LOGIN9
ظل السلاح مرفوعًا. لم تتحرك نور. لم تستطع. كان عقلها يرفض أن يستوعب المشهد أمامها. آدم يقف في المدخل. المسدس في يده. موجه إليها. وخلفه فؤاد. وعلى الكرسي في الغرفة المقابلة، رجل يشبه والدها تمامًا، يحدق فيها بعينين ممتلئتين بالخوف. لكن الشيء الذي جعل نور عاجزة عن الحركة لم يكن السلاح. كان صوت آدم. سامحيني. قالتها عيناه قبل أن يقولها فمه. تراجعت نور خطوة. — آدم... قال بصوت خافت: — متتحركيش. — ليه؟ — لأن أي حركة غلط ممكن تقتلك. ضحك فؤاد. — دائمًا كنت جيدًا في التمثيل يا كريم. رفع آدم عينيه نحوه. — اسكت. — لماذا؟ الآن لم يعد هناك ما نخفيه. نظر فؤاد إلى نور. — أخبرتكِ أن الحارس الأخير لا يعرف أنه حارس. قالت نور: — وإنت مين؟ ابتسم. — الشخص الذي حاول أبوكِ قتله. صرخ ياسر من الغرفة: — نور! لا تسمعي له! فؤاد التفت إليه. — ما زلت تكذب عليها حتى الآن؟ قال ياسر: — أنا أحاول إنقاذها. — بعد عشرين سنة؟ — كنت أحميها. ضحك فؤاد. — أنت لم تحمِ أحدًا يا ياسر. ثم نظر إلى نور. — أبوكِ هو من بدأ كل شيء. هزت رأسها. — كذب. — اسأليه. نظرت إلى ياسر. — بابا؟ رفع ياسر عينيه. كانت دموعه تنزل. — نور... اسمعيني. — هل بدأت المشروع؟ صمت. — هل كنت تعرف إنهم استخدموني؟ صمت أطول. ثم قال: — نعم. أغمضت نور عينيها. شعرت بشيء ينكسر داخلها. — كنت تعرف؟ — كنت أعرف جزءًا منه. — ووافقت؟ — في البداية. صرخت: — ليه؟ — لأنني كنت أعتقد أنني أقدر أحميك. — بحذف ذاكرتي؟ — لم أحذفها. — أمال؟ — أخفيتها. — ده نفس الشيء! — لا. — بالنسبة لي نفس الشيء! حاول أن يتحرك، لكن القيود منعته. قال: — نور، أنا غلطت. ضحكت بمرارة. — أول مرة تقولها. — كنت خايف. — مني؟ — عليكِ. — ليه؟ نظر إليها. — لأنكِ شفتِ شيئًا لم يكن يجب أن تريه. قالت: — شفت مين قتل جدو؟ — لا. — أمال إيه؟ تردد. ثم قال: — شفتِ مين هو الشخص الذي كان يرتدي وجه جدك. سكتت نور. قال فؤاد: — قول لها. ياسر نظر إليه. — أنت لا تستحق أن تعرف. ضحك فؤاد. — لكنها تستحق. ثم اقترب من نور. — الشخص الذي كان يرتدي وجه جدك... توقف. — كان أنا. تجمدت نور. نظرت إلى وجه فؤاد. ثم إلى الصورة القديمة. ثم إلى ياسر. — أنت؟ قال فؤاد: — أيوه. — كنت متخفيًا بشكل جدي؟ — نعم. — ليه؟ — لأن عبد الرحمن اكتشف ما كنا نفعله. — "ما كنا نفعله"؟ — المشروع. — مشروع الذاكرة؟ — أكثر من ذلك. اقترب خطوة. — كنا نبحث عن طريقة تجعل الإنسان يحمل ذاكرة شخص آخر. — ليه؟ — لأن الذاكرة هي الشيء الوحيد الذي لا تستطيع قتله بسهولة. قالت نور: — ده كلام مجنون. — ربما. — وإيه علاقتي أنا؟ قال: — أنتِ كنتِ أول نجاح حقيقي. ساد الصمت. ياسر صرخ: — لا تصدقيه! قال فؤاد: — هي لا تحتاج أن تصدقني. ثم أشار إلى رأس نور. — لأنها تحمل الدليل. وضعت نور يدها على رأسها. بدأت الصور تتدفق. جدي. المحطة. رجل يحمل وجهه. صرخة. طفلة. ثم غرفة بيضاء. وأصوات. "ابدأ التسجيل." "اسم الطفلة نور." "العمر سبع سنوات." "الذاكرة المستهدفة: عبد الرحمن." ثم صوت أبيها: "كفاية." وصوت فؤاد: "لسه بدري." ثم صوت امرأة. صوت تعرفه. سلمى. — سيبوها! فتحت نور عينيها. — ماما كانت هنا. قال ياسر: — أيوه. — كانت تعرف. — أيوه. — وكانت بتحاول توقفكم؟ — أيوه. — ليه ما قالتليش؟ — لأنها كانت تخاف إنكِ تفتكري. نظرت نور إلى فؤاد. — وإنت ليه عملت كده؟ قال: — لأنني كنت أبحث عن شيء. — إيه؟ — ذاكرة جدك. — ليه؟ — لأنه أخفى مكانًا. — مكان إيه؟ — أرشيفًا. — أرشيف؟ — يحتوي أسماء السبعة عشر الحقيقية. تذكرت نور الدفتر. — الأسماء اللي فيها حراس ومراقبين وخونة. — نعم. — وليه مهم؟ قال فؤاد: — لأن السبعة عشر لم يكونوا مجرد أشخاص. — أمال؟ — كانوا شبكة. — شبكة إيه؟ — شبكة لحماية أسرار الدولة. تجمدت نور. قال: — ملفات. — وثائق. — أسماء. — عمليات. — وكل ما حدث خلال سنوات طويلة. قالت: — وإنت كنت عايزها ليه؟ — لأن من يملك الأسماء يملك القوة. --- فجأة، سمعوا صوتًا من الخارج. طلقة. ثم أخرى. انطفأت الأنوار. صرخ أحد الرجال: — الشرطة! فؤاد قال: — اخرجوا! لكن آدم لم يتحرك. كان لا يزال يوجه السلاح نحو نور. اقترب منها. همس: — لما أقول لك اجري، تجري. قالت: — بس إنت... — ثقي فيا. — مش قادرة. — لازم. ثم رفع صوته: — الآن! انخفضت نور. وأطلق آدم النار. لكن الرصاصة لم تصبها. أصاب بها جهاز الإنذار فوق الباب. انفجر الزجاج. اندلع صوت صفير حاد. فؤاد تراجع. آدم أمسك نور من يدها. — اجري! قالت: — أبويا! عادا إلى الغرفة. حرر آدم ياسر بسرعة. قال ياسر: — كنت عارف إنك هتعملها. نظر آدم إليه. — كنت أتمنى إنك تكون فاهم. قال ياسر: — خذها. — فين؟ — المكان القديم. — أي مكان؟ — المكتبة. — أي مكتبة؟ — دار الحكمة. توقفت نور. — دار الحكمة؟ قال ياسر: — هناك كل الإجابات. ثم أمسك يدها. لأول مرة منذ عشرين عامًا، كانت يد أبيها في يدها. شعرت نور بأنها طفلة. لكنها هذه المرة لم تكن في سيارة. كانت واقفة أمام الرجل الذي ظنت أنها فقدته إلى الأبد. قال ياسر: — أنا آسف. لم تستطع الرد. قال: — كنت أتمنى أكون أبًا أفضل. دموعها نزلت. — ليه سيبتني؟ — ما سبتكيش. — لكنك اختفيت. — اختفيت علشانك. — وأنا كنت محتاجاك. — عارف. — كل يوم. — عارف. — كل عيد ميلاد. — عارف. — كل مرة كنت بشوف حد شبهك. — كنت هناك. توقفت. — إيه؟ — كنت أراقبك. — من بعيد؟ — أيوه. — حتى لما كنت مع آدم؟ ابتسم بحزن. — خصوصًا وقتها. نظرت إلى آدم. قال ياسر: — كنت واثق فيه. نور سألت: — لكنك قلت لي أخاف منه. — متى؟ — في التسجيل. هز ياسر رأسه. — مش أنا. تجمدت. — إيه؟ — الصوت كان صوتي، لكن التسجيل قديم. — مين عمله؟ — فؤاد. نور التفتت إلى الباب. كان فؤاد قد اختفى. قال آدم: — لازم نمشي. لكن ياسر أمسك كتفه. — كريم. نظر إليه آدم. — نعم؟ — لا تأخذها إلى المكتبة. تجمد آدم. — ليه؟ — لأنهم ينتظرونها هناك. نور قالت: — مين؟ قال ياسر: — الشخص الذي يقود السبعة عشر. — مين؟ رفع عينيه إليها. — أمك. تجمدت نور. — ماما؟ — سلمى ليست ضحية يا نور. ثم أضاف: — هي كانت واحدة من القادة. --- لم يكن هناك وقت للصدمة. بدأت أصوات الخطوات تقترب. قال آدم: — لازم نخرج. أمسك نور. لكن ياسر قال: — اذهبا إلى النفق الشرقي. — فين؟ — خلف الغرفة. أشار إلى جدار. ضغط آدم على حجر. فتح ممر سري. قال ياسر: — خذها. قالت نور: — وإنت؟ — هتصرف. — لا. — نور. — مش هسيبك تاني. ابتسم. — المرة دي أنا اللي هسيبك. اقترب منها. وضع يده على رأسها. — أنا فخور بيكي. انهارت دموعها. — بابا... — امشي. احتضنته. لثوانٍ فقط. ثم ابتعدت. دخلت النفق مع آدم. قبل أن يغلق الباب، سمعت صوت والدها: — نور! التفتت. — نعم؟ — متثقيش في أي ذاكرة قبل سن الثامنة. أغلق الباب. --- كان النفق مظلمًا. قالت نور: — إيه معنى كلامه؟ — إنه يحذرك من الذكريات المزروعة. — يعني كل اللي فاكرته ممكن يكون كذب؟ — مش كله. — إزاي أعرف؟ — هنفصل الذكريات عن الأدلة. — وإنت تقدر؟ — أيوه. — ليه؟ — لأنني كنت مع أبوكي في أول تجربة. توقفت. — إنت كنت موجود؟ — أيوه. — إنت كنت عارف إنهم بيعملوا ده فيا؟ — أيوه. — ليه ما منعتهمش؟ — حاولت. — لكنك فشلت. — أيوه. — وده السبب إنك بقيت حارس؟ — أيوه. سارت بجانبه. ثم قالت: — وإنت فعلًا بتحبني؟ توقف. نظر إليها. لم تكن مستعدة للسؤال. لكنه لم يتهرب. — أيوه. صمتت. — من إمتى؟ — من زمان. — من وأنا صغيرة؟ — لا. — إمتى؟ — أول مرة شفتك فيها وأنتِ كبيرة. — في المكتبة؟ — أيوه. — ليه؟ ابتسم. — لأنك دخلتي وطلبتي كتابًا عن تاريخ المدينة. — وكنت متوتر؟ — جدًا. ضحكت رغم دموعها. — أنت؟ — أيوه. — ليه؟ — لأنني كنت أعرف أنكِ الشخص الوحيد الذي كنت ممنوعًا من الاقتراب منه. — ومع ذلك اقتربت. — أيوه. — ليه؟ — لأنني لأول مرة خالفت أمر أبوكي. صمتت. ثم اقتربت منه. — وأنا؟ — إيه؟ — أنا بدأت أحبك إمتى؟ ابتسم. — مش عارف. — أنا عارفة. توقف. — إمتى؟ قالت: — لما اكتشفت إنك ممكن تكون الخائن، وخفت أخسرك. ظل ينظر إليها. لم يقل شيئًا. ثم قالت: — بس ده مش اعتراف. — عارف. — يمكن بكرة. — يمكن. --- خرجوا من النفق عند طرف المدينة. كانت السماء قد بدأت تمطر. وقف آدم تحت المطر. قال: — لازم نروح لمكان آمن. — فين؟ — عند عارف. — لا. — ليه؟ — ماما هتكون هناك. — إنتِ مش متأكدة إنها القائدة. — بابا قال. — أبوكي ممكن يكون مخطئ. — أو بيحاول يحميها. — بالضبط. نظرت إليه. — يبقى لازم نعرف. — إزاي؟ — نرجع للمكتبة. — ليه؟ — لأن الرسالة قالت إن كل الإجابات هناك. — وأبوك قال إنهم ينتظروننا هناك. — يبقى نروح. — ده فخ. — كل الطرق فخاخ. ثم قالت: — لكن المرة دي إحنا اللي هنختار الفخ. --- عادا إلى دار الحكمة بعد منتصف الليل. كانت الأبواب مغلقة. الشارع خالي. دخل آدم من الباب الخلفي. كانت المكتبة مظلمة. لكن نور شعرت بشيء غريب. قالت: — في حد هنا. — حاسس. أضاء آدم المصباح. لم يكن هناك أحد. تقدمت نور نحو مكتب جدها. وجدت كتابًا مفتوحًا. في الصفحة جملة: "حين يعود الابن، تعود الخيانة." قالت: — دي رسالة. قلبت الصفحة. لا شيء. ثم لاحظت أن الكتاب موضوع فوق دائرة محفورة. أزاحت الكتاب. ظهر تجويف. في داخله شريط تسجيل. قال آدم: — ده قديم. شغلته. جاء صوت عبد الرحمن. — إذا وصلت هذه الرسالة إلى نور، فمعنى ذلك أنني فشلت في حمايتها. توقفت نور. صوت الجد تابع: — فؤاد ليس أخطر شخص. آدم نظر إليها. — مين؟ — أخطر شخص هو من يعرف نور منذ ولادتها. صمت. ثم قال: — هذا الشخص موجود داخل العائلة. توقفت نور. — ماما. لكن الصوت تابع: — وليس سلمى. نور تجمدت. — أمال مين؟ ثم جاء الاسم. — ليلى. شهقت. آدم قال: — مستحيل. لكن التسجيل تابع: — ليلى لم تكن أخت سلمى فقط. — كانت زوجة فؤاد. توقفت نور عن التنفس. — ليلى كانت شريكته. ثم: — وهي التي حملت نور إلى غرفة التجربة الأولى. رفعت نور يدها إلى فمها. — لا. الصوت تابع: — لكنني اكتشفت شيئًا بعد سنوات. — ليلى لم تكن تعمل مع فؤاد بإرادتها. — كانت مجبرة. — لأن ابنتها كانت رهينة. توقفت نور. — ابنتها؟ قال الجد: — ابنة ليلى كانت طفلة في نفس عمر نور. ثم صمت. — وكانت تحمل نفس الاسم. تبادل آدم ونور النظرات. قال آدم: — نور... أوقفته. — استنى. التسجيل تابع: — إذا قابلتِ ليلى، لا تسأليها عن فؤاد. — اسأليها عن ابنتها. ثم انقطع الصوت. سكتت المكتبة. قالت نور: — عندها بنت؟ — يبدو. — مين؟ — ما نعرفش. نظرت إلى الطاولة. كان هناك ظرف. فتحته. وجدت صورة لطفلتين. طفلتان في السابعة. واحدة هي نور. والثانية تشبهها بشكل مخيف. على ظهر الصورة: "واحدة منهما حقيقية." ثم: "والأخرى هي الذاكرة." شعرت نور بالدوار. — أنا مش فاهمة. وفجأة سمعوا صوت باب يُفتح. استدار آدم. كانت سلمى تقف عند المدخل. وجهها شاحب. وفي يدها مسدس. رفعت السلاح نحوه. قالت: — ابتعد عنها يا كريم. تجمدت نور. — ماما؟ سلمى نظرت إليها. — نور، تعالي لي. — إنتِ القائدة؟ — لا. — بابا قال إنك واحدة منهم. — أبوكي لا يعرف كل شيء. — وجدي قال إن ليلى هي الخائنة. تغير وجه سلمى. — ليلى؟ ثم نظرت إلى الصورة. انهارت ملامحها. — من أين وجدتم هذه؟ قالت نور: — مين البنت الثانية؟ سلمى لم تجب. — ماما! سقط السلاح من يدها. قالت بصوت مكسور: — البنت الثانية كانت أختك. نور تجمدت. — أختي؟ — توأمك. سقط الصمت. — أنا كان عندي توأم؟ أغمضت سلمى عينيها. — أيوه. — فين؟ رفعت سلمى رأسها. — ماتت. ثم نظرت إلى الصورة. — لكن ذاكرتها لم تمت. نور شعرت بأن العالم يدور. — إيه معنى ده؟ قالت سلمى: — لأن كل الذكريات التي ظننتِ أنها تخصك... توقفت. ثم قالت: — بعضها يخص أختك. نظر آدم إلى نور. لكنها لم تعد تسمعه. كانت تنظر إلى صورة الطفلتين. إحداهما تضحك. والأخرى تنظر إلى الكاميرا. وفي زاوية الصورة، ظهر رجل. لم يكن فؤاد. ولا ياسر. ولا عبد الرحمن. ولا آدم. كان رجلًا آخر. لكن نور عرفته. كانت قد رأته من قبل. في المرآة. وفي أحلامها. وفي كل مرة كانت تشعر أن شخصًا يقف خلفها. قالت بصوت مرتجف: — أنا أعرف الراجل ده. سلمى رفعت رأسها. — مين؟ أشارت نور إلى الصورة. — ده... ثم توقفت. لأن الرجل في الصورة كان يبتسم. وكان يحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيه. لكن الطفل لم يكن نور. كان شقيقها. وعلى ظهر الصورة كانت جملة واحدة: "الطفل الثالث لم يمت." وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار المكتبة. وسمعوا صوت رجل من الظلام: — أخيرًا عرفتم الحقيقة. ثم أُغلق الباب من الخارج. وقال الصوت: — لكنكم لم تعرفوا بعد من منكم هو الحقيقي.لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟
لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ
مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب
كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم
وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً
كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح







