغيرة في زاوية المكتب. فتح أحد أدراجها، وأخرج إطارًا خشبيًا قديمًا. كانت الصورة تجمعه برجل يقف إلى جواره، يتبادلان ابتسامة يملؤها الفخر، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. مرر أطراف أصابعه فوق الزجاج، ثم همس بصوت خافت: "مرت سنوات طويلة يا عبد الرحمن..." "لكنني لم أنسَ الوعد." أعاد الصورة إلى مكانها، وأغلق الدرج برفق. لم يكن يعلم... أن ذلك الوعد الذي ظنه الجميع جزءًا من الماضي... كان على وشك أن يغيّر حياة حفيده، وحياة فتاة لم يلتقِ بها بعد. "لا أريد أن أعيش في ظل اسم أحد... حتى لو كان اسم والدي." كانت تلك الجملة تتردد في ذهن رزان كلما وقفت أمام نافذة غرفتها المطلة على الحديقة الواسعة التي تحيط بقصر العائلة. وقفت تتأمل خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل بين الأشجار، بينما داعب النسيم البارد خصلات شعرها البني الفاتح. من يراها للمرة الأولى، سيظن أنها تملك كل شيء. ابنة أحد أشهر رجال الأعمال في البلاد، تعيش في رفاهية لم تعرف معها يومًا معنى الحاجة. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. لم تكن تحلم بالثروة، ولا بالنفوذ، ولا بأن يرث الناس اسم والدها حين ينظرون إليها. كانت تحلم باسمها هي. أن تصل بجهدها، أن تخطئ وتتعلم. أن تنجح لأنها استحقت النجاح، لا لأنها ابنة رجل يملك المال والنفوذ. ابتعدت عن النافذة واتجهت نحو مكتبها الأبيض الأنيق. كانت الملفات مرتبة بعناية، وإلى جوارها عشرات الكتب والأبحاث، بينما بقي حاسوبها المحمول مفتوحًا على ملف حمل عنوانًا واضحًا: الخطة الاستراتيجية لإطلاق علامة تجارية متخصصة في مستحضرات العناية بالبشرة. ابتسمت وهي تمرر أصابعها فوق الغلاف. عام كامل... قضته بين الكتب، والمراجع العلمية، والتجارب، والدورات المتخصصة. كانت تؤمن أن النجاح لا يولد من الحظ، بل من التحضير، والصبر، والعمل المتقن. ولهذا اختارت دراسة الكيمياء. لم يكن ذلك اختيارًا عابرًا، بل الخطوة الأولى نحو حلم رافقها منذ سنوات. كانت ترى في صناعة مستحضرات العناية بالبشرة أكثر من مجرد تجارة، بل علمًا ورسالةً وشغفًا يستحق أن تُكرّس له عمرها. قطع رنين هاتفها هدوء الغرفة. ألقت نظرة على الشاشة، السابعة صباحًا. ابتسمت بخفة وقالت لنفسها: "إذا تأخرت أكثر... ستصعد أمي بنفسها لتوقظني." أغلقت حاسوبها، وحملت هاتفها، ثم غادرت غرفتها متجهة إلى الطابق السفلي، حيث كانت رائحة القهوة والخبز الساخن تملأ أرجاء المنزل. ما إن اقتربت رزان من غرفة الطعام، حتى استقبلتها رائحة القهوة والخبز الساخن، لتدرك أن الجميع سبقها إلى مائدة الإفطار. رفعت والدتها رأسها ما إن رأتها، وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة. "صباح الخير يا حبيبتي." ابتسمت رزان، واقتربت لتقبّل رأس والدتها بمحبة. "صباح الخير يا أمي." ثم التفتت إلى والدها، الذي كان يتصفح الأخبار الاقتصادية على جهازه اللوحي. "صباح الخير يا أبي." أنزل نظارته قليلًا، ثم أغلق الجهاز وهو يبتسم. "صباح النور يا أجمل بناتي." ضحكت رزان وهي تجلس إلى الطاولة. "وكأن لديك بنات غيري." ابتسم والدها وقال مازحًا: "ولو رزقني الله عشر بنات... لبقيتِ أنتِ مدللتي." هزت رأسها باستسلام، وقالت وهي تضحك: "لن تتوقف عن قول هذه الجملة أبدًا." وقبل أن يجيبها، دوّى صوت خطوات سريعة في الممر. دخل لؤي وهو يحمل حقيبته الجامعية على كتفه، وفي يده الأخرى قطعة خبز، ثم قال بسرعة: "صباح الخير جميعًا." ضحكت رزان وهي تنظر إليه. "أراك تستعد لسباق، لا للإفطار." رفع حاجبيه وقال بثقة مصطنعة: "طالب السنة الأخيرة لا يملك رفاهية إضاعة الوقت." ابتسمت وهي تهز رأسها. ذلك كان لؤي... شقيقها الأصغر بعامين. مشاكس... كثير المزاح... لكن قلبه من أطيب القلوب التي عرفتها. دار الحديث بين أفراد الأسرة في أجواء دافئة، قبل أن يضع والدها كوب القهوة جانبًا وينظر إلى رزان. "وصلني تقرير مبيعات مشروعك الصغير." رفعت حاجبيها باستغراب. "وأعجبني." ابتسمت بخجل. قبل عام، ساعدها والدها في افتتاح ورشة صغيرة لإنتاج كميات محدودة من منتجات العناية بالبشرة الطبيعية. لم يكن مشروعًا كبيرًا. لكنه كان البداية التي طلبتها بنفسها. ابتسم والدها وقال: "لهذا السبب أريد أن أتحدث معك." أصغت إليه باأصغت إليه باهتمام. "لقد قررت أن أمنحك جزءًا من أسهم مجموعتي الاستثمارية، لتصبحي شريكة رسمية في الشركة." ساد الصمت للحظات. أما رزان... فاكتفت بالنظر إليه بابتسامة هادئة. ثم قالت بكل احترام: "أشكرك يا أبي." توقف قليلًا ينتظر بقيّة كلامها. أخذت نفسًا عميقًا. "لكنني... لا أستطيع قبول العرض." نظر إليها والدها باستغراب، بينما اكتفت والدتها بالابتسام، وكأنها كانت تعرف الإجابة مسبقًا. سألها والدها بهدوء: "ولماذا؟" نظرت إليه بعينين مليئتين بالثقة. "لأنني لا أريد أن يقال إن رزان نجحت لأنها ابنة صاحب شركة استثمارية." ثم أكملت بثبات: "أريد أن أصل بجهدي، حتى لو استغرق الأمر سنوات." ساد الصمت مرة أخرى. لكن هذه المرة... كان صمتًا مليئًا بالفخر. ابتسم والدها ابتسامة واسعة، ثم نهض من مكانه، واتجه إليها، ووضع يده على رأسها بحنان. "كنت أتمنى أن تقبلي العرض..." ثم ابتسم أكثر. "...لكنني فخور أكثر لأنك رفضته." لم تتمالك رزان نفسها. نهضت واحتضنته. في تلك اللحظة، كانت تعلم... أنها ربما اختارت الطريق الأصعب. لكنها أيضًا... اختارت الطريق الذي يشبهها.تنفست رزان براحة، وابتسمت قائلة: "هذا كل ما كنت أطمح إليه... أن يحصل مشروعي على فرصة عادلة." نهض سيف من مقعده، ومد يده إليها مصافحًا. "سنبلغك بالقرار في أقرب وقت، آنسة رزان." صافحته بثقة. "سأكون بانتظار ردكم. أشكركم على وقتكم." بعد انتهاء الاجتماع، نهضت رزان من مقعدها وهي تجمع ملفاتها بعناية. خرجت من قاعة الاجتماعات برفقة السيد فادي وسيف، بينما كانوا يتبادلون بعض الأحاديث المتعلقة بإجراءات دراسة المشروع. وبعد لحظات من السير، التفتت رزان إلى سيف قائلة باحترام: "عذرًا، سيد سيف... كنت أظن أن الأستاذ شهاب سيحضر الاجتماع أيضًا، بما أنه شريككم." أومأ سيف برأسه مجيبًا: "كان من المفترض أن يحضر، لكنه سافر قبل يومين في رحلة عمل خارج البلاد، وسيعود غدًا." ابتسمت رزان ابتسامة خفيفة. "أتمنى له رحلة موفقة." واصلا السير حتى وصلا إلى بهو الشركة. وقبل أن تستأذن للمغادرة، لفت انتباهها صوت فتاة تتحدث إلى موظف الاستقبال. "آنسة سارة، السيد سيف لا يزال في اجتماع، يمكنكِ الانتظار في صالة الضيوف." كانت الفتاة في غاية الأناقة، طويلة القامة، ذات شعر أسود لامع وملامح جذابة، ترت
بينما أغلق فادي الملف ببطء، وقد ارتسمت على وجهه نظرة إعجاب واضحة ابتسم السيد فادي وهو يغلق ملف المشروع برفق، ثم نظر إلى رزان بإعجاب واضح وقال: "آنسة رزان... لا أخفي عليك أن مشروعك أثار إعجابي منذ الصفحات الأولى." توقف لبرهة قبل أن يتابع: "نادراً ما أجد دراسة بهذه الدقة والتنظيم، والأندر من ذلك أن تكون صاحبة هذا العمل في الخامسة والعشرين من عمرها فقط. من الواضح أن هذا المشروع لم يكن فكرة عابرة، بل ثمرة أشهر طويلة من البحث والتخطيط والعمل الجاد." ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه رزان، بينما واصل حديثه: "يسعدني أن أرى شبابًا يمتلكون هذا القدر من الطموح والرؤية الواضحة. فوجود مشاريع بهذا المستوى يمنحنا الثقة بأن مستقبل هذا القطاع سيكون بأيدٍ واعدة." ثم اعتدل في جلسته وأصبحت نبرته أكثر رسمية. "أما فيما يتعلق بطلب التعاون، فبحكم طبيعة الإجراءات المعتمدة في شركة رأفت، فإن القرار النهائي لا يُتخذ على مستوى القسم وحده." وأشار إلى الملف أمامه. "سأرفع مشروعك إلى الرئيس التنفيذي للشركة، السيد سيف، وإلى شريكه السيد شهاب، ليطّلعا عليه ويقيّماه من جميع الجوانب العلمية والاستثمارية، و
بعد انتهاء العشاء، غادر كل من رشا ورزان ولؤي المطعم. وقفت رشا أمام سيارتها ولوّحت لهما بابتسامة. "كانت أمسية جميلة... علينا أن نكررها قريبًا." ابتسمت رزان وهي تعانقها عناقًا سريعًا. "بكل تأكيد." أما لؤي، فاكتفى بابتسامة خجولة وهو يودعها. "إلى اللقاء." استقلت رشا سيارتها وغادرت، بينما اتجهت رزان ولؤي نحو سيارته. ساد الصمت أغلب الطريق، ولم يقطعه سوى صوت الموسيقى الهادئة المنبعثة من المذياع. لكن رزان كانت تلاحظ من حين لآخر الابتسامة التي لم تفارق وجه أخيها. وحين وصلا إلى المنزل، أوقف لؤي السيارة، ثم ترجل منها بخفة وكأنه يعيش أسعد أيامه. ابتسمت رزان وهي تراقبه. كانت تعلم جيدًا مصدر تلك السعادة. دخل الاثنان المنزل، واتجه كل منهما نحو الدرج. وقبل أن يصعد لؤي إلى غرفته، نادته رزان. "تصبح على خير... يا مشاغب." استدار إليها، وارتسمت على وجهه ابتسامة صادقة. "وأنتِ أيضًا." ثم أضاف بعد تردد قصير: "شكرًا يا رزان... على هذا اليوم." ابتسمت له بحنان. "لا داعي للشكر." هز رأسه مبتسمًا، ثم أكمل طريقه نحو غرفته. أما هي، فدخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
اجتمعو جميعًا حول مائدة الفطور. كان الحديث يدور بين والد ووالدة رزان، بينما كانت هي تحتسي قهوتها بهدوء. وفجأة، اهتز هاتفها معلنًا عن مكالمة واردة. ألقت نظرة على الشاشة. رشا. ردت على المكالمة وهي ما زلت جالسة على الطاولة. "مرحبًا يا رشا." في الجهة المقابلة، أخبرتها أنها ستعمل نصف يوم فقط، وأنها ستكون متفرغة في المساء. قالت بحماس: "ما رأيك أن نلتقي؟" ابتسمت رزان وهي أفكر في جدول أعمالها. "لا أدري... لدي بعض الأمور التي أريد إنهاءها. إذا وجدت وقتًا، سأتصل بك." "حسنًا، سأنتظر اتصالك." أنهت المكالمة. وضعت الهاتف على الطاولة، ثم رفعت رأسها... لتجد لؤي يحدق بها بصمت. ابتسمت بخبث. "ما الأمر؟" تنحنح محاولًا إخفاء ارتباكه، لكنه فشل. "إذا خرجنا معا ... فسأتكفل أنا بالحساب." اتسعت ابتسامت رزان. لم تكن بحاجة إلى أن يسألها مع من ستخرج. ولا إلى أن يذكر اسم رشا. فهمت ما يقصده من أول لحظة. تظاهرت بالجدية وهي تومئ برأسها. "حسنًا... سأخبرها أين نلتقي." اتسعت عيناه قليلًا، قبل أن يخفض رأسه وهو يحاول إخفاء ابتسامته. أما رزان... فاكتفت باحتساء قهوته






avaliações