Share

4

last update publish date: 2026-08-10 13:29:50

4

لم تكن نور تعرف أيهما أخطر؛ أن يكون الصوت القادم من خلف الباب صوت والدها فعلًا، أم أن يكون شخصًا آخر يعرف كيف يقلد صوته.

بقيت واقفة في منتصف الصالة.

الهاتف في يدها.

المفتاحان على الطاولة.

والرجل الذي ادعى أنه يعرف جدها يقف بالقرب من النافذة.

أما آدم، فكان يحدق في الباب كأن حياته كلها تجمعت خلفه.

عاد الطرق.

ثلاث مرات.

هذه المرة أقوى.

طرق.

طرق.

طرق.

ثم جاء الصوت:

— نور... أنا أبوكي.

أغمضت عينيها.

لم تكن تتذكر صوت والدها جيدًا.

لكن شيئًا داخلها ارتجف عندما سمعته.

ليس عقلها.

بل ذاكرتها.

صورة قديمة.

يد تمسك يدها.

صوت يضحك.

ثم المطر.

ثم باب حديدي.

ثم جملة:

"متخافيش يا نور."

فتحت عينيها.

قالت:

— بابا؟

تحرك آدم بسرعة.

أمسك ذراعها.

— متفتحيش.

نظرت إليه.

— لو هو فعلًا...

— مش هو.

— إنت عرفت منين؟

— لأن ياسر لو كان حي، ما كانش هيخلي صوته يوصل لك بالشكل ده.

— يعني إيه؟

— كان يعرف إن أي حد ممكن يستخدم صوته.

الرجل المسن، عبد الرحمن، اقترب من الباب.

قال:

— آدم عنده حق.

نظرت إليه نور.

— حضرتك عرفت جدي؟

— أكتر مما تتخيلي.

— قلت إنك آخر شخص شافه حي.

هز رأسه.

— وده سبب كفاية إني أعرف إن الصوت اللي بره مش صوته.

عاد الصوت.

— نور، افتحي الباب.

ثم تغيرت نبرته.

أصبحت أكثر دفئًا.

أكثر قربًا.

— وحشتيني يا بنتي.

ارتجفت نور.

كانت هذه الجملة تحديدًا هي الجملة التي كان والدها يقولها لها.

قبل النوم.

قبل أن يسافر.

قبل أن يغيب.

وضعت يدها على فمها.

قال آدم:

— متسمعيش.

لكنها لم تستطع.

الصوت تابع:

— فاكرة يوم المطر؟

تجمدت.

كان يعرف.

— فاكرة النجمة الخشب اللي عملتهالك؟

نظرت نور نحو النجمة الموجودة فوق مكتبها.

كان الأمر مستحيلًا.

صرخ آدم:

— نور، ابعدي عن الباب!

لكنها تحركت.

خطوة.

ثم أخرى.

حتى وصلت إلى الباب.

وضعت يدها على المقبض.

قال آدم:

— لو فتحتي، كل اللي حصل من عشرين سنة ممكن يتكرر.

توقفت.

ثم قالت:

— وإنت إيه اللي تعرفه عن العشرين سنة دول؟

صمت.

— قول.

لم يجب.

— آدم!

قال أخيرًا:

— أبوكي طلب مني حاجة واحدة قبل ما يختفي.

— إيه؟

— أحميكي.

نظرت إليه.

— من مين؟

— من الحقيقة.

ضحكت نور بمرارة.

— الحقيقة بقت شخص؟

— أحيانًا الحقيقة بتكون أخطر من الناس.

قبل أن ترد، جاء صوت من الخارج:

— نور... متصدقيهوش.

ثم صمت.

ثم جاء صوت آخر.

هذه المرة مختلف.

رجل آخر.

— هو مش آدم.

نظرت نور إليه.

قال الرجل من الخارج:

— اسأليه عن ليلة محطة القطار.

تغير وجه آدم.

لاحظت نور ذلك.

قالت:

— إيه اللي حصل ليلة محطة القطار؟

لم يجب.

— آدم!

قال:

— مش هنا.

— يبقى فين؟

— لما نخرج من البيت.

— ليه؟

— لأن المكان ده مراقب.

الرجل المسن تدخل:

— لازم نمشي من الباب الخلفي.

سألته نور:

— ومين اللي بره؟

قال:

— ناس عايزة المفتاح.

— أي مفتاح؟

نظر إلى يدها.

— السبعة.

---

خرجوا من الباب الخلفي.

الليل كان ثقيلًا.

لم تكن نور تعرف إلى أين يذهبون.

كانت تسير خلف آدم والرجل المسن.

سألت:

— إحنا رايحين فين؟

قال آدم:

— مكان آمن.

— فين؟

— هتعرفي.

— أنا زهقت من الجملة دي.

توقف.

التفت إليها.

— وأنا زهقت من إني أحاول أحميكي من حاجات لو عرفتيها هتكرهيني.

صمتت.

— يمكن أكرهك فعلًا.

— عارف.

— ويمكن أثق فيك.

نظر إليها طويلًا.

— أتمنى.

كانت تلك أول مرة ترى شيئًا يشبه الضعف في عينيه.

لكنها لم تمنحه ثقتها.

ليس بعد.

---

وصلوا إلى منزل صغير في شارع جانبي.

فتح الرجل المسن الباب.

دخلوا.

كان المكان بسيطًا.

غرفة واحدة.

مطبخ.

مكتب.

وكم هائل من الكتب.

أشعل مصباحًا صغيرًا.

ثم قال:

— اقعدي.

جلست نور.

آدم بقي واقفًا.

قال الرجل:

— اسمي الحقيقي مش عبد الرحمن.

نظرت إليه.

— مين؟

— عارف.

— عارف مين؟

— اسمي.

سكت.

ثم قال:

— أنا اسمي عارف.

تنفست نور.

— طيب يا عارف... مين أبويا؟

جلس أمامها.

— أبوكي كان باحثًا.

— آدم قال لي.

— وكان بيشتغل على مشروع اسمه "السبعة عشر".

— أعرف.

— لكنك متعرفيش يعني إيه.

— قول لي.

فتح درجًا.

أخرج دفترًا قديمًا.

وضعه أمامها.

— ده دفتر أبوكي.

مدت يدها.

ثم توقفت.

— منين؟

— كان عند جدتك.

— ليه ما أعطتنيهوش؟

— لأنها كانت مستنية الوقت المناسب.

فتحت الدفتر.

الصفحة الأولى تحمل خط والدها.

"لو وصلت نور إلى هذا الدفتر، فهذا يعني أنني فشلت."

توقفت.

بدأت تقرأ.

"الحقيقة ليست في المكان الذي أخفيت فيه الشيء."

صفحة أخرى.

"الحقيقة في الأشخاص الذين نسوا أنهم يحملونها."

صفحة ثالثة.

"سبعة عشر شخصًا."

رفعت نور رأسها.

— سبعة عشر شخصًا؟

قال عارف:

— سبعة عشر شخصًا عرفوا السر.

— وما السر؟

— لا أعرف كله.

— إزاي؟

— لأن أبوكي قسمه.

— ليه؟

— حتى لو وقع شخص واحد، ما يقدرش يبيع الحقيقة كلها.

قلبت الصفحات.

وجدت أسماء.

لكنها مشطوبة.

بعضها مكتوب بحبر أحمر.

وبعضها بالأسود.

وفي أسفل إحدى الصفحات:

"الأسماء التي اختفت لا تزال موجودة."

ثم اسم:

سليم حمدي.

وتحته:

مراد السالمي.

ثم:

آدم رائف.

رفعت نور رأسها بسرعة.

نظرت إلى آدم.

— رائف؟

تغير وجهه.

— أيوه.

— يبقى اسمك آدم رائف؟

— كان.

— يعني إيه كان؟

— الاسم اللي بستخدمه دلوقتي مش الاسم اللي اتولدت بيه.

قال عارف:

— ولا اسم من الأسماء اللي في الدفتر كان حقيقيًا بالكامل.

نور شعرت أن رأسها يدور.

— أنا مش فاهمة أي حاجة.

اقترب آدم.

— لأنك لسه ما شفتيش الجزء الأخطر.

أشار إلى الصفحة.

كان هناك اسم آخر.

نور.

لكن بجانبه علامة.

17/17

توقفت.

— إيه ده؟

قال عارف:

— أبوكي كان بيقول إنك المفتاح الأخير.

ضحكت نور.

— أنا؟

— أيوه.

— ليه؟

— لأنك الوحيدة اللي اتولدت بعد بداية المشروع، وعندك شيء ما عندوش أي حد غيرك.

— إيه؟

نظر آدم إليها.

— ذاكرة.

تجمدت.

---

قال عارف:

— في الليلة اللي اختفى فيها أبوكي، كنتِ موجودة.

— أنا كنت طفلة.

— ست سنين.

— أيوه.

— وكنتِ معاه.

— لأ.

— الصورة بتقول غير كده.

أخرج الصورة.

الصورة نفسها.

نور الصغيرة.

والدها.

آدم.

وسليم.

نظرت إليها.

بدأ شيء ما يتحرك في رأسها.

لم يكن ذكرى كاملة.

مجرد شظايا.

صوت قطار.

مطر.

مصباح أصفر.

رائحة وقود.

يد والدها.

رجل يصرخ.

ثم...

صوت طلقة.

شهقت.

وضعت يدها على رأسها.

— نور؟

أغمضت عينيها.

رأت والدها أمامها.

كان يركض.

يمسك يدها.

يقول:

— اجري.

ثم ظهر سليم.

وفي يده شيء معدني.

ثم آدم.

كان يقف بعيدًا.

ثم جدتها.

لكنها لم تكن في المحطة.

كانت خلف باب.

كانت تبكي.

ثم صوت.

"لو حصل لي حاجة، متخليش نور تعرف."

فتحت عينيها.

كانت تتنفس بسرعة.

آدم اقترب.

— إنتِ بخير؟

أبعدت يده.

— إنت كنت هناك.

صمت.

— كنت هناك يوم اختفى أبويا.

— أيوه.

— وشفت اللي حصل.

— أيوه.

— ليه كذبت عليا؟

— لأن أبوكي طلب مني.

— طلب منك إيه؟

— قال لي إنك لو عرفتي الحقيقة قبل سن معين، هتكوني في خطر.

— أي سن؟

— الخامسة والعشرين.

تجمدت.

— أنا عندي ثمانية وعشرين.

— عارف.

— يبقى ليه استنيت؟

— لأنك ما كنتيش جاهزة.

— مين يحدد أنا جاهزة ولا لأ؟

— أبوكي.

— أبويا مش موجود!

قال آدم بهدوء:

— يمكن.

رفعت عينيها إليه.

— يعني إيه يمكن؟

لم يجب.

قال عارف:

— فيه حاجة لازم تشوفيها.

أخرج شريط تسجيل قديم.

وضعه على جهاز صغير.

ضغط زر التشغيل.

صدر صوت تشويش.

ثم جاء صوت رجل.

صوت ياسر.

نور تجمدت.

"لو أنتِ بتسمعي التسجيل ده يا نور..."

وضعت يدها على فمها.

"...فأنا غالبًا مش موجود."

بدأت دموعها تنزل.

"لكن لو كنتِ كبرتي ووصلتي للمرحلة دي، يبقى لازم تعرفي إن موتي مش هو الحقيقة."

توقفت أنفاسها.

"أنا اختفيت بإرادتي."

نظرت إلى آدم.

ثم إلى عارف.

استمر التسجيل:

"لكن مش علشان أهرب منك."

صمت.

ثم:

"هربت علشان أحميكي."

صوت تشويش.

ثم:

"الشخص اللي لازم تخافي منه مش سليم."

نور رفعت رأسها.

جاءت الجملة التالية:

"ولا مراد."

ثم صمت طويل.

"الشخص ده قريب منك أكتر مما تتخيلي."

انقطع التسجيل.

ساد الصمت.

قالت نور:

— مين؟

لم يجب أحد.

ضغط عارف الزر مرة أخرى.

ظهر صوت والدها:

"لو آدم وصل لنور..."

ثم تشويش.

"خليه يقودها للمكان الأول."

ثم انقطع.

نظرت نور إلى آدم.

— المكان الأول؟

قال:

— أول مكان في السبعة عشر.

— فين؟

— تحت بيتكم.

---

عادوا إلى البيت بعد منتصف الليل.

كان كل شيء ساكنًا.

لكن شيئًا تغير.

المكتبة كانت مفتوحة.

الكتب مبعثرة.

والصندوق غير موجود.

ركضت نور إلى الغرفة.

— الصندوق!

قال آدم:

— متلمسيش حاجة.

بحثوا.

لا شيء.

الصندوق اختفى.

لكن المظاريف بقيت.

كانت موضوعة على المكتب.

مرتبة.

المظروف الأول.

الثاني.

الثالث.

الرابع.

الخامس.

السادس.

والأسود.

ثم لاحظت نور شيئًا.

المظروف الثالث كان مفتوحًا.

لم تفتحه هي.

أخرجت الورقة.

كانت هناك جملة واحدة:

"الآن عرفوا أنك بدأتِ تتذكرين."

ثم جملة أخرى:

"الهروب لم يعد ممكنًا."

وفي النهاية:

"المكان الأول تحت البيت."

رفع آدم عينيه.

— لازم ننزل.

— تحت البيت؟

— أيوه.

— فين المدخل؟

نظر حوله.

— مش عارف.

تذكرت نور شيئًا.

الساعة.

توجهت إليها.

فتحت الغطاء الخلفي.

وجدت فتحة صغيرة.

أدخلت المفتاح رقم سبعة.

سمعت صوتًا معدنيًا.

ثم تحرك جزء من الجدار.

انفتح باب سري خلف مكتبة الكتب.

ظهر درج حجري ينزل إلى الظلام.

تراجعت نور.

— ده كان موجود طول الوقت؟

قال آدم:

— أيوه.

— وإنت عارف؟

— كنت شاكك.

أشعل مصباح هاتفه.

بدأ ينزل.

تبعته نور.

كان الهواء باردًا.

الجدران رطبة.

كلما نزلوا، اختفى صوت المدينة.

حتى وصلوا إلى باب حديدي.

كان عليه رقم.

17.

قال آدم:

— ده المكان الأول.

أدخل المفتاح.

فتح الباب.

دخلوا.

كانت الغرفة مليئة بصناديق.

ملفات.

صور.

أشرطة.

وعلى الجدار...

كانت هناك سبع عشرة صورة.

سبعة عشر شخصًا.

كل واحد يحمل اسمًا.

نور اقتربت.

بدأت تقرأ.

سليم.

مراد.

آدم.

ثم أسماء أخرى.

ثم وصلت إلى الصورة الأخيرة.

تجمدت.

كانت صورة امرأة.

امرأة شابة.

تشبهها.

لكنها ليست نور.

سألت:

— مين دي؟

لم يجب آدم.

اقترب.

نظر إلى الصورة.

ثم قال:

— أمك.

توقفت الدنيا.

— أمي؟

— أيوه.

— أمي ماتت؟

— لأ.

— فين؟

نظر إليها.

— آخر مرة شفتها كانت مع أبوكي.

ثم سمعوا صوت باب الحديد يُغلق خلفهم.

استدار آدم.

كان الباب مغلقًا.

وحين حاول فتحه، لم يتحرك.

قالت نور:

— آدم...

نظر إليها.

— إيه؟

أشارت إلى الجدار.

كانت هناك شاشة صغيرة قديمة.

اشتغلت وحدها.

ظهر عليها تسجيل.

وجه ياسر.

لكن هذه المرة لم يكن يتحدث إلى نور.

كان يتحدث إلى شخص آخر.

وقال:

— لو أنت بتشوف التسجيل ده، يبقى آدم فشل.

تجمد آدم.

ثم ظهر سطر على الشاشة:

"المرحلة الثانية بدأت."

وانطفأت الشاشة.

في الظلام، سمعوا صوتًا خلفهم.

صوت امرأة.

هادئًا.

قريبًا.

قال:

— ياسر عمره ما كان بيحب يسيب حاجة للصدفة.

ثم أضاء مصباح صغير في آخر الغرفة.

ظهرت امرأة تقف هناك.

كانت في منتصف الخمسينيات.

شعرها أسود ممزوج بخصلات بيضاء.

وعيناها...

كانتا تشبهان عيني نور تمامًا.

حدقت نور فيها.

لم تستطع الكلام.

المرأة اقتربت خطوة.

ثم قالت:

— أخيرًا يا بنتي.

سقط الهاتف من يد نور.

أما آدم، فتراجع خطوة.

لأنه عرف المرأة.

وقال بصوت منخفض:

— مستحيل.

نظرت إليه المرأة.

— لا يا آدم.

ثم ابتسمت.

— المستحيل هو الشيء الوحيد اللي صدقته أنت طوال السنين اللي فاتت.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُكتب بعد   الفصل الختامي

    لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟

  • رسائل لم تُكتب بعد   190

    لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ

  • رسائل لم تُكتب بعد   189

    مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب

  • رسائل لم تُكتب بعد   188

    كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم

  • رسائل لم تُكتب بعد   187

    وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً

  • رسائل لم تُكتب بعد   186

    كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status