Share

3

last update publish date: 2026-08-10 13:29:07

3

لم تستطع نور أن تتحرك.

كان الرجل يقف في نهاية الممر، نصف وجهه غارق في الظلام، والنصف الآخر تلمسه إضاءة خافتة قادمة من المصباح المعلق فوق السلم.

وفي يده كانت الصورة.

صورة والدها.

الصورة التي لم ترها نور من قبل.

لم تكن صورة قديمة عادية.

كان والدها يقف فيها أمام مكان لم تعرفه، يرتدي قميصًا أبيض، وينظر إلى الكاميرا بوجه جاد.

وبجانبه رجل آخر.

سليم.

الرجل نفسه الذي ظهر في الصورة القديمة مع جدها وجدتها.

لكن الشيء الذي جعل نور تشعر بأن الدم انسحب من وجهها لم يكن وجود سليم.

بل الجملة التي قالها الرجل الغريب.

"أبوك عايز يشوفك."

تحركت شفتاها دون أن يخرج صوت.

ثم قالت أخيرًا:

— أبويا... عايز يشوفني؟

ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.

— أيوه.

تقدم آدم خطوة.

— متقربش منها.

رفع الرجل عينيه إليه.

— لسه زي ما أنت يا آدم.

كان في صوته شيء من المعرفة القديمة.

قال آدم:

— إنت ما ينفعش تكون هنا.

ضحك الرجل بهدوء.

— وأنا كنت مستني منك تقول كده.

— مين سمحلك تدخل البيت؟

— البيت مش بتاعك.

— ولا بتاعك.

— ولا بتاع نور.

تدخلت نور:

— كفاية.

نظر الاثنان إليها.

قالت:

— أنا عايزة أفهم.

أشار الرجل بالصورة.

— مش دلوقتي.

— دلوقتي.

— الحقيقة مش لعبة يا بنت ياسر.

تجمدت.

— إنت تعرف اسم أبويا.

— أعرفه أكتر مما تتخيلي.

— يبقى قولي هو فين.

صمت الرجل.

ثم قال:

— لما تكوني مستعدة تعرفي.

ضحكت نور بمرارة.

— أنا بقالى عشرين سنة مستعدة.

لأول مرة اختفت ابتسامته.

— لا.

ثم نظر إليها نظرة طويلة.

— إنتِ لسه مش مستعدة.

أخذ خطوة إلى الخلف.

صرخ آدم:

— استنى!

لكن الرجل استدار.

ركض نحو الباب الخلفي.

اندفع آدم وراءه.

لحقت به نور.

خرجوا إلى الحديقة.

كان الليل قد غطى الشارع.

سمعت نور صوت خطوات الرجل بين الأشجار.

قال آدم:

— خليكِ هنا!

لكنها لم تستمع.

ركضت وراءهما.

وصلت إلى آخر الحديقة.

كان هناك باب صغير يؤدي إلى شارع جانبي.

كان مفتوحًا.

آدم خرج منه.

لكن الرجل اختفى.

وقف آدم في منتصف الطريق.

نظر يمينًا ويسارًا.

لا شيء.

عاد إلى نور.

— قلتلك متخرجيش.

— مين هو؟

لم يجب.

— آدم!

— اسمه مراد.

— مراد مين؟

— مراد السالمي.

توقفت.

— وهل له علاقة بأبويا؟

نظر إليها.

— أكتر مما تتخيلي.

— وإنت تعرفه منين؟

— من زمان.

— قد إيه؟

— من قبل ما تتولدي.

صمتت نور.

ثم قالت:

— أنت كنت تعرف أبويا قبل ما أتولد؟

— أيوه.

— وكنت تعرف جدتي؟

— أيوه.

— وسليم؟

تغير وجهه.

— أيوه.

— يبقى أنت عارف كل حاجة.

— لا.

— كداب.

— أنا عارف أجزاء.

— إيه الأجزاء؟

نظر إلى البيت.

— الحقيقة اتقسمت على ناس كتير.

— ومين قسمها؟

— أبوكي.

تراجعت نور.

— أبويا؟

— هو اللي عمل كده.

— ليه؟

— علشان يحميكي.

— من مين؟

لم يجب.

قالت:

— من سليم؟

ظل صامتًا.

— من مراد؟

صمت.

— منك؟

رفع عينيه إليها.

— يمكن.

شعرت نور بالغضب.

— أنا مش لعبة في إيدك يا آدم.

— عارف.

— ومش هفضل أسمع كلام ناقص.

— وأنا مش هقدر أقولك كل حاجة.

— ليه؟

— لأن في ناس بتراقبك.

نظرت حولها.

— مين؟

— مش عارف.

— يعني إيه مش عارف؟

— من اللحظة اللي رجعتي فيها، كل شيء بدأ يتحرك.

— إيه اللي بدأ يتحرك؟

قال بهدوء:

— الناس اللي كانوا مستنيينك ترجعي.

---

عادا إلى البيت.

كان الباب الخلفي مفتوحًا.

دخل آدم أولًا.

فتشت نور الحديقة بعينيها.

لم تجد مراد.

لكنها وجدت شيئًا آخر.

ورقة صغيرة مثبتة في جذع شجرة الياسمين.

اقتربت.

نزعتها.

فتحتها.

كان مكتوبًا:

"لا تبحثي عن أبيك في الأماكن التي يعرفها الأحياء."

وتحتها:

"ابحثي عنه حيث ترك آخر رسالة."

قلبت الورقة.

على الخلف كان هناك رسم لمحطة قطار.

نظرت نور إلى آدم.

— محطة القطار.

لم يتفاجأ.

— عارف.

— إزاي؟

— لأن الرسالة الثانية قالت كده.

تجمدت.

— إنت شفت الرسائل؟

— لا.

— يبقى إزاي عرفت؟

نظر إلى يدها.

إلى المفتاح.

— لأن الرقم 17 مش جديد عليا.

— إيه معناه؟

— كان رمز أبوكي.

— رمز لإيه؟

— لمشروع.

— أي مشروع؟

جلس آدم.

— مشروع اسمه "السبعة عشر".

جلست نور أمامه.

— احكي.

تنفس ببطء.

— أبوكي كان بيشتغل على حاجة كبيرة.

— إيه؟

— كان بيدور على شبكة من الأماكن السرية.

— أماكن سرية؟

— مخازن، أرشيفات، بيوت، أنفاق... أماكن اتخبى فيها شيء مهم.

— إيه الشيء؟

— معلومات.

— عن إيه؟

— عن ناس.

— مين الناس دي؟

— ناس كان المفروض محدش يعرف بوجودهم.

شعرت نور بأن القصة أصبحت أكثر تعقيدًا.

— أبويا كان محقق؟

— لا.

— شرطي؟

— لا.

— إذًا كان بيشتغل إيه؟

— باحث.

— باحث في إيه؟

— التاريخ.

تذكرت والدها.

صورة صغيرة له وهو يحمل كتابًا.

كان يحب القراءة.

لكنها لم تتخيل أن الأمر كان أكبر من ذلك.

قال آدم:

— أبوكي اكتشف حاجة محدش كان عايزها تظهر.

— إيه؟

— أسماء.

— أسماء مين؟

— ناس عاشوا بهويات مختلفة.

— مش فاهمة.

— ناس ماتوا بأسماء، وعاشوا بأسماء تانية.

صمتت.

ثم قالت:

— وسليم؟

— كان واحد منهم.

— ومراد؟

— كان واحدًا منهم.

— وإنت؟

تردد.

ثم قال:

— أنا كنت واحدًا من اللي بيحاولوا يوقفوا الموضوع.

— يعني إنت كنت ضد أبويا؟

— في البداية.

— وبعدين؟

— بعدين فهمت إنه كان على حق.

---

كان الليل قد انتصف عندما غادر آدم.

وقبل أن يخرج، أعطاها رقم هاتفه.

قال:

— لو حصل أي شيء، اتصلي.

نظرت إلى الرقم.

— إنت واثق إن ده قرار صح؟

— لا.

— طيب ليه بتديني الرقم؟

— لأنك لوحدك مش هتقدري تكملي.

— وإنت؟

— أنا مش عايزك تكملي.

— ليه؟

نظر إليها طويلًا.

— لأن آخر شخص حاول يكشف الحقيقة مات.

تجمدت.

— مين؟

— جدك.

رفعت رأسها.

— جدي مات طبيعي.

— ده اللي اتقال.

— وإنت بتقول إيه؟

— بقول إن وفاته كانت بداية النهاية.

اقترب من الباب.

ثم توقف.

— نور.

— نعم؟

— مهما حصل، متفتحيش المظروف الأسود.

تذكرت الصندوق.

— ليه؟

— لأنه مش ليكي.

— مكتوب عليه اسمي.

— عارف.

— يبقى ليه مش ليا؟

نظر إليها.

— لأنه آخر رسالة كتبها أبوكي.

ثم خرج.

أغلقت نور الباب.

وبقيت وحدها.

---

في الثانية صباحًا، لم تستطع النوم.

فتحت جهاز الكمبيوتر.

بدأت تبحث عن اسم والدها.

"ياسر فاطمة..."

لا شيء.

بحثت عن "ياسر السالمي".

ظهرت نتائج قليلة.

ثم وجدت خبرًا قديمًا.

عنوان صغير:

"اختفاء الباحث ياسر عبد الرحمن في ظروف غامضة."

فتحت الخبر.

التاريخ قبل عشرين عامًا.

قرأت.

كان الخبر قصيرًا.

ياسر باحث في التاريخ، اختفى أثناء عودته من رحلة بحثية.

السيارة عُثر عليها قرب محطة القطار.

لم يُعثر على جثته.

نور توقفت.

لم تكن تعرف هذا.

كانت جدتها قد أخبرتها أنه مات في حادث.

لكن الخبر يقول بوضوح:

لم يُعثر على جثته.

أكملت القراءة.

كان هناك اسم ظهر في آخر الخبر.

سليم مراد.

ارتجفت.

بحثت عنه.

لم تجد شيئًا.

بحثت عن مراد السالمي.

لا شيء.

ثم ظهرت صورة.

رجل شاب.

كان هو نفسه الرجل الذي ظهر في الصورة العائلية.

سليم.

لكن أسفل الصورة كان هناك اسم آخر.

سليم حمدي.

تغير الاسم.

مرة أخرى.

وهنا فهمت شيئًا.

آدم لم يكن يبالغ.

هؤلاء الرجال ربما عاشوا فعلًا بأسماء مختلفة.

لكن لماذا؟

---

في السادسة صباحًا، قررت نور الذهاب إلى محطة القطار القديمة.

لم تنتظر السابع عشر من أغسطس.

لم تستطع.

الرسالة قالت موعدًا بعد أسبوع.

لكنها الآن لم تعد تثق في الرسائل.

ولا في نفسها.

ولا في أحد.

خرجت من البيت.

كانت المدينة هادئة.

استقلت سيارة أجرة.

عندما قالت للسائق اسم المحطة، نظر إليها في المرآة.

— المحطة القديمة؟

— أيوه.

— محدش بيروح هناك.

— ليه؟

— اتقفلت من سنين.

— أنا عارفة.

وصلت بعد نصف ساعة.

كانت المحطة مهجورة.

المبنى الحجري قديم.

النوافذ مكسورة.

الساعة فوق المدخل متوقفة.

عقاربها عند السابعة وسبع عشرة دقيقة.

نور توقفت.

الرقم مرة أخرى.

دخلت.

الغبار يغطي الأرض.

المقاعد الخشبية متهالكة.

على الجدار كانت هناك خريطة قديمة للخطوط الحديدية.

اقتربت منها.

بحثت عن أي علامة.

لا شيء.

ثم تذكرت الرسالة:

"الرجل الذي يبيع الجرائد."

رأت كشكًا صغيرًا في نهاية المحطة.

اقتربت.

كان مغلقًا.

لكن فوقه كانت هناك جرائد قديمة جدًا.

منذ سنوات.

مدت يدها.

تحت آخر صحيفة وجدت ظرفًا.

كان مكتوبًا عليه:

إلى ابنة ياسر.

فتحت الظرف.

كان بداخله مفتاح آخر.

لكن هذا المفتاح يحمل الرقم:

7

وبجانبه جملة:

"واحد من سبعة عشر لم يُغلق بعد."

سمعت صوتًا خلفها.

— متأخرة.

استدارت.

كان آدم.

غاضبًا.

— إنت بتعمل إيه هنا؟

— نفس سؤالي.

— الرسالة قالت إني أجي.

— أي رسالة؟

أخرجت الورقة.

قرأها.

ثم قال:

— دي مش رسالة أبوكي.

— إيه؟

— الخط مختلف.

— يعني؟

— حد تاني كتبها.

— مين؟

لم يجب.

ثم نظر إلى الكشك.

— خدي المفتاح.

— ليه؟

— لأننا لازم نخرج.

— ليه؟

أشار إلى الباب.

كان هناك رجلان يقفان عند المدخل.

لم تعرفهما.

أحدهما يرتدي معطفًا أسود.

والآخر يحمل حقيبة.

قال آدم:

— دول مش جايين يتفرجوا على المحطة.

أمسكت نور المفتاح.

— نعمل إيه؟

— نجري.

ركضا.

---

خرجا من باب جانبي.

ركضا بين الأشجار.

كانت نور تسمع خطوات الرجلين خلفهما.

قال آدم:

— شمال!

دخلت معه زقاقًا ضيقًا.

ثم إلى شارع آخر.

اختبآ خلف سيارة قديمة.

توقفت نور تلتقط أنفاسها.

كان آدم قريبًا منها.

قريبًا أكثر مما ينبغي.

نظرت إليه.

للمرة الأولى لم ترَ فيه الرجل الغامض الذي لا تثق به.

رأت التعب في عينيه.

والخوف.

قالت:

— إنت خايف؟

نظر إليها.

— أيوه.

— من إيه؟

— إني أفقدك قبل ما تعرفي الحقيقة.

صمتت.

لم تعرف لماذا أثرت الجملة فيها.

أدار وجهه.

— لازم نمشي.

---

عندما عادت نور إلى البيت، كانت الشمس قد غربت.

وضعت المفتاح رقم 7 بجوار مفتاح 17.

تطابقا بطريقة غريبة.

ثم لاحظت شيئًا.

عندما وضعتهما بجوار بعضهما، ظهرت حروف صغيرة محفورة على المعدن.

A.R.

قالت بصوت منخفض:

— عبد الرحمن.

جدها.

لكن لماذا؟

فتحت دفترها.

كتبت:

17 + 7 = ؟

ثم تذكرت شيئًا.

الرسالة الأولى قالت إن الصندوق يحمل سبعة مظاريف.

المظروف الثاني قادها إلى المحطة.

لكنها ذهبت قبل موعده.

ربما الرسائل لا تخبرها بما يجب أن تفعله.

ربما تخبرها بما سيحدث إذا فعلت.

أخذت المظروف الثالث.

لم يكن موعده قريبًا.

24 أغسطس 2026.

لكن قبل أن تفتحه، سمعت صوتًا.

صوت مفتاح يدخل في الباب الخارجي.

تجمدت.

لم تكن تتوقع أحدًا.

ثم انفتح الباب.

دخلت أمينة.

لكنها لم تكن وحدها.

خلفها وقف رجل مسن.

نور لم تره من قبل.

نظر إليها.

ثم إلى المفتاح في يدها.

وقال:

— أخيرًا وصلت المفاتيح ليكي.

— مين حضرتك؟

قال:

— اسمي عبد الرحمن.

تجمدت نور.

— عبد الرحمن؟

ابتسم الرجل.

— مش جدك.

ثم أضاف:

— لكني كنت آخر شخص شافه حي.

شعرت نور أن العالم كله توقف.

اقترب الرجل خطوة.

وأخرج من جيبه صورة.

وضعها أمامها.

كانت صورة لثلاثة رجال.

والدها.

آدم.

وسليم.

لكن في الخلفية...

كانت تقف فتاة صغيرة.

فتاة تشبه نور تمامًا.

رفعت نور الصورة بيد مرتجفة.

— دي مين؟

نظر إليها الرجل.

— إنتِ.

— مستحيل.

— الصورة اتاخدت قبل اختفاء أبوكي بثلاث أيام.

حدقت في وجه الطفلة.

كانت تعرف الفستان.

كانت تعرف المكان.

ثم جاءها شيء من الذاكرة.

صوت والدها.

ورائحة المطر.

وباب حديدي.

وصوت رجل يقول:

"لو حصل لي حاجة، خليك بعيد عن نور."

رفعت نور رأسها.

— أنا كنت هناك.

قال الرجل:

— أيوه.

— وأنا فاكرة.

— لأ.

اقترب منها.

— إنتِ مش فاكرة كل حاجة.

ثم نظر إلى المفتاح.

— وده السبب اللي رجعك هنا.

في تلك اللحظة رن هاتف نور.

رقم مجهول.

فتحت.

لم تتحدث.

جاءها صوت رجل.

صوت تعرفه.

صوت آدم.

لكن آدم كان يقف أمامها.

رفعت عينيها إليه.

وضع الهاتف على أذنه.

لم يكن هو من يتصل.

الصوت من الهاتف قال:

— نور، متثقيش في الراجل اللي قدامك.

تجمدت.

ثم قال الصوت:

— لأنه مش آدم.

انقطع الاتصال.

رفعت نور عينيها ببطء.

الرجل الذي أمامها لم يتحرك.

لكن الرجل المسن، عبد الرحمن، كان يحدق في آدم بطريقة لم تفهمها.

ثم قال:

— خلاص.

— إيه؟

— بدأوا يلعبوا بأسماء الناس.

نظر إلى آدم.

ثم قال:

— وده معناه إن الوقت خلص.

وفي اللحظة نفسها، وصل إلى البيت صوت سيارة توقفت أمام الباب.

ثم طرقات.

ثلاث طرق.

طرق.

طرق.

طرق.

نظرت نور إلى آدم.

ثم إلى الباب.

لكن هذه المرة...

لم يذهب أحد ليفتح.

لأن صوتًا جاء من الخارج.

صوت والدها.

صوت ياسر.

واضحًا.

هادئًا.

حيًا.

وقال:

— نور... افتحي الباب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُكتب بعد   الفصل الختامي

    لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟

  • رسائل لم تُكتب بعد   190

    لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ

  • رسائل لم تُكتب بعد   189

    مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب

  • رسائل لم تُكتب بعد   188

    كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم

  • رسائل لم تُكتب بعد   187

    وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً

  • رسائل لم تُكتب بعد   186

    كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status