مشاركة

٣

مؤلف: كيان
last update تاريخ النشر: 2026-09-28 21:53:38

ذهبت جود إلى غرفتها بعدما ودعت أنس وعائلته، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

ألقت هاتفها على السرير، ثم اتجهت إلى المرآة لتزيل آثار يومها الطويل، قبل أن تعود وتستلقي على فراشها.

كانت تشعر بالإرهاق، خاصة أنها كانت تعلم أن عليها الاستيقاظ مبكرًا في اليوم التالي.

فغدًا سيكون يومًا دراسيًا جديدًا، ومحاضراتها ستبدأ في وقت مبكر، لذلك لم تكن تريد أن تسهر أكثر من ذلك.

وضعت رأسها على الوسادة، ومدت يدها لتلتقط هاتفها، وقبل أن تغلقه تمامًا، رن فجأة.

نظرت إلى الشاشة.

يارا.

ابتسمت جود، ثم فتحت المكالمة.

"ألو... أيوه يا يارا."

جاءها صوت يارا من الطرف الآخر:

"جود، فكرتك نمتي."

ابتسمت جود وهي تتقلب على جانبها:

"لا، كنت لسه هنام ، روحتي امتي ."

ردت يارا

" من ساعه كدا ، جبت كل الادوات اللي هنحتاجها "

جود

" كويس انا كمان جهزت كل حاجه "

"طب أعدي عليكي بكرة الساعة كام؟"

نظرت جود إلى الساعة الموضوعة بجانب سريرها، ثم فكرت للحظات.

"يعني ممكن على سبعة؟ أنتِ عارفة الجامعة بعيدة شوية عن هنا."

"تمام، هكلم ليلى أقولها ونتقابل."

"ماشي."

سكتت يارا للحظة، ثم قالت:

"أشوفك بكرة."

"أشوفك بكرة."

أغلقت جود المكالمة، ووضعت الهاتف إلى جوارها.

سحبت الغطاء فوقها، وأغمضت عينيها.

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى غلبها النوم.

---

جاء اليوم التالي سريعًا.

كانت الشمس قد بدأت في الظهور، بينما بدأت الشوارع تمتلئ بالحركة تدريجيًا.

وقفت جود أمام منزلها بعد أن انتهت من تجهيز نفسها للجامعة، تحمل حقيبتها على كتفها، بينما كانت تنتظر يارا وليلى.

لم تمر دقائق حتى ظهرت يارا من بعيد، وبجوارها ليلى.

لوحت يارا لها وهي تقترب.

"جود!"

ابتسمت جود لها، ثم قالت:

"أخيرًا."

ضحكت يارا:

"إيه أخيرًا دي؟ أنا جيت في معادي."

هزت جود رأسها، وكادت ترد عليها، قبل أن يأتي صوت تعرفه جيدًا من خلفها.

"جود."

توقفت للحظة.

كان صوت أنس.

استدارت إليه، فوجدته يقترب منهم، وكان في طريقه إلى عمله.

نظرت إليه جود بمكر، فقد عرفت فورًا سبب توقفه.

لم يكن أنس بحاجة إلى أن يقول شيئًا.

هي تعرفه جيدًا.

وكان واضحًا لها أنه لم يوقفها إلا لسبب واحد...

ليلى.

لكنها قررت أن تستمتع بالأمر قليلًا.

ابتسمت له ببراءة مصطنعة وقالت:

"رايح الشغل؟"

أومأ أنس برأسه.

"آه."

ثم رفع عينيه ونظر إلى ليلى مباشرة.

"مستعدة للجامعة؟"

أومأت ليلى بخجل.

"آه."

كانت نبرة صوتها مختلفة قليلًا، الأمر الذي لم يفت انتباه جود أو يارا.

نظرت جود إلى يارا، ونظرت يارا إليها.

ثم تبادلتا نظرة أخرى وكأنهما تتحدثان دون كلمات.

كانت يارا أول من كسر الصمت.

قالت برومانسية ساخرة :

" احنا كمان مستعدين "

نظر لها أنس بتعجب .

أسندت رأسها على كتف جود وقالت بنبرة ساخرة:

"أنا حاسة إن وقفتنا ملهاش لازمة."

انفجرت جود بالضحك.

"أنا بقول كده برده."

نظرت ليلى إليهما بضيق خفيف.

"لا، استنوا نمشي سوا."

ثم التفتت إلى أنس.

كان أنس لا يزال واقفًا أمامهن، وكأنه لم يسمع شيئًا من تعليقات الفتاتين.

قالت ليلى بخجل:

"هنمشي إحنا بقى عشان منتأخرش على المحاضرة."

أومأ أنس برأسه.

"تمام."

ثم ابتسم لها وقال ببساطة:

"هتوحشيني."

اتسعت عينا جود قليلًا.

وفي اللحظة نفسها، رفعت هي ويارا إحدى حاجبيهما ونظرتا إلى أنس.

كانت النظرة متطابقة تقريبًا.

انتبه أنس إليها فورًا.

نظر إلى جود، ثم إلى يارا، ثم عاد إليها.

"إيه؟"

لم تجبه جود.

ظلت تنظر إليه بنفس النظرة.

ضحكت يارا وهي تحاول إخفاء ابتسامتها.

تنهد أنس، ثم قال وهو ينظر إلى جود:

"أنتِ مش هتوحشيني."

وضعت جود يدها على صدرها في حركة تمثيلية، وقالت:

"ليه كده بس؟"

رد أنس بلا تردد:

"إمتى تتجوزي وأرتاح من رخامتك؟"

انفجرت جود بالضحك.

"قعدالك... مش متجوزة."

ضحكت يارا وليلى أيضًا، بينما ظل أنس ينظر إلى جود دون أن يضحك.

كانت عيناه مختلفة عن عيون الباقين.

لم يكن يرى الأمر مجرد مزحة.

كان يعرف جود منذ طفولتها.

يعرف متى تمزح، ومتى تخفي شيئًا خلف ابتسامتها، ومتى تقول جملة عابرة بينما يكون وراءها معنى آخر تمامًا.

ولذلك لم يضحك.

كانت جملة جود بالنسبة إليه أكثر من مجرد رد ساخر.

هو الوحيد الذي كان يعلم أنها لم تقلها من باب الفكاهة.

بل كان أكثر شخص يعرف ما بداخلها.

أما جود، فلم تنتبه إلى نظراته طويلًا.

أمسكت ذراع يارا وقالت:

"يلا عشان فعلًا هنتأخر."

تحركت الفتيات الثلاث معًا، بينما ظل أنس واقفًا للحظات يتابعهن بنظراته.

وقبل أن تبتعد جود كثيرًا، التفتت إليه.

وجدته لا يزال ينظر إليها.

ابتسمت له ابتسامة صغيرة، ثم رفعت يدها في إشارة وداع.

رد أنس بإيماءة بسيطة.

استدارت جود من جديد، وأكملت طريقها مع يارا وليلى.

أما أنس، فظل واقفًا مكانه للحظات، ثم تنهد واتجه إلى سيارته.

كان يومًا عاديًا في ظاهره.

يوم جامعي جديد بالنسبة للفتيات.

ويوم عمل جديد بالنسبة لأنس.

ويوم مختلف تمامًا بالنسبة لعمر، الذي سيبدأ في الجامعة للمرة الأولى كمعيد.

لكن أحدًا منهم لم يكن يعرف بعد ما الذي ستجلبه لهم الأيام القادمة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٣

    ظلوا مجتمعين لبعض الوقت، وكان الحديث يدور بهدوء حول الدراسة وما ينتظرهم خلال الفترة القادمة.لم يكن أحد يريد أن يفتح أي حديث يتعلق بنهال أو بما حدث خلال الأيام الماضية.كانوا جميعًا يحاولون أن يمنحوا جود مساحة من الهدوء، وأن يتعاملوا معها بصورة طبيعية قدر الإمكان، دون أن يشعرها أحد بأنها تحت المراقبة أو أن كل كلمة تقولها ستخضع للتفسير.قالت يارا وهي تنظر إلى عمر:— دكتور عمر، هو في مشاريع هتبدأ؟أجابها عمر بهدوء:— لا، رئيس القسم لسه بيحدد المشاريع، وممكن يبدأ يعلن عنها بعد أسبوع أو عشرة أيام بالكتير.قال فارس:— ممكن دي تبقى الحاجة الوحيدة اللي تشغل جود شوية.أومأت ليلى موافقة.— فعلًا، ضغط المشروع بيخلينا مش عارفين نفكر في حاجة تانية.ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، ثم قال:— أهو على الأقل نرجع نشوفها بتتخانق معانا على تقسيم الشغل.ضحكت يارا ضحكة بسيطة، بينما ابتسمت ليلى.أما عمر، فاكتفى بالنظر إلى الدرج للحظات، قبل أن يعيد عينيه إلى بقية المجموعة.ظل الحديث مستمرًا لدقائق.وفي الوقت نفسه، كانت جود قد بدأت تستيقظ في غرفتها بالطابق العلوي.فتحت عينيها ببطء.ظلت مستلقية للحظات دون حركة، تنظ

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٢

    مرت أيام قليلة على وفاة نهال، لكنها بدت وكأنها أطول مما ينبغي.كانت الأيام تمر ببطء شديد، وكأن الوقت نفسه فقد قدرته على الحركة بصورة طبيعية منذ رحيلها.وظلت جود على حالها.منذ عودتها من المستشفى، لم تخرج من غرفتها إلا للضرورة، ولم تتحدث مع أحد تقريبًا. كانت تقضي معظم وقتها جالسة في صمت، إما تحدق أمامها دون تركيز، أو تجلس بالقرب من نافذة غرفتها وتنظر إلى الخارج، لكن عينيها لم تكونا تبدوان وكأنهما تريان ما خلف الزجاج.كانت ترى الأشياء دون أن تشعر بها.تسمع الأصوات دون أن تتفاعل معها.وكأن جزءًا منها ظل عالقًا في اللحظة التي عرفت فيها أن والدتها لن تعود.كان أصدقاؤها يطمئنون عليها باستمرار.يسألون عنها، يتابعون حالتها، ويحرصون على ألا تبقى وحدها لفترات طويلة.أما ليلى ويارا، فكانتا تبيتان معها كل ليلة.لم تكونا تحاولان إجبارها على الحديث، ولا تطلبان منها أن تتوقف عن الحزن، ولا تقولان لها إنها يجب أن تكون أقوى.كان كل ما تفعلانه هو البقاء.تجلسان بالقرب منها، حتى لو قضت جود الساعات دون أن تنطق بكلمة واحدة.كان وجودهما بجوارها هو الطريقة الوحيدة التي استطاعتا بها أن تقولا لها إنهما لن تترك

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣١

    ظل الصمت يملأ الغرفة.كانت مريم لا تزال ممسكة بيد جود، بينما جلست جود إلى جوارها دون أن تتحرك تقريبًا.كانت عيناها مثبتتين على الأرض، وكأنها لا ترى ما حولها بالفعل.لم يكن في ملامحها أي تعبير واضح.لا بكاء.ولا حديث.ولا حتى محاولة لإخفاء ما تشعر به.فقط سكون ثقيل استقر عليها منذ الأمس.رفع طارق عينيه إليها للحظات، ثم قال بهدوء:— الدكتور قال إنك لازم ترتاحي.لم تجبه جود.فقط أومأت برأسها إيماءة صغيرة.فهم طارق أنها سمعت كلامه، لكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر.لذلك سكت مرة أخرى.كانت مريم تنظر إلى جود، تحاول أن تقول شيئًا.كلما فتحت فمها، شعرت أن الكلمات تتوقف في حلقها.ماذا يمكنها أن تقول لفتاة فقدت والدتها بالأمس؟أي جملة يمكن أن تخفف عنها؟لم تجد شيئًا.وفي النهاية، اكتفت بأن مررت يدها على شعر جود برفق.لم تتحرك جود.لكنها لم تبتعد أيضًا.ظلت ساكنة، وعيناها شاردتان أمامها.قالت مريم بصوت خافت:— لو احتجتي أي حاجة... كلميني.رفعت جود عينيها إليها.ظلت تنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول أن تستوعب الكلمات.ثم أومأت.كان ذلك كل ما استطاعت فعله.تنهدت مريم بخفة، ثم مسحت دموعها سريعًا قبل أن

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٠

    مرت دقائق قليلة، ثم بدأت مريم وطارق يستعدان للصعود إلى غرفة جود.لم يكن أي منهما يعرف ماذا سيقول لها.فالكلمات في مثل هذه اللحظات تبدو عاجزة، مهما كانت صادقة.كانت مريم تنظر إلى الدرج بين الحين والآخر، بينما ظل طارق جالسًا في صمت، يفكر في جود وفي حالتها منذ الأمس.نظرت ليلى إلى الدرج، ثم قالت بهدوء:— أنا هطلع أقول لجود إنكم طالعين لها.أومأت نادية.صعدت ليلى إلى الطابق العلوي بخطوات هادئة، حتى وصلت إلى باب غرفة جود.وقفت أمامه للحظات، ثم طرقت بخفة.— جود؟لم يأتِ رد.انتظرت قليلًا.ثم فتحت الباب ببطء.كانت جود جالسة على طرف السرير، في الوضع نفسه تقريبًا الذي تركتها عليه منذ قليل.كانت تنظر أمامها في صمت، وملامحها ساكنة تمامًا.دخلت ليلى وأغلقت الباب خلفها دون صوت، ثم اقتربت منها وجلست إلى جوارها.— جود...رفعت جود عينيها إليها.لم تقل شيئًا.ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، رغم الحزن الواضح في عينيها.قالت بهدوء:— ماما وبابا عمر طالعين يشوفوكي.ظلت جود تنظر إليها للحظات.لم يظهر على وجهها أي اعتراض، ولا أي رغبة في الحديث.فقط أومأت برأسها ببطء.فهمت ليلى أنها لا تريد الكلام.ولم تحاول أن

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٢٩

    في صباح اليوم التالي، ظل المنزل غارقًا في الصمت.لم يتغير شيء تقريبًا منذ الليلة الماضية.نفس الهدوء الثقيل.نفس الوجوه المرهقة.ونفس الشعور الذي يسيطر على الجميع، وكأن خبر وفاة نهال ما زال معلقًا في أرجاء المنزل، يرفض أن يصبح حقيقة يمكن استيعابها.كانت جود داخل غرفتها.جلست على طرف السرير، ويداها مسترخيتان إلى جوارها، بينما كانت عيناها معلقتين أمامها دون تركيز.لم تنم إلا لفترات قصيرة ومتقطعة.كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة والدتها.صوتها.ملامح وجهها.طريقتها في الحديث معها.وآخر مرة رأتها فيها.كانت التفاصيل تعود إليها بوضوح مؤلم، وكأن عقلها يرفض أن يسمح لها بالنسيان ولو للحظة.حاولت جود أن تستوعب الفكرة.أن نهال لن تدخل غرفتها مرة أخرى.لن تناديها.لن تجلس معها.لن تسمع صوتها.لكن عقلها ظل يرفض تصديق ذلك.كلما حاولت أن تقول لنفسها إن والدتها رحلت، شعرت وكأن الجملة لا تخصها.وكأنها تتحدث عن شخص آخر.شخص آخر فقد والدته.وليس هي.رفعت جود يدها إلى وجهها، وظلت تغطي عينيها للحظات.ثم أنزلتها ببطء.لم تبكِ.كانت دموعها قد جفّت، لكن الألم لم يختفِ.فقط تحول إلى شيء أثقل وأكثر صمتًا.

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٢٨

    وصلوا إلى المنزل بعد وقت قصير.ما إن دخلت جود حتى اتجهت مباشرة إلى غرفتها، دون أن تنظر إلى أحد أو تتوقف للحظة.تبعتها نادية وليلى ويارا، بينما ظل أنس في الخارج.وقف للحظات يراقب الباب الذي أُغلق خلف جود، ثم أطلق نفسًا طويلًا، وكأنه يحاول إخراج كل ما يحمله صدره من قلق منذ ساعات.أما عمر، فظل واقفًا في مكانه دون أن يتحدث.كانت عيناه معلقتين بباب غرفة جود.ظل ينظر إليه لعدة لحظات، ثم قال بهدوء:— أنا هروح البيت.رفع أنس عينيه إليه.كان يعرف أن عمر نفسه يحتاج إلى الراحة بعد هذا اليوم الطويل.قال له:— روح ارتاح يا عمر.أومأ عمر.لم يضف شيئًا، ثم غادر.---وصل عمر إلى منزله بعد وقت قصير.فتح الباب ودخل بهدوء.كانت والدته، مريم، تجلس في غرفة المعيشة، بينما كان والده، طارق، يتابع بعض الأوراق أمامه.ما إن رأته مريم حتى رفعت عينيها وابتسمت.— رجعت بدري.لم يجبها عمر.اكتفى بإلقاء مفاتيحه على الطاولة، ثم وقف للحظة وكأنه لا يعرف إلى أين يتجه.لاحظ طارق ملامحه فورًا.رفع عينيه عن الأوراق.— مالك؟هز عمر رأسه.— مفيش.ثم صعد إلى غرفته دون أن يضيف شيئًا.تابعته مريم بعينيها حتى اختفى عن نظرها.ثم ا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status