Share

5

last update publish date: 2026-08-10 13:30:37

5

لم تستطع نور أن تنطق.

كانت المرأة تقف أمامها على بُعد خطوات قليلة، والضوء الأصفر الضعيف يرسم ملامح وجهها بوضوح كافٍ ليجعل الإنكار مستحيلًا.

العينان.

طريقة الوقوف.

حتى الميل الخفيف في الرأس عندما تنظر إلى شخص أمامها.

كل شيء كان يقول الحقيقة قبل أن تنطق المرأة بكلمة أخرى.

لكن عقل نور كان يرفضها.

أمها ماتت.

هكذا قيل لها.

منذ طفولتها.

لم تكن تملك ذكرى واضحة لها، لكنها كانت تملك صورة قديمة في غرفة جدتها، وصورة أخرى احتفظت بها في صندوق صغير.

امرأة شابة تبتسم للكاميرا.

أمها.

سلمى.

قالت نور أخيرًا، بصوت بالكاد خرج منها:

— ماما؟

أغمضت المرأة عينيها.

وكأن الكلمة وحدها كانت أثقل عليها من كل السنوات الماضية.

ثم فتحت عينيها.

— أيوه.

تراجعت نور خطوة.

— إنتِ...

لم تستطع إكمال الجملة.

اقتربت سلمى.

لكن نور رفعت يدها.

— متقربيش.

توقفت المرأة.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

— من حقك.

— إنتِ عايشة؟

— أيوه.

— من عشرين سنة؟

— أيوه.

— وسبتيني؟

لم تجب.

— سيبتيني وأنا طفلة؟

خفضت سلمى رأسها.

— ما سبتكيش.

ضحكت نور بمرارة.

— أمال كنتِ فين؟

— بحاول أخليكي تعيشي.

— أنا عشت من غير أم.

— عارفة.

— عشت وأنا فاكرة إن أبويا مات.

— عارفة.

— وجدتي كانت بتكدب عليا.

— كانت بتحميكي.

— وآدم كان عارف.

نظرت إلى آدم.

— كلهم كانوا عارفين وأنا الوحيدة اللي متعرفش.

قالت سلمى:

— لأنك كنتِ السبب.

تجمدت نور.

— أنا؟

— أيوه.

— سبب إيه؟

اقتربت سلمى من الطاولة الحجرية الموجودة في وسط الغرفة.

وضعت يدها عليها.

— سبب إن كل اللي حصل بدأ.

---

لم يفهم آدم كيف انتهى بهم الأمر إلى هذه اللحظة.

كان يتوقع كل شيء.

أن يجدوا ملفات.

أن يجدوا تسجيلات.

أن يجدوا دليلًا على أن ياسر حي.

حتى أن يواجهوا سليم.

لكنه لم يتوقع أن تكون سلمى هنا.

لقد رأى سلمى آخر مرة قبل تسعة عشر عامًا.

كانت تنزف.

كانت تحمل طفلة صغيرة.

وكان ياسر يصرخ:

"خد نور وامشي!"

ومنذ ذلك اليوم، اعتقد أنها ماتت.

لم يكن يعرف أنها نجت.

قال:

— سلمى...

نظرت إليه.

— إنت لسه بتقول اسمي بنفس الطريقة.

— لأنك المفروض تكوني ماتِ.

ابتسمت.

— وأنا قلتلك قبل كده إن الموت أسهل من الحقيقة.

— ليه مخبيتي نفسك كل السنين دي؟

— لأن سليم كان بيدور عليا.

— ومراد؟

— كان بيدور على نور.

تدخلت نور:

— ليه؟

نظرت إليها سلمى.

— لأن أبوكي عرف السر.

— أي سر؟

سكتت سلمى.

ثم قالت:

— السر اللي مات عشانه ناس كتير.

نور اقتربت.

— أنا مش عايزة ألغاز تاني.

— هقولك.

— دلوقتي.

— أيوه.

أخذت سلمى نفسًا عميقًا.

— لكن لازم تعرفي إن اللي هقوله هيغير كل حاجة.

قالت نور:

— كل حاجة اتغيرت أصلًا.

---

جلست سلمى على الكرسي.

وأشارت إلى نور لتجلس أمامها.

بقي آدم واقفًا.

أما عارف فكان يراقب الباب الحديدي.

قالت سلمى:

— من أكتر من ثلاثين سنة، كان فيه مشروع بحثي كبير.

— مشروع السبعة عشر؟

— الاسم ده جه بعدين.

— كان مشروع إيه؟

— كان هدفه توثيق مجموعة من الملفات السرية اللي اتخبّت في أماكن مختلفة.

— ليه سرية؟

— لأنها كانت مرتبطة بأشخاص استخدموا أسماء غير أسمائهم الحقيقية، وعاشوا سنوات داخل مؤسسات مختلفة دون أن يعرف أحد حقيقتهم.

نور عبست.

— تجسس؟

— جزء منه.

— وجريمة؟

— جزء منه.

— طيب إيه علاقة أبويا؟

— أبوكي اكتشف إن الشبكة دي ما كانتش مجرد شبكة أشخاص.

— كانت إيه؟

— كانت شبكة أدلة.

صمتت نور.

تابعت سلمى:

— كل شخص كان بيحمل جزءًا من دليل.

— دليل على إيه؟

— على عملية كبيرة حصلت من سنين.

— عملية إيه؟

سلمى نظرت إلى آدم.

ثم قالت:

— تغيير هويات.

نور لم تفهم.

— يعني؟

— أشخاص ماتوا رسميًا، لكنهم لم يموتوا. وأشخاص ظهروا بأسماء جديدة. وأشخاص اختفوا من السجلات تمامًا.

— ليه؟

— لأن بعضهم كان يعرف أسرارًا لا يجب أن تظهر.

— وأبويا اكتشفهم؟

— أبوكي لم يكتشفهم فقط.

توقفت.

— أبوكي كان واحدًا منهم.

اتسعت عينا نور.

— إيه؟

قال آدم:

— ياسر كان يستخدم اسمًا آخر قبل ما يتجوز سلمى.

نظرت نور إليه.

— أنت كنت عارف؟

— لا كل التفاصيل.

قالت سلمى:

— اسم أبوكي الحقيقي لم يكن ياسر.

سكتت نور طويلًا.

ثم قالت:

— إيه اسمه؟

سلمى لم تجب.

— إيه اسمه؟

— يونس.

شعرت نور بقشعريرة.

— يونس؟

— أيوه.

— ليه غير اسمه؟

— لأنه كان شاهدًا على شيء خطير.

— إيه؟

قالت سلمى:

— جريمة قتل.

---

سقط الصمت في الغرفة.

نور لم تعرف ماذا تقول.

قتل.

أبوها كان شاهدًا.

اسم مستعار.

شبكة سرية.

سبعة عشر شخصًا.

كلما ظنت أنها اقتربت من الحقيقة، ظهرت أمامها أبواب جديدة.

قالت:

— مين اتقتل؟

— رجل كان اسمه الحقيقي فؤاد.

تذكرت نور الاسم.

كان قد ظهر في إحدى الأوراق القديمة.

— فؤاد؟

— أيوه.

— ومين قتله؟

سلمى نظرت إلى آدم.

ثم قالت:

— سليم.

أخفض آدم عينيه.

نور التفتت إليه.

— إنت عارف.

— أيوه.

— وشفت الجريمة؟

— لا.

— لكنك كنت موجود.

— كنت موجود بعد ما حصلت.

— وليه ما بلغتوش؟

قال آدم:

— لأن اللي قتل فؤاد ما كانش شخصًا واحدًا.

— مين كان معاه؟

— ناس كتير.

— مين؟

— من السبعة عشر.

تدخلت سلمى:

— ومن هنا بدأت المشكلة.

ثم أخرجت مفتاحًا صغيرًا من جيب معطفها.

كان يشبه مفتاح نور.

لكن عليه الرقم:

3

قالت:

— أبوكي جمع المفاتيح.

وضعت المفتاح على الطاولة.

— كل مفتاح بيفتح مكانًا.

— سبعة عشر مكانًا؟

— أيوه.

— وإيه الموجود فيها؟

— الأدلة الأصلية.

— أدلة على جريمة قتل؟

— على أكتر من جريمة.

ثم نظرت إلى نور.

— وأنتِ عندك المفتاح الأخير.

نور أخرجت مفتاحها.

— ده؟

— ده واحد منهم.

— رقم 7.

— أيوه.

— ورقم 17؟

سكتت سلمى.

قال آدم:

— المفتاح 17 مش مفتاح مكان.

نور نظرت إليه.

— أمال مفتاح إيه؟

— مفتاح الشخص.

تجمدت.

— مين؟

— أنتِ.

---

بدأت نور تضحك.

لم تكن تضحك لأنها سعيدة.

كانت ضحكة شخص وصل إلى نقطة لم يعد يستطيع فيها استيعاب المزيد.

— أنا مفتاح؟

قالت.

— يعني إيه أنا مفتاح؟

قالت سلمى:

— أبوكي وضع آخر جزء من الحقيقة في شيء لا يمكن فتحه إلا بوجودك.

— إيه هو؟

— ذاكرتك.

— أنا مش فاكرة حاجة.

— فاكرة.

— لأ.

— عقلك منعك.

— ليه؟

— لأنك شفتِ حاجة ليلة اختفاء أبوكي.

تذكرت نور المشهد.

المطر.

المحطة.

يد أبيها.

الرجل.

الطلقة.

قالت:

— شفت مين؟

— سليم.

— شفته بيقتل فؤاد؟

— لا.

— أمال؟

— شفتِ الشخص اللي كان واقف وراء سليم.

نور صمتت.

— مين؟

قالت سلمى:

— الشخص اللي كانت كل الأدلة بتقود إليه.

— مين؟

لم تجب.

قالت:

— لازم تفتكري بنفسك.

غضبت نور.

— أنا تعبت من إن كل واحد يقولي لازم أفتكر.

— لأن لو قلتلك، ممكن ذاكرتك ترفضها.

— أنا عايزة الحقيقة.

— والحقيقة أحيانًا لازم تتولد جواكي، مش تتقال لكِ.

---

اقترب آدم من نور.

قال:

— فيه حاجة لازم تعرفيها عني.

نظرت إليه.

— إيه؟

— أنا ما كنتش مجرد صديق لأبوكي.

— عارف.

— كنت شريكه.

— في المشروع؟

— أيوه.

— وكنت بتحب أمي؟

ساد الصمت.

نور لم تكن تقصد السؤال.

لكنها رأته في عينيه.

تغير وجهه.

قالت سلمى:

— آدم كان يحبني.

تجمدت نور.

لم تعرف لماذا شعرت بشيء غريب في صدرها.

لم يكن من حقها أن تشعر بشيء.

لكنها شعرت.

نظرت إلى آدم.

— وإنت؟

لم يجب.

سلمى قالت:

— كان بيحبني قبل ما أعرف ياسر.

— وبعدين؟

— وبعدين اختارنا أنا وياسر.

نظر آدم إليها.

لم تكن في عينيه غيرة.

بل حزن قديم.

قال:

— ياسر كان أخويا.

نور نظرت إليه.

— أخوك؟

— مش بالدم.

— لكنك قلت...

— بعض العلاقات أقوى من الدم.

ثم قال:

— وعشان كده لما اختفى، وعدته إني أحمي سلمى ونور.

نور صمتت.

لم تكن تتوقع أن خلف كل هذا اللغز علاقة بهذا التعقيد.

---

فجأة انطفأ المصباح.

صرخ عارف:

— انبطحوا!

دوى صوت معدني.

ثم صوت رصاصة اصطدمت بالجدار.

صرخت نور.

أمسك آدم يدها وأسقطها خلف الطاولة.

قال:

— محدش يتحرك!

دوت رصاصة ثانية.

ثم ثالثة.

كان إطلاق النار يأتي من مكان خارج الغرفة.

صرخت سلمى:

— عرفوا مكاننا!

قال عارف:

— لازم نخرج.

— الباب مقفول.

— فيه مخرج تاني.

قالت نور:

— فين؟

أشار إلى الجدار.

— وراء الرف.

تحركوا بسرعة.

بدأ عارف يدفع أحد الرفوف.

ظهر ممر ضيق.

قال آدم:

— نور، قبلي.

— لا.

— قبلي!

— مش هسيبك.

نظر إليها.

للحظة قصيرة، لم يكن هناك لغز.

ولا أسماء.

ولا أسرار.

فقط خوف حقيقي.

قال بهدوء:

— لو حصل لي حاجة، كملي.

ردت:

— مش هحصل لك حاجة.

نظر إليها.

كانت الجملة بسيطة.

لكنها جعلته يصمت.

ثم قال:

— اتفقنا.

دخلوا الممر.

---

كان الممر ضيقًا جدًا.

نور تسير خلف آدم.

يدها على الجدار.

كانت تسمع أصوات الرجال خلفهم.

— أسرعوا!

قال آدم.

— أنا ماشية.

— في درج قدام.

نزلوا.

كان الهواء أكثر برودة.

ثم وصلوا إلى باب خشبي.

فتحه عارف.

خرجوا إلى غرفة أخرى.

لكنها لم تكن تحت البيت.

كانت في مبنى مجاور.

خرجوا من باب خلفي.

وعندما وصلوا إلى الشارع، سمعوا سيارة تنطلق بسرعة.

نظر آدم إليها.

— كانوا قريبين.

قالت نور:

— مين؟

— سليم.

— إنت متأكد؟

— أيوه.

— ليه؟

— لأنه الوحيد اللي يعرف مخرج الممر.

سلمى نظرت إلى آدم.

— مش الوحيد.

تجمد.

— تقصدي إيه؟

قالت:

— في شخص تاني.

— مين؟

— الشخص اللي بيحركهم.

نور اقتربت.

— مين الشخص ده؟

قالت سلمى:

— ما أعرفش.

— إنتِ قلتي إنك تعرفي كل حاجة.

— لا.

— إذًا إحنا بنجري من مين؟

— من شخص ما ظهرش لحد دلوقتي.

---

في الصباح، عادوا إلى منزل عارف.

كانت نور جالسة أمام النافذة.

لم تنم.

كانت تحاول ترتيب كل شيء.

أمها حية.

أبوها ربما حي.

آدم كان شريكًا لأبيها.

سليم قاتل.

مراد جزء من الشبكة.

سبعة عشر مفتاحًا.

سبعة عشر مكانًا.

وهي المفتاح الأخير.

لكن أكثر ما يزعجها كان شيئًا آخر.

لماذا شعرت أنها تثق بآدم رغم كل ما أخفاه عنها؟

كانت تعرف أنه كذب.

ومع ذلك، عندما أمسك يدها في الممر، شعرت بالأمان.

وهذا أخافها أكثر من كل شيء.

دخل آدم الغرفة.

وضع كوب قهوة أمامها.

— اشربي.

— مش عايزة.

— لازم.

— مش بتأمرني.

ابتسم.

— دي أول مرة أشوفك عنيدة بالشكل ده.

نظرت إليه.

— وإنت أول مرة تشوفني؟

سكت.

— قصدك إيه؟

— أقصد إنك كنت تعرفني وأنا طفلة.

— أيوه.

— كنت شايفني؟

— مرات قليلة.

— بتحب الأطفال؟

— لأ.

— وأنا؟

— كنتِ استثناء.

ابتسمت رغمًا عنها.

ثم أدارت وجهها.

— ما تخلينيش أضحك.

— ليه؟

— علشان مش عايزة أرتاح لك.

جلس أمامها.

— ومين قال إنك لازم ترتاحي؟

— إحساسي.

— إحساسك ممكن يخونك.

— وإنت؟

— أنا ممكن أخونك.

نظرت إليه.

— ليه بتقول كده؟

— لأنك لازم تفضلي حذرة.

ثم أضاف:

— حتى مني.

كانت نبرته جادة.

لكن عينيه كانتا مختلفتين.

قالت:

— لو كنت عايز تأذيني، كنت عملت ده من زمان.

— يمكن.

— يبقى ليه لسه بتحميني؟

صمت طويل.

ثم قال:

— لأن أبوكي طلب مني.

— بس.

— بس.

نظرت إليه.

كانت تعرف أن هناك شيئًا آخر.

لكنها لم تضغط عليه.

ليس الآن.

---

بعد الظهر، أعطتها سلمى ظرفًا.

— ده ليكي.

— من أبويا؟

— أيوه.

فتحت نور الظرف.

كان بداخله مفتاح صغير يحمل الرقم:

1

وتحته ورقة.

"المكان الأول ليس أول مكان."

قرأت الجملة مرة.

ثم مرتين.

وفي أسفل الورقة:

"إذا وصلتِ إلى المفتاح الأول، فاعلمي أن الشخص الذي تبحثين عنه يعرف أنك وصلتِ."

قلبت الورقة.

كانت هناك جملة أخيرة:

"ولا تثقي في الشخص الذي يحمل اسمًا لم يولد به."

رفعت نور رأسها.

نظرت إلى آدم.

ثم إلى سلمى.

قالت:

— مين المقصود؟

لم يجب أحد.

قال عارف:

— يمكن أي حد.

— لا.

نظرت إلى آدم.

— أبويا ما كانش بيكتب جمل عامة.

ثم قالت:

— إنت اسمك الحقيقي إيه يا آدم؟

لم يتكلم.

سلمى قالت:

— آدم رائف.

قالت نور:

— ده اسمك الحقيقي؟

صمت.

ثم قال:

— لأ.

تغير وجه نور.

— إيه اسمك؟

اقترب منها.

— اسمي الحقيقي...

توقف.

ثم قال:

— كريم.

حدقت فيه.

— كريم؟

— أيوه.

— وليه استخدمت آدم؟

— لأن آدم كان الاسم اللي استخدمته وأنا بشتغل مع أبوكي.

— وسليم؟

— نفس الشيء.

— ومراد؟

— نفس الشيء.

— يعني كل واحد فيكم عنده اسم تاني؟

— أيوه.

— وأبويا؟

— يونس.

وضعت نور الورقة على الطاولة.

— وأنا؟

قالت سلمى:

— اسمك الحقيقي هو نور.

استغربت.

— إيه؟

— أبوكي ما غيرش اسمك.

— ليه؟

— لأن اسمك كان جزءًا من الخطة.

— أي خطة؟

لم تجب.

قال آدم:

— نور، فيه حاجة لازم تعرفيها.

— إيه؟

— السبعة عشر شخصًا ما كانواش كلهم أعضاء في المشروع.

— أمال؟

— بعضهم كانوا مراقبين.

— يعني؟

— كل واحد منهم كان مسؤولًا عن شخص.

— وعن مين؟

نظر إليها.

— أنا كنت مسؤولًا عنك.

صمتت.

— سليم كان مسؤولًا عن أبوكي.

— ومراد؟

— كان مسؤولًا عن أمي.

— وأنت؟

— كنت مسؤولًا عنك.

ثم أضاف:

— لكن في ليلة اختفاء أبوكي، كل واحد خان الشخص اللي كان مسؤول عنه.

سألته:

— وإنت؟

خفض عينيه.

— أنا فشلت.

---

في المساء، قررت نور العودة إلى بيتها.

لم تعد تريد الهرب.

قالت لسلمى:

— لازم أرجع.

— لوحدك؟

— لأ.

نظرت إلى آدم.

— معاه.

لم تقل سلمى شيئًا.

لكن نظرتها كانت تحمل تحذيرًا.

في الطريق، لم يتحدثا كثيرًا.

كانت المدينة تمر خلف الزجاج.

ثم قالت نور:

— آدم.

— نعم؟

— إنت ليه غيرت اسمك؟

— علشان أحمي نفسي.

— ولا علشان تخبي حاجة؟

صمت.

— أنا محتاجة أعرف كل حاجة.

— هتعرفي.

— إمتى؟

— لما نوصل للمكان الأول.

وصلوا إلى البيت.

دخلت نور.

كل شيء كان كما تركته.

لكنها شعرت أن البيت لم يعد بيتًا.

بل لغزًا كبيرًا.

توجهت إلى المكتبة.

وضعت المفتاح الأول والثاني والثالث بجوار بعضهما.

ثم المفتاح السابع.

ثم السابع عشر.

حدث شيء.

صوت معدني.

تحركت الأرضية.

ظهر نقش دائري.

سبعة عشر خانة.

كل خانة تحمل رقمًا.

لكن خانة واحدة كانت مختلفة.

رقم:

0

قال آدم:

— دي مش موجودة في الخطة.

اقتربت نور.

وجدت بجوار الصفر اسمًا.

اسمًا واحدًا.

سلمى.

تجمدت.

ثم ظهر نقش آخر.

"الشخص الثامن عشر."

رفعت نور رأسها.

— كان فيه شخص ثامن عشر؟

آدم لم يجب.

وفجأة جاء صوت من خلفهما.

— أيوه.

استدارا.

كانت سلمى تقف عند باب المكتبة.

وجهها شاحب.

قالت:

— وأنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.

نور اقتربت منها.

— مين الشخص الثامن عشر؟

سلمى لم تنظر إليها.

كانت عيناها على الأرض.

ثم قالت:

— الشخص الثامن عشر هو اللي قتل فؤاد.

— سليم؟

— لأ.

— مراد؟

— لأ.

— مين؟

رفعت سلمى عينيها إلى نور.

وقالت:

— أبوكي.

سقط الصمت.

شعرت نور أن كل شيء بداخلها انهار.

— مستحيل.

— أبوكي ما قتلش فؤاد.

— إذًا ليه قلتي اسمه؟

— لأنه كان الشخص الوحيد اللي عرف الحقيقة كاملة.

— مش فاهمة.

— لأن فؤاد ما كانش ضحية.

تجمد آدم.

— سلمى...

— لازم تعرف.

ثم نظرت إلى نور.

— فؤاد كان هو العقل المدبر لكل شيء.

قالت نور:

— وأبويا قتله؟

— لا.

— أمال؟

سلمى اقتربت.

— فؤاد ما ماتش.

صمتت.

— فؤاد حي.

تراجعت نور.

— فين؟

قالت سلمى:

— ده السؤال اللي أبوكي اختفى علشان يجاوبه.

وفجأة رن هاتف نور.

رقم مجهول.

أجابت.

لم تتكلم.

جاء صوت رجل.

هذه المرة لم يكن صوت والدها.

ولا آدم.

ولا مراد.

قال:

— لو عايزة تعرفي مكان فؤاد...

تجمدت.

— أيوه؟

— روحي بكرة الساعة سبعة لمحطة القطار.

ثم صمت قليلًا.

— وتعالي لوحدك.

— مين؟

ضحك الرجل.

— اسألي آدم عن اسمي.

نظرت نور إلى آدم.

تغير وجهه.

قال الرجل:

— وقولي له إن اللعبة خلصت.

انقطع الاتصال.

نور بقيت تحدق في الهاتف.

ثم قالت:

— مين ده؟

آدم لم يجب.

— آدم.

ظل صامتًا.

— مين؟

رفع عينيه إليها.

وقال:

— سليم.

لكن قبل أن تستوعب نور الإجابة، وصلتها رسالة جديدة.

فتحتها.

كانت صورة.

صورة حديثة.

لفؤاد.

حيًا.

يجلس على كرسي.

وينظر إلى الكاميرا.

وخلفه رجل يقف في الظلام.

لم يظهر وجهه.

لكن على يده كان هناك خاتم.

نور تعرفه.

كان خاتم جدها.

وفي أسفل الصورة جملة واحدة:

"اسألي أمك لماذا كان جدك يعرف مكان فؤاد طوال عشرين عامًا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُكتب بعد   الفصل الختامي

    لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟

  • رسائل لم تُكتب بعد   190

    لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ

  • رسائل لم تُكتب بعد   189

    مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب

  • رسائل لم تُكتب بعد   188

    كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم

  • رسائل لم تُكتب بعد   187

    وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً

  • رسائل لم تُكتب بعد   186

    كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status