Share

10

last update publish date: 2026-08-10 13:34:26

10

ظل الظلام يملأ دار الحكمة.

لم يكن ظلامًا عاديًا.

كان كثيفًا، ساكنًا، حتى إن نور شعرت للحظة أن المكان نفسه توقف عن التنفس.

كانت صورة الطفلتين لا تزال في يدها.

والجملة المكتوبة خلفها تحرق عقلها:

الطفل الثالث لم يمت.

قال آدم:

— نور، خليكي ورايا.

لم تجبه.

كانت تحدق في المكان الذي جاء منه الصوت.

قالت:

— مين أنت؟

جاء الصوت من الجهة المقابلة.

— السؤال مش مين أنا.

ثم ضحكة قصيرة.

— السؤال مين فيكم الحقيقة.

قالت سلمى:

— اظهر.

— لسه بدري يا سلمى.

ارتجفت يدها.

قالت نور:

— إنت تعرف أمي؟

— أعرفها قبل ما تكون أمك.

— وتعرف أبويا؟

— أكثر مما تتخيلين.

— تعرف جدي؟

— كنت هناك يوم مات.

تجمدت نور.

قالت:

— إنت قتلته؟

ضحك.

— لا.

ثم أضاف:

— لكنني رأيت من قتله.

رفعت نور الصورة.

— مين الرجل ده؟

ساد الصمت.

ثم قال:

— الرجل الذي لم يمت.

اشتعل مصباح صغير في نهاية المكتبة.

ظهر رجل واقف بين الرفوف.

لم تستطع نور رؤية وجهه بوضوح.

كان يرتدي معطفًا أسود.

لكن يده كانت واضحة.

وفي إصبعه...

الخاتم.

خاتم جدها.

صرخت سلمى:

— مستحيل!

رفع الرجل يده.

— كنت أعرف أنك ستعرفين الخاتم.

قالت نور:

— إنت جدي؟

توقف الرجل.

ثم ضحك.

— لا.

تقدم خطوة.

— لكنني كنت أعرف عبد الرحمن أكثر مما عرفه أي واحد منكم.

قال آدم:

— فؤاد؟

— فؤاد انتهى.

— إذن من أنت؟

قال الرجل:

— اسمي لا يهم.

— أنا عايزة أعرف اسمي.

— أنتِ؟

— أيوه.

— أنتِ لا تملكين اسمًا واحدًا.

تجمدت.

— إيه معنى ده؟

— نور.

ثم أشار إلى الصورة.

— والاسم الآخر...

نظر إلى الطفلة الثانية.

— ليان.

سقطت الصورة من يد نور.

اسم لم تعرفه.

لكنه عندما سمعته، شعرت بشيء في داخلها يتحرك.

ليان.

كرر الرجل:

— ليان.

قالت سلمى:

— متقولش الاسم ده.

— لماذا؟

— لأنها ليست موجودة.

— بل موجودة.

— ماتت.

— جسدها مات.

توقفت نور.

— يعني إيه؟

قال الرجل:

— لكن ذاكرتها تعيش داخلك.

---

تراجعت نور.

قال آدم:

— كفاية.

رفع الرجل عينيه إليه.

— وأنت يا كريم؟

— ماذا؟

— هل أخبرتها من تكون حقًا؟

— أنا لا أعرف.

— بل تعرف.

— لا.

— فؤاد أخبرك.

صمت آدم.

نور التفتت إليه.

— إيه اللي تعرفه؟

قال:

— مش دلوقتي.

— لا، دلوقتي.

الرجل ضحك.

— انظري إليه.

— هو كان حاضرًا يوم ولادتك.

— وكان حاضرًا يوم موت أختك.

نور شعرت أن الهواء اختفى.

— أختي ماتت إمتى؟

لم يجب أحد.

قال الرجل:

— في اليوم نفسه الذي ولدتِ فيه.

سلمى انهارت على الكرسي.

— كفاية.

قال الرجل:

— أنتِ تعرفين الحقيقة يا سلمى.

— أنا حاولت أحميها.

— من الحقيقة؟

— منكم.

— لم تستطيعي.

ثم أشار إلى نور.

— لأنها بدأت تتذكر.

---

فجأة دوى صوت انفجار في الطابق العلوي.

اهتزت المكتبة.

سقطت بعض الكتب من الأرفف.

قال آدم:

— لازم نخرج.

أمسك يد نور.

لكن الرجل لم يتحرك.

قال:

— اذهبي.

توقفت.

— ليه؟

— لأن الوقت انتهى.

— وإنت؟

— سأراك مرة أخرى.

— مين أنت؟

ابتسم.

— اسألي أختك.

اختفى خلف الرفوف.

ركض آدم نحو المكان.

لكن لم يكن هناك أحد.

قالت نور:

— اختفى.

قال آدم:

— كان فيه باب خلفي.

بحث.

وجد فتحة صغيرة.

لكنها كانت فارغة.

سلمى قالت:

— لازم نمشي.

نور التفتت إليها.

— لا.

— نور...

— أنا مش همشي قبل ما أعرف الحقيقة.

— لو فضلنا هنا هنموت.

— وأنا تعبت من الهروب.

أمسكت سلمى يدها.

— مش كل الحقيقة تتقال في ليلة واحدة.

نور نزعت يدها.

— ليه؟

— لأنك مش مستعدة.

— مين يقرر أنا مستعدة ولا لأ؟

صمتت سلمى.

— إنتِ.

ثم قالت:

— لكن لازم تعرفي إن الحقيقة مش دايمًا بتنقذ الإنسان.

نور ردت:

— أحيانًا الكذبة هي اللي بتقتله.

---

خرجوا من دار الحكمة قبل وصول الشرطة.

كان المطر قد توقف.

المدينة هادئة.

لكن نور لم تشعر بالأمان.

ركبت السيارة.

جلست في الخلف.

آدم قاد.

وسلمى بجانبها.

بعد دقائق قالت نور:

— ليان.

لم ترد سلمى.

— ماما.

— أيوه.

— احكي لي عنها.

تنهدت.

— ليان كانت أختك التوأم.

— اتولدت قبلي؟

— بثلاث دقائق.

— وماتت؟

— بعد الولادة بساعات.

— ليه؟

— ضعف شديد.

— وإنتِ كنتِ متأكدة؟

— أيوه.

— شفتِ الجثة؟

سكتت.

نور رفعت رأسها.

— ماما؟

— لا.

تجمدت.

— ليه؟

— لأنهم قالوا لي إن حالتها كانت خطيرة، وبعدها أخذوها.

— مين؟

— المستشفى.

— وفين دفنوها؟

— ما أعرفش.

نور ضحكت بمرارة.

— طبعًا.

قالت سلمى:

— كنت في حالة انهيار.

— وبعدها؟

— قالوا لي إنها ماتت.

— وإنتِ صدقتي؟

— كنت مضطرة.

— ليه؟

قالت سلمى:

— لأنهم أعطوني شهادة وفاة.

— لكن من غير جثمان.

— أيوه.

— وفضلتِ ساكتة؟

— كان فيه ناس يراقبوني.

— مين؟

— جماعة السبعة عشر.

نور نظرت إلى آدم.

— وأبويا؟

قالت سلمى:

— أبوكي كان يعرف.

— وكان يعرف إن ليان ممكن تكون حية؟

— نعم.

— ليه ما قالليش؟

— لأنه لم يكن متأكدًا.

نور صمتت.

ثم قالت:

— وإنتِ؟

— كنت متأكدة.

— من إيه؟

سلمى بدأت تبكي.

— من يوم شفت الصورة.

— أي صورة؟

أخرجت هاتفها.

فتحت صورة قديمة.

كانت طفلتان.

نور وليان.

لكن في الخلفية كانت امرأة تحمل إحداهما.

نور حدقت.

— مين دي؟

— ليلى.

— أختك؟

— أيوه.

— يعني ليلى أخذت ليان؟

— أعتقد.

— ليه؟

— لأنها كانت تعرف أن فؤاد يريد استخدامها.

— لكن ليلى كانت تعمل مع فؤاد.

— في البداية.

— وبعدها؟

— خانته.

نور قالت:

— إذن ليلى أنقذت أختي.

— ربما.

— وأين هي الآن؟

— لا أعرف.

---

وصلوا إلى بيت عارف.

كان عارف ينتظرهم.

بمجرد أن رأى سلمى، قال:

— حصل إيه؟

قالت:

— عرفوا.

— مين؟

— نور.

نظر إليها.

ثم إلى نور.

— عرفتِ إيه؟

قالت نور:

— عندي أخت توأم.

تغير وجه عارف.

— مين قال لك؟

— أمي.

صمت.

— عارف؟

— نعم.

— أنت كنت تعرف؟

— كنت أشك.

— من إمتى؟

— من عشرين سنة.

— وليه ما قلتليش؟

— لأن عبد الرحمن طلب مني.

— كلهم كانوا يعرفون!

قالت بغضب:

— أنا الوحيدة اللي ما تعرفش حاجة عن حياتي!

قال عارف:

— نور، اسمعيني.

— لا.

— لازم.

— مش عايزة أسمع أي حد.

لكن عارف أخرج شيئًا من جيبه.

وضعه على الطاولة.

سوار صغير.

فيه لوحة فضية محفور عليها:

ليان.

نور اقتربت.

لمسته.

وفجأة...

دوّى صوت في رأسها.

طفلة تضحك.

يد صغيرة تمسك يدها.

صوت:

— أنا مش هسيبك يا نور.

ثم صوت رجل:

— لازم واحدة منكم تفضل.

ثم صراخ.

ثم باب يغلق.

ثم صوت طفلة:

— خدوني أنا.

فتحت نور عينيها.

سقطت على الكرسي.

قال آدم:

— نور!

— أنا شفتها.

— مين؟

— ليان.

قالت سلمى:

— إيه اللي شوفتيه؟

— كانت معايا.

— فين؟

— في المستشفى.

— وبعدها؟

نور أمسكت رأسها.

— كان فيه رجل.

— مين؟

— مش عارفة.

— شكله؟

— ما شفتش وجهه.

— لكن؟

— كان لابس الخاتم.

سلمى شهقت.

— خاتم أبوكي؟

— أيوه.

---

فتح عارف خزانة قديمة.

أخرج ملفًا.

قال:

— كنت محتفظ بالملف ده لليوم اللي ترجع فيه الذاكرة.

فتحته.

فيه شهادة ميلاد.

اسم الطفلة الأولى:

نور ياسر عبد الرحمن.

والثانية:

ليان ياسر عبد الرحمن.

لكن أسفل شهادة ليان كانت هناك ملاحظة:

"تم نقل الحضانة."

نور قالت:

— نقل الحضانة؟

قال عارف:

— معناها إن ليان لم تمت في المستشفى.

— أمال؟

— تم نقلها إلى جهة أخرى.

— أي جهة؟

— لا يوجد اسم.

— مين وقع؟

نظر إلى التوقيع.

— طبيب.

— اسمه؟

أشار إلى الورقة.

الدكتور سامح.

تجمد الجميع.

قالت نور:

— الدكتور سامح؟

قال عارف:

— أيوه.

— هو كان معانا من البداية.

— أيوه.

— وهو يعرف ليان؟

— على الأغلب.

آدم قال:

— لازم نلاقيه.

لكن هاتفه رن.

نظر إلى الشاشة.

لم يعرف الرقم.

أجاب.

لم يسمع شيئًا.

ثم جاء صوت رجل:

— لا تبحثوا عن سامح.

قال آدم:

— مين؟

— لأنه يبحث عنكم.

— فين؟

— في المكان الذي ماتت فيه ليان.

انقطع الاتصال.

نور قالت:

— المستشفى.

---

وصلوا إلى المستشفى القديمة بعد ساعة.

كانت مهجورة منذ سنوات.

الجدران مغطاة بالرطوبة.

الأبواب مكسورة.

والهواء يحمل رائحة المكان القديم.

قال آدم:

— خليكي قريبة.

دخلوا.

وجدوا مكتب الطبيب.

على الباب:

د. سامح

قالت نور:

— هنا.

دخلوا.

كانت الغرفة مليئة بالملفات.

وجدت نور صندوقًا.

فتحته.

فيه صور لأطفال.

أسماء.

تواريخ.

ثم ملف:

ليان.

فتحته.

صورة الطفلة.

وتحتها:

الحالة: حية.

شهقت نور.

— حية.

قال آدم:

— أيوه.

قلبت الصفحة.

الاسم الجديد: ليلى.

توقفت.

— إيه؟

— اسم جديد؟

قلبت الصفحة.

كان هناك تاريخ.

ثم:

المسؤول عن النقل: د. سامح.

نور قالت:

— سامح غيّر اسمها إلى ليلى.

قال آدم:

— لا.

— ليه؟

— لأن ليلى هي أخت أمك.

— أيوه.

ثم نظرت إلى الملف.

— يبقى ليان عاشت باسم ليلى.

ساد الصمت.

ثم ظهر شيء آخر.

صورة امرأة شابة.

كانت ليلى.

لكن في الصورة كانت تحمل طفلة.

نور اقتربت.

على ظهر الصورة:

"ليان، عمرها سبع سنوات."

قالت نور:

— دي ليان.

ثم وجدت صورة ثانية.

ليلى أكبر سنًا.

والطفلة أصبحت شابة.

اسمها:

ليلى.

قالت نور:

— أخت ماما...

ثم فهمت.

— ليلى مش أخت ماما.

آدم نظر إليها.

— إيه؟

— ليلى هي أختي.

تجمد.

قالت:

— أختي التوأم عاشت باسم ليلى.

قال آدم:

— لكن ده معناه...

— إن أخت ماما الحقيقية ماتت.

قالت سلمى بصوت خافت:

— نعم.

ثم انهارت على الكرسي.

— ليلى كانت اسمها الحقيقي.

نور لم تفهم.

قالت سلمى:

— أختي اسمها ليلى فعلًا.

— إذن مين البنت اللي في الصورة؟

سلمى رفعت رأسها.

— أختك.

نور شعرت بقلبها يتوقف.

— لكن اسمها ليلى؟

— لأن أختك حملت اسم أختي بعد اختفائها.

— مين اختفى؟

— ليلى.

— أختك؟

— نعم.

— وإنتِ كنتِ تعرفي؟

— بعد سنوات.

نور أغلقت الملف.

— أنا مش فاهمة.

قال آدم:

— لازم نرتب الأحداث.

قالت سلمى:

— ليان أخذت اسم ليلى بعد أن هربت.

— وهربت من مين؟

— من فؤاد.

— ليه؟

— لأن فؤاد كان يريدها.

— ليه؟

— لأنها كانت تحمل شيئًا في ذاكرتها.

نور سألت:

— إيه؟

سلمى قالت:

— ذاكرة عبد الرحمن.

تجمدت نور.

— ليان كانت تحمل ذاكرة جدي؟

— أيوه.

— وأنا؟

— أنتِ حملتِ جزءًا منها.

— يعني الذاكرة اتقسمت بيننا؟

— نعم.

قال آدم:

— ولهذا السبب كانوا يطاردونكما.

نور أغمضت عينيها.

— أين ليان الآن؟

صمتت سلمى.

ثم قالت:

— لا أعرف.

لكن صوتًا جاء من خلفهم:

— أنا أعرف.

استدار الجميع.

كان الدكتور سامح واقفًا عند الباب.

رفع يديه.

— لا تطلقوا النار.

آدم تقدم.

— فين ليان؟

سامح نظر إلى نور.

ثم قال:

— أمامك.

نور تجمدت.

— إيه؟

أشار إلى الملف.

— أنتِ لا تحملين جزءًا من ذاكرتها.

ثم نظر إليها مباشرة.

— أنتِ ليان.

سقط الصمت.

قالت نور:

— لا.

— أنتِ.

— اسمي نور.

— الاسم الذي عشتِ به.

— لكن نور حقيقية.

— نعم.

— وليان؟

— أيضًا حقيقية.

— إزاي؟

قال سامح:

— لأنكما لم تكونا توأمًا بالمعنى الذي تعتقدينه.

نور شعرت بالدوار.

— أمال؟

— كان هناك طفلة واحدة.

— واحدة؟

— نعم.

— ليان.

— نعم.

— ونور؟

سامح قال:

— نور كانت الهوية التي صنعوها لها بعد نقلها.

سلمى صرخت:

— سامح!

قال:

— لازم تعرف.

نور نظرت إلى أمها.

— ماما؟

سلمى لم تستطع الكلام.

سامح تابع:

— أنتِ ليان.

ثم أشار إلى صورة قديمة.

— ونور ماتت.

نور حدقت في الصورة.

كانت الطفلة التي اعتقدت أنها هي.

ثم بدأت الذكريات تتغير.

صوت.

ضحكة.

يد.

ثم اسم.

ليان.

وفي اللحظة نفسها، شعرت أن شيئًا في داخلها ينكسر.

سمعت صوت طفلة:

— اسمي ليان.

ثم صوت أبيها:

— من النهارده اسمك نور.

ثم صوت جدها:

— لازم تنسي.

ثم صوت امرأة:

— وإلا هيموتوكي.

فتحت عينيها.

كانت تبكي.

قال آدم:

— نور؟

نظرت إليه.

ولأول مرة لم تعرف ماذا تجيبه.

لأن السؤال الذي ظل يطاردها طوال حياتها لم يعد:

من قتل جدي؟

ولا:

أين أبي؟

بل أصبح:

من أنا؟

وقبل أن تحصل على الإجابة، انطفأت أنوار المستشفى.

ثم جاء صوت من الممر:

— ليان...

تجمدت.

صوت امرأة.

كانت تعرفه.

صوتها هي.

ثم:

— أنا أختك.

رفعت نور رأسها.

وفي نهاية الممر، ظهرت امرأة تشبهها تمامًا.

نفس العينين.

نفس ملامح الوجه.

نفس الابتسامة.

لكنها كانت أكبر منها ببضع دقائق فقط.

قالت:

— أخيرًا افتكرتيني.

نور لم تستطع الكلام.

المرأة اقتربت.

ثم قالت:

— أنا نور.

وسقطت الحقيقة كالصاعقة.

المرأة التي أمامها كانت تحمل اسمها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُكتب بعد   الفصل الختامي

    لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟

  • رسائل لم تُكتب بعد   190

    لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ

  • رسائل لم تُكتب بعد   189

    مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب

  • رسائل لم تُكتب بعد   188

    كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم

  • رسائل لم تُكتب بعد   187

    وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً

  • رسائل لم تُكتب بعد   186

    كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status