INICIAR SESIÓNحاول عمر أن يتمالك نفسه قدر استطاعته، حتى لا يلفت انتباه أي شخص في القاعة.
كان لا يزال متمسكًا بقراره. لم يكن يريد أن يرتبط بها بطريقة غير رسمية، ولم يكن مستعدًا لأن يتصرف بدافع مشاعره دون أن يفكر في العواقب. لذلك، مهما كانت الصدمة التي شعر بها عندما وجدها أمامه، كان عليه أن يتعامل مع الأمر باعتباره جزءًا من عمله. أمسك كتابه من جديد، وواصل محاضرته وكأن شيئًا لم يحدث. عاد صوته إلى هدوئه المعتاد، وبدأ يشرح للطلاب باقي النقاط المتعلقة بالمادة، بينما كان يحاول بين الحين والآخر أن يتجاهل وجودها تمامًا. وبعد وقت، انتهت المحاضرة بسلام. خرج الطلاب من القاعة واحدًا تلو الآخر، بينما جمع عمر متعلقاته، ثم غادر الجامعة. كان اليوم طويلًا، وربما أطول مما توقع. وبينما كان يقود سيارته، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. فارس. أجاب المكالمة. "أيوه يا فارس." جاءه صوت فارس من الطرف الآخر: "إيه يا عمر؟ أنا هعدي على أنس أهو. عدنان مش هيطلع معانا النهارده. أعدي عليك أنت كمان ولا مشغول؟" نظر عمر إلى الطريق أمامه. "لا، أنا أصلًا بره. قولي نتقابل فين وهجيلكوا هناك." "في الكافيه اللي بنقعد فيه على طول." "تمام." أغلق عمر المكالمة، ثم غير اتجاه سيارته متوجهًا إلى الكافيه. --- بعد وقت قصير، وصل عمر إلى المكان. وجد أنس وفارس في انتظاره. اقترب منهما وألقى التحية، ثم جلس إلى جوارهما. نظر أنس إليه بابتسامة وسأله: "هاااه؟ أخبار أول يوم ليك كمدرس إيه؟" أجاب عمر بهدوء: "كويس." ثم سكت للحظة. "بس دي مش المشكلة." تبادل أنس وفارس نظرة سريعة. قال فارس: "أومال إيه المشكلة؟" نظر عمر إليهما، لكنه لم يتحدث فورًا. ظل صامتًا لعدة ثوانٍ، وكأنه يحاول أن يقرر من أين يبدأ. ثم قال: "البنت اللي بحبها بقالي تلات سنين." رفع فارس حاجبه. "مالها؟" عقد عمر شفتيه قليلًا، ثم قال: "طلعت طالبة عندي." اتسعت عينا أنس وفارس في اللحظة نفسها. وقالا بصوت واحد: "إيه؟!" أغلق عمر عينيه للحظة، ثم أومأ برأسه. "آه." ظل أنس ينظر إليه بعدم تصديق. أما فارس فكان أول من استعاد حديثه. قال: "إنت بتتكلم جد؟" فتح عمر عينيه ونظر إليه. "أنا اتصدمت لما شوفتها. كان آخر حاجة ممكن تيجي في دماغي إنها تكون طالبة عندي." ضحك فارس، ثم قال: "أخيرًا!" نظر إليه عمر باستغراب. تابع فارس: "أكيد عرفت اسمها." عقد عمر حاجبيه قليلًا، ثم هز رأسه بالنفي. ساد الصمت. نظر أنس إليه وكأنه لم يستوعب الإجابة. "إزاي يعني معرفتش اسمها؟" رد عمر ببساطة: "كانت محاضرة عادية، وبعدين أنا ممكن أسأل الطالب عن اسمه لما ييجي يسألني أو يجاوبني بس." ضرب فارس يديه ببعضهما بضيق. "صبرني يا رب على الراجل ده." ضحك أنس رغمًا عنه، ثم نظر إلى عمر بجدية. "عمر..." "إيه؟" "هو أنت مجاش في دماغك مثلًا إنها ممكن تكون مرتبطة؟" تجهم وجه عمر. توقف للحظة. لم يكن قد فكر في الأمر من قبل. طوال السنوات الثلاث الماضية، كان تفكيره يدور حول شيء واحد فقط: أنه سيبني نفسه أولًا، وبعدها سيتقدم إليها رسميًا. لم يفكر في احتمال أن تكون هي قد بدأت حياتها مع شخص آخر. أكمل فارس، وكأنه قرأ أفكاره: "لا، ولو مش مرتبطة، ممكن ترتبط أو تتخطب، والباشا لسه مفكرش يسألها عن اسمها حتى." اتسعت عينا عمر. كانا محقين تمامًا. لأول مرة، شعر أن قراره الذي كان يراه دائمًا صحيحًا قد يضعه أمام مشكلة لم يحسب حسابها. مسح وجهه بيده، ثم أسند ظهره إلى المقعد. قال أنس بهدوء: "أنت طول الوقت كنت بتقول إنك عايز تبني نفسك الأول، وأنا فاهم ده." ثم وضع يده على كتف عمر. "بس دلوقتي الفرصة جاتلك قدامك." نظر عمر إليه. أكمل أنس: "حاول تستغل الفرصة وتعرف اسمها، وتعرف عنها أكتر." ظل عمر صامتًا للحظات. ثم أومأ برأسه. "عندك حق." عاد الثلاثة إلى حديثهم، واستمرت جلستهم حتى وصل عدنان بعد أن أنهى عمله. انضم إليهم، وظل الأصدقاء الأربعة معًا حتى انتهى اليوم. --- عاد عمر إلى المنزل في وقت متأخر. دخل غرفته وأغلق الباب خلفه، ثم توجه مباشرة إلى سريره. جلس للحظات، لكنه لم يستطع النوم. كانت كلمات فارس وأنس تدور في رأسه. هل من الممكن أن تكون في علاقة مع شخص آخر؟ نظر إلى السقف. هل يمكن أن ترتبط بشخص آخر لأنه لم يأخذ أي خطوة؟ ظل يفكر في الأمر بعمق. كان دائمًا يعتقد أن الانتظار هو القرار الصحيح. أن يبني نفسه أولًا. أن يصبح مستعدًا. ثم يتقدم إليها بطريقة رسمية. لكن ماذا لو كان الوقت يعمل ضده؟ ماذا لو انتظر أكثر من اللازم؟ أغمض عينيه، ثم تنهد. بعد تفكير طويل، وصل إلى قرار واضح. قال لنفسه: "أنس عنده حق... أنا لازم أستغل الفرصة وأعرف عنها أكتر، وبعدها آخد خطوة حقيقية وأتقدملها." كان القرار مختلفًا عن كل ما خطط له من قبل. لكنه شعر للمرة الأولى منذ سنوات أنه لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالانتظار. مد يده وسحب الغطاء فوقه. ثم أغمض عينيه، واستسلم للنوم.ظلوا مجتمعين لبعض الوقت، وكان الحديث يدور بهدوء حول الدراسة وما ينتظرهم خلال الفترة القادمة.لم يكن أحد يريد أن يفتح أي حديث يتعلق بنهال أو بما حدث خلال الأيام الماضية.كانوا جميعًا يحاولون أن يمنحوا جود مساحة من الهدوء، وأن يتعاملوا معها بصورة طبيعية قدر الإمكان، دون أن يشعرها أحد بأنها تحت المراقبة أو أن كل كلمة تقولها ستخضع للتفسير.قالت يارا وهي تنظر إلى عمر:— دكتور عمر، هو في مشاريع هتبدأ؟أجابها عمر بهدوء:— لا، رئيس القسم لسه بيحدد المشاريع، وممكن يبدأ يعلن عنها بعد أسبوع أو عشرة أيام بالكتير.قال فارس:— ممكن دي تبقى الحاجة الوحيدة اللي تشغل جود شوية.أومأت ليلى موافقة.— فعلًا، ضغط المشروع بيخلينا مش عارفين نفكر في حاجة تانية.ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، ثم قال:— أهو على الأقل نرجع نشوفها بتتخانق معانا على تقسيم الشغل.ضحكت يارا ضحكة بسيطة، بينما ابتسمت ليلى.أما عمر، فاكتفى بالنظر إلى الدرج للحظات، قبل أن يعيد عينيه إلى بقية المجموعة.ظل الحديث مستمرًا لدقائق.وفي الوقت نفسه، كانت جود قد بدأت تستيقظ في غرفتها بالطابق العلوي.فتحت عينيها ببطء.ظلت مستلقية للحظات دون حركة، تنظ
مرت أيام قليلة على وفاة نهال، لكنها بدت وكأنها أطول مما ينبغي.كانت الأيام تمر ببطء شديد، وكأن الوقت نفسه فقد قدرته على الحركة بصورة طبيعية منذ رحيلها.وظلت جود على حالها.منذ عودتها من المستشفى، لم تخرج من غرفتها إلا للضرورة، ولم تتحدث مع أحد تقريبًا. كانت تقضي معظم وقتها جالسة في صمت، إما تحدق أمامها دون تركيز، أو تجلس بالقرب من نافذة غرفتها وتنظر إلى الخارج، لكن عينيها لم تكونا تبدوان وكأنهما تريان ما خلف الزجاج.كانت ترى الأشياء دون أن تشعر بها.تسمع الأصوات دون أن تتفاعل معها.وكأن جزءًا منها ظل عالقًا في اللحظة التي عرفت فيها أن والدتها لن تعود.كان أصدقاؤها يطمئنون عليها باستمرار.يسألون عنها، يتابعون حالتها، ويحرصون على ألا تبقى وحدها لفترات طويلة.أما ليلى ويارا، فكانتا تبيتان معها كل ليلة.لم تكونا تحاولان إجبارها على الحديث، ولا تطلبان منها أن تتوقف عن الحزن، ولا تقولان لها إنها يجب أن تكون أقوى.كان كل ما تفعلانه هو البقاء.تجلسان بالقرب منها، حتى لو قضت جود الساعات دون أن تنطق بكلمة واحدة.كان وجودهما بجوارها هو الطريقة الوحيدة التي استطاعتا بها أن تقولا لها إنهما لن تترك
ظل الصمت يملأ الغرفة.كانت مريم لا تزال ممسكة بيد جود، بينما جلست جود إلى جوارها دون أن تتحرك تقريبًا.كانت عيناها مثبتتين على الأرض، وكأنها لا ترى ما حولها بالفعل.لم يكن في ملامحها أي تعبير واضح.لا بكاء.ولا حديث.ولا حتى محاولة لإخفاء ما تشعر به.فقط سكون ثقيل استقر عليها منذ الأمس.رفع طارق عينيه إليها للحظات، ثم قال بهدوء:— الدكتور قال إنك لازم ترتاحي.لم تجبه جود.فقط أومأت برأسها إيماءة صغيرة.فهم طارق أنها سمعت كلامه، لكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر.لذلك سكت مرة أخرى.كانت مريم تنظر إلى جود، تحاول أن تقول شيئًا.كلما فتحت فمها، شعرت أن الكلمات تتوقف في حلقها.ماذا يمكنها أن تقول لفتاة فقدت والدتها بالأمس؟أي جملة يمكن أن تخفف عنها؟لم تجد شيئًا.وفي النهاية، اكتفت بأن مررت يدها على شعر جود برفق.لم تتحرك جود.لكنها لم تبتعد أيضًا.ظلت ساكنة، وعيناها شاردتان أمامها.قالت مريم بصوت خافت:— لو احتجتي أي حاجة... كلميني.رفعت جود عينيها إليها.ظلت تنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول أن تستوعب الكلمات.ثم أومأت.كان ذلك كل ما استطاعت فعله.تنهدت مريم بخفة، ثم مسحت دموعها سريعًا قبل أن
مرت دقائق قليلة، ثم بدأت مريم وطارق يستعدان للصعود إلى غرفة جود.لم يكن أي منهما يعرف ماذا سيقول لها.فالكلمات في مثل هذه اللحظات تبدو عاجزة، مهما كانت صادقة.كانت مريم تنظر إلى الدرج بين الحين والآخر، بينما ظل طارق جالسًا في صمت، يفكر في جود وفي حالتها منذ الأمس.نظرت ليلى إلى الدرج، ثم قالت بهدوء:— أنا هطلع أقول لجود إنكم طالعين لها.أومأت نادية.صعدت ليلى إلى الطابق العلوي بخطوات هادئة، حتى وصلت إلى باب غرفة جود.وقفت أمامه للحظات، ثم طرقت بخفة.— جود؟لم يأتِ رد.انتظرت قليلًا.ثم فتحت الباب ببطء.كانت جود جالسة على طرف السرير، في الوضع نفسه تقريبًا الذي تركتها عليه منذ قليل.كانت تنظر أمامها في صمت، وملامحها ساكنة تمامًا.دخلت ليلى وأغلقت الباب خلفها دون صوت، ثم اقتربت منها وجلست إلى جوارها.— جود...رفعت جود عينيها إليها.لم تقل شيئًا.ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، رغم الحزن الواضح في عينيها.قالت بهدوء:— ماما وبابا عمر طالعين يشوفوكي.ظلت جود تنظر إليها للحظات.لم يظهر على وجهها أي اعتراض، ولا أي رغبة في الحديث.فقط أومأت برأسها ببطء.فهمت ليلى أنها لا تريد الكلام.ولم تحاول أن
في صباح اليوم التالي، ظل المنزل غارقًا في الصمت.لم يتغير شيء تقريبًا منذ الليلة الماضية.نفس الهدوء الثقيل.نفس الوجوه المرهقة.ونفس الشعور الذي يسيطر على الجميع، وكأن خبر وفاة نهال ما زال معلقًا في أرجاء المنزل، يرفض أن يصبح حقيقة يمكن استيعابها.كانت جود داخل غرفتها.جلست على طرف السرير، ويداها مسترخيتان إلى جوارها، بينما كانت عيناها معلقتين أمامها دون تركيز.لم تنم إلا لفترات قصيرة ومتقطعة.كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة والدتها.صوتها.ملامح وجهها.طريقتها في الحديث معها.وآخر مرة رأتها فيها.كانت التفاصيل تعود إليها بوضوح مؤلم، وكأن عقلها يرفض أن يسمح لها بالنسيان ولو للحظة.حاولت جود أن تستوعب الفكرة.أن نهال لن تدخل غرفتها مرة أخرى.لن تناديها.لن تجلس معها.لن تسمع صوتها.لكن عقلها ظل يرفض تصديق ذلك.كلما حاولت أن تقول لنفسها إن والدتها رحلت، شعرت وكأن الجملة لا تخصها.وكأنها تتحدث عن شخص آخر.شخص آخر فقد والدته.وليس هي.رفعت جود يدها إلى وجهها، وظلت تغطي عينيها للحظات.ثم أنزلتها ببطء.لم تبكِ.كانت دموعها قد جفّت، لكن الألم لم يختفِ.فقط تحول إلى شيء أثقل وأكثر صمتًا.
وصلوا إلى المنزل بعد وقت قصير.ما إن دخلت جود حتى اتجهت مباشرة إلى غرفتها، دون أن تنظر إلى أحد أو تتوقف للحظة.تبعتها نادية وليلى ويارا، بينما ظل أنس في الخارج.وقف للحظات يراقب الباب الذي أُغلق خلف جود، ثم أطلق نفسًا طويلًا، وكأنه يحاول إخراج كل ما يحمله صدره من قلق منذ ساعات.أما عمر، فظل واقفًا في مكانه دون أن يتحدث.كانت عيناه معلقتين بباب غرفة جود.ظل ينظر إليه لعدة لحظات، ثم قال بهدوء:— أنا هروح البيت.رفع أنس عينيه إليه.كان يعرف أن عمر نفسه يحتاج إلى الراحة بعد هذا اليوم الطويل.قال له:— روح ارتاح يا عمر.أومأ عمر.لم يضف شيئًا، ثم غادر.---وصل عمر إلى منزله بعد وقت قصير.فتح الباب ودخل بهدوء.كانت والدته، مريم، تجلس في غرفة المعيشة، بينما كان والده، طارق، يتابع بعض الأوراق أمامه.ما إن رأته مريم حتى رفعت عينيها وابتسمت.— رجعت بدري.لم يجبها عمر.اكتفى بإلقاء مفاتيحه على الطاولة، ثم وقف للحظة وكأنه لا يعرف إلى أين يتجه.لاحظ طارق ملامحه فورًا.رفع عينيه عن الأوراق.— مالك؟هز عمر رأسه.— مفيش.ثم صعد إلى غرفته دون أن يضيف شيئًا.تابعته مريم بعينيها حتى اختفى عن نظرها.ثم ا







