LOGIN[بصوت: زياد]كرااااك!لم يصمد جدار الجليد الأسود الذي صنعه إلياس سوى لثوانٍ معدودة. تناثرت شظاياه في الهواء كزجاجٍ مكسور تحت ضربات فؤوس ورماح الجنود الخمسة، لينفتح الطريق أمامهم مجدداً. تراجعتُ خطوة للخلف رافعاً درعي، لأتلقى الصدمة الأولى من هجومهم الكاسح.كانت جدران التجويف الصخري تضيق علينا كقبرٍ يُغلق ببطء. لم تكن هذه معركة نعتز بها في كتب التاريخ، بل كانت انتحاراً بطيئاً، وطريقًا دموياً نحو هلاكنا المحتوم، كل ذلك باسم الرحمة.كيف تقاتل عدواً لا يشعر بالألم، لا يكترث للتعب، ولا يتردد لحظة واحدة في غرس نصل رمحه في قلبك، بينما أنت مقيدٌ بأخلاقك، ترفض توجيه ضربة قاتلة له؟ كان الجنود الأطفال يهاجموننا بضراوة آلات القتل المبرمجة. رماحهم الزرقاء المضيئة كانت تندفع نحو صدورنا وأعناقنا، وكنا نكتفي بالصد، والدفع، وتلقي الكدمات.تلقيتُ ضربة قوية بمقبض فأسٍ على كتفي، تلتها طعنة رمح انزلقت على حافة درعي الفضي لتترك جرحاً طولياً في ساعدي. تجاهلتُ الألم ودفعتُ الجندي للخلف بقوة، لكنه عاد في نفس الثانية ليهاجمني بنفس الشراسة.إلى جانبي، كانت رنا تعيش جحيماً من نوع آخر. أميرة التنانين، التي اعتادت
[بصوت: رنا]لم يكن الركام الذي أسقطه زياد كافيًا لمنع كابوس العالم العلوي من ملاحقتنا، بل كان مجرد فاصل زمني لالتقاط أنفاسنا في سباقٍ نحو الموت.سرنا في العتمة لساعات، نتخبط في جدران السراديب كأشباحٍ فقدت طريقها للآخرة. كان الهواء يزداد برودة مع كل خطوة نخطوها نحو قاع الشق، وبرغم ذلك، كانت قطرات العرق البارد تغطي جبيني. كنت أسمع لهاث منال المتقطع خلفي، وأشعر بثقل خطوات زياد وساري وهما يجران جسد إلياس المنهار.(إلى متى يمكننا الهرب في هذه المتاهة الملعونة؟ لا طعام، لا راحة، وسحرنا لا يمكن استخدامه خوفًا من كشف موقعنا... نحن نتحول إلى فرائس تنتظر حتفها.)فجأة، انشق الصمت المحيط بنا بصوت انهيار صخري قريب جدًا. لم يأتِ الصوت من الخلف حيث تركنا الركام، بل من ممرٍ جانبي يتقاطع مع مسارنا!"تشكيل دفاعي!" صرخ زياد بصوتٍ أجش، دافعًا إلياس نحو الجدار ومستلاً سيفه في حركة واحدة.لم يكد ينهي جملته حتى انبعث نورٌ أزرق شاحب من الممر الجانبي، واندفعت نحونا فرقة استطلاع من "جيش الدمى". كانوا خمسة جنود فقط، تسللوا عبر شقوق الجبل الجانبية وتجاوزوا فخ الركام. لكن في مساحة لا تتجاوز المترين عرضًا، وفي حال
[بصوت: زياد]كان الظلام في هذه السراديب السفلية كثيفاً لدرجة أنني شعرت به يلتصق بجلدي كطينٍ لزج. لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان كياناً يضغط على صدورنا، يعمي أبصارنا، ويضخم كل صوتٍ يصدر عنا.وزن إلياس الذي كان يتدلى بيني وبين ساري كان يزداد ثقلاً مع كل خطوة. الدوق الذي كان يوماً يحمل هموم قارة بأكملها على كتفيه، أصبح الآن يجر قدميه جراً، بالكاد يرفع رأسه، وأنفاسه تخرج متقطعة ومحملة بحرارة تنذر بالخطر.خلفنا، كان الصدى المكتوم لخطوات جيش الدمى لا يتوقف.قرع.. قرع.. قرع.إيقاعٌ عسكري منتظم، خالٍ من أي فوضى أو مشاعر، يتقدم كآلة حصاد عمياء لا تعرف التعب.(لا يمكننا الاستمرار في الركض هكذا.. سنستنزف قِوانا قبل أن نصل إلى أي مكان، وسيلحقون بنا لا محالة. يجب أن نغير قواعد الاشتباك.)توقفتُ فجأة، وسندتُ إلياس بلطف إلى الجدار الصخري الرطب. انتبه الباقون وتوقفوا، يلهثون في الظلام الحالك."توقفوا"، همستُ بصوتٍ خافت بالكاد يُسمع. "لن نستطيع مواصلة الهرب منهم بهذه الطريقة، خصوصًا مع إصابة إلياس. علينا أن نتوقف هنا ونحوّل هذا المكان إلى نقطة دفاع عمياء."سمعتُ صوت رنا الخافت بالقرب مني: "بماذا سنداف
[بصوت: مُنى] كانت قاعة "دهليز الختم" تغرق في صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يشبه السكينة التي نعرفها، بل يشبه هدوء المقابر الجليدية بعد مجزرة مروعة. ذرات الغبار الفضي التي كانت يوماً أرواح أجداد إلياس لا تزال معلقة في الهواء الكثيف، تتلألأ في عتمة المكان كشواهد قبور مضيئة، تتساقط ببطء لتستقر على ملابسنا ووجوهنا. رائحة السحر المحترق والرماد كانت تخنق أنفاسي، لكن المنظر أمامي كان يخنق روحي. في المنتصف، كان إلياس راكعاً على الأرضية الحجرية القاسية، منحنياً على نفسه كجبلٍ تصدع وانهار من الداخل. أنفاسه المتقطعة، التي تشبه اختناق رجل يغرق، كانت الصوت الوحيد الذي يكسر وحشة المكان. تقدمتُ نحوه بخطواتٍ بطيئة ومترددة، أخشى أن أوقظ ذلك الوحش الكامن تحت جلده والذي أباد أجداده للتو. نزلتُ على ركبتي بجواره، ولمستُ كتفه برفق، فانتفض وكأنني جمرة من نار لامست جلده العاري. رفع رأسه إليّ. كانت عيناه الرماديتان محمرتين، فارغتين من أي كبرياء عهدته فيه، ولا تعكسان سوى انكسارٍ مرعب وذنبٍ يسحقه. "لم أستطع إيقافه يا مُنى..." همس بصوتٍ مبحوح، يرتجف من القهر والعجز. "لقد قتلهم... قتل ما تبقى من شعبي... وأنا كنت مج
[بصوت: إلياس]تركنا الجسر الزجاجي خلفنا، ومع كل خطوة نخطوها أعمق، كان الهواء يزداد برودة وثقلاً، حتى تحول إلى ضباب رمادي كثيف يلتصق بالجلد.انتهى بنا المطاف أمام بوابة حجرية عملاقة محطمة، تفضي إلى قاعة شاسعة محفورة في قلب الجبل. لم تكن مجرد كهف، بل كانت أشبه بمعبدٍ قديم نُهب ودُمر منذ آلاف السنين. كانت الأرضية مغطاة بطبقة كثيفة من الرماد، والجدران تحمل بقايا نقوش تشبه تلك التي رأيناها في الكهف الكريستالي. نحن الآن في "دهليز الختم"... الغرفة التي تسبق سجن الكيان مباشرة.وفجأة، بدأ الرماد تحت أقدامنا يرتجف.انبعث من الأرض ضوءٌ فضي باهت، وتجمع الرماد المتناثر ليتشكل في هيئات بشرية شفافة. العشرات من الأطياف نهضت من سباتها، تحمل رماحاً ودروعاً متهالكة.تراجعت رنا خطوة للوراء، وأشعلت نيرانها، بينما سحب زياد سيفه ووقف في المقدمة. لكنني وقفت متسمراً في مكاني، وعيناي تتسعان في صدمة شلت كل أطرافي.لم تكن هذه وحوشاً من الهاوية... لقد رأيت هذا الدرع من قبل في مخطوطات عائلتي. رأيت هذا الشعار المحفور على صدورهم؛ شعار "الشمس المكسوفة". هؤلاء لم يكونوا أعداء. هؤلاء كانوا "قبيلة الرماد"... أجداد
[بصوت: زياد]غادرنا الكهف الكريستالي، وتركنا خلفنا آخر بقعة آمنة في هذا الجحيم. كلما تعمقنا في السراديب الحلزونية الضيقة التي تقودنا لأسفل، كان الهواء يزداد ثقلاً، محملاً برائحة الكبريت واليأس القديم.كقائد عسكري، لطالما كانت وظيفتي الأولى هي قراءة ساحة المعركة، لكن الأهم من ذلك، قراءة جنودي. لقد حاربتُ كتفاً بكتف مع إلياس في صقيع الشمال، وأعرف إيقاع سيفه، وأعرف تماماً كيف أصبح قتاله بعد أن ارتبط بمُنى. كانا معاً قوة لا تُقهر؛ نورها يمهد الطريق، وظلامه يضرب كالرعد. تناغمٌ أسطوري يغني عن ألف سيف.لكن اليوم؟ كان هناك شيء مكسور بينهما.تعرضنا لهجوم مباغت من "زواحف الشق"؛ كانت عبارة عن مخلوقات صخرية عمياء تعتمد على الصوت. في العادة عندما كنا نتعرض للهجوم، كانت مُنى تطلق ومضة من سحر الفجر لتعميها وتشتتها، بينما يندفع إلياس لحسم الأمر. لكن هذه المرة، تسمرت مُنى في مكانها، ويداها ترتجفان وهي تحاول استدعاء نورها وكأنها تخشى أن يلامس سحرها ظلاله.في ذات الوقت لم ينتظر إلياس هجوم مني و اندفع وحده كعاصفة هوجاء نحو هذه الوحوش. لم تكن تحركاته محسوبة أو تكتيكية كما عهدته، بل كانت عشوائية، غاضبة، وم