LOGIN2
لم تتحرك نور. بقيت واقفة أعلى السلم، ويدها تقبض على المفتاح الصغير، بينما كان الظلام يملأ البيت من حولها. لم يكن الظلام وحده هو ما يخيفها. كان الصوت. ذلك الصوت الذي جاء من أسفل السلم. صوت رجل. هادئ، عميق، وكأنه يعرفها منذ سنوات. لكنها لم تعرفه. أو ربما... عرفته. كانت هناك نبرة غريبة في صوته، شيء جعل قلبها يرتجف دون سبب واضح. قال مرة أخرى: — اتأخرتي يا نور. ابتلعت ريقها. — مين؟ لم يأتِ رد. خطت خطوة واحدة إلى الأمام. السلم الخشبي أصدر صريرًا. توقفت. ثم قالت: — مين هناك؟ لا شيء. فقط صوت الريح وهي تضرب إحدى النوافذ. ثم فجأة عاد التيار الكهربائي. اشتعلت المصابيح كلها دفعة واحدة. رمشت نور. نظرت إلى أسفل السلم. لم يكن هناك أحد. نزلت بسرعة. كانت غرفة المكتبة مفتوحة. اقتربت منها. توقفت عند العتبة. الصندوق ما زال في غرفتها. أما المكتبة... فكانت فارغة. دخلت. نظرت خلف المكتب. لا أحد. فتشت الحمام الصغير الملحق بالغرفة. فارغ. فتحت النافذة. كانت مغلقة من الداخل. لا يمكن لأحد أن يدخل أو يخرج منها دون أن تراه. عادت إلى الممر. وقفت في منتصف البيت. كانت أنفاسها متسارعة. قالت لنفسها: — أنا كنت متوترة. ربما سمعت صوتًا من الشارع. ربما تخيلت الأمر. ربما لم يكن هناك أحد أصلًا. لكنها عندما نظرت إلى الأرض أمام المكتبة، تغير وجهها. كان هناك أثر حذاء. واحد. ثم آخر. آثار تراب رطبة. تبدأ عند الباب وتنتهي أمام المكتب. انحنت. لمست الأرض. التراب كان حديثًا. لم يكن موجودًا قبل دقائق. رفعت رأسها. شعرت بقشعريرة. لم تعد المسألة خيالًا. كان هناك شخص داخل البيت. أو كان هنا منذ لحظات. --- ركضت نور إلى غرفتها. أغلقت الباب. وضعت الكرسي أمامه. ثم جلست على السرير. كان المفتاح لا يزال في يدها. أشعلت المصباح. حدقت فيه. مفتاح صغير من النحاس. قديم. وعليه الرقم 17. قلبته بين أصابعها. لم يكن هناك شيء آخر. لكنها تذكرت الصندوق. الصندوق نفسه يحمل الرقم. والمظاريف. والساعة. ثلاثة أشياء مرتبطة بالرقم نفسه. لم تكن مصادفة. أخرجت دفترًا من حقيبتها. كانت تستخدمه عادة لتسجيل أفكارها أثناء العمل. فتحت صفحة جديدة. كتبت: 17 ثم أسفلها: الصندوق. المفتاح. الساعة. ثم: آدم. توقفت. كتبت: سليم. ثم: والدي. وضعت القلم. نظرت إلى القائمة. لم تكن تعرف كيف تربط الأشياء ببعضها. لكنها شعرت أن هناك خيطًا. خيطًا مخفيًا. ولو استطاعت الإمساك بطرفه، ربما تصل إلى الحقيقة. --- لم تنم تلك الليلة. كلما أغمضت عينيها، سمعت الصوت: "اتأخرتي يا نور." وفي كل مرة كانت تستيقظ، كانت تتوقع أن تجد شخصًا يقف بجوار السرير. عند الثالثة صباحًا، نهضت. ذهبت إلى المطبخ. أعدت كوبًا من الشاي. جلست قرب النافذة. المدينة نائمة. الشارع فارغ. المصباح القديم لا يزال يومض. وضعت يدها على الزجاج. تذكرت والدها. لماذا كذبت جدتها؟ هل كان حيًا فعلًا؟ ولو كان حيًا... أين هو الآن؟ ولماذا لم يبحث عنها؟ ولماذا تركها طوال هذه السنوات؟ ثم جاء السؤال الأصعب: لماذا يعرف آدم عنه؟ كانت تريد أن تكرهه. لكنها لم تستطع. ليس بعد. لأنها لم تعرفه أصلًا. --- في السادسة والنصف صباحًا، سمعت طرقًا على الباب. قفزت من مكانها. اتجهت إلى النافذة. رأت امرأة مسنة تقف أمام الباب. فتحت. كانت جارتهم القديمة، الحاجة أمينة. ابتسمت عندما رأت نور. — يا بنتي! احتضنتها. — كبرتي أوي. ابتسمت نور. — وإنتِ زي ما إنتِ. ضحكت المرأة. — كدابة. دخلت أمينة. نظرت حولها. تنهدت. — البيت وحشني. — كنتِ بتيجي هنا كتير؟ — قبل ما جدتك تمرض. جلست. ثم نظرت إلى نور. — إنتِ هتبيعي البيت؟ — غالبًا. هزت أمينة رأسها. — جدتك كانت رافضة. توقفت نور. — رافضة إيه؟ — تبيع البيت. — مين قالك؟ — هي. — إمتى؟ صمتت أمينة. ثم قالت: — قبل موتها بأسبوع. اقتربت نور. — قالت لكِ إيه؟ نظرت المرأة إلى الباب. ثم خفضت صوتها: — قالتلي إنك هترجعي. شعرت نور ببرودة. — إزاي؟ — قالت: "نور هترجع، ولما ترجع، الناس اللي افتكرنا إنهم ماتوا هيرجعوا معاها." لم تتكلم نور. أمينة لاحظت تغير وجهها. — مالك؟ — جدتي كانت بتتكلم عن مين؟ هزت أمينة رأسها. — معرفش. — حاولتي تسأليها؟ — حاولت. — وقالت إيه؟ ابتسمت المرأة بحزن. — قالتلي إن في حاجات لما تعرفيها، تتمني لو كنتي فضلتي جاهلة. تذكرت نور الرسالة. "ما تثقيش في أي حد." سألت: — أمينة، إنتِ تعرفي آدم؟ تغير وجه المرأة. الصمت كان كافيًا. قالت نور: — تعرفيه؟ رفعت أمينة عينيها. — مين قالك الاسم ده؟ — جدتي. لم تجب. — أمينة؟ قالت المرأة: — آدم مش اسم حد يتقال بسهولة يا نور. شعرت نور بقشعريرة. — ليه؟ — لأن آدم كان آخر شخص شاف أبوكي قبل ما يختفي. توقفت نور. — يختفي؟ — أنا قلتلكِ اللي أعرفه. — لكن جدتي قالت إنه مات. نظرت أمينة إليها طويلًا. ثم قالت: — جدتك كانت عارفة إن الحقيقة أخطر من الكذبة. --- بعد أن غادرت أمينة، بقيت نور واقفة أمام الباب. كانت الكلمات تدور في رأسها. آخر شخص رأى والدها. آدم. إذا كان والدها قد اختفى... فمن أين جاءت قصة الحادث؟ ومن دفنته العائلة؟ هل كانت هناك جنازة أصلًا؟ تذكرت طفولتها. تذكرت يومًا كانت جدتها ترتدي الأسود. تذكرت أشخاصًا كثيرين. لكنها لم تتذكر قبرًا. لم تتذكر جنازة. لم تتذكر وجه والدها. فقط قيل لها إنه مات. ربما كانت هذه أول مرة تشك فيها بصدق في الحقيقة التي عاشت عليها عشرين عامًا. --- فتحت نور الصندوق مرة أخرى. المظروف الأول أمامها. كانت قد قرأته عدة مرات. ثم فتحت المظروف الثاني. التاريخ: 17 أغسطس 2026. بعد سبعة أيام. أخرجت الورقة. كانت أقصر من الأولى. "في السابعة مساءً، اذهبي إلى محطة القطار القديمة." تحتها: "ستجدين شيئًا يخص والدك." ثم: "لا تذهبي مع آدم." وفي النهاية: "راقبي الرجل الذي يبيع الجرائد." رفعت نور رأسها. لم تفهم. من هو الرجل؟ ماذا يبيع؟ ولماذا محطة القطار؟ لكنها لاحظت شيئًا آخر. أسفل الرسالة كان هناك رسم صغير. دائرة. داخلها الرقم 17. ثم سهم يشير إلى اليمين. كانت العلامة نفسها محفورة على المفتاح. أخذت المفتاح. قلبته. على الجهة الخلفية كان هناك خط صغير لم تلاحظه من قبل. فتحت كاميرا هاتفها وصورت المفتاح. كبرت الصورة. ظهرت حروف صغيرة. A.R. توقفت. A.R. من؟ آدم؟ لكن آدم يبدأ بحرف A. والحرف الثاني R. هل يمكن أن يكون اسمًا آخر؟ عبد الرحمن؟ جدها كان اسمه عبد الرحمن. تذكرت الصورة. الصندوق. الرقم. المكتبة. كل شيء يبدو مرتبطًا بجدها. --- في الظهيرة، قررت نور الذهاب إلى وسط المدينة. كانت بحاجة إلى معلومات. وأول شخص خطر في ذهنها كان المحامي الذي يتابع أمور البيت. ذهبت إلى مكتبه. استقبلها رجل في الستين. قال: — نور؟ — أيوه. — أنا عارف إن الوقت صعب. جلست. — عندي سؤال. — اتفضلي. — هل جدي ترك أوراق عن والدي؟ تغير وجه الرجل. — والدك؟ — أيوه. صمت. — ليه بتسألي؟ — لأن في حاجات اكتشفتها. كان واضحًا أنه يعرف أكثر مما يريد أن يقول. قال: — نور، أنا وعدت جدتك. — وعدتها بإيه؟ — إني ما أتكلمش. — وهي ماتت. — الوعد ما بيموتش. حدقت فيه. — أنا بنتها. — عارف. — يبقى من حقي أعرف. تنهد. فتح درجًا. أخرج ملفًا. وضعه أمامه. لكنه لم يفتحه. — أبوكي كان عنده قضية. تجمدت. — قضية إيه؟ — اختفاء. — اختفاء مين؟ نظر إليها. — نفسه. صمتت. — أبوكي اختفى قبل ما تموت جدتك بعامين. — لكن... — كانت فيه رواية عن حادث. — يعني؟ — يعني إن مفيش دليل قاطع إنه مات. شعرت نور أن الأرض تميل. — إنت عارف ده من إمتى؟ — من زمان. — وجدتي؟ — كانت تعرف. — وآدم؟ رفع المحامي رأسه. — مين جابلك اسم آدم؟ لم تجب. كان ذلك كافيًا. أغلق الملف. — نور، نصيحتي ليكي... — إيه؟ — لو آدم ظهر، متسمعيش كلامه كله. — ليه؟ قال بهدوء: — لأنه مش أول مرة يظهر في حياة عيلتك. --- خرجت نور من المكتب. كانت الشمس قوية. لكنها شعرت بالبرد. مشت بلا هدف. وصلت إلى المقهى القديم. جلست في زاوية بعيدة. طلبت قهوة. ثم أخرجت دفترها. كتبت: والدي لم يمت مؤكدًا. آدم يعرفه. الجدة كانت تعرف. المحامي يعرف. سليم. ثم توقفت. أضافت: من هو سليم؟ فتحت هاتفها. بحثت عن الصورة التي التقطتها في المكتبة. كبرت وجه الرجل. كان هناك شيء مألوف. ثم تذكرت صورة قديمة في غرفة جدتها. أخرجت الهاتف. فتحت الصور. كانت قد التقطت صورة للصورة العائلية. كبّرتها. الرجل الشاب. ثم جدها. ثم جدتها. بحثت في الخلفية. كان هناك اسم مكتوب بخط صغير على ظهر الصورة. استخدمت ميزة التكبير. ظهر: "عبد الرحمن، فاطمة، سليم — صيف 1987." سليم. إذن الرجل في الصورة هو سليم. لكن لماذا كان مع جدها وجدتها؟ وما علاقته بوالدها؟ --- عندما عادت إلى البيت مساءً، كانت الشمس تختفي. وضعت حقيبتها. ثم سمعت طرقًا على الباب. هذه المرة لم تخف. تقدمت. فتحت. كان آدم. للمرة الأولى رأته بوضوح. كان في منتصف الثلاثينيات تقريبًا. طويلًا. ملامحه هادئة. عيناه تحملان شيئًا يصعب فهمه. لم يكن يبدو كالشخص الشرير الذي تخيلته طوال اليوم. قال: — مساء الخير. لم تجب. نظر إلى وجهها. ثم قال: — شبهه. — شبه مين؟ — أبوكي. تراجعت خطوة. — إنت تعرف أبويا؟ — أيوه. — كان فين؟ سكت. — كان حي؟ لم يجب فورًا. — آدم. — أيوه. شهقت. — كان حي؟ قال: — آخر مرة شفته فيها، كان حي. شعرت بغضب شديد. — وإنت اختفيت ليه؟ — لأنهم كانوا بيدوروا عليا. — مين؟ — الناس اللي خلت أبوكي يختفي. — ليه؟ نظر خلفها إلى البيت. — لأن الحقيقة موجودة هنا. — فين؟ نظر إلى المكتبة. — تحت البيت. تجمدت. — إنت عارف الصندوق؟ — أيوه. — مين قالك؟ — جدتك. — إمتى؟ — قبل ما تموت. صمتت. ثم قالت: — قالتلي ما أثقش فيك. ابتسم بحزن. — كانت محقة. تفاجأت. — إيه؟ — متثقيش فيا. — ليه؟ اقترب خطوة. — لأنك لسه مش عارفة أنا كنت مع أبوكي في آخر ليلة في حياته. — قلت إنه كان حي. — كان حي. — وإيه اللي حصل؟ خفض عينيه. — سليم وصل. تغير وجه نور. — سليم؟ رفع آدم عينيه إليها. — أيوه. — مين سليم؟ لم يجب. لكن صمته أخبرها أن الاسم يعني الكثير. قال: — عندك الصورة؟ — صورة إيه؟ — صورة سليم. ترددت. ثم أخرجت الهاتف. عرضت الصورة. نظر إليها آدم. تغير وجهه. لأول مرة فقد هدوءه. قال: — مين سمحلك تفتحي الصورة؟ — كانت موجودة في البيت. — نور... — إنت تعرفه. لم ينكر. — أيوه. — مين هو؟ صمت طويل. ثم قال: — الرجل اللي كان السبب في اختفاء أبوكي. شعرت أن قلبها توقف. — وأين هو الآن؟ نظر آدم إلى الشارع. ثم عاد إليها. — في البيت. تجمدت. — إيه؟ قال: — سليم موجود هنا. — في المدينة؟ هز رأسه. — أقرب من كده. ثم نظر خلفها. إلى داخل البيت. — هو كان هنا من ساعة. استدارت نور بسرعة. كان الممر فارغًا. عادت إليه. — إنت بتقول إيه؟ لكن آدم لم يرد. كان ينظر إلى شيء خلفها. شيء جعل وجهه يتغير. استدارت نور. لم ترَ أحدًا. ثم جاء صوت الساعة القديمة. دقة واحدة. ثم أخرى. ثم الثالثة. نظرت إليها. العقارب تحركت. كانت تشير إلى السابعة وسبع عشرة دقيقة. نفس الرقم. 17. وفجأة... سمع الاثنان صوت شيء يسقط من داخل المكتبة. نظر آدم إلى نور. وقال بهدوء: — افتحي الباب. — ليه؟ — لأن الرسالة الثانية بدأت قبل موعدها. ثم أضاف: — واللي جوا المكتبة مش هيستنانا لحد بكرة. تقدمت نور ببطء. لكن قبل أن تصل إلى الباب، سمعت صوتًا من الداخل. صوت رجل. هذه المرة كان واضحًا. وقال: — نور... تجمدت. — أنا عارف إنك رجعتي. ثم ساد الصمت. رفع آدم يده، وأمسك بمقبض الباب. لكن نور أوقفته. — استنى. نظر إليها. — ليه؟ أخرجت المفتاح رقم 17. كان دافئًا. لكن هذه المرة... كان هناك شيء جديد. خط صغير ظهر على سطحه. كأنه نقش لم يكن موجودًا من قبل. قرأت نور الكلمات بصوت مرتجف: "لا تفتحي الباب معه." رفعت عينيها إلى آدم. وفي اللحظة نفسها، تغيرت ملامحه. لأنه رأى شيئًا لم تره هي. نظر إلى نهاية الممر. ثم قال: — نور... — إيه؟ — متتحركيش. — ليه؟ أشار خلفها. استدارت. وعند آخر الممر، أمام باب غرفة جدتها، كان هناك رجل يقف في الظلام. رجل طويل. بمعطف رمادي. وقبعة سوداء. نفس الرجل الذي رأته في جنازة جدتها. رفع الرجل يده ببطء. وفي يده... كانت هناك صورة قديمة. صورة لوالد نور. ثم قال: — أبوكي عايز يشوفك.لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟
لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ
مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب
كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم
وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً
كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح







