أقرب مما ينبغى

أقرب مما ينبغى

last updateLast Updated : 2026-07-14
By:  إسراء أحمد Updated just now
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
Not enough ratings
7Chapters
4views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

ليس كل اقترابٍ يعني الأمان… حين تدخل رانيا إلى شركةٍ ظنت أنها تعرف عنها كل شيء، تكتشف أن الحقيقة أكثر تعقيدًا مما توقعت، وأن بعض الوجوه التي تبدو مألوفة تخفي حكايات لم تُروَ بعد. أما كريم، الرجل الذي اعتاد أن يسيطر على كل ما حوله بعقله الهادئ وقراراته الحاسمة، فلم يكن يعلم أن دخول امرأة واحدة إلى حياته سيقلب الموازين التي ظل يؤمن بها لسنوات. بين أسرار الماضي، وصراعات الحاضر، ومشاعر لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا لها، تصبح الثقة أصعب من الحب… وتصبح الحقيقة أقرب مما ينبغي. فهل تستطيع القلوب النجاة، حين يكون أقرب الناس إليها… أخطرهم؟

View More

Chapter 1

أول الطُرق لا تُختار دائماً

لم تكن القاهرة مدينةً تستيقظ، بل مدينةً لا تنام حقًا. حتى في الساعات الأولى من الصباح، كانت الشوارع تنبض بالحركة، والسيارات تتدفق كأنها تعرف وجهتها منذ الأزل، بينما يختلط ضوء الشمس الخافت ببقايا سكون الليل في مشهد لا يتكرر بالطريقة نفسها مرتين.

جلست رانيا في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة، تسند رأسها إلى النافذة الزجاجية، وعيناها تجولان في الطريق دون أن ترياه حقًا.

لم تكن تفكر في الوظيفة.

ولا في أول يوم عمل.

ولا حتى في الشركة التي انتظرت هذه اللحظة طويلًا.

كانت تفكر في نفسها…

في الفتاة التي غادرت هذا المكان قبل سنوات وهي تحمل أسئلة أكثر من الإجابات، ثم عادت إليه اليوم كامرأة تعلم أن بعض الطرق لا تُسلك بدافع الصدفة، بل بدافع قرار اتُّخذ منذ زمن بعيد.

تنفست ببطء، ثم أنزلت بصرها إلى حقيبتها الجلدية.

أخرجت منها ظرفًا ورقيًا صغيرًا، اصفرّت أطرافه بفعل الزمن، لكنه ظل محفوظًا بعناية.

مررت أصابعها فوقه برفق، وكأنها تخشى أن ينهار بين يديها.

لم تفتحه.

لم تكن بحاجة إلى ذلك.

كانت تحفظ ما بداخله عن ظهر قلب، حتى إنها كانت تستطيع استعادة كل كلمة فيه دون أن تنظر إليه.

أعادته إلى مكانه، وأغلقت الحقيبة بحركة هادئة، قبل أن يقطع السائق صمتها.

* “وصلنا يا آنسة.”

رفعت رأسها.

توقفت السيارة أمام مبنى حديث، ارتفعت واجهته الزجاجية لتعكس سماء الصباح، بينما استقرت في منتصفه لافتة معدنية أنيقة كُتب عليها:

شركة النيل للتطوير والاستثمار.

ظلت تنظر إليها لثوانٍ.

كانت تتخيل هذه اللحظة كثيرًا.

لكنها، حين جاءت، بدت أكثر هدوءًا مما توقعت.

دفعت الأجرة، ثم نزلت من السيارة.

وقفت أمام المبنى دون أن تتحرك.

نسمة هواء خفيفة داعبت خصلات شعرها، فرفعتها خلف أذنها بعفوية، بينما أخذت نفسًا عميقًا.

“ابدئي… والباقي هييجي في وقته.”

لم تكن تعرف إن كانت تحاول طمأنة نفسها، أم إصدار أمرٍ لقلبها الذي بدأ يخفق أسرع من المعتاد.

دفعت الباب الزجاجي ودخلت.

استقبلها بهو واسع يغمره الضوء الطبيعي، تنعكس فيه الأرضية الرخامية اللامعة، وتتوزع النباتات الداخلية بعناية توحي بأن النظام هنا ليس مجرد عادة، بل أسلوب حياة.

كانت الحركة هادئة، لكنها دقيقة.

موظفون يحملون ملفات، وآخرون يراجعون جداولهم أثناء السير، وأصوات منخفضة لا تكاد تتجاوز حدود أصحابها.

تقدمت نحو مكتب الاستقبال.

ابتسمت لها الموظفة ابتسامة عملية.

* “صباح الخير.”

بادلتها رانيا الابتسامة.

* “صباح النور.”

* “أقدر أساعد حضرتك؟”

أخرجت خطاب التعيين من الحافظة التي تحملها.

* “أنا رانيا عبد الرحمن… جاية أستلم شغلي في إدارة التخطيط.”

راجعت الموظفة البيانات على الشاشة، ثم التقطت بطاقة تعريف مؤقتة.

* “أهلًا بيكي يا أستاذة رانيا.”

ناولتها البطاقة، ثم أضافت وهي تشير ناحية المصاعد:

* “الدور التاسع.”

شكرتها رانيا، واستدارت لتغادر.

لكن صوت الموظفة أوقفها.

* “استني ثانية.”

التفتت إليها.

ابتسمت الموظفة ابتسامة تحمل شيئًا من التردد.

* “أول يوم بيكون صعب في أي مكان… بس لو قابلتي الأستاذ كريم، متقلقيش.”

رفعت رانيا حاجبها باستغراب.

* “هو مين الأستاذ كريم؟”

ضحكت الموظفة بخفة.

* “واضح إنك الوحيدة في الشركة اللي لسه متعرفوش.”

ابتسمت رانيا مجاملةً، لكنها لم تُبدِ اهتمامًا مبالغًا فيه.

* “واضح إنه شخصية مشهورة.”

هزّت موظفة الاستقبال رأسها وهي تخفض صوتها قليلًا، كأنها تخشى أن يسمعها أحد.

* “مش مشهورة… بس وجوده في الشركة بيخلي كل واحد يحاسب نفسه قبل ما يحاسبه هو.”

* “شديد للدرجة دي؟”

* “شديد؟” ضحكت بخفة. “هو عمره ما على صوته على حد، لكن يكفي يبصلك ويقول: «الغلطة دي متتكررش.» صدقيني، محدش بينساها.”

ابتسمت رانيا ابتسامة صغيرة.

* “أهو أحسن من اللي بيزعق وخلاص.”

نظرت إليها الموظفة بإعجاب.

* “أول مرة حد يقول كده.”

* “يمكن عشان لسه مجربتوش.”

ضحكت الاثنتان، ثم تحركت رانيا نحو المصاعد.

كان أمام المصعد عدد من الموظفين ينتظرون في هدوء.

وقفت في آخر الصف، بينما أخذت تتأمل الوجوه من حولها.

شاب في أواخر العشرينيات يراجع عرضًا تقديميًا على جهازه اللوحي، وسيدة تحمل كوبًا ورقيًا من القهوة وهي تتابع ساعة يدها كل بضع ثوانٍ، ورجل خمسيني يضم عدة ملفات إلى صدره بعناية وكأنه يحمل شيئًا ثمينًا.

كانت تراقب التفاصيل بعينٍ اعتادت الملاحظة أكثر من الكلام.

رنّ جرس المصعد.

انفتح الباب.

بدأ الجميع بالدخول بهدوء، لكن قبل أن تخطو رانيا، لاحظت أن الرجل الخمسيني تعثر قليلًا، وانزلقت إحدى ملفاته إلى الأرض.

انحنت بسرعة والتقطتها.

* “اتفضل.”

ابتسم الرجل بامتنان.

* “متشكر جدًا يا بنتي.”

* “العفو.”

دخل الرجل أولًا، ثم دخلت خلفه.

امتلأ المصعد تقريبًا، ولم يبقَ سوى مكانين.

وقبل أن تُغلق الأبواب…

امتدت يد من الخارج لتمنعها.

تراجع الباب بهدوء.

دخل رجل يرتدي بدلة كحلية بسيطة، يحمل حاسوبًا محمولًا بيد، وفي اليد الأخرى كوب قهوة سوداء.

لم يلتفت أحد إليه بدهشة.

ولم يرحب به أحد.

لكن شيئًا غير مرئي تبدّل في الجو.

اعتدل الجميع دون شعور.

وانخفضت الأصوات إلى الصفر.

رفعت رانيا عينيها نحوه سريعًا.

كان طويل القامة، عريض الكتفين، بملامح هادئة لا تحمل قسوة ولا لينًا. لم يكن من الرجال الذين يلفتون الانتباه بوسامتهم الصارخة، بل بحضورهم.

حضورٌ يجعل المكان يبدو أكثر هدوءًا بمجرد دخوله.

وقف في مقدمة المصعد، ضاغطًا زر الطابق الأخير.

لم يتحدث.

ولم ينظر إلى أحد.

أُغلقت الأبواب.

تحرك المصعد صعودًا.

ساد الصمت.

الصمت الذي لا يفرضه الخوف… بل الاحترام.

توقفت رانيا عن مراقبته، ونقلت نظرها إلى لوحة الأرقام المضيئة.

الطابق الثالث…

الرابع…

الخامس…

وفجأة…

اهتز المصعد اهتزازة خفيفة قبل أن يتوقف تمامًا.

انطفأت الإضاءة لثانية، ثم عادت.

تبادل بعض الموجودين نظرات متوترة.

قالت السيدة التي تحمل القهوة بقلق:

* “هو… المصعد وقف؟”

أجابها الرجل الخمسيني محاولًا طمأنتها:

* “يمكن عطل بسيط.”

ضغط أحد الموظفين زر الطوارئ أكثر من مرة، لكن دون استجابة.

بدأ التوتر يتسلل إلى الوجوه.

أما الرجل ذو البدلة الكحلية، فظل واقفًا في مكانه، ثم قال بصوت هادئ، دون أن يرفع نبرته:

* “من فضلك… محدش يضغط أي زر تاني.”

توقف الموظف عن الضغط فورًا.

أخرج الرجل هاتفه، أجرى اتصالًا سريعًا، ثم قال باختصار:

* “المصعد رقم ثلاثة واقف بين الخامس والسادس… ابعتوا الصيانة حالًا.”

أنهى المكالمة وأعاد الهاتف إلى جيبه.

ثم التفت إلى الموجودين.

* “الموضوع مش هيطول.”

كانت نبرة صوته هادئة بصورة غريبة.

لا يبالغ في الطمأنة.

ولا ينقل توتره إلى غيره.

وخلال ثوانٍ، بدأ القلق يخف من الوجوه.

راقبته رانيا بصمت.

“غريب…”

لم يكن أكثرهم كلامًا.

لكنه كان أكثرهم قدرة على إعادة الهدوء للمكان.

في تلك اللحظة، دوّى صوت رنين خافت.

أخرجت هاتفها بسرعة.

رسالة واحدة.

من رقم غير مسجل.

“متنسيش… إنتِ هناك علشان هدف واحد وبس.”

شعرت بانقباض مفاجئ في صدرها.

اختفت الابتسامة عن وجهها.

وأغلقت الشاشة فورًا.

لكنها لم تنتبه…

أن الرجل الواقف أمامها لمح انعكاس الضوء على شاشة هاتفها، قبل أن تعود إلى السواد من جديد

ظلّ الصمت يخيّم على المصعد لدقائق بدت أطول مما هي عليه.

كانت رانيا تشعر بثقل الهاتف داخل حقيبتها، كأنه ما زال يحمل تلك الرسالة على شاشته، بينما كانت تحاول إقناع نفسها بأن تعود إلى هدوئها.

“مش دلوقتي… ركزي.”

رفعت رأسها ببطء.

كان الجميع منشغلين بالعطل، باستثناء الرجل الواقف في المقدمة.

لم يكن ينظر إليها.

بل كان يتابع شاشة المصعد التي توقفت بين الرقمين خمسة وستة، وكأنه يحسب الوقت في ذهنه.

بعد أقل من دقيقة، انطلق صوت من السماعة الداخلية.

* “أستاذ كريم، إحنا وصلنا… هناخد دقيقة ونفتح الباب.”

لأول مرة…

التفتت رانيا إليه مرة أخرى.

إذن… هذا هو كريم.

لم يعلّق.

اكتفى بقوله:

* “تمام.”

ثم أعاد نظره إلى الباب.

لم يحاول استغلال الموقف لفرض هيبته، ولم يبدُ عليه أي انزعاج، رغم أن تأخير اجتماع مدير تنفيذي كان كافيًا لإثارة غضب كثيرين.

بعد لحظات، تحرك الباب ببطء، حتى انفتح.

وقف عامل الصيانة معتذرًا.

* “حقكوا علينا يا فندم.”

أومأ كريم برأسه.

* “اتأكدوا إنه ميشتغلش قبل ما تراجعوه كامل.”

* “حاضر.”

خرج أولًا، ثم تنحّى جانبًا، تاركًا المجال للجميع أن يخرجوا قبله.

لاحظت رانيا ذلك.

“غريب…”

الرجل الذي وصفوه بأنه صارم، كان أول من سمح للآخرين بالمرور.

مرّ الرجل الخمسيني بجواره.

* “الحمد لله جت بسيطة.”

ابتسم كريم ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت.

* “الحمد لله.”

ثم تابع طريقه دون أن يلتفت.

أخذت رانيا نفسًا عميقًا وهي تسير خلف الموظفين.

كان الممر المؤدي إلى إدارة التخطيط هادئًا، تتوزع على جانبيه مكاتب زجاجية تحمل أسماء الإدارات المختلفة.

استوقفتها فتاة تبدو في منتصف العشرينيات، تحمل مجموعة ملفات.

* “حضرتك رانيا؟”

* “أيوه.”

ابتسمت الفتاة.

* “أنا منى… السكرتيرة بتاعة إدارة التخطيط. الأستاذة هالة قالتلي أستقبلك.”

* “تشرفت.”

سارتا معًا في الممر.

قالت منى وهي تنظر إليها بابتسامة ودودة:

* “أول يوم بيكون مرهق شوية، بس متقلقيش، الناس هنا محترمين.”

* “واضح.”

ثم سألتها بعد تردد:

* “هو… الأستاذ كريم دايمًا هادي كده؟”

ضحكت منى.

* “إنتِ قابلتيه؟”

* “كان معانا في المصعد.”

* “أهو يبقى خدتي أول درس.”

ابتسمت رانيا باستغراب.

* “درس؟”

* “إنه مبيتكلمش كتير.”

سكتت لحظة، ثم أضافت وهي تضحك:

* “إحنا بقالنا سنين بنشتغل معاه، ولسه بنحاول نعرف هو بيفكر في إيه.”

ابتسمت رانيا دون تعليق.

لكنها تذكرت الرسالة التي وصلتها قبل دقائق.

“وأنا كمان… عندي حاجات محدش يعرفها.”

وصلا إلى مكتب واسع تتوسطه لافتة صغيرة تحمل اسم:

الأستاذة هالة منصور

مدير إدارة التخطيط

طرقت منى الباب.

جاءها صوت هادئ من الداخل:

* “اتفضلوا.”

دخلت رانيا.

رفعت السيدة الجالسة خلف المكتب رأسها عن الأوراق، ثم وقفت بابتسامة رحبة.

* “أهلًا يا رانيا.”

* “أهلًا بحضرتك.”

صافحتها بحرارة.

* “نورتي الشركة.”

* “الشرف ليا.”

أشارت هالة إلى المقعد المقابل.

* “اتفضلي اقعدي.”

جلست رانيا في هدوء.

فتحت هالة ملف تعيينها، ثم أخذت تتصفح الأوراق.

توقفت فجأة عند صفحة معينة.

عقدت حاجبيها لثوانٍ.

ثم رفعت نظرها إلى رانيا.

* “غريبة…”

شعرت رانيا بانقباض داخلي، لكنها حافظت على هدوء ملامحها.

* “في حاجة يا فندم؟”

قلبت هالة الصفحة مرة أخرى، ثم نظرت إليها باهتمام.

* “لا… يمكن أنا اللي افتكرت غلط.”

أغلقت الملف، لكنها ظلت تنظر إلى رانيا للحظات أطول من المعتاد…

كأن وجهها أعاد إليها ذكرى قديمة، لم تستطع أن تحددها

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تبتسم الأستاذة هالة ابتسامة خفيفة، وكأنها قررت تأجيل الفكرة التي راودتها.

أغلقت الملف برفق وقالت:

* “حقك عليّا، ساعات الذاكرة بتلعب بينا.”

بادلتها رانيا الابتسامة.

* “ولا يهم حضرتك.”

نهضت هالة من مقعدها واتجهت نحو النافذة المطلة على المدينة.

* “بقالك قد إيه متخرجة؟”

* “سنتين.”

* “واشتغلتي قبل كده؟”

* “آه… اشتغلت فترة في شركة استشارات صغيرة، وبعدها أخدت كورسات أكتر في التحليل والتخطيط.”

هزّت هالة رأسها بإعجاب.

* “ملفك كويس… ونتيجة المقابلة كانت من أعلى النتائج.”

ابتسمت رانيا في هدوء.

* “الحمد لله.”

استدارت هالة نحوها.

* “بس فيه حاجة لازم تعرفيها من أول يوم.”

أنصتت رانيا باهتمام.

* “الشركة هنا مبتشتغلش بالواسطة، ولا بالمجاملات. اللي بيتعب بياخد حقه… واللي يقصر بيتحاسب، مهما كان منصبه.”

* “وده النظام اللي بدور عليه.”

ابتسمت هالة ابتسامة رضا.

* “أتمنى تفضلي شايفة كده بعد أول شهر.”

ضحكت رانيا بخفة.

* “إن شاء الله.”

بعد دقائق، خرجت رانيا بصحبة منى التي بدأت تعرفها على القسم.

كان المكان مختلفًا عن أي شركة عملت بها من قبل.

المكاتب لم تكن مغلقة بالكامل، بل يفصل بينها زجاج يسمح للجميع برؤية بعضهم، دون أن يمنع الخصوصية.

لوحات صغيرة تحمل أسماء الموظفين.

شاشات كبيرة تعرض مؤشرات المشروعات.

هدوء يفرض نفسه، لكن دون كآبة.

توقفت منى أمام أحد المكاتب.

* “وده هيكون مكتبك.”

تأملته رانيا.

مكتب بسيط، منظم، يطل على جزء من المدينة.

وضعت حقيبتها فوقه.

ثم مررت يدها برفق على سطح المكتب، وكأنها تعلن بداية فصل جديد من حياتها.

قطع شرودها صوت شاب يقترب منهما.

* “صباح الخير.”

التفتت.

كان في أواخر العشرينيات، يرتدي قميصًا أبيض مطوي الأكمام، ويحمل كوب قهوة في يده.

ابتسم ابتسامة مريحة.

* “أنتِ أكيد الأستاذة رانيا.”

* “أيوه.”

مد يده مصافحًا.

* “أنا حسام… مسؤول تحليل البيانات.”

صافحته بابتسامة مهذبة.

* “تشرفت.”

نظر حسام إلى منى.

* “إيه؟ لسه مخوفتهاش؟”

ضحكت منى.

* “لسه بدري.”

التفت حسام إلى رانيا.

* “بصي… أنا مش هكدب عليكي.”

عقدت ذراعيها وهي تبتسم.

* “اتفضل.”

* “أول أسبوع هنا هيخليكي تسألي نفسك سؤال واحد.”

* “إيه هو؟”

* “أنا وافقت على الشغل هنا ليه؟”

ضحكت رغماً عنها.

* “مطمّن جدًا.”

رفع كوب القهوة.

* “بس بعد أول مرتب… هتسامحيهم.”

ضحكت منى، بينما هزّت رانيا رأسها مبتسمة.

* “واضح إنك بتحب تشتكي.”

رد بسرعة:

* “لا… أنا بحب أحذر.”

ثم مال قليلًا وهمس بصوت مسموع يكفيهما فقط:

* “وبحب أرخّم على الموظفين الجداد.”

رفعت أحد حاجبيها.

* “يعني أنا أول ضحية؟”

* “للأسف… آه.”

ابتسمت ابتسامة جانبية.

* “معلش… هتضطر تدور على ضحية تانية.”

نظر إليها لحظة، ثم ضحك.

* “تمام… واضح إن المهمة مش سهلة.”

كانت أول مرة منذ دخولها الشركة تشعر أن الحديث طبيعي، بعيد عن التوتر الذي صاحبها منذ الصباح.

لكن تلك الراحة لم تستمر طويلًا.

خرج أحد الموظفين مسرعًا من نهاية الممر وهو يقول بصوت منخفض:

* “الأستاذ كريم طالع على الإدارة.”

وفي أقل من ثوانٍ…

عاد الهدوء إلى المكان.

اختفت الضحكات.

جلس كل شخص أمام شاشته.

حتى حسام عدّل وقفته بسرعة، ثم همس وهو ينظر إلى رانيا:

* “بصي قدامك… ومتستغربيش.”

لم تفهم قصده.

لكنها فعلت.

بعد لحظات، ظهر كريم في الممر.

كان يسير بخطوات ثابتة، يحمل بين يديه ملفًا أسود، وإلى جواره رجل يبدو أنه أحد مديري الإدارات.

كان يناقشه في أمرٍ ما بصوت منخفض.

لا أحد وقف له.

ولا أحد هرول لإلقاء التحية.

كل موظف اكتفى بتحية بسيطة وهو يمر.

وكان كريم يرد بإيماءة قصيرة أو “صباح الخير” دون أن يقطع حديثه.

راقبته رانيا في صمت.

وللمرة الثانية ذلك اليوم…

وجدت نفسها تراجع الصورة التي رسمتها له قبل أن تراه.

“واضح إن الناس بتحترمه… مش بتخاف منه.”

وفي اللحظة التي مر فيها أمام مكتبها…

توقفت خطواته

لم تخرج رانيا مع حسام إلى الكافتيريا.

اكتفت بالاعتذار وهي تشير إلى الأوراق المتراكمة أمامها.

* “أنا أفضل أخلص اللي ورايا الأول.”

هز حسام كتفيه باستسلام.

* “براحتك… بس متقوليش بعد كده إني مخدتكيش عند عم سيد.”

ابتسمت وهي تعود إلى شاشة الحاسوب.

* “وعد.”

ما إن غادر معظم الموظفين، حتى خيّم هدوء مختلف على الإدارة.

هدوء يسمح بسماع صوت لوحة المفاتيح، وتقليب الصفحات، وطنين أجهزة التكييف.

فتحت رانيا الملف الإلكتروني الذي كُلِّفت بمراجعته، وبدأت تقارن بين الجداول والبيانات.

كان عملًا روتينيًا في ظاهره…

لكنها كانت تستمتع بالأرقام.

كانت تؤمن أن الأرقام لا تكذب، حتى لو فعل البشر.

مرّت عدة دقائق.

ثم توقفت أصابعها فجأة.

عادت إلى السطر السابق.

ثم الذي يليه.

أعادت فتح الملف من البداية.

وأخيرًا… التقطت ورقة بيضاء، وبدأت تدون عدة ملاحظات بخط صغير ومنظم.

عقدت حاجبيها.

“ده مش منطقي…”

لم يكن الخطأ كبيرًا.

بل على العكس…

كان صغيرًا إلى درجة أن أغلب الناس لن ينتبهوا إليه.

لكن مجموع الأرقام في أحد الجداول لا يتطابق مع التقرير النهائي.

الفارق لم يتجاوز بضعة آلاف من الجنيهات.

رقم لا يلفت الانتباه داخل مشروع بملايين.

لكن بالنسبة لها…

أي رقم لا يجد مكانه الصحيح، يعني أن هناك شيئًا ناقصًا.

ظلت تنظر إلى الشاشة للحظات.

هل تخبر أحدًا؟

أم أنها أخطأت في الحساب؟

أعادت العملية مرة ثانية.

ثم ثالثة.

والنتيجة نفسها.

في تلك اللحظة…

توقفت أمام مكتبها الأستاذة هالة.

* “لسه مخرجتيش؟”

رفعت رانيا رأسها.

* “كنت براجع التقرير.”

ابتسمت هالة.

* “أول يوم وبتشتغلي وقت الراحة؟”

ابتسمت رانيا بخجل بسيط.

* “كنت حابة أفهم النظام بسرعة.”

أومأت هالة بإعجاب.

ثم لاحظت الورقة التي تمتلئ بالملاحظات.

* “فيه مشكلة؟”

ترددت رانيا.

ثانيتين فقط.

ثم قالت بهدوء:

* “ممكن أكون أنا اللي فاهمة غلط… بس فيه رقم مش متوافق مع باقي البيانات.”

اقتربت هالة منها.

* “وريني.”

أخذت الورقة منها، ثم نظرت إلى الشاشة.

مرّت دقيقة كاملة…

دون أن تنطق بكلمة.

تغيرت ملامحها تدريجيًا.

أعادت الحساب بنفسها.

ثم فتحت الملف الأصلي.

وأعادت المراجعة مرة أخرى.

أغلقت الشاشة ببطء.

ونظرت إلى رانيا نظرة طويلة.

* “إنتِ متأكدة من اللي حسبتيه؟”

أجابت بثبات:

* “راجعت الحساب ثلاث مرات.”

ساد الصمت.

ثم قالت هالة بصوت منخفض:

* “استني هنا.”

أخذت الملف الورقي وغادرت المكتب بخطوات سريعة.

راقبتها رانيا وهي تبتعد، دون أن تفهم سبب التوتر الذي ظهر فجأة على وجهها.

مرّت خمس دقائق.

ثم عشر.

الإدارة أصبحت شبه خالية.

حتى حسام لم يعد بعد من استراحة الغداء.

وفجأة…

سمعت رانيا صوت خطوات تقترب.

رفعت رأسها، متوقعة عودة الأستاذة هالة.

لكن الذي وقف أمام مكتبها…

لم يكن هالة.

كان كريم.

وقف أمامها بهدوء، واضعًا الملف الأسود الذي يحمله على المكتب.

نظر إلى الورقة التي كتبت عليها ملاحظاتها.

ثم رفع عينيه إليها، وقال بنبرة هادئة لا تحمل اتهامًا ولا مجاملة:

* “الحسابات دي… إنتِ اللي راجعتيها؟”

شعرت رانيا بأن قلبها خفق أسرع من المعتاد.

لكن ملامحها بقيت ثابتة.

* “أيوه.”

ظل ينظر إليها لثانية…

ثم قال:

* “تعالي معايا..

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
7 Chapters
اختبار غيرمُعلن
ساد الصمت لثانية. لم يكن صمتًا ثقيلًا، لكنه كان كافيًا لتدرك رانيا أن الرجل الواقف أمامها لا يطرح سؤالًا لمجرد الفضول. وقفت في هدوء، ثم أمسكت بدفترها الصغير وقلمها بعفوية. وقبل أن تتحرك، قال كريم دون أن يغيّر نبرة صوته: * “مش هتحتاجيهم.” نظرت إلى الدفتر للحظة، ثم أعادته إلى مكانه داخل الحقيبة. * “تمام.” استدار متجهًا إلى نهاية الممر، بينما سارت خلفه بخطوات متزنة. لم يحاول أن يفتح حديثًا. ولم تشعر هي بالحاجة إلى كسر الصمت. كان الممر الطويل يزداد هدوءًا كلما اقتربا من آخره، حتى توقف كريم أمام باب خشبي تتوسطه لوحة معدنية سوداء. المدير التنفيذي طرق الباب طرقة خفيفة، ثم فتحه ودخل. * “اتفضلي.” دخلت رانيا خلفه. أول ما لفت انتباهها أن المكتب لم يكن كما توقعت. لم يكن فخمًا بصورة مبالغ فيها، ولا مليئًا بالتحف أو المقتنيات التي يستعرض بها بعض المديرين مناصبهم. كان واسعًا، منظمًا، تتوسطه مكتبة كبيرة، وعلى الجدار المقابل للنافذة لوحة واحدة فقط، بينما خلا المكتب تقريبًا من أي صور شخصية. حتى المكتب نفسه لم يكن يحمل سوى حاسوب محمول، وعدة ملفات مرتبة بعناية، وقلم معدني موضوع في مكانه
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
بداية لا تُشبه البدايات
أشرقت شمس اليوم التالي على القاهرة متسللةً بين الأبنية القديمة والحديثة، بينما كانت المدينة تستعيد إيقاعها المعتاد؛ أبواق السيارات، وباعة الأرصفة، وخطوات المارة التي لا تتوقف. وقفت رانيا أمام المرآة تعدّل ياقة قميصها الأبيض، ثم جمعت شعرها في ذيل حصان بسيط كما اعتادت في العمل. ألقت نظرة أخيرة على الظرف الورقي الموضوع داخل درج مكتبها. ظلّت تحدق فيه للحظات، ثم أغلقت الدرج بالمفتاح، وأخفته داخل حقيبتها. لن تحمله معها اليوم. يكفي ما حدث بالأمس. ⸻ دخلت الشركة قبل موعد الدوام بعشر دقائق. كان البهو لا يزال شبه خالٍ، ولم يكن سوى عدد قليل من الموظفين قد وصلوا. ابتسم لها موظف الأمن وهو يفتح البوابة الإلكترونية. * “صباح الخير يا أستاذة.” بادلتْه الابتسامة. * “صباح النور.” ضغطت زر المصعد، وما هي إلا ثوانٍ حتى سمعت صوتًا مألوفًا خلفها. * “واضح إنك من الناس اللي بتحب تيجي بدري.” التفتت. كان حسام يحمل كوبًا كبيرًا من القهوة، وفي يده الأخرى كيس ورقي. ابتسمت. * “وأنت كمان.” نظر إلى الكوب ثم قال بثقة: * “أنا جيت بدري عشان القهوة… الشغل جه معاها.” ضحكت بخفة. * “واضح إنك مخلص.” * “ل
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
الضيف الذى لم يأتِ صدفة
لم تدم لحظة الصمت طويلًا.أنزلت ليلى يدها وهي تحتفظ بابتسامتها، كأن شيئًا لم يحدث.قالت بخفة:* “واضح إنك لسه زي ما أنت… رسمي زيادة.”أجاب كريم بهدوء:* “وأنتِ لسه بتحبي تلفتي الانتباه.”ضحكت.* “يبقى مفيش حاجة اتغيرت.”مرّت لحظة قصيرة، قبل أن يلتفت كريم إلى موظف الاستقبال.* “بلغ الأستاذة هالة تيجي مكتبي.”* “حاضر يا فندم.”ثم نظر إلى ليلى.* “اتفضلي.”سارا معًا نحو مكتبه.ولم يلتفت كريم حوله، بينما كانت ليلى، على العكس، تلتقط بنظراتها تفاصيل الإدارة كلها.حتى توقفت عيناها للحظة عند رانيا.لم تبتسم.ولم تُظهر أي انفعال.لكنها سجّلت وجهها في ذاكرتها.⸻ما إن أُغلق باب مكتب كريم، حتى زفر حسام بصوت مسموع.* “بدأنا.”نظرت إليه منى.* “إيه اللي بدأ؟”رد وهو يسحب مقعده ويجلس.* “الموسم الجديد.”ابتسمت منى وهي تهز رأسها.* “بلاش مبالغة.”قال وهو يشير ناحية المكتب المغلق.* “أنا مبالغ؟ استني بس.”التفتت رانيا إليهما.* “هي الأستاذة ليلى مهمة للدرجة؟”نظر إليها حسام، ثم خفض صوته.* “هي مش موظفة عادية.”* “إزاي؟”أجاب هذه المرة بجدية على غير عادته.* “والدها كان شريك قديم للشركة.”ثم أكمل:* “
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
حين تصبح الكلمات سلاحاً
مرّ أسبوع كامل على عودة ليلى إلى الشركة.وخلال ذلك الأسبوع، لم يحدث أي احتكاك مباشر بينها وبين رانيا.كانت كل واحدة منهما تؤدي عملها في هدوء.لكن الهدوء…لم يكن يعني غياب المراقبة.كانت ليلى تتابع كل اجتماع تحضره رانيا، وكل ملف يصل إلى مكتب كريم، وكل مرة يناديها فيها باسمها.أما رانيا، فلم تكن تشغل نفسها بليلى.كانت منشغلة بشيء واحد فقط…ألا تخذل الثقة التي مُنحت لها.⸻في صباح يوم المؤتمر، بدت الشركة أكثر حركة من المعتاد.موظفون يدخلون ويخرجون، هواتف لا تتوقف عن الرنين، وملفات تنتقل من يد إلى أخرى.كانت رانيا تراجع العرض للمرة الأخيرة، عندما دخلت هالة إلى مكتبها.* “جاهزة؟”أغلقت رانيا الحاسوب.* “إن شاء الله.”ابتسمت هالة.* “بالمناسبة… الأستاذ كريم طلب إنك تعرضي جزء من البرزنتيشن بنفسك.”رفعت رانيا رأسها بسرعة.* “أنا؟”* “أيوه.”سكتت لحظة.ثم أخذت نفسًا عميقًا.* “تمام.”⸻في قاعة المؤتمرات…امتلأت المقاعد بممثلي الشركات والمستثمرين.جلس كريم في الصف الأول، وإلى جواره عادل المنصوري.أما ليلى، فقد كانت تجلس في المقاعد الخلفية بعد أن حصلت على دعوة بصفتها مستشارة قانونية سابقة للشركة
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
خلف الأبواب المُغلقة
استيقظت رانيا قبل موعد المنبه بدقائق.فتحت عينيها ببطء، ثم التفتت نحو الساعة الصغيرة الموضوعة فوق الكومود.السادسة إلا ربعًا.تنهدت في هدوء.كانت تلك عادتها منذ بدأت العمل في شركة المنصوري؛ لم تعد تحتاج إلى صوت المنبه كي تستيقظ، وكأن عقلها أصبح يضبط نفسه على مواعيد المسؤولية.غادرت فراشها، رتبت الغطاء بعناية، ثم فتحت النافذة.اندفع هواء الصباح البارد إلى الغرفة، حاملاً معه ضوضاء القاهرة التي تبدأ مبكرًا كل يوم.⸻بعد أقل من نصف ساعة…خرجت من غرفتها.كانت والدتها تضع الإفطار على المائدة، بينما كان والدها يجلس يطالع الجريدة.ما إن رآها حتى أنزل الجريدة مبتسمًا.* “صباح الخير يا رانيا.”ابتسمت وهي تقبّل رأسه.* “صباح النور يا بابا.”ثم التفتت إلى والدتها.* “صباح الخير يا ماما.”* “صباح الهنا. تعالي افطري قبل ما تبرد الأكلة.”جلست على المائدة.ناولها والدها قطعة خبز، ثم قال وهو يراقبها:* “شكلك نمتي متأخر امبارح.”ابتسمت ابتسامة صغيرة.* “كنت بفكر في الشغل.”رفع حاجبيه.* “ولقيتي حل؟”ضحكت بخفة.* “لما أوصل الشركة هعرف.”ابتسم والدها، ثم أعاد طي الجريدة.* “فاكرة أول يوم شغل؟”نظرت إليه
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الرسالة التى لا تحمل اسماً
لم ينم كريم تلك الليلة إلا ساعات قليلة.كانت الصورة القديمة لا تفارق ذهنه.أعاد النظر إليها مرات لا تُحصى، حتى كاد يحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.والده…محمود الشاذلي…الرجل الثالث…أما الرابع…فلم يتبقَّ من وجهه سوى أطراف باهتة، بعدما مُزق الجزء الأكبر من الصورة بعناية.لم يكن تمزيقًا عشوائيًا.بل كان مقصودًا.وكأن أحدهم أراد أن يخفي شخصًا بعينه…ويترك البقية ليثير الأسئلة.⸻في السابعة صباحًا…كان كريم أول الواصلين إلى الشركة، كعادته.دخل مكتبه مباشرة، وأغلق الباب.أخرج الظرف من درج مكتبه.ثم وضع الصورة والورقة أمامه مرة أخرى.قرأ الرسالة للمرة العاشرة.“لو كنت لسه عايز الحقيقة… متجيش لوحدك المرة دي.”طرق بأصابعه على سطح المكتب.هناك سؤال واحد لم يجد له إجابة.كيف عرف مرسل الرسالة أنه ذهب وحده في المرة السابقة؟لم يخبر أحدًا بذلك.حتى هالة…لم تكن تعرف إلى أين ذهب في ذلك اليوم.إذن…إما أن محمود الشاذلي أخبر أحدًا.أو…كان هناك من يراقبه منذ البداية.⸻في الثامنة والنصف…بدأ الموظفون يتوافدون إلى الشركة.دخلت رانيا وهي تحمل حقيبتها ودفترها الجلدي الصغير.ألقت التحية على موظف الاستقبال، ث
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status