Home / الرومانسية / رماد الأقنعة / الفصل الثاني عشر: وجهًا لوجه

Share

الفصل الثاني عشر: وجهًا لوجه

Author: هاري
last update publish date: 2026-05-22 22:23:14

فتحت أبواب المدرعة التكنولوجية المصفحة بصهيل معدني حاد ومزعج، ليدخل ضجيج العالم الخارجي المتوحش إلى المقصورة الهادئة؛ رياح قوية محملة بغبار الضاحية الشرقية، ورائحة احتراق خفيفة تملأ أرجاء الزقاق المظلم المهجور. شعرتُ ببرودة الهواء القارس تلامس وجهي، لكن برودة ياسين التي كانت تنبعث من جسده الضخم كانت أشد وأقسى. نزل بخطوات واثقة، هادئة، ومدروسة، كان كالمفترس الذي حاصر فريسته في ركن ضيق لا مفر منه. بقيتُ أنا خلفه بخطوات قليلة، قلبي يكاد يخرج من صدري، وأصابع يدي ترتجف داخل جيوب معطفي، محاولة إخفاء ارتعاشها عن أنظاره الثاقبة.

مشى ياسين نحو الحاجز الحديدي الضخم الذي صنعته ميرا بطاقتها قبل لحظات. كان لا يزال يحمل في يده سلاحه الشخصي المطور، لكنه لم يرفعه بعد، وكأنه يستمتع بلحظة الترقب. كانت أعيننا معلقتين بذلك الحاجز، حيث تختبئ أختي الصغيرة التي لا تتجاوز السابعة من عمرها. صمت الموقف كان يخيم على المكان، لا يقطعه سوى صوت وقع حذائه العسكري على الأرضية المبللة بالماء والزيت، وصوت طنين أجهزة اللاسلكي الذي كان يتداخل مع دقات قلبي المتسارعة.

وفجأة، توقف ياسين على بعد خطوات قليلة من الحاجز، وقال بصوت عميق ورخيم، صدى صوته يتردد بين جدران الزقاق المهدمة كأنه حكم إعدام: "أعرف أنكِ هنا. لا فائدة من الاختباء يا صغيرة.. القوة التي تملكينها، مهما بدت كبيرة، لن تحميكِ من ذكاء وقوة 'النخبة'. اخرجي بسلام، وسأضمن لكِ معاملة لا بأس بها."

لم أتحمل البقاء في الخلف كالمتفرجة. تقدمتُ بخطوات مترددة، وكأنني خائفة، وأنا أهتف بصوت مرتجف مصطنع: "سيدي، أرجوك.. لا تكن عنيفاً معها. إنها مجرد طفلة، قد تصاب بصدمة عصبية حادة وتفقد السيطرة تماماً على قواها، وهذا قد يؤدي إلى انهيار كامل للمباني المجاورة فوق رؤوسنا جميعاً! دعني أتحدث معها، ربما أستطيع إقناعها بالاستسلام طوعاً."

التفت إليّ ياسين بنظرة جانبية حادة، وكأنه يراقب ردة فعلي بكل ذرة في كيانه، يحلل نبرة صوتي وحركة عيني خلف النظارات، ثم عاد بنظره إلى الحاجز الحديدي وقال ببرود: "تراجعي للخلف يا آسيا. أريد أن أرى ما الذي يجعل هذه الطفلة محط اهتمام 'الاتحاد' و'النخبة' في آن واحد."

وفجأة، وبحركة خاطفة، تحرك الحاجز! طارت قطع المعدن المتشابكة في الهواء وكأنها ريش في مهب الريح، لتكشف عن ميرا. كانت تقف هناك، صغيرة الحجم، بشعرها الأشعث وثيابها البسيطة الممزقة، لكن عينيها كانتا تلمعان بوهج أرجواني مرعب ومضطرب، ويداها الصغيرتان كانت تحيطان بهالة طاقية متموجة تكاد تكون ملموسة، تلتف حول معصميها كأنها أفاعٍ من ضوء.

تراجع ياسين خطوة واحدة إلى الوراء، ولأول مرة، لمستُ في ملامحه القاسية مسحة من المفاجأة غير المعتادة. "سبع سنوات.." تمتم ياسين لنفسه بصوت خافت، وكأنه لا يصدق حجم الطاقة الهائلة التي تصدر من جسد طفلة في هذا السن البريء. ثم رفع سلاحه ببطء، لكنه لم يوجهه نحوها، بل نحو الأرض أمامها ليحذرها، وهو يقول بنبرة أكثر جدية: "اسمعي جيداً، أنا القائد ياسين. لستُ هنا لأؤذيكِ إذا تعاونتِ، ولكن إذا حاولتِ استخدام تلك الطاقة ضدنا، فلن أتردد في تحييدكِ بالقوة."

تجمدتُ في مكاني، شعرتُ بطاقتي الذهبية تصرخ في داخلي، تطالبني بالتدخل، لكنني كنتُ أعرف أن أي حركة خاطئة ستكشف أمري وتنهي كل شيء. نظرتُ إلى ميرا، كانت تنظر إلى ياسين بنظرة تحدٍ لا تليق بطفلة في عمرها، وكأنها تدرك تماماً أنه هو "العدو" الذي دمر حياتنا. ارتجف جسدها الصغير، وبدأت الأرض تحت أقدامنا تهتز، وكأن زلزالاً صغيراً بدأ يتشكل في قلب الزقاق بسبب عدم استقرار طاقتها.

"لا يا ميرا! توقفي!" صرختُ لا إرادياً. نظرت إليّ ميرا فجأة، وتلاقت أعيننا لثانية واحدة. في تلك النظرة، رأيتُ اعترافاً، رعباً، وأملاً. كانت تعرفني، كانت تشعر بوجودي رغم كل هذا التمويه. شعرتُ بالخطر يحدق بنا من كل جانب؛ فإذا استخدمت طاقتها الآن ضد ياسين، سيقوم هو بالرد فوراً، وإذا لم تفعل، فسيقوم باعتقالها. كانت تلك اللحظة هي الفاصلة بين الحياة والموت، وبدأت أصابعي تتحرك في جيبي، أتحسس جهاز التشويش الصغير الذي خبأته، منتظرة اللحظة التي سأضطر فيها لإشعال الجحيم لإنقاذها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد الأقنعة   الفصل الثالث والعشرون: ساحة الجحيم الرقمي

    لم تكن السماء فوق المستعمرة سماءً حقيقية، بل كانت لوحة من الترددات المتموجة التي تعكس غضب ياسين. بدأت المواجهة بانفجار ضوئي كاد يُعمي كل من في الساحة. اندفعتُ نحو ياسين، ليس كنسخة هاربة، بل كقوة طبيعية لا يمكن كبحها. هالتي الأرجوانية تداخلت مع الوميض الذهبي لميرا، مما خلق درعاً من الطاقة النقية التي بدأت تلتهم البيانات المحيطة بنا. ياسين، الذي كان لا يزال يبتسم ببرود، رفع يده فظهرت أمامه جدران من الكود المصدري الصلب. اصطدمتُ بها بقوة جعلت الأرضية الخردوية تهتز وتتصدع. "أنتِ تظنين أنكِ تقاتلينني يا آسيا، لكنكِ في الحقيقة تقاتلين النظام نفسه!" صرخ ياسين، بينما كان يوجه أشعة من البيانات الصافية نحو صدري. تصدى "عمر" للهجوم قبل أن يصل إليّ. قام بتحويل ذراعه إلى درع طاقي ضخم، وتلقى الضربة بدلاً مني. "آسيا! لا تضيعي وقتك في الصمود!" صاح عمر، وهو يرتجف تحت وطأة ضغط الطاقة. "ياسين يستنزف طاقة المستعمرة لتقوية دفاعاته. إذا استمر هذا القتال، فالمكان بأكمله سيُمحى!" في هذه اللحظة، اتخذ فهد وآنا موقعاً استراتيجياً. نظرتُ إليهما، متوقعة هجوماً آخر، لكنهما توقفا. بدا على وجهيهما ترددٌ واضح. "فهد!

  • رماد الأقنعة   الفصل الثاني والعشرون: قناع الحقيقة

    في لحظة انحبست فيها الأنفاس، توقف كل شيء. فهد وآنا تراجعا خطوة إلى الوراء، ليس خوفاً، بل بانتظار ردة فعلي. الهواء في الساحة كان ثقيلاً، مشحوناً بكهرباء ساكنة ناتجة عن تداخل هالاتنا الرقمية. نظرتُ إلى "عمر"؛ ذلك الوجه الذي كنتُ أثق به أكثر من نفسي، أصبح الآن لغزاً لا أستطيع فك رموزه."أنت لست عمر،" قلتُ، وصوتي يتردد في أرجاء المستعمرة الخاوية. "أنت مجرد برنامج حماية آخر، صُممت لتلعب دور الصديق المفقود، أليس كذلك؟"لم ينفِ عمر. بل تلاشت ابتسامته تدريجياً، وأصبحت ملامحه تومض ببريق أزرق خافت، دلالة على انهيار المحاكاة التي كان يعيش فيها. "لقد طُلب مني أن أحميكِ بأسلوب تفضلينه، يا آسيا. كان من الأسهل عليكِ تقبل الحقيقة من 'صديق' بدلاً من قبولها من 'نظام'."شعرتُ بغثيان لا يوصف. "أين عمر الحقيقي؟""عمر الحقيقي مات في المختبر يوم فُتحت ثغرة 'فينيكس'،" أجاب عمر ببرود. "أنا مجرد أرشيف لذاكرته، محمل في جسد ميكانيكي لضمان ولائك للمهمة."لم أتحمل المزيد. أطلقتُ صرخة غضب، وتفجرت هالاتي الأرجوانية لتخلق عاصفة من البيانات المحطمة حولنا. فهد وآنا حاولا الهجوم، لكن عمر أطلق نبضة مغناطيسية جعلتهم يتجمد

  • رماد الأقنعة   الفصل الحادي والعشرون: خيانة الموز والظهور المفاجئ

    كانت الساحة المركزية للمستعمرة تضج بصليل المعدن المتمزق وأزيز الليزر الذي يقطع الهواء. فهد، بجسده الضخم وحركاته الميكانيكية الدقيقة، كان يتقدم كالإعصار، محطماً كل ما يعترض طريقه. أما آنا، فكانت في الأعلى، فوق أكوام الخردة، تطلق نيران سلاحها بدقة قاتلة، تمنع أي شخص من الاقتراب منها.اندفعتُ نحوهما، هالة أرجوانية تحيط بي كدرع طاقي. كان القتال مع فهد يشبه الصدام مع جدار فولاذي. في كل مرة كنتُ أحاول فيها اختراق دفاعاته بطاقتي، كان يرد بضربات ميكانيكية مدمرة تجعل الأرض تحت أقدامي تتصدع."أنتِ بطيئة يا 'نسخة'،" سخر فهد وهو يتفادى ضربة طاقية مني، ثم وجه لكمة مباشرة إلى كتفي. شعرتُ بألم حاد يسري في ذراعي، لكنني لم أتراجع. "ياسين أخطأ عندما ظن أنكِ ستكونين ورقة رابحة. أنتِ مجرد خطأ برمجِي يجب تصحيحه."لم أرد. ركزتُ كل طاقتي في يدي، ووجهتُ ضربة دقيقة نحو مفصل ذراعه الميكانيكية. تصاعد الشرر، وتراجع فهد للخلف، مفاجأةً. استغليتُ الفرصة وأطلقتُ موجة طاقية قوية أطاحت به بعيداً، لكن آنا، من موقعها، أمطرتني بوابل من الليزر، مما أجبرني على الاحتماء خلف جدار من الحديد ا

  • رماد الأقنعة   الفصل العشرون: اختبار النيران الرقمية

    في قلب المستعمرة المنسية، كان الصمت أثقل من الضجيج الذي خلفته في المعبد. كانت أعين السكان تلاحقني بحذر، نظراتهم مزيج من الرجاء والشك. المسن الذي قادنا إلى وسط المستعمرة، والذي عرف نفسه باسم "إدريس"، كان يراقبني بحواسه الميكانيكية التي تصدر أزيزاً خافتاً في هدوء المكان."أنتِ تقولين إنكِ لستِ مخلصة، ولكن هالتكِ الأرجوانية تتحدث لغة أخرى،" قال إدريس وهو يشير بيده الميكانيكية نحو الأفق حيث تلوح أبراج 'سايبر-تيك' البراقة كأنها سكاكين تغرز في السماء. "في هذا العالم، لا يوجد حياد. إما أن تكوني جزءاً من الآلة التي تلتهمنا، أو أن تكوني الوقود الذي سيحرقها. ونحن لا نضع ثقتنا في الوقود.. إلا إذا أثبتَ جدارته."شعرتُ بميرا تشد على يدي بقوة. "ما هو الاختبار؟" سألتُ، وقد استعدتُ نبرة التحدي في صوتي. لم أكن قد أتيتُ إلى هنا لأكون أسيرة لنبوءات سكان الخردة.أشار إدريس إلى بوابة حديدية عملاقة في نهاية الساحة، خلفها يمتد وادٍ ضبابي يغلي بأضواء كهربائية متقطعة. "تلك هي 'منطقة الترددات'. مكان صممه مهندسو 'سايبر-تيك' الأوائل ليكون مقبرة للأخطاء البرمجية. إذا كنتِ حقاً ال

  • رماد الأقنعة   الفصل التاسع عشر: أشباح في المرايا

    كان الانهيار لا يرحم. المعبد الرقمي، الذي بدا قبل لحظات كأنه قلعة من النور والبيانات المقدسة، تحول إلى دوامة من الأرقام المتكسرة والأصوات الميكانيكية المشروخة. الأرضية تحت أقدامنا بدأت تتلاشى، تاركة خلفها هوة سحيقة من الظلام التقني. كانت الجدران التي تعرض ذكرياتي تتساقط كزجاج مهشم، وكل قطعة زجاج تحمل مشهداً من ماضيّ المحي، تتطاير في الهواء كأشباح لا تجد وطناً."ميرا! تمسكي بي جيداً!" صرختُ، بينما كنتُ أحاول الحفاظ على توازني وسط هذه الفوضى العارمة. هالتي الأرجوانية كانت تومض بجنون، تحاول خلق "رابط استقرار" يمنعنا من السقوط في الفراغ. كان الهواء في القاعة مشحوناً برائحة احتراق الدوائر الكهربائية، ووميض الشاشات المحطمة يملأ المكان بضوء مضطرب ومخيف.فجأة، انبعث من بين الحطام الرقمي المتساقط شيء أوقف أنفاسي. لم تكن مجرد بيانات، بل كانت "أشباحاً".. نسخاً مكررة مني. رأيتُ آسيا الطفلة، وآسيا المراهقة في المختبر، وآسيا التي كانت تعمل لصالح "سايبر-تيك". كل واحدة منهن كانت تقف في طريقي ببرود، عيونهن خالية من الحياة، لكن نظراتهن كانت تخترق روحي، كأنها تعيد تذكيري بكل قرا

  • رماد الأقنعة   الفصل الثامن عشر: معبد البيانات المنسية

    انطلقت الكيانات المعدنية بنا بسرعة خارقة عبر الغابة النيونية، مخترقة طبقات من الضباب المشفر الذي كان يغطي المكان. كان الجسد المعدني للكيان الذي يحملني يتحرك بمرونة لا تصدق، متجاوزاً العوائق والأشجار الحديدية وكأنها مجرد خيال. لم أعد أشعر بالخوف المعتاد، بل حل محله شعور غريب بالانتماء، وكأن هذا العالم، رغم برودته، كان يقرع على وترٍ مفقود في أعماق ذاكرتي.كانت ميرا تسير بجانبي، أو لنقل أنها كانت تطفو بتناغم مع حركة الكيانات، هالتها الأرجوانية تتوهج بشكل أقوى، وكأن المكان يغذي طاقتها. نظرتُ إليها، فرأيت طمأنينة غير مبررة في عينيها الفضيتين."هل تشعرين بذلك؟" سألتها بصوت خافت وسط ضجيج الرياح الاصطناعية.أومأت برأسها وقالت: "إنه ليس مكاناً مهجوراً يا آسيا. إنه 'سيرفر' عملاق.. إنه حديقة خلفية للعالم، حيث تُخزن الأحلام التي تم حذفها."بينما كنا نتقدم، بدأت الغابة تتغير. اختفت الكابلات والأشجار الحديدية، وظهر أمامنا هيكل عملاق يرتفع نحو السماء الأرجوانية كأنه ناطحة سحاب من الزجاج الأسود والضوء المتدفق. لم يكن مبنى عادياً؛ كان معبداً رقمياً، مكاناً تتجمع فيه البيانات المهملة لتشكل كياناً واحدا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status