Home / الرومانسية / رماد الأقنعة / عنوان الفصل الرابع: أنفاس مشحونة خلف الزجاج الداكن

Share

عنوان الفصل الرابع: أنفاس مشحونة خلف الزجاج الداكن

Author: هاري
last update Petsa ng paglalathala: 2026-05-22 18:57:11

انطلقت سيارة الليموزين السوداء تخترق شوارع المدينة الضبابية، والهدوء داخلها كان أشبه بالسكينة التي تسبق العاصفة. كنتُ أجلس في المقعد الخلفي الواسع، منكمشة على نفسي أضم حقيبتي الجلدية البالية إلى صدري، ممتثلة تماماً لدور آسيا، المبرمجة الضعيفة والمذعورة. لكن تحت هذا القناع البائس، كانت حواسي الخارقة في أعلى درجات الاستنفار، أرصد كل أنفاس تتحرك في المكان.

بجانبي مباشرة، كان يجلس ياسين. بنيته الضخمة وطوله الفارع كانا يأخذان حيزاً كبيراً من المساحة، كأنه يفرض سيطرته الجسدية حتى على هواء السيارة. لم يكن ينظر إليّ، بل كان يحدق عبر الزجاج الداكن، وملامحه الحادة والقمحية بدت تحت إضاءة الشوارع الخافتة كأنها منحوتة من صخر. شعره الذهبي كان يلمع بريقاً خفيفاً، لكن تلك العيون الزرقاء القاتمة كانت تخبئ خلفها بحراً من الأسرار والخطط المرعبة. كنتُ أشعر بحرارة جسده المفتول بالعضلات تقترب مني مع كل انعطاف للسيارة، وكل حركة منه كانت تجعل قلبي ينبض بتوتر حقيقي هذه المرة، خوفاً من أن يلمح طاقتي الذهبية المخفية.

في المقعد المقابل لنا، كان يجلس عمر وآنا. كانت الأجواء بينهما مشحونة بطريقة غريبة. عمر، بملامحه الوسيمة وبدلته الأنيقة، كان يتكئ براحة تامة، واضعاً رجلاً فوق رجل، ويلعب بوقاحة بقطعة نقدية فضية بين أصابعه. التفت نحوي، وارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة اللعوب التي يظن أنها قادرة على إذابة قلوب الفتيات.

"إذاً يا حلوة..." قال عمر بصوته الناعم والمغري، وهو يميل برأسه نحوي متجاهلاً وجود ياسين تماماً: "لم تخبرينا بعد.. كيف لمبرمجة بسيطة مثلكِ أن تلفت انتباه قائدنا الصارم ياسين لدرجة تجعله يعينكِ مساعدة شخصية في أقل من أربع وعشرين ساعة؟ هل هناك سر تخبئينه وراء هذه النظارات السميكة؟"

شعرتُ بضغط طاقته العقلية يحاول التسلل برفق إلى عقلي، كان يحاول ممارسة ألاعيبه المعتادة ليرى ردة فعلي. أطبقتُ درعي العقلي السري بقوة أكبر، وتظاهرتُ بالارتباك الشديد، فأنزلتُ رأسي وأجبتُ بصوت يرتجف: "أنا.. أنا فقط قمتُ بعملي في تنظيف الشيفرات الأمنية لـ 'سايبر-تيك' يا سيدي.. لم أفعل شيئاً آخر.. أقسم."

قبل أن ينطق عمر بكلمة أخرى، انطلقت شرارة كهربائية زرقاء عنيفة من أصابع آنا، لتصعق القطعة النقدية الفضية التي كان يلعب بها في يده! طارت القطعة من يد عمر وسقطت على أرضية السيارة وهي تشتعل بسخونة.

"كفّ عن التودد والملاحقة يا عمر!" صرخت آنا بصوت حاد تكاد تخرج منه الصواعق. كانت عيناها الرماديتان تشتعلان بنيران غيرة قاتلة، وشعرها الأسود الداكن القصير يتطاير بفعل طاقتها الثائرة. كانت تنظر إليّ باشمئزاز وحقد دفين، ليس لأنني مساعدة ياسين، بل لأنها تعشق عمر حتى النخاع وتموت فيه في السر، ورؤيته يحاول مغازلة هذه المبرمجة الباهتة والجديدة جعلت طاقة الرعد والكهرباء في جسدها تفور بالغيظ. التفتت إلى عمر وقالت بنبرة متوترة: "نحن ذاهبون إلى مهمة خطيرة في المرفأ رقم 9، وأنت لا تفكر إلا في إغواء العاملات بالشركة! إنها مجرد مبرمجة غبية ومذعورة، توقف عن إضاعة وقتك معها."

رفع عمر يديه باستهزاء وهو يضحك: "اهدئي يا بنت العاصفة.. أنا فقط أحاول الترحيب بزميلتنا الجديدة، أليس كذلك يا قائد؟"

لم يلتفت ياسين إليهما، ولم ينطق بكلمة لتهدئة الصراع. كان بروده مرعباً، كأنه يستمتع بمراقبة هذا التوتر ليقيس ردود أفعالي. هل سأفقد السيطرة على أعصابي وأكشف قوتي بسبب ضغط عمر أو غيرة آنا؟ ظلّ صامتاً، وعيناه الزرقاوان القاتمتان تراقبانني عبر مرآة السيارة الأمامية بنظرة باردة وفاحصة.

فجأة، اهتز هاتف ياسين الخاص، وكان رنينه نغمة مشفرة وخاصة جداً. تغيرت ملامح ياسين فوراً، وظهرت الجدية الصارمة على وجهه. ضغط على زر الرد، ووضع السماعة في أذنه.

"نعم.. أنا أستمع"، قال ياسين بصوته الرخيم العميق الذي أجبر الجميع في السيارة على الصمت التام، حتى آنا وعمر تراجعا وكأن على رؤوسهما الطير.

من مكاني القريب جداً من ياسين، وبفضل حواسي الخارقة والمدربة التي لم يستطع أحد كشفها، كنتُ أستطيع سماع الصوت القادم من الطرف الآخر للمكالمة بوضوح. كان صوتاً رجولياً، جهورياً، ويحمل نبرة نفوذ وسلطة طاغية تجعل أباطرة المدينة يرتجفون.

"ياسين.. أين أصبحت الشحنة؟" قال الصوت الغامض بنبرة حازمة: "الاتحاد بدأ يتحرك في الخفاء، والأوضاع السياسية في المجلس لم تعد مستقرة. تكنولوجيا 'سايبر-تيك' الجديدة يجب أن تصل إلى المرفأ رقم 9 بأمان الليلة."

اجتاح جسدي قشعريرة باردة، وتجمد الدم في عروقي فور سماع هذا الصوت! هذا الصوت.. أنا أعرفه جيداً. إنه صوت لم أسمعه منذ خمس سنوات، صوت ظننتُ أن صاحبه قد دُفن تحت أنقاض الماضي.. إنه صوت والدي!

قبضتُ على حقيبتي بقوة حتى كادت أظافري تخترق الجلد، وبذلتُ جهداً خارقاً لأمنع ملامح وجهي من الانهيار. والدي.. الرجل ذو النفوذ المرعب الذي يسيطر على خيوط العالم السفلي، لا يزال حياً! ولم يمت في ذلك الهجوم الذي قُتلت فيه أمي!

تابع والدي كلامه عبر الهاتف، وصوته يقطر بالجدية: "والأهم من الشحنة يا ياسين.. هل هناك أي أثر لابنتي الكبرى المختفية؟ البحث عنها في المقاطعات الشرقية لم يعطِ أي نتيجة. أريد تقريراً كاملاً عنها."

لمعت عينا ياسين ببريق غامض ومرعب، وتحركت عيناه الزرقاوان ببطء شديد نحو اليمين لتنظرا إليّ مباشرة وأنا جالسة بجانبه! أحسستُ كأن نظراته تخترق عظام جمجمتي.

أجاب ياسين بنبرة هادئة ومريبة: "لا تقلق يا سيدي.. رجالنا يمسحون كل مكان. وابنتك الكبيرة المختفية.. أظن أنها أقرب إلينا مما تتخيل. سأجدها قريباً جداً، وأعدك أنني سأضعها بين يديك بمجرد أن يحين الوقت المناسب."

أقفل والدي الخط، ووضع ياسين هاتفه في جيبه ببطء. كانت أنفاسي تكاد تتوقف. الصدمة كانت تزلزل كياني الداخلي: والدي حي، وعنده نفوذ كبير، وهو بيديه من طلب من ياسين البحث عني! وياسين.. هذا العملاق الأشقر الذي يجلس بجانبي، يبحث عني لصالح والدي، وهو لا يعلم أن الفتاة التي يقلب الأرض لأجلها تجلس الآن بجانبه في السيارة وتتنفس نفس الهواء!

آسيا"، ناداني ياسين فجأة بصوته العميق، فالتفتُ إليه بسرعة وأنا أحاول رسم نظرة البلاهة والخوف على وجهي.

"نعم.. نعم يا سيدي؟" قلتُ بتلعثم مصطنع.

اقترب برأسه مني قليلاً، ونظر في عمق نظاراتي السميكية وقال بابتسامة غامضة وباردة تبعث القشعريرة: "لماذا يداكِ ترتجفان هكذا؟ هل أنين العاصفة في الخارج يخيفكِ.. أم أنكِ سمعتِ شيئاً لم يكن يجدر بكِ سماعه؟"

بلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرتُ بنظرات آنا الحاقدة والغيرة تأكل ظهري من الخلف، ونظرات عمر اللعوب تراقب المشهد بفضول. كنتُ محاصرة تماماً وسط عرين هذه النخبة المرعبة.

"أنا.. أنا فقط خائفة من الذهاب للمرفأ ليلاً يا سيدي.. لم أسمع شيئاً"، كذبتُ وأنا أنظر للأرض.

في تلك اللحظة، كبح السائق مكابح السيارة فجأة معلناً وصولنا. انفتح الباب الخارجي ليظهر من خلاله فهد، الضخم ذو العضلات الفتاكة، واقفاً وسط رصيف المرفأ رقم 9، وخلفه رافعات الحاويات الضخمة وتحتها مياه البحر السوداء المظلمة.

نزل ياسين من السيارة وهيبته تسبقه، والتفت إليّ آمراً: "انزلي يا آسيا.. العرض على وشك أن يبدأ."

تنفستُ الصعداء وتحركتُ خلفه، وأنا أعلم أن هذه الليلة في المرفأ لن تكون مجرد إشراف على شحنة.. بل ستكون بداية لعبة شطرنج مميتة بين ماضيّ الذي استيقظ فجأة، وحاضري المحاصر بين مخالب هذا العملاق الأشقر وفريقه الخارق.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • رماد الأقنعة   الفصل الحادي والخمسون: غابة الظلال

    لم نكد نبتعد عن عتبة المنزل بضعة أمتار، حتى شعرتُ بأن الغابة من حولنا قد تغيرت. لم يعد الصمت الذي يلف المكان صمتاً طبيعياً، بل كان صمتاً مشحوناً، وكأن الأشجار نفسها تحبس أنفاسها.كانت الرياح تحمل صفيراً خافتاً، صفيراً لم يكن له مصدر واضح. نظرتُ إلى "ياسين" الذي كان يسير في المقدمة، عيناه كانتا تمسحان الأفق بتركيزٍ مطلق. "لا تتوقفوا،" همس ياسين، وصوته كان حاداً كالشفرة. "هناك شيءٌ يتبعنا. ليس كائناً يركض خلفنا، بل هو.. إحساسٌ بأننا مراقبون.""هل هو أحد الحراس؟" سألتُ، وقلبي ينبض بعنف.لم يلتفت ياسين، لكن "آنا" هي التي أجابت من خلفنا، وصوتها كان مشوباً بريبةٍ غريبة: "ليس الحراس المعتادين. الحراس يصدرون ضجيجاً رقمياً نستطيع رصده. هذا.. هذا مختلف. إنه أكثر هدوءاً، وأكثر تعمداً."توقفت "ميرا" فجأة، وانحنت لتفحص الأرض. "انظروا إلى أثر أقدامنا،" قالت وهي تشير إلى الأرض الموحلة. كانت آثار أقدامنا واضحة، لكن كان هناك أثرٌ آخر يتقاطع معها، أثرٌ لشيءٍ لا يمشي على قدمين، شيءٌ يزحف وكأنه ينساب بين الجذور."يجب أن نبتعد عن المسار المفتوح،" قال "عمر" وهو يسحب سلاحه، "إذا كانوا يتعقبون أثرنا، فسنقوده

  • رماد الأقنعة   الفصل الخمسون: خيوط الغبار والانتظار

    لم نعد نملك ترف التخطيط في ذلك القبو الذي تفوح منه رائحة الرطوبة والزمن العتيق. كانت "آنا" تقف عند الزاوية، يداها لا تفارقان مقبض سلاحها، نظراتها حادة ومتربصة، تخبرنا بصمتٍ أن البقاء هنا يعني حتفنا المحقق. كان التوتر يكاد يكون ملموساً، كخيطٍ مشدودٍ على وشك الانقطاع. نظرتُ إلى رفاقي: عمر، ياسين، فهد، وميرا. كانوا ينتظرون مني إشارة، يبحثون في عينيّ عن وجهةٍ أخرى، عن خلاصٍ لم نكن نملكه. وفي تلك اللحظة الفاصلة، لم يعد النظام، ولا هروبنا، ولا حتى نجاتنا هو ما يشغلني، بل كانت تلك الذاكرة المدفونة في أعماق رأسي؛ ذكرى ذلك المكان الذي بناه والدي كحصنٍ أخير."والدي،" قلتُ، وصوتٌ لم أعهده خرج من بين شفاهي، كان صوتاً قوياً ومفاجئاً حتى لنفسي. "علينا الذهاب إلى منزل والدي."ساد صمتٌ مريب. رأيتُ الدهشة تعلو وجه عمر، تلك الدهشة التي سرعان ما تحولت إلى قلقٍ نبيل. أما ياسين، فقد استقام في وقفته، وبدأت عيناه الحذرتان تتحركان كأنه يحلل جدوى هذا القرار. لم أكن قد تحدثتُ عن والدي منذ سنوات، منذ أن ابتلع النظام كل شيء، ومنذ أن صار ذكر اسمه جريمة.بدأت الرحلة. سرنا في عالمٍ يلفه صمتُ الموت؛ عالمٌ سحقتها الأ

  • رماد الأقنعة   الفصل التاسع والأربعون: مواجهة الحقائق

    وقفت آنا أمامنا، جسدها لا يزال متشنجاً، وسلاحها البدائي مصوبٌ نحو الأرض، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريقٍ حاد. لم تعد تلك الفتاة التي نعرفها؛ لقد أصبحت امرأةً تشبه شظايا الزجاج.تقدم عمر خطوة أخرى، رغم تحذيرها. قال بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالتساؤل: "آنا.. أنتِ هنا. لم أكن أظن أنكِ قد تنجين من ذلك المكان."خفضت آنا سلاحها قليلاً، لكنها لم ترخِ دفاعاتها. نظرت إلينا ببرود وقالت: "المكان؟ هل تسميه مكاناً؟ لقد كان سجناً للموت البطيء. عشتُ وحدي في الممرات المنسية، أتنفس هواءً معاد تدويره، وأراقبكم من خلال شقوق الجدران. كنتُ أرى كيف يقتلون الأمل في أعينكم، وكنتُ أتساءل في كل ليلة: هل أنتم بشرٌ حقاً، أم مجرد نسخٍ مطورة تركها النظام لتستدرجني؟"صمتٌ ثقيل خيم على المكان، لم يقطعه سوى صوت الرياح. رد عمر وهو يقترب أكثر: "نحن هنا، آنا. نحن بشر، ولحم، ودم. النظام انهار، وكل ما تبقى هو نحن. لا نحتاج للمراقبة من الظلال بعد الآن."ضحكت آنا ضحكةً جافة، خالية من أي دفيء. "الوعود في عالمنا كانت مجرد أسطر في كودٍ برمجي. لقد تعلمتُ في الظلال أن الحقيقة لا تُقال، بل تُنتزع. لقد كنتُ أحمي ظهوركم من الداخل؛ كنتُ

  • رماد الأقنعة   الفصل الثامن والأربعون: صدى الصمت

    لم تكن الحرية صاخبة كما تخيلناها. كنا نعتقد أن انهيار "أرين" سيأتي مصحوباً بانفجاراتٍ كونية أو صرخاتٍ مدوية، لكن حين سقطت آخر جدران النظام، لم نسمع سوى صوت الرياح.. رياح حقيقية، باردة، تلامس وجوهنا التي لم تعتد إلا على هواء أجهزة التكييف المفلتر.وقفتُ مع فهد، ميرا، وعمر في وسط ما كان يوماً "الموزع الرئيسي". الأرض تحت أقدامنا لم تكن معدناً مصقولاً، بل تراباً خشناً تغطيه بقايا حجارة متناثرة. نظرتُ إلى يدي؛ كانت ترتجف. لم أعد أرى تلك الأرقام الرمادية التي كانت تلاحقني في كل حركة. نظرتُ إلى فهد؛ كان يحدق في الأفق بعينين فارغتين، يحاول استيعاب أن الخريطة التي في عقله لم تعد لها أي قيمة. أما ميرا، فقد كانت ممسكة بجهازها القديم الذي أضحى الآن مجرد قطعة خردة لا حياة فيها، ملامح وجهها تترجم صدمة أعظم من صدمة الخروج: لقد انتهى دورها كـ "مخترقة"، فالعالم الجديد لا يحتاج لاختراق.وعمر.. كان عمر يقف بجانبي، يده في يدي. كان صامتاً تماماً، يراقب السماء. كانت المرة الأولى التي نرى فيها نجوماً حقيقية، لا نجوماً من إضاءة "LED" باهتة. لم يكن يسعنا الكلام، فالكلمات كانت تبدو هزيلة أمام فداحة هذا الواقع

  • رماد الأقنعة   الفصل السابع والأربعون: شقوق في جدار العدم

    كانت السماء التي رأيناها في الساحة مجرد خدعة بصرية؛ فهي لم تكن سوى عرضٍ ضوئي هائل تديره شبكة أرين لإيهام من تبقى بالخارج بأن العالم لا يزال طبيعياً. أدركنا ذلك عندما حاولنا التقدم باتجاه "الحدود"، حيث اصطدمنا بجدارٍ غير مرئي، حقل طاقة يهتز بتردداتٍ تجعل الجلد يحترق. لم نكن قد خرجنا، بل كنا قد انتقلنا فقط من سجنٍ إلى قفصٍ أكبر. "إنه يغلق المسارات،" قال ياسين وهو يمسح العرق عن وجهه، بينما كانت عيناه تجولان في جهاز التتبع الذي بدأ يطلق صفيراً مستمراً. "الحدود ليست مكاناً نصل إليه مشياً، إنها بوابة. وأرين قام بـ 'تشفير' الجغرافيا المحيطة بنا." وقفت ميرا تراقب الحقل الطاقي، ويديها لا تزالان ترتجفان من أثر الاختراق السابق. "إنه لا يريدنا أن نخرج، ليس لأننا نشكل خطراً عليه كأفراد، بل لأننا نحمل في عقولنا 'نموذجاً' لكيفية رؤية العالم بدونه. هو يخشى الفكرة، لا يخشى أجسادنا." فهد وضع يده على مقبض سلاحه، ونظر إلى الأفق الرمادي الممتد. "إذا كانت الجغرافيا مشفرة، فسنحتاج إلى 'مفتاح' لفك التشفير. وأظن أن المفتاح ليس هنا، بل في سجلات المختبر المركزي الذي انطلقنا منه. لقد عدنا إلى حيث بدأنا، لكن

  • رماد الأقنعة   الفصل السادس والأربعون: صدى الحقيقة في أروقة الفولاذ

    بينما كنا نرسم مسارنا على جدار السرداب المضيء، شعرتُ بلمسةٍ خفيفة على قلبي. كانت ذكرى شجرة التين تتردد في ذهني، وتلاشت للحظة، وحل محلها تصميمٌ صارم لا يلين. كنتُ أعلم أننا سنخوض معارك أشرس، أننا سنفقد الكثير من أحلامنا القديمة، لكنني كنتُ أعلم أيضاً أننا أصبحنا نملك الحقيقة التي ستدمر زيف النظام.في نهاية الفصل، وقبل أن نتحرك، نظرت ميرا إلى الأعلى، نحو الظلام الذي يغطي السقف، وكأنها تلمح شيئاً بعيداً. "أرين يشعر بنا الآن،" قالت بصوتٍ هادئ لا يهتز. "لقد بدأتُ في تغيير التردد، وقد لاحظ التغيير. لقد أرسل نبضات تحذيرية في الأثير. المواجهة القادمة لن تكون في الأنفاق، ستكون في عقر داره."أمسكتُ بيديها، وشعرتُ ببرودة جلدها، لكنني أحسستُ بحرارة إرادتها التي لا تقهر. لم نعد هاربين. كنا الفجر الذي بدأ يلوح في أفق هذا السجن الرقمي، وسنحرق كل شيءٍ يبني قيودنا، حتى لو اضطررنا لأن نكون نحن الوقود لهذا الحريق العظيم. انطلقنا بعدها نحو القطاع الرابع، بقلوبٍ مثقلةٍ بالذكريات، وعقولٍ مشحونةٍ بالرغبة في التغيير، مدركين أن كل خطوة تخطوها أقدامنا تقربنا أكثر من النقطة التي سيتغير فيها تاريخ المدينة إلى ال

  • رماد الأقنعة   الفصل التاسع : اختراق النطاق الاحمر

    اهتزت المدرعة التكنولوجية المصفحة بقوة إثر عبورها فوق ممر ترابي وعر عند مدخل الضاحية الشرقية، وتزامن ذلك مع وميض أحمر مفاجئ اجتاح الشاشة الرئيسية المدمجة أمامنا، ليعلن النظام بصوت آلي حاد: "تحذير: دخول النطاق الفعلي للمهمة. تم رصد تداخلات كهرومغناطيسية مجهولة المصدر".انقبض قلبي بعنف خلف ضلوعي، وشع

  • رماد الأقنعة   الفصل الثامن: اللعب مع الصياد

    تصلبتُ في مكاني تماماً، وشعرتُ بثقل يد ياسين على كتفي كأنها جبل من الجليد يضغط على أنفاسي. كانت أنفاسه القريبة جداً من أذني تنذر بالخطر، وعيناه الزرقاوان اللتان تراقبان الشاشة كافيتين لجعلي أرتكب خطأً قاتلاً. في تلك اللحظات الحرجة، كان عليّ أن أختار بين الاستسلام للذعر وكشف قناعي، أو استخدام ذكائي

  • رماد الأقنعة   الفصل السابع: ظلال المقر الميداني

    انفتحت البوابة الحديدية الضخمة تلقائياً، لتدخل سيارة القائد ياسين الفارهة السوداء مباشرة إلى المرآب تحت الأرضي للمقر الميداني الواقع على أطراف الضاحية الشرقية. كان المكان عبارة عن مبنى خرساني مهيب، محاط بأسوار إلكترونية وحراسة مشددة كأنه ثكنة عسكرية سرية تدار منها العمليات المظلمة للنخبة. ترجل ياسي

  • رماد الأقنعة   عنوان الفصل السادس: خيوط اللعبة واختبار الثقة

    انطلقت السيارة الفارهة تخترق عتمة الليل، والهدوء داخلها كان خانقاً وثقيلاً كالملح. كنتُ أجلس في المقعد الأمامي بجانب ياسين، الذي كان يقود ببرود تام وعيناه الزرقاوان القاتمتان مثبتتان على الطريق المظلم، بينما كانت يداه الضخمتان تقبضان على عجلة القيادة باسترخاء مخيف. تظاهرتُ بالانكماش على نفسي، أضغط

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status