LOGIN[بصوت: مُنى] كان الظلام الذي ابتلعني لا يشبه أي عتمة عرفتها من قبل. لم يكن ظلاماً فارغاً، بل كان ثقيلاً، لزجاً، ومحتقناً برائحة الرماد المحترق والدماء الجافة. استعدتُ وعيي ببطءٍ مؤلم. كان رأسي يطن كأن سرباً من الدبابير المتوحشة قد بنى عشه داخل جمجمتي. حاولتُ التنفس، فامتلأت رئتي بغبارٍ صخري لاذع جعلني أسعل بعنف، وكل سعلة كانت ترسل موجات من الألم الحاد عبر أضلاعي. فتحتُ عيني، لكن لم يتغير شيء. الرؤية كانت معدومة تماماً. أين أنا؟ أين المعركة؟ أين الرماح الزرقاء وصراخ الجنود؟ كان السكون يلف المكان ككفنٍ خانق. "سكون الرماد". هذا هو الوصف الوحيد لما شعرت به. لقد اختفى ضجيج المعركة، وتلاشى صوت الرماح التي تضرب الدروع. لم يكن هناك سوى صمتٍ قبوري، مرعب، وأثقل من جبال العالم العلوي كلها. تحسستُ الصخور التي كانت تغطي النصف السفلي من جسدي، وبذلتُ جهداً خرافياً لدفعها عني. كانت يداي ترتجفان، خالية تماماً من أي شرارة. لقد استنزفتُ كل قطرة من سحر الفجر، أفرغتُ وعاء روحي حتى الجفاف، وأصبحتُ الآن مجرد إنسانة عادية محطمة، في قاع أعمق شق في القارة. "زياد؟... رنا؟" همستُ بصوتٍ مشروخ، وحنجرتي تحتر
[بصوت: مُنى] لم يكن اختراق حاجز الجسد للوصول إلى الروح يشبه أي تعويذة شفاء تعلمتها في الأكاديمية. لم يكن هناك دفء، ولا هالة مقدسة تريح الأعصاب. بمجرد أن غرزتُ يديّ السحريتين في صدر إلياس، شعرتُ وكأنني أدخلتهما في بحرٍ من الزجاج المطحون والقطران المغلي. برودة "دم الظل" كانت مرعبة، برودة لا تنتمي لعالم الأحياء، بل لزوايا العدم حيث لا يوجد سوى الموت المطلق. كان الظلام يلتف حول قلبه، ليس كطفيلي سطحي، بل كجذور شجرة ملعونة تغلغلت في كل شريان، وكل وريد، وكل خيط عصبي في جسده. (لن أسمح لك بأخذه!) صرختُ في عقلي، وأطلقتُ العنان لما تبقى من "شرارة الفجر". لم أستخدم النور الذهبي كبلسمٍ شافٍ هذه المرة، بل حولته إلى شفرات من حرارة بيضاء حارقة. بمجرد أن اصطدم نوري بظلامه، اهتز التجويف الصخري بأكمله، وانطلقت صرخة من صدر إلياس لم تكن صرخته هو، بل كانت صرخة السحر الذي يُحرق. انتفض الظلام مدافعاً عن نفسه. شعرتُ بخيوط سوداء لزجة تزحف من صدر إلياس لتلتف حول معصميّ، تغرس أشواكها الوهمية في لحمي، محاولةً امتصاص طاقتي وتلويث نوري. كان الألم يمزق ذراعيّ، وكأن حمضاً كاوياً يُسكب في أوردتي، لكنني لم أتراج
[بصوت: مُنى] كانت برودة التجويف الصخري تزحف إلى عظامي، لكنها لم تكن تقارن بالصقيع الذي احتل قلبي وأنا أتأمل الخراب الذي صنعته أيدينا. الصمت هنا لم يكن علامة على الأمان، بل كان عزفاً بطيئاً لموتنا المحتوم. في هذه المساحة الضيقة، كانت عائلتي تلفظ أنفاسها الأخيرة. زياد ممدد على الأرض، وجهه الشاحب يميل إلى الزرقة، وبركة الدماء الداكنة تحته تتسع لتلتهم الغبار الصخري. صدره العريض الذي كان يوماً درعنا الذي لا يُقهر، أصبح يرتفع ويهبط ببطءٍ مرعب، وكأنه ينسى كيف يتنفس. رنا، أميرة التنانين الفخورة، كانت تجلس بجواره كجثة حية، دموعها الصامتة تحفر مسارات على وجهها المغطى بالرماد، وذراعها تتدلى بجانبها بزاوية غير طبيعية. ساري يرتجف في الزاوية، يتقيأ دماً أسود مع كل سعلة، ومنال غائبة عن الوعي تماماً، بالكاد ينبض عرق في رقبتها. نظرتُ إلى يديّ. كانتا ملطختين بدماء أصدقائي، خالية من أي وميض ذهبي، ميتة وباردة. لقد أفرغتُ كل قطرة من سحري، وعصرتُ روح منال حتى آخر قطرة، وتركنا زياد ورنا يُسحقان تحت الأقدام... كل هذا من أجل ماذا؟ من أجل أن نمنح الحياة لغرباء، لطلاب أُرسلوا لقتلنا. لقد لعبنا دو
[بصوت: مُنى]كانت الرماح الزرقاء تهبط نحو جسد زياد المنهار كحكم إعدام لا يقبل الاستئناف. لم يكن هناك وقت للبكاء، ولم يكن هناك وقت للصراخ. كل ما رأيته في تلك اللحظة المجمدة من الزمن هو الدماء التي غطت قائدنا، والعيون البيضاء الفارغة التي توشك على إزهاق روحه.في خضم هذا الرعب، التقطت عيناي تفصيلاً صغيراً غيّر مسار المعركة.خلف حلقة الجنود الذين يحيطون بزياد، كان يقف جندي أطول قامة، يرتدي عباءة داكنة فوق درعه، ولا يشارك في الهجوم المباشر. كان يرفع يده، ومن كفه تنبعث خيوط سحرية سوداء دقيقة، ترتبط كخيوط العنكبوت بأعناق الجنود المهاجمين. الختم المنقوش على عنق هذا الجندي لم يكن بحجم العملة المعدنية كالباقين، بل كان يغطي نصف رقبته ويمتد إلى فكه، ينبض بظلامٍ كثيف ومقزز.إنه "العقدة المركزية"! قائد الفرقة الذي يربط الكاهن الأعظم تعاويذ الطاعة من خلاله ليتحكم في البقية."منال!" صرختُ بأعلى صوتي، وشددتُ على يدها بقوة كادت تكسر أصابعها. "القائد في الخلف! الختم الأكبر! إذا طهرناه، سينكسر الرابط عن البقية!"نظرت منال إلى حيث أشرت، ورغم أن عينيها كانتا شبه مغلقتين من فرط الإرهاق، إلا أن ومضة م
[بصوت: ساري] كان العالم حولي يدور في دوامة لزجة من الأصوات المكتومة والظلال الضبابية التي ترفض التبلور. كنتُ أسمع رنين السيوف الذي يصم الآذان، وصرخات الألم المكتومة، وصوت اللهاث الثقيل، لكنني لم أكن أقوى على فتح عيني. استنزاف سحر الفراغ في البداية كان قد سحب كل قطرة طاقة من جسدي، تاركاً إياي كقشرة فارغة ملقاة في الزاوية، أنتظر الموت الذي بدا أرحم من هذا العجز. لكن رائحة الدماء الصدئة التي اقتحمت أنفي، وصوت مُنى الباكي، أجبرا عقلي على العودة إلى الوعي قسراً. فتحتُ عيني بصعوبة بالغة، لتتجلى أمامي لوحة مرسومة من الجحيم الخالص. زياد كان يقف وحده كقلعة محطمة على وشك الانهيار، درعه ممزق وملتوي، والدم يغطي نصفه السفلي بالكامل، يصد ضربات أربعة جنود في وقت واحد ببطء مميت. رنا كانت تزحف على الأرض محاولة حماية منال ومُنى اللتين سقطتا من شدة الإعياء ولم تعودا قادرتين على الوقوف. (لا... لا يمكنني البقاء هنا كجثة تتعفن بينما هم يتمزقون لحمايتي.) حفرتُ أصابعي في الصخر البارد حتى تكسرت أظافري، وأجبرتُ ذراعي المرتجفتين على دفع جسدي الثقيل للأعلى. وقفتُ مترنحاً، أستند إلى الجدار البارد كي لا أسقط
[بصوت: زياد] كان الألم يمزق جانبي الأيسر كشفرة مسننة من الجليد تُغرس وتُسحب مع كل نفسٍ ألتقطه. الجرح الذي خلفه الرمح الأزرق في بطني لم يكن عميقاً بما يكفي لتمزيق أحشائي وإنهائي على الفور، لكنه كان ينزف بغزارة لا ترحم. كنتُ أشعر بالدم الساخن ينسدل على ساقي، يتسرب داخل حذائي العسكري ليجعل خطواتي ثقيلة، لزجة، ومترنحة. في المعارك العادية التي خضتها في حرس الشمال، عندما تُجرح بهذه الطريقة، يفرز جسدك غريزياً جرعة هائلة من الأدرينالين النقي؛ غضب أعمى يدفعك لتجاهل الألم وسحق خصمك وإنهاء التهديد فوراً قبل أن تنزف حتى الموت. لكن هنا، في قاع هذا الجحيم الملعون، كان عليّ أن أكبح غريزة البقاء تلك بكل ما أوتيت من قوة إرادة. كان عليّ أن أتلقى الطعنة، وأبتلع الألم الذي يمزق أعصابي، ثم أطرح طاعني أرضاً برفقٍ نسبي كي لا أكسر عنقه أو أحطم جمجمته. كانت هذه هي العقوبة الأقسى التي تفرضها علينا الرحمة. اندفع نحوي جنديان جديدان من فوق التل الركامي. كانا يتحركان بتزامنٍ آلي مرعب، عيونهما البيضاء لا ترمش، ورماحهما موجهة بدقة نحو صدري. لم أعد أمتلك القوة لرفع درعي الفضي عالياً؛ لقد أصبح وزنه كجبل من الرصاص







