Share

٤

Author: كيان
last update publish date: 2026-09-28 21:55:42

دخلت الفتيات إلى الجامعة مع بداية اليوم الدراسي، وكانت أجواء المكان تعج بالحركة.

طلاب يتنقلون بين المباني، وآخرون يبحثون عن قاعاتهم، بينما كانت أصوات التحيات والضحكات تتعالى في أرجاء المكان.

كانت جود تسير برفقة يارا وليلى، حتى وصلن إلى قاعتهن.

دخلن إلى الصف، وتقابلن مع زميلاتهن اللواتي لم يرينهن طوال فترة الإجازة، وتبادلن التحيات والترحيب ببداية عام دراسي جديد.

جلست جود في مكانها المعتاد، وبجوارها يارا وليلى.

لم تمر سوى دقائق قليلة حتى اقتربت منهن فتاة تُدعى نور.

وقفت أمام جود، ثم ابتسمت وقالت:

"أهلًا يا جود، مستعدة للسنة الجديدة؟"

رفعت جود عينيها إليها.

لم تكن تحتاج إلى وقت طويل حتى يتغير تعبير وجهها.

كانت تعرف نور جيدًا.

تلك الفتاة كانت دائمًا تحاول مضايقتها والتقليل منها، سواء بتعليقاتها أو بطريقة حديثها معها.

لذلك لم تستطع جود إخفاء نظرة الكراهية الواضحة في عينيها.

لكن قبل أن ترد، تدخلت يارا بابتسامة:

"أكيد مستعدة، جود دايمًا مستعدة لأي حاجة."

ضحكت نور بسخرية.

"أكيد... عشان كده هي الطالبة المدللة للدكاترة."

تغيرت ملامح ليلى فورًا.

نظرت إلى نور بضيق واضح، وقالت:

"اعملي زيها وانجحي واتفوّقي، وهتبقي الطالبة المدللة للدكاترة."

ساد الصمت للحظة.

اتسعت عينا نور قليلًا.

كانت تفهم جيدًا ما قصدته ليلى.

فهي لم تكن تمدح جود فقط، بل كانت تلمح إلى أن نور لا تحقق نفس النجاح.

ظهر الضيق على وجه نور، وبدا أنها على وشك الرد.

لكن قبل أن تقول شيئًا، فُتح باب القاعة ودخل الدكتور.

اضطرت نور إلى العودة إلى مكانها، بينما جلست الفتيات الثلاث وبدأت المحاضرة.

كانت المحاضرة الأولى بسيطة.

فمع بداية العام الدراسي، اكتفى الدكتور بالحديث بشكل عام عن المادة، وشرح الخطة التي سيدرسونها خلال الفصل، وما الذي سيتوقعه منهم طوال العام.

لم يكن هناك الكثير من التفاصيل أو التكليفات، لذلك مرت المحاضرة بهدوء.

وبعد انتهائها بوقت قصير، كانت الفتيات يستعدن للانتقال إلى المحاضرة التالية.

قالت ليلى وهي ترتب أغراضها:

"المحاضرة الجاية بيقولوا إن معيد جديد اتعين هنا، هو اللي هيشرحها لنا."

رفعت جود رأسها وقالت:

"أيوه فعلًا، أنا سمعت نفس الكلام."

حملت يارا حقيبتها بسرعة، ثم نظرت إلى الساعة.

"طب يلا نلحق المحاضرة، إحنا اتأخرنا خمس دقايق."

نهضت الفتيات الثلاث على الفور، وخرجن من القاعة مسرعات.

كانت يارا تسير في المقدمة، بينما لحقت بها جود وليلى.

وبعد دقائق قليلة، وصلن إلى القاعة.

فتحت يارا الباب ودخلت أولًا بينما كانت ليلي و جود بالخارج .

كان هناك شخص يقف أمام السبورة.

كان عمر.

كان قد دخل إلى القاعة قبل لحظات فقط، ووضع بعض متعلقاته على المكتب، ثم وقف في انتظار وصول الطلاب.

رفعت يارا رأسها إليه، ثم قالت بسرعة:

"إحنا آسفين يا دكتور على التأخير."

ابتسم عمر ابتسامة هادئة.

"مفيش مشكلة، بس متتأخروش تاني."

ثم التفت الي السبورة مره اخري

أومأت يارا بسرعة، ثم دخلت إلى الداخل.

جلست جود وليلى في أماكنهما، بينما توجه عمر إلى مكتبه وأمسك بالكتاب.

كان كل شيء طبيعيًا.

بالنسبة للطلاب.

وبالنسبة لعمر...

حتى تلك اللحظة.

رفع عينيه عن الكتاب، ثم نظر إلى الطلاب الجالسين أمامه.

قال بهدوء:

"صباح الخير."

رد الطلاب التحية.

أعاد عمر ترتيب الأوراق أمامه، ثم قال:

"أنا عمر الراوي، وهكون معاكم في مادة أسس العمارة."

بدأ يعرفهم بنفسه، وشرح لهم بشكل مختصر طبيعة المادة، وكيف ستكون المحاضرات خلال الفترة القادمة.

كان يتحدث بثقة وهدوء، محاولًا أن يبدو طبيعيًا رغم أن هذه كانت المرة الأولى التي يقف فيها أمام مجموعة من الطلاب بهذه الصورة.

وبينما كان يتحدث، رفع أحد الطلاب يده.

نظر إليه عمر.

"أيوه؟"

قال الطالب بتردد:

"بس حضرتك يا دكتور صغير أوي."

ثم ابتسم بإحراج وأضاف:

"أنا مقصودش حاجة، بس شكلك قريب من سننا."

ضحك بعض الطلاب.

ابتسم عمر، بينما هز رأسه بتفهم.

لكن قبل أن يجيب، قاطعته نور بصوت يحمل إعجابًا واضحًا:

"عنده حق يا دكتور... هو حضرتك عندك كام سنة؟"

التفت عمر إليها.

لاحظ نظرتها وطريقتها الحالمة في الحديث، فعرف فورًا أنها لا تسأل بدافع الفضول فقط.

قال ببساطة:

"خمسة وعشرين."

ثم أغلق الكتاب أمامه قليلًا وقال:

"يلا نبدأ محاضرتنا."

ضحك بعض الطلاب، بينما عادت نور إلى مقعدها وهي لا تزال تراقبه بإعجاب.

استدار عمر ناحية مكتبه مرة أخرى، ومد يده ليحضر كتابه.

لكن في اللحظة التي رفع فيها عينيه، وقعت نظراته عليها.

توقف.

تجمدت ملامحه تمامًا.

اتسعت عيناه وكأن صدمة قوية وقعت عليه في تلك اللحظة.

لم يعد يسمع أصوات الطلاب من حوله.

لم يعد يرى القاعة.

كل شيء اختفى من أمامه للحظات.

لأنها كانت هنا.

في نفس القاعة.

أمام عينيه.

بعد ثلاث سنوات كاملة من الحب الصامت...

الفتاة التي لم يعرف حتى اسمها.

الفتاة التي ظل ينتظر اليوم الذي يستطيع فيه التقدم إليها رسميًا.

كانت الآن أمامه.

جالسة بين الطلاب.

تنظر إليه كأي معيد جديد يقف أمامها للمرة الأولى.

أما عمر...

فكان يعرفها.

يعرفها منذ ثلاث سنوات.

ولأول مرة، عرف أن القدر اختار له طريقة مختلفة تمامًا ليعرف اسمها.

كانت طالبة لديه في الصف.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٣

    ظلوا مجتمعين لبعض الوقت، وكان الحديث يدور بهدوء حول الدراسة وما ينتظرهم خلال الفترة القادمة.لم يكن أحد يريد أن يفتح أي حديث يتعلق بنهال أو بما حدث خلال الأيام الماضية.كانوا جميعًا يحاولون أن يمنحوا جود مساحة من الهدوء، وأن يتعاملوا معها بصورة طبيعية قدر الإمكان، دون أن يشعرها أحد بأنها تحت المراقبة أو أن كل كلمة تقولها ستخضع للتفسير.قالت يارا وهي تنظر إلى عمر:— دكتور عمر، هو في مشاريع هتبدأ؟أجابها عمر بهدوء:— لا، رئيس القسم لسه بيحدد المشاريع، وممكن يبدأ يعلن عنها بعد أسبوع أو عشرة أيام بالكتير.قال فارس:— ممكن دي تبقى الحاجة الوحيدة اللي تشغل جود شوية.أومأت ليلى موافقة.— فعلًا، ضغط المشروع بيخلينا مش عارفين نفكر في حاجة تانية.ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، ثم قال:— أهو على الأقل نرجع نشوفها بتتخانق معانا على تقسيم الشغل.ضحكت يارا ضحكة بسيطة، بينما ابتسمت ليلى.أما عمر، فاكتفى بالنظر إلى الدرج للحظات، قبل أن يعيد عينيه إلى بقية المجموعة.ظل الحديث مستمرًا لدقائق.وفي الوقت نفسه، كانت جود قد بدأت تستيقظ في غرفتها بالطابق العلوي.فتحت عينيها ببطء.ظلت مستلقية للحظات دون حركة، تنظ

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٢

    مرت أيام قليلة على وفاة نهال، لكنها بدت وكأنها أطول مما ينبغي.كانت الأيام تمر ببطء شديد، وكأن الوقت نفسه فقد قدرته على الحركة بصورة طبيعية منذ رحيلها.وظلت جود على حالها.منذ عودتها من المستشفى، لم تخرج من غرفتها إلا للضرورة، ولم تتحدث مع أحد تقريبًا. كانت تقضي معظم وقتها جالسة في صمت، إما تحدق أمامها دون تركيز، أو تجلس بالقرب من نافذة غرفتها وتنظر إلى الخارج، لكن عينيها لم تكونا تبدوان وكأنهما تريان ما خلف الزجاج.كانت ترى الأشياء دون أن تشعر بها.تسمع الأصوات دون أن تتفاعل معها.وكأن جزءًا منها ظل عالقًا في اللحظة التي عرفت فيها أن والدتها لن تعود.كان أصدقاؤها يطمئنون عليها باستمرار.يسألون عنها، يتابعون حالتها، ويحرصون على ألا تبقى وحدها لفترات طويلة.أما ليلى ويارا، فكانتا تبيتان معها كل ليلة.لم تكونا تحاولان إجبارها على الحديث، ولا تطلبان منها أن تتوقف عن الحزن، ولا تقولان لها إنها يجب أن تكون أقوى.كان كل ما تفعلانه هو البقاء.تجلسان بالقرب منها، حتى لو قضت جود الساعات دون أن تنطق بكلمة واحدة.كان وجودهما بجوارها هو الطريقة الوحيدة التي استطاعتا بها أن تقولا لها إنهما لن تترك

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣١

    ظل الصمت يملأ الغرفة.كانت مريم لا تزال ممسكة بيد جود، بينما جلست جود إلى جوارها دون أن تتحرك تقريبًا.كانت عيناها مثبتتين على الأرض، وكأنها لا ترى ما حولها بالفعل.لم يكن في ملامحها أي تعبير واضح.لا بكاء.ولا حديث.ولا حتى محاولة لإخفاء ما تشعر به.فقط سكون ثقيل استقر عليها منذ الأمس.رفع طارق عينيه إليها للحظات، ثم قال بهدوء:— الدكتور قال إنك لازم ترتاحي.لم تجبه جود.فقط أومأت برأسها إيماءة صغيرة.فهم طارق أنها سمعت كلامه، لكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر.لذلك سكت مرة أخرى.كانت مريم تنظر إلى جود، تحاول أن تقول شيئًا.كلما فتحت فمها، شعرت أن الكلمات تتوقف في حلقها.ماذا يمكنها أن تقول لفتاة فقدت والدتها بالأمس؟أي جملة يمكن أن تخفف عنها؟لم تجد شيئًا.وفي النهاية، اكتفت بأن مررت يدها على شعر جود برفق.لم تتحرك جود.لكنها لم تبتعد أيضًا.ظلت ساكنة، وعيناها شاردتان أمامها.قالت مريم بصوت خافت:— لو احتجتي أي حاجة... كلميني.رفعت جود عينيها إليها.ظلت تنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول أن تستوعب الكلمات.ثم أومأت.كان ذلك كل ما استطاعت فعله.تنهدت مريم بخفة، ثم مسحت دموعها سريعًا قبل أن

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٠

    مرت دقائق قليلة، ثم بدأت مريم وطارق يستعدان للصعود إلى غرفة جود.لم يكن أي منهما يعرف ماذا سيقول لها.فالكلمات في مثل هذه اللحظات تبدو عاجزة، مهما كانت صادقة.كانت مريم تنظر إلى الدرج بين الحين والآخر، بينما ظل طارق جالسًا في صمت، يفكر في جود وفي حالتها منذ الأمس.نظرت ليلى إلى الدرج، ثم قالت بهدوء:— أنا هطلع أقول لجود إنكم طالعين لها.أومأت نادية.صعدت ليلى إلى الطابق العلوي بخطوات هادئة، حتى وصلت إلى باب غرفة جود.وقفت أمامه للحظات، ثم طرقت بخفة.— جود؟لم يأتِ رد.انتظرت قليلًا.ثم فتحت الباب ببطء.كانت جود جالسة على طرف السرير، في الوضع نفسه تقريبًا الذي تركتها عليه منذ قليل.كانت تنظر أمامها في صمت، وملامحها ساكنة تمامًا.دخلت ليلى وأغلقت الباب خلفها دون صوت، ثم اقتربت منها وجلست إلى جوارها.— جود...رفعت جود عينيها إليها.لم تقل شيئًا.ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، رغم الحزن الواضح في عينيها.قالت بهدوء:— ماما وبابا عمر طالعين يشوفوكي.ظلت جود تنظر إليها للحظات.لم يظهر على وجهها أي اعتراض، ولا أي رغبة في الحديث.فقط أومأت برأسها ببطء.فهمت ليلى أنها لا تريد الكلام.ولم تحاول أن

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٢٩

    في صباح اليوم التالي، ظل المنزل غارقًا في الصمت.لم يتغير شيء تقريبًا منذ الليلة الماضية.نفس الهدوء الثقيل.نفس الوجوه المرهقة.ونفس الشعور الذي يسيطر على الجميع، وكأن خبر وفاة نهال ما زال معلقًا في أرجاء المنزل، يرفض أن يصبح حقيقة يمكن استيعابها.كانت جود داخل غرفتها.جلست على طرف السرير، ويداها مسترخيتان إلى جوارها، بينما كانت عيناها معلقتين أمامها دون تركيز.لم تنم إلا لفترات قصيرة ومتقطعة.كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة والدتها.صوتها.ملامح وجهها.طريقتها في الحديث معها.وآخر مرة رأتها فيها.كانت التفاصيل تعود إليها بوضوح مؤلم، وكأن عقلها يرفض أن يسمح لها بالنسيان ولو للحظة.حاولت جود أن تستوعب الفكرة.أن نهال لن تدخل غرفتها مرة أخرى.لن تناديها.لن تجلس معها.لن تسمع صوتها.لكن عقلها ظل يرفض تصديق ذلك.كلما حاولت أن تقول لنفسها إن والدتها رحلت، شعرت وكأن الجملة لا تخصها.وكأنها تتحدث عن شخص آخر.شخص آخر فقد والدته.وليس هي.رفعت جود يدها إلى وجهها، وظلت تغطي عينيها للحظات.ثم أنزلتها ببطء.لم تبكِ.كانت دموعها قد جفّت، لكن الألم لم يختفِ.فقط تحول إلى شيء أثقل وأكثر صمتًا.

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٢٨

    وصلوا إلى المنزل بعد وقت قصير.ما إن دخلت جود حتى اتجهت مباشرة إلى غرفتها، دون أن تنظر إلى أحد أو تتوقف للحظة.تبعتها نادية وليلى ويارا، بينما ظل أنس في الخارج.وقف للحظات يراقب الباب الذي أُغلق خلف جود، ثم أطلق نفسًا طويلًا، وكأنه يحاول إخراج كل ما يحمله صدره من قلق منذ ساعات.أما عمر، فظل واقفًا في مكانه دون أن يتحدث.كانت عيناه معلقتين بباب غرفة جود.ظل ينظر إليه لعدة لحظات، ثم قال بهدوء:— أنا هروح البيت.رفع أنس عينيه إليه.كان يعرف أن عمر نفسه يحتاج إلى الراحة بعد هذا اليوم الطويل.قال له:— روح ارتاح يا عمر.أومأ عمر.لم يضف شيئًا، ثم غادر.---وصل عمر إلى منزله بعد وقت قصير.فتح الباب ودخل بهدوء.كانت والدته، مريم، تجلس في غرفة المعيشة، بينما كان والده، طارق، يتابع بعض الأوراق أمامه.ما إن رأته مريم حتى رفعت عينيها وابتسمت.— رجعت بدري.لم يجبها عمر.اكتفى بإلقاء مفاتيحه على الطاولة، ثم وقف للحظة وكأنه لا يعرف إلى أين يتجه.لاحظ طارق ملامحه فورًا.رفع عينيه عن الأوراق.— مالك؟هز عمر رأسه.— مفيش.ثم صعد إلى غرفته دون أن يضيف شيئًا.تابعته مريم بعينيها حتى اختفى عن نظرها.ثم ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status