LOGINخارج قصر العرّاب، وقفت سوزان، تشعر بالملل، محاصرةً بأصوات الضحكات العالية والموسيقى الصاخبة التي لم تكن يومًا جزءًا منها، ولا تشبهها في شيء.
ضاق صدرها فجأة، كأن الهواء أصبح ثقيلاً، لا يُحتمل. لم تتردد.. ابتعدت بهدوء، وتركت كل شيء خلفها. وسارت نحو مكانها المفضل، المكان الوحيد الذي يمنحها بعض الراحة—البحيرة الصغيرة. كانت تقع بجوار منزلٍ قديم ظل مهجورًا لسنوات طويلة، قبل أن يتحوّل فجأة إلى بيتٍ حيّ بعد أن اشتراه شخصٌ مجهول وأعاد إليه الحياة، لكن سوزان لم تهتم يومًا بمن يقطنه؛ فالمكان بالنسبة لها لم يكن سوى ملاذ، هروب، ومساحة تستطيع أن تكون فيها على حقيقتها. عندما وصلت، نظرت حولها لتتأكد من خلو المكان، ثم نزعت فستان الحفل دون تردد وألقته جانبًا، وكأنها تتخلّص معه من كل ما يثقلها، قبل أن تندفع نحو الماء وتغوص فيه بهدوء، تحتضنها برودته وتغمرها لحظة صفاء قصيرة، كأن العالم كله اختفى. وفي التوقيت نفسه، لم يكن يبعد عنها سوى خطوات قليلة. كان غرين يسير بالقرب من منزله الجديد، عيناه تتجولان في المكان، لكن عقله لم يكن حاضرًا؛ بل كان عالقًا في الماضي، في يومٍ لم يغادره قط، يومٍ انطبع في ذاكرته كجرحٍ مفتوح لا يندمل. عاد به الزمن أكثر من عشرين عامًا… فتح باب غرفة والده ببطء، لكن قبل أن ينطق أو يتحرك، دوّى صوت طلقة نارية مزّق الصمت، فتجمّد في مكانه، واتسعت عيناه بصدمةٍ قاسية، وهو يرى والده ملقى على الأرض، غارقًا في دمائه، بلا حراك… بلا حياة. لم يستوعب ما يرى… ولم يستطع حتى الصراخ. تقدّم بخطوات متعثرة، وعيناه تجوبان المشهد المضطرب، حتى استقرتا على شيءٍ وسط الدماء… صورة. انحنى ببطء، والتقطها بيدٍ مرتجفة؛ كانت صورة أمه. تساقطت دموعه دون أن يشعر، وانكسرت ملامحه في لحظةٍ لم يعرف بعدها معنى البراءة. ثم خرج صوته خافتًا، لكنه محمّل بوعدٍ لا رجعة فيه: سآخذ بثأر أبي. في تلك اللحظة… لم يعد طفلًا. انحنى، والتقط المسدس، وأخفاه داخل ملابسه، ثم اندفع إلى الخارج بخطواتٍ سريعة، كأن شيئًا في داخله يدفعه نحو هدفٍ واحد. لم يتردد، ولم يتراجع. وفي فندق زوج والدته، حيث كانت تقف غير مدركة لما سيحدث، ظهر فجأة أمام الرجل. نظر إليه لحظة واحدة فقط، لحظة مشبعة بكل ما يحمله من ألمٍ وغضب، ثم أخرج المسدس وأطلق النار. ترنّح الرجل واتسعت عيناه لوهلةٍ قصيرة، كأنهما تحاولان التمسك بالحياة… ثم خمدتا. هوى جسده أرضًا بلا مقاومة. لاااا! صرخت ديانا صرخةً ممزقة، اندفعت نحوه وركعت بجانبه، ترفع رأسه بين يديها المرتجفتين ودموعها تنهمر بلا توقف. لا تتركني… أرجوك… افتح عينيك… لكن لا إجابة.. لا حركة.. لا حياة. اهتزّ جسدها، وانفجر بكاؤها، وهي تضغط عليه كأنها تحاول إعادته بالقوة، كأن الموت يمكن أن يتراجع إن توسّلت له ثم… ببطءٍ قاسٍ رفعت رأسها. التفتت نحوه.. إلى غرين… نظرت إليه وفي تلك النظرة، ماتت كل أمومة. ماذا فعلت؟ خرج صوتها مكسورًا في البداية، ثم تصاعد فجأة: ماذا فعلت؟! نهضت بعنف وسارت نحوه بخطوات غير متزنة وهي تبكي وتصرخ: هل جننت؟! هذا زوجي! لم يتحرك وقف أمامها، صامتًا… ثابتًا… كأن ما حدث لا يعنيه. اندفعت نحوه، تضرب صدره بيديها بعنفٍ أعمى، وصرخاتها تختلط ببكائها: لماذا؟! لماذا قتلته؟! تكلّم! أمسكت بملابسه، تشدّه بقوة، تهزّه كأنها تريد أن تنتزع منه الإجابة انتزاعًا: انطق! ماذا فعل لك؟! لم يقاومها لم يبعد يديها فقط نظر إليها. وقال بهدوءٍ لا يليق بطفلٍ في العاشرة: مات أبي بسببه.. هذا الرجل أخذكِ منا… وأبي… لم يحتمل فقتل نفسه. تجمّدت للحظة ثم انفجرت صارخة: لم يخطفني! أنا من ذهبت معه بكامل إرادتي! تقدّمت خطوة، وعيناها تشتعلان: أحببته… هو الرجل الوحيد الذي أحببته… وليس أباك! ارتعشت شفتيها، وامتلأ صوتها بمرارةٍ جارحة: سأحطّمك يا غرين… سأكسِر قلبك… كما كسرت قلبي حين قتلت حبيبي! انهمرت دموعه بصمت لم يصرخ لم يغضب. فقط قال بصوتٍ مكسور: بل أنتِ من كسرتِ قلبي… عندما تركتِني من أجل هذا الرجل. توقفت نظرت إليه لكنها لم ترَ ابنها. رأت قاتلًا. نهضت ببطء، ويداها ترتجفان، ثم انحنت والتقطت المسدس. رفعت يدها… وصوّبته نحوه. هذا الرجل… هو زوجي وابني وحبيبي.. سأقتلك يا غرين. ارتعش.. لكنّه لم يتحرّك. نظر إلى فوهة المسدس ثم إليها وقال بصوتٍ متعب، كأنه أكبر من عمره بسنين: اقتليني…أنا تعبت وأريد أن أرتاح. صمتٌ ثقيل.. لحظة واحدة فقط… ثم ضغطت الزناد.. دوّى صوت الطلقة… واخترق الصمت.قالت بنبرة يائسة:أليس هناك ذرة رحمة في هذا القلب؟غرين قال لها:اذهبي، غادري الغرفة.قالت له بألم:أنا لم أكن أريد أن أتزوج منك،هي لم تكن تريد أن تتزوج غرين، لم تكن تريد أن تكون زوجته، لكنها كانت تعلم أنها لا تستطع الهروب، كان عديم الرحمة.سقطت سوزان على السرير وبدأت تبكي، وقالت له:حتى حرية الاختيار سرقتها مني.قال لها غرين:سوف أتركك الآن، بدلي هذا الفستان.خرج غرين من الغرفة، ووقفت سوزان في وَسْط الغرفة، تشعر بالتعب والإرهاق.قالت بنبرة حزينة:نفذي كل ما يقوله لكِ، ليس لديكِ أي مخرج للخروج من هذا الزواج.صمتت لعدة ثوان، قبل أن تقول:لكنِ لا أعلم كيف أفعل ذلك؟بعد عدة دقائق أتى غرين إلى الغرفة، وعندما رآها بالملابس نفسها، قال لها:لماذا تحاولين جعل الأمور صعبة بيننا؟ لم أكن أبدًا مراعيًا للغير، فلا تحاولي استنفاد كل فرصك معي.قالت سوزان له:أنا فقط أشعر بالضعف؛ لذلك لا أستطيع تبديل ملابسي، أشعر أنني سأفقد الوعي.عندما تأمل ملامح وجهها، شعر غرين إنها تتكلم جديًا، ولا تمثل المرض، وضع يده على كتفها وقال:أنا هنا، لن يحدث لك شيء سيئ.قالت سوزان له بنبرة خافتة:لكن أنا لا أستطيع فعل هذ
تنفست روز بعمق، ثم ألقت السكين وقالت له:أريدك فقط أن تفهم، أنتَ لن تكون سعيدًا معها.قال لها ليو بنبرة باردة:أنا أفهم جيدًا.روز هزت رأسها، وهي تقول له:حياتك ستكون عبارة عن جحيم معها.قست ملامحه وهو يقول لها:هذا ليس من شأنك.ثم غادر ليو من الغرفة، وبمجرد مغادرته جلست روز على الأريكة وبكت، هي لا تريد أن ترى ليو يتزوج، لكنها تعرف أنه لن يغير رأيه مهما فعلت وقالت.في حديقة القصر.قالت ديانا:لماذا لم تقم بدعوتي إلى زفاف ابنتك؟قال العراب بهدوء:أنتِ تعلمين لماذا؟ لكنكِ بالرغم من ذلك أتيت دون دعوة.قالت ديانا بغضب:أنا أردت أن أكون هنا من أجل سوزان، كنت أريد أن أكون جزءًا من يوم الزفاف، كنت أريد أن أكون هنا من أجلها، لكنك تجاهلتني ولم ترسل دعوة.قال العراب لها:هذا الكلام لا يناسبك عزيزتي، أنت تريدين فقط الانتقام، لا تحاولي الادعاء إنكِ تهتمين بها.قالت ديانا بغضب:سوزان نشأت تحت رعايتي، أنا أحببتها منذ أن كانت طفلة، أنا أحببتها أكثر من أي شيء آخر في العالم، ولم أتخيل أبدًا أنني لن أكون جزءًا من يومها هذا، حتى لو لم تكن هي سعيدة بهذا الزواج، أشعر أنني أخطأت في حقها عندما اقترحت عليكَ
ردّ بسرعة، بنبرةٍ حادة، كأنه يقطع الطريق على أي أمل:"أنتِ زوجة العرّاب."قالت بهدوءٍ غريب، وكأنها تتحدث عن أمرٍ بسيط لا يستحق كل هذا التوتر:"لا أرى ما يمنع زواجنا… يمكنني أن أجعله يطلقني."اشتعلت عينا ليو فورًا، وصاح بغضبٍ حاد، كأنه يرفض الفكرة قبل أن تكتمل:"مستحيل! لن أفعل هذا أبدًا… إنه في مقام والدي، لن أخون اليد التي امتدت لتدعمني يومًا."كانت كلماته صادقة، لكنها لم تُقنعها، بل على العكس، ابتسمت بسخريةٍ باردة، وقالت وهي تنظر إليه بثبات:"حقًا؟ وهل ما تفعله الآن ليس خيانة؟ أم أنك ترى أن لمس زوجته ليس خيانة، بينما الزواج فقط هو الخيانة؟"توقفت لحظة، ثم أضافت بحدةٍ خفيفة:"أنت مزدوج المعايير يا ليو… تختار ما يناسبك فقط."قبل أن يرد، دوّى صوت طرقٍ مفاجئ على الباب، قطع التوتر في لحظة، فصمتت روز، وعاد ليو إلى صلابته المعتادة، ثم قال بنبرةٍ غاضبة:"من؟"فُتح الباب ببطء، ودلفت سارة إلى الداخل، ملامحها هادئة، لكنها تحمل شيئًا من الحذر، وما إن وقعت عينا ليو عليها حتى قال بحدة:"ماذا تريدين؟"أجابت بهدوء، دون أن تقترب أكثر:"أنا لا أريد شيئًا… لكن العرّاب يريد التحدث معك."ثم أضافت بسرعة:
بعد مرور نصف ساعة فقط، كانت مراسم الزفاف قد انتهت بالكامل، في أجواءٍ بدت هادئة من الخارج، لكنها كانت تخفي تحتها توترًا لا يُرى، فقد أصبحت سوزان رسميًا زوجةً لغرين.تقدّم ليو بخطواتٍ ثابتة نحو غرين، ولم يكن في ملامحه أي تردد، بل كان يحمل في نظرته حدةً واضحة، وعندما وقف أمامه، قال بصوتٍ منخفض لكنه مشحون بتهديدٍ صريح:"إذا مسّ سوزان أي سوء… سأقتلك."رفع غرين عينيه ببطء، ونظر إليه نظرةً طويلة، فرأى في عيني ليو كراهيةً عميقة، كراهيةً لم تُخفَ ولم تُخففها المجاملات، بل كانت واضحة كالنار، وكان يدرك جيدًا أن هذا التهديد لم يكن مجرد كلماتٍ عابرة، بل وعدًا حقيقيًا قد يتحقق في أي لحظة إذا أُتيحت الفرصة.ومع ذلك، لم يظهر على غرين أي خوف، بل ظل ثابتًا في مكانه، وكأن ما سمعه لا يعنيه، فقد كان واثقًا من قوته، واثقًا من قدرته على المواجهة، بل وربما كان يرى نفسه الطرف الأقوى في هذه المعادلة، لذلك قال بهدوءٍ بارد، يخلو من أي انفعال:"لا تحاول تهديدي."كانت تلك الجملة كفيلة بإشعال ما تبقى من صبر داخل ليو، فانفجر غضبًا دون أن يحاول السيطرة على نفسه، واندفع نحوه رافعًا يديه ليضربه، وكأن كل ما بداخله من اح
شعرت بالألم يتصاعد في جسدها، ليس فقط من الإصابات.. بل من كل ما يُفرض عليها دون أن تُسأل.قالت له بصوتٍ ضعيف، متكسّر، وكأن كل كلمة تخرج من بين ألمٍ وآخر:أليس لديك أي رحمة؟.جسدي كله محطم.. أشعر أنني.. لم أعد أصلح لأي شيء.اقترب منها خطوة، ببطء، ونظر إليها نظرة طويلة، غامضة، ثم قال بصوتٍ منخفض لا يمكن قراءة نواياه:بل على العكس.توقّف للحظة، وكأنه يتعمّد أن يترك كلماته معلّقة في الهواء، ثم أكمل:أنتِ الآن.. في المكان الذي يجب أن تكوني فيه.ارتجف قلبها من كلماته.. لأنها فهمتها تمامًا.قالت بنبرة خافتة:أنتَ.. أسوأ من ليو.تجمّدت ملامحه للحظة، ثم مال برأسه قليلًا، وسألها بنبرة أخفض لكنها تحمل تحذيرًا خفيًا:ماذا قلتِ؟أغمضت عينيها لثوانٍ، وكأنها ندمت على خروج الاسم، أو ربما لم تعد تملك طاقة للمواجهة، ثم ردت بنبرة مستسلمة، خالية من المقاومة:لم أقل شيئًا مهمًا.. ليس لديّ اعتراض.. على أي كلمة تقولها.ساد صمت قصير ثم ابتسم.ابتسامة هادئة، لكنها كانت أثقل من أي تهديد وقال وهو ينظر إليها بثبات:هكذا أفضلثم أضاف ببطء، وكأنه يستمتع بكل كلمة:أنا.. أحب الفتاة المطيعة.قالت سوزان في داخلها، وكأنه
تغيّرت ملامحه للحظة، ومال قليلًا نحوها، وقال بنبرة تحذيرية باردة:حذارِ يا صغيرتي وأنتِ تتحدثين معي بهذه الطريقة.كونك طريحة الفراش الآن، لا يعني أنني عاجز عن عقابك.أغمضت سوزان عينيها، وكأنها تحاول الهروب من صوته قبل أن تهرب من كلماته، ثم همست بصوت مكسور:يا ليتني.. متّ في تلك الحادثة.ساد صمت ثقيل بعد كلماتها، صمت كأن الغرفة نفسها توقفت عن التنفس فيه.لكن غرين.. لم يغضب.بل على العكس، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، غامضة، لا تُفهم بسهولة، ثم قال بهدوء:لن أترككِ تموتين.. عزيزتي.قالت وهي بالكاد تقوى على رفع صوتها:أرجوك.. غادر.كل جسدي يؤلمني.. وأريد فقط.. القليل من الراحة.نظر إليها لحظة طويلة، وكأنه يزن كلماتها، ثم قال بنبرة هادئة:إذا كنتِ تريدين النوم.. فلن أمنعك.لكنها لم تستسلم لهذا الرد، بل همست بإصرار خافت:غادر.. لا أريدك هنا.. لا أريدك في الغرفة نفسها.تأمل وجهها الشاحب، تلك الهشاشة التي لم يعتد رؤيتها فيها، ثم اعتدل في جلسته قليلًا، وقال بصوت منخفض لكنه حاسم:سأبقى هنا.. بجوارك.قالت بنبرة يائسة:افعل ما تشاء.. الكلام معكَ لن يُغيّر شيئًا.. في النهاية، ستفعل ما تريده أنت