Share

رابطة الدم

last update publish date: 2026-06-05 07:31:55

كانت الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" تشق مياه البحر الأبيض المتوسط بجسدها الفولاذي الضخم، غائصة في عتمة موحشة تتجاوز حدود العمق الآمن، كأنها تابوت ميكانيكي هارب من القيامة التي حلت بـ "صخرة الغراب". في الجناح الطبي الصغير المعزول داخل الغواصة، حيث كانت الإضاءة تتأرجح في وهن بين ظلال الطوارئ الحمراء وزرقة شاشات المراقبة الحيوية الباردة، كان السكون مكتوماً وثقيلاً، لا يقطعه سوى الأزيز الدوري المنتظم لأجهزة التنفس وصوت اندفاع المياه العنيفة التي تضرب جدران السبائك المعززة من الخارج بدوي مكتوم يبث الرعب في الأوصال.

على فراش طبي ضيق ومثبت بأحزمة جلدية لحمايتها من الارتجاجات العنيفة، كانت ليلى تغط في نوم عميق، لكنه لم يكن نوماً مريحاً بل كان غيبوبة قسرية فرضها عليها المهدئ القوي الذي حقنها به أدهم الجارحي لإخماد ثورتها الهستيرية. كان جسدها الرقيق، الملفوف برداء المخمل الأسود الملطخ ببقايا بارود المعركة ودماء مراد السيوفي الجافة، يرتعش بشكل طفيف بفعل الارتدادات الميكانيكية للمحركات. خصلات شعرها العسلي الطويل كانت مبعثرة فوق الوسادة البيضاء الشاحبة كخيوط من الحرير المنسوج وسط الرماد، بينما كانت ملامح وجهها الفاتن منقبضة بألم نفسي عارم، وجبينها يتفصد بعرق بارد يشي بمعركة ضارية تخوضها روحها المستهلكة بالعشق في غياهب الوعي المخدر.

لم يكن المهدئ كافياً لإطفاء الجمر المشتعل في عروقها؛ بل تحول في غياب وعيها المنطقي إلى جسر عبور تكتيكي يربط روحها بروحه عبر ما يُعرف بـ "رابطة الدم". تراجع عقلا الصراعات والمؤمّرات، لتجد ليلى نفسها تنزلق في دهاليز الذاكرة، عائدة بالزمن إلى الوراء... إلى ليلة قديمة، حارة ومترفة، عشتها بين أحضانه في جناحه الأسطوري السري بقصر روما المحصن.

في الذاكرة، كان كل شيء ينبض بالحياة والوصف المسهب. كانت الغرفة شاسعة كقاعة ملوك، تحيط بها الشرفات الزجاجية الضخمة المطلة على أضواء روما الخافتة وسط ليل إيطالي دافئ. الستائر المخملية القرمزية الثقيلة كانت تتمايل ببطء بفعل نسمات الهواء المحملة برائحة الياسمين البري الممتزجة برائحة البارود الخفيفة وعطر العود الذكوري الحاد الذي يفرزه جلد مراد. كانت الإضاءة خافتة، نابعة من شموع عسلية طويلة تتراقص ظلالها فوق الرخام الإيطالي الأسود المصقول، لترسم ظلالاً ملحمية لجسديهما.

كانت ليلى في تلك الليلة ترتدي فستاناً ناعماً من الحرير العاري الظهر، وكانت تجلس فوق حافة الفراش الملكي الوثير، وعيناها العسليتان تلمعان بتحد طفولي ممزوج بخوف مستسلم أمام طاغية لا يرحم الضعف. وفجأة، انفتح الباب الخشبي الضخم ذو النقوش الذهبية، وتقدم مراد السيوفي بخطوات بطيئة، واثقة، ومملوءة بهيبة تفرض السيادة المطلقة رغماً عن حصون الدول وصراعات الملوك.

كان قد عاد للتو من عملية تصفية دموية ضد أحد قادة المافيا الروسية في ضواحي العاصمة الإيطالية. كان قميصه الأسود الفاخر مفتوح الأزرار العلوية ليبرز عضلات صدره العريض الطاغي، الملطخ بقطرات عرق وبقعة صغيرة من دماء خصومه لم يعرها انتباهاً. كان يسحب ربطة عنقه الحريرية ببطء مميت بيده اليمنى، بينما استقرت يده اليسرى الفولاذية بقوة فوق قبضة مسدسه الذهبي المخفي تحت معطفه. عيناه الصقريتان الحادتان كانتا تقطران بنيران غيرة عمياء وشغف خالص بمجرد أن وقعتا على جسدها الفاتن ونحرها الشاحب.

"ألم أخبركِ من قبل يا قطتي الفاتنة ألا تقتربي من النوافذ عندما أكون بالخارج؟" همس بصوته الرخيم الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة ذكورية ساحرة تغلغلت في أعمق خلايا روحها.

تقدم نحوها كالنمر الذي يحاصر فريسته الملكية. انحنى بجسده الفاره فوقها، محاصراً إياها بالكامل تحت وطأة طوله وعرض منكبيه الشامخين. شعرت ليلى بحرارة بشرته تلفح عنقها كالجمر الذي يذيب الصقيع، وارتد جسدها المرتجف ليرتطم بصدره الحار. تلمست أصابعه الكبيرة الدافئة ذات العروق النافرة وجنتها الشاحبة برقة متناهية تتناقض تماماً مع وحشيته الشرسة في عالم الجريمة.

"مراد... أنت تخيفني عندما تعود هكذا،" همست ليلى في الحلم، وصوتها يرتجف بينما كانت يداها الصغيرتان تقبضان على قميصه المفتوح، وتستشعران النبض المتسارع القوي لقلبه. "رائحة الموت والبارود تملأ ثيابك... عائلتي تبحث عني، وقوانين أدهم تحاصرنا، وأنت تتحدث عن التملك كأن العالم يدور في فلكك وحدك."

ارتسمت على شفتي مراد الحادتين ابتسامته الجانية الساخرة التي تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي. انحنى أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة، وقبض على خصريها الضيق بذراعه الفولاذية وجذبها إليه بعنف وشغف أعمى بصيرته عن شلل العالم المحيط بهما.

"العالم بالفعل يدور في فلكي يا ليلى، لأنكِ أنتِ عالمي،" قال بنبرة تفيض بالوعيد والتملك المطلق الذي لا يعرف التراجع. "عائلتكِ تملك القوانين والجيوش، والمجلس الأعلى للمافيا يملك البوارج والطائرات... لكن مراد السيوفي يملك القوة لإعادة كتابة التاريخ تحت قدميكِ الفاتنتين! تملككِ في عروقي ليس اختياراً، بل هو شريعة كُتبت بالدم، ونيران غيرتي الليلة كافية لإحراق روما وخيانات العواصم برمتها إن فكر أحد في انتزاعكِ من قبضتي."

وفي تلك الليلة الدافئة، انحنى والتهم شفتيها بقبلة تدميرية، عنيفة وحارقة للغاية، قبلة سحبت منها آخر ذرات المقاومة وجعلت جسدها بالكامل ينصهر تحت وطأة لمساته الشرسة المليئة بالرغبة المشتعلة وسط رماد الحروب. لم تكن مجرد قبلة عشق، بل كانت طقساً دموياً معلناً خضوعها المطلق لملكه، رغماً عن حصون الدول وصراعات الملوك. استسلمت له تماماً، وتداخلت مشاعر الخوف بلذة تملك شرس جعلتها تطبع أثر وجودها في كيانه.

وفجأة... وسط هذا التلاحم الروماني الحار والآمن، تبدلت لوحة الحلم بعنف تكتيكي مرعب. تحول الرخام الإيطالي إلى خرسانة متفحمة تحت وطأة انفجار المولد الرئيسي لصخرة الغراب. انشطر الجناح الملكي، وارتفعت سحب الدخان الكبريتي الأسود لتغزل كفناً من نار وضباب. ظهر "أليكساندر" ذو القناع الفضي من عتمة الممر المظلم، حاملاً سلاحه ببرود مميت. دوت رصاصة القناصة الثقيلة، واخترقت ظهر النمر العريض.

رأت ليلى في منامها جسد مراد يتأرجح فوق حافة الهاوية المشتعلة بالدم، لكن في تلك اللحظة الخاطفة التي يرتعد فيها الموت نفسه، لم تره يسقط ويموت؛ بل لمحت طيف روحه، نبضه المتوحش، وهو ينبض بقوة خارقة للأدرينالين وسط النيران. رأته يثور كالإعصار ويقتلع قيوده، وعيناه الصقريتان تحدقان في أعماق البحر حيث تغوص غواصتها، وسمعت صوته الجهوري المبحوح يخترق جدار وعيها المخدر ويهمس لها عبر مسافات الماء المظلمة: "هربتِ تحت الماء يا قطتي... لكنكِ ستعودين لعرين النمر ولو انشطرت الأرض نصفين! النمر لا يموت في الجحور!"

في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية، حدثت الصدمة النفسية الارتدادية في كيانها. شعرت بـ "رابطة الدم" تتأرجح وتشتعل، واستشعرت عبر حواسها المطبوعة بأثره أن قلبه العاصف لا يزال يدق، وأن أنفاسه الحارة لا تزال تلفح الكون بالوعيد، وأنه لا يزال ينبض بالبقاء والوجود رغماً عن رصاصة الغدر وجيش المافيا الدولية.

"مراااااااااد!"

مزقت الصرخة الهستيرية المدوية سكون الجناح الطبي المكتوم داخل الغواصة. انتفض جسد ليلى بالكامل فوق الفراش الضيق، وتلاشت قيود المهدئ القوي بفعل تدفق الأدرينالين المفاجئ في عروقها. فتحت عينيها العسليتين على وسعهما، والذعر الحاد يشع منهما كالجمر المشتعل، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بسرعة ولهث شديدين، وصدرها يعلو ويهبط بعنف رغماً عن حصار الأشرطة الجلدية.

انفتح الباب الفولاذي للجناح الطبي بدوي سريع، واقتحم المستشار أدهم الجارحي الغرفة بكامل هيبته وجبروته الصارم، يتبعه سليم الذي كان لا يزال يحمل حقيبته الرقمية بوجه شاحب كالموت. كان أدهم قد سمع صرختها عبر أجهزة المراقبة الصوتية، وكان مسدسه الرشاش الرسمي معلقاً على كتفه، وعيناه السوداوان تقطران بحذر وقلق عارم على ابنة عمه.

"ليلى! ليلى، اهدئي.. أنا هنا بجانبكِ!" صاح أدهم وهو يندفع نحو الفراش، وبحركة سريعة من أصابعه الفولاذية فك الأشرطة الجلدية التي تقيد جسدها المرتجف، ثم أمسك بمعصميها الناعمين بقوة محاولاً تثبيتها وإعادتها لأرض الواقع المعزول تحت الماء.

لم تلتفت ليلى لأدهم، ولم تنظر إلى جدران الغواصة اللامعة؛ بل قبضت بيديها الصغيرتين المرتعشتين، واللتين كانت عظام أصابعهما بارزة بيضاء، على تمزقات قميص أدهم العسكري بكل ما أوتيت من قوة استمدتها من شغفها المظلم. كانت تبكي بحرقة، والدموع تنهمر كالشلالات فوق وجنتيها الشاحبتين، لكن عينيها كانتا تفيضان بنظرة صلبة، مجنونة ومقيمة بالحقيقة.

"هو لم يمت يا أدهم! لم يمت!" هتفت بصوت مبحوح ممزق، ونبرتها تحمل بحّة القوة والتأكيد الذي لا ينحني أمام منطق المخابرات أو تقارير الحروب. "أنا أشعر به... أشعر بنبضه الموحش يضرب في أعمق خلايا روحي! رائحة باروده لا تزال تحرق أنفاسي، وأنفاسه الحارة تطوق عنقي الآن! النمر لا يزال حياً وسط جحيمهم... أليكساندر ورأفت علام لم يقتلوه، هم يحاصرونه، وهو يعلن الحرب لأجلي رغماً عن سلاسلهم!"

التفت أدهم نحو سليم بنظرة حادة وباردة، مطالباً بتفسير تقني أو رصد أمني جديد قد يكون سليم قد التقطه عبر الأقمار الصناعية قبل دخول القناة المعزولة.

تقدم سليم بخطوات متعثرة، وهز رأسه بأسى مشوب بالذهول، وقال بصوت مخنوق: "سيادة المستشار... الرادارات والاتصالات مقطوعة بالكامل في هذا العمق، ولا نملك أي دليل مادي على بقائه أو مقتله بعد الانفجار الكبير الذي سوى صخرة الغراب بالبحر. منطقياً وعسكرياً، النجاة مستحيلة... لكن..." ونظر إلى ليلى بوجل، "...لكن عاطفة ليلى هانم المطبوعة بأثر تملك مراد بيه تتجاوز في بعض الأحيان شفرات التكنولوجيا."

أعاد أدهم نظره الحازم الصارم نحو وجه ليلى الشاحب، وضغط على كتفيها بنبرة تمزج بين قسوة القائد وثبات العقيدة: "ليلى... سواء كان مراد السيوفي ينبض بالبقاء في أقبية المجلس الأعلى في روما، أو كان جثة هامدة وسط حطام الصخرة، فإن اللعبة الآن أصبحت مواجهة مفتوحة بيننا وبين الخونة في العاصمة. الطبيب إياد وجهاز المخابرات الموالي لرأفت علام ينتظرون وصولنا للملاذ الآمن بعد دقائق لإجراء الفحص النفسي والأمني لكِ. الشك والمؤامرات تحيط بنا من كل جانب بالخارج... صرختكِ باسم مراد أمامهم ستكون مذبحكِ ومذبح عائلتنا برمتها!"

تصلبت ملامح ليلى العسلية الفاتنة، ومسحت دموعها بعنف كبريائي وليد من رحم السيادة التي تعلمتها في عرين النمر. انقبضت شفتيها المطبوعتين بأثر قبلاته الشرسة، وتلاقت نظراتها بعيني أدهم السوداوين بصلابة لا تلين.

"سأصمت أمامهم يا مستشار... سأرتدي قناع الجمود الذي تريدونه،" همست بصوت يحمل وعيد المافيا وقسوة الانتقام، "لكن وجداني يعلم حقيقته. سأنتظر في قفصكم... سأتحمل شكوكهم ومؤامرات الطبيب إياد وكل جيوش العاصمة... لأنني أعلم أن النمر سيكسر سلاسل روما، وسيعود ليمزق حصونكم وينتزع قطته الفاتنة رغماً عن قوانين دولتكم برمتها!"

تحركت الغواصة "التيتان الأسود" ببطء معلنة بدء صعودها نحو سطح الملاذ الآمن، بينما كانت ليلى تقبض على بقعة دمائه الجافة فوق مخمل رداءها، مستعدة لبدء المعركة النفسية الكبرى وصراعات الشك والغيرة التي تنتظرها على اليابسة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status