Teilen

شروخ في جدار الجليد

last update Veröffentlichungsdatum: 29.05.2026 07:53:14

​الجزء الثاني: شروخ في جدار الجليد

​مر الأسبوع الأول لآدم في شركة السيوفي كأنه معركة صامتة. كانت نايا تراقب كل تحركاته عبر كاميرات المكتب، وتنتظر بفارغ الصبر سقطة واحدة منه لتثبت لنفسها أن مثاليته وأخلاقه ليست سوى قناع زائف. لكن آدم كان كالصخرة؛ يأتي قبل الجميع، يوجه العمال والمهندسين بابتسامه وأدب جم، ويحل أعقد المشكلات الهندسية بهدوء عجيب، مما جعله يكسب حب واحترام كل من في الموقع خلال أيام معدودة. وهذا بالذات ما كان يثير حنق نايا.

​في يوم الثلاثاء، قررت نايا أن تضع حداً لهذا المثالية. استدعت آدم إلى مكتبها في وقت متأخر من المساء، وكان المبنى قد خلا تقريباً من الموظفين. عندما دخل، كانت تجلس وخلفها أضواء المدينة المتلألئة، وألقت أمامه بملف ضخم بغضب متعمد:

​"مهندس آدم، ما هذا الإهمال؟ لقد علمت أنك قمت بتأجيل صب الخرسانة في الجناح الشرقي للمشروع لمدة يومين! هل تعرف كم تكلفني الدقيقة الواحدة من التأخير؟"

​وقف آدم أمام مكتبها، ولم تهتز شعرة واحدة من ثباته. أرجع يديه خلف ظهره وقال بنبرة هادئة ورزينة:

​"نعم يا آنسة نايا، أعلم تماماً. التأخير يكلف حوالي عشرة آلاف دولار يومياً. لكن صب الخرسانة في ظروف الطقس السيئة والأمطار التي هطلت أمس كان سيؤدي إلى شروخ مستندة في الأساسات بعد سنوات، مما قد يهدد حياة السكان. أنا لا أبني جدراناً لتموت فوق أصحابها، أنا أبني سمعة شركة."

​صكت نايا على أسنانها، وقامت من مقعدها وتقربت منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة. كانت تريد أن تستخدم طولها وهيبتها لتخيفه، وقالت بنبرة هامسة مشبعة بالتهديد:

​"السمعة هي ما أقرره أنا هنا. في عالمي، الخسارة المادية هي الموت. أنا طلبت التنفيذ فوراً، وأنت خالفت أوامري لتلعب دور البطل الإنساني. هذا تمرد لا أسمح به في مؤسستي."

​نظر آدم في عينيها الحادتين. لأول مرة، اقترب خطوة إضافية، لدرجة أنها شعرت بأنفاسه الهادئة. لم يكن في عينيه خوف، بل كان هناك مزيج غريب من التحدي والعمق الذي لم تفهمه. قال بصوت منخفض ومؤثر:

​"أنا لم أتمرد عليكِ يا آنسة نايا. أنا أحمي عملكِ، وأحميكِ أنتِ شخصياً من عواقب كارثة مستندة. القسوة قد تدير شركات، لكنها لا تبني أمجاداً دائمًا. هناك فرق بين القائد والطاغية."

​نزلت الكلمة الأخيرة كالصاعقة على نايا. "طاغية؟" لم يجرؤ أحد طوال حياتها على وصفها بهذا الوصف في وجهها. رفعت يدها بغضب وأشارت إلى الباب وهي ترتجف من الانفعال:

​"اخرج من مكتبي! صب الخرسانة سيبدأ غداً في الفجر، وإذا لم أجدك في مقدمة الموقع، اعتبر نفسك مطروداً وملاحقاً قانونياً بتهمة التعطيل العمد للأعمال."

​انحنى آدم برأسه بكل أدب، وكأن شيئاً لم يكن، وقال:

​"تصبحين على خير، آنسة نايا." وغادر الغرفة هادئاً كما دخل.

​بقيت نايا واقفة في مكانها، أنفاسها متلاحقة، وقلبها ينبض بسرعة غريبة لم تعهدها من قبل. لم يكن نبض غضب فحسب، بل كان شعوراً غامضاً بالارتباك. هذا الرجل لم ينكسر أمامها، ولم يقل أدبه أيضاً. لقد واجه إعصارها بهدوء جعله يبدو هو الأقوى وهي الأضعف في تلك المواجهة.

​في الفجر، كانت الأمطار لا تزال تهطل خفيفة، والبرودة تنهش العظام. وصلت سيارة نايا الفارهة إلى موقع البناء، وترجلت منها وهي ترتدي معطفاً أسود طويلاً، لتتأكد بنفسها من تنفيذ أوامرها. كانت تتوقع أن تجد الموقع في حالة فوضى، أو أن تجد آدم قد انسحب.

​لكن المفاجأة كانت بانتظارها. كان آدم هناك بالفعل، يقف وسط الوحل تحت المطر، يرتدي خوذة الأمان السترة الفسفورية، ويساعد العمال بيده في توجيه رافعات الخرسانة. لم يكن يصرخ فيهم، بل كان يشجعهم ويدفع معهم. وعندما رأى عاملاً كبيراً في السن يرتجف من البرد، نزع آدم وشاحه الصوفي الخاص ووضعه حول رقبة العامل بابتسامة حانية.

​وقفت نايا تراقب المشهد من بعيد. لسبب ما، تجمدت في مكانها ولم تستطع التقدم لصرخ فيهم كما خططت. رأت في آدم شيئاً نقياً، شيئاً افتقدته في حياتها المليئة بالغدر والمصالح. لأول مرة، شعر جدار الجليد حول قلبها بشرخ صغير جداً.. شرخ اسمه الإعجاب.

​في تلك الأثناء، التفت آدم ولمحها واقفة تحت مظلتها تراقبه. التقت أعينهما وسط رذاذ المطر. ابتسم لها آدم ابتسامة دافئة ومهذبة، ثم عاد لعمله. لم تكن نايا تعلم أن تلك الابتسامة خلفها عقل يخطط بدقة مرعبة، وأن كل حركة يقوم بها، وكل لمسة نبل يظهرها، هي جزء من شباك حريرية ينسجها حولها بعناية، ليوقعها في فخ لن تخرج منه حية عاطفياً.

​تحرك آدم نحو الآلات، وهمس لنفسه والوحل يغطي حذاءه:

​"الخطوة الأولى نجحت.. الجليد بدأ يذوب، وعما قريب ستطلبين أنتِ الأمان في حضن الشخص الذي سيأخذ كل شيء منكِ

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • رماد التمرد   الرماد الساخن و صدمة الحقيقة العارية

    الجزء الثاني والعشرون: الرماد الساخن وصدمة الحقيقة العارية​كان الصمت في مكتب نايا بالطابق الأربعين قد تحول إلى ما يشبه الصمت الذي يسود زنزانة الإعدام. غابت كل أصوات المدينة الصاخبة في الأسفل، ولم يعد يُسمع في الأرجاء سوى الحفيف الخافت للأوراق الصفراء القديمة التي كانت نايا تقلبها بأصابع أصبحت فجأة باردة كالموت. كان الضوء البرتقالي الذي يتدفق من النوافذ الزجاجية العملاقة ينعكس على وجهها، مبرزاً تحول ملامحها من الاسترخاء والدفء الذي عاشته ليلة أمس مع آدم، إلى ذهول جاف وصدمة شلت حركتها بالكامل.​وقعت عيناها الحادتان على الصفحة الأخيرة من التقرير الهندسي المؤرخ قبل عشر سنوات؛ التقرير المشؤوم الذي أقر بوجود عيوب بنيوية مفتعلة في "برج السيوفي القديم"، والذي كان الخنجر المسموم الذي استخدمته عائلة الراوي لفرض غرامات دولية حطمت كبرياء والدها، وأصابته بالشلل والجلطة التي قادته إلى القبر.​لم تكن الصدمة في تفاصيل التقرير، بل كانت في أسفل الصفحة... هناك، حيث يقع خان التوقيع والختم للهندسي المعتمد.​كان الخط واضحاً، حاداً، وبحبر جاف أسود لم يبهت رغم السنين. الاسم المكتوب تحت التوقيع كان: "المهندس

  • رماد التمرد   ملاذ الفسق و عاصفة الماضي المكتوم

    ​الجزء الحادي والعشرون: ملاذ الغسق وعاصفة الماضي المكتوم​بعد انتهاء تلك الجولة العنيفة من كسر العظام بين آدم وألكسندر الميرغني، بدأت شمس العاصمة تنسحب ببطء نحو الأفق، تاركة خلفها شفقاً أحمر قانياً يذكر بركود الدماء بعد المعارك. في تلك الليلة، لم ترغب نايا في العودة إلى قصرها الكبير البارد، ولم يشأ آدم أن يتركها وحدها تواجه هواجس المستقبل. قررا معاً الابتعاد عن صخب الأبراج الزجاجية وملاحقة الصحفيين، واستقلا سيارة آدم المتواضعة متوجهين نحو بيت ريفي صغير يمتلكه آدم على أطراف المدينة، يطل على بحيرة هادئة تحيط بها أشجار الصفصاف.​كان هذا البيت هو ملاذه السري، المكان الوحيد الذي لم تصله لوثات المال والسياسة.​عندما وصلا، كانت الأجواء الشتوية قد أضفت على المكان مسحة من السحر والغموض. ترجلا من السيارة، وكانت نسمات الهواء البارد تجعل نايا ترتجف قليلاً. التفت إليها آدم، وبعفوية مليئة بالحنان والرجولة، خلع معطفه الأسود الطويل ولفه حول كتفيها الصغيرين. نظرت إليه نايا بعيون تلمع بالامتنان والعشق، وأحكمت إغلاق المعطف حول جسدها، مستنشقة رائحته المألوفة التي تبث في روحها الأمان المطلق.​أمسك آدم بيد

  • رماد التمرد   كسر العظام و لعبة الحافة الحادة

    ​الجزء العشرون: كسر العظام ولعبة الحافة الحادة​ساد جمود مرعب في الجناح الملكي، وبدا وكأن الهواء نفسه قد تجمد بين آدم الشافعي والسير ألكسندر الميرغني. كانت الكلمات التي ألقاها آدم عن ثغرة مشروع دبي الجيولوجية تدور في رأس ألكسندر كشفرات حادة مزقت بروده البريطاني المصطنع. خبت الابتسامة الساخرة تماماً من وجه ألكسندر، وتحولت عيناه الرماديتان إلى كتلتين من الجمر الحارق. تراجع خطوة إلى الوراء، ووضع كأسه على الطاولة ببطء شديد، لكن أصابعه كانت ترتجف بشكل غير ملحوظ بفعل الصدمة.​نظر ألكسندر إلى آدم بتمعن، ولأول مرة منذ دخوله العاصمة، لم يرَ في آدم مجرد مهندس محلي يحاول حماية حبيبته، بل رأى فيه خصماً عبقرياً قادراً على تدمير إمبراطورية بناها في لندن طوال سنوات بضربة هندسية واحدة. تنهد ألكسندر بعمق، وحاول استجماع هدوئه الدبلوماسي، وقال بنبرة صوت خفيضة لكنها تقطر سماً:​"أنت تلعب لعبة خطيرة جداً يا مهندس آدم... لعبة الحافة الحادة. مشروع دبي يمثل شراكة مع حكومات وجهات دولية، ونشر تقرير هندسي كاذب أو مشكك في سلامة التربة قد يودي بك خلف القضبان بتهمة التشهير وتخريب المصالح الاقتصادية الدولية."​خطا

  • رماد التمرد   شطرنج المشاعر و حصار العاصمة

    الجزء التاسع عشر: شطرنج المشاعر وحصار العاصمة​لم يكن السير ألكسندر الميرغني رجلاً يتراجع أمام العقبات، بل كان يرى في التحديات وقوداً لذكائه البارد. بعد خروجه من برج السيوفي، لم يتوجه إلى الفندق الفاخر الذي حجز فيه الجناح الملكي، بل أمر سائقه بالتوجه مباشرة إلى مقر السفارة البريطانية في العاصمة. جلس في المقعد الخلفي لسيارته المصفحة، ينظر إلى شوارع المدينة المزدحمة عبر الزجاج الداكن، وعقله يشتغل كآلة حاسبة دقيقة. صورتان لم تفارقا خياله منذ ليلة أمس: صورة نايا السيوفي بكبريائها الطاغي وعينيها اللتين تشتعلان بالتمرد، وصورة آدم الشافعي بنبرته الحادة وغيرة الأسد التي بدت في عينيه لحماية امرأته.​قال ألكسندر لنفسه بصوت خافت ونبرة بريطانية واثقة:​"آدم الشافعي... أنت ذكي ونبيل، وتظن أن إثبات تزوير والدكِ سينقذ الموقف. لكنك لا تعلم أنني لا أحارب بالورق القديم فقط، بل أحارب بنفوذ يمتد من لندن إلى هنا. والأهم من ذلك... أنني سآخذ نايا منك، ليس لأنها جزء من الإمبراطورية، بل لأنها المرأة الوحيدة التي جعلت صقر لندن يشعر بالهزيمة قبل أن تبدأ المعركة."​عند وصوله إلى السفارة، التقى ألكسندر بعدد من كب

  • رماد التمرد   صقر لندن و ظلال الغيرة الحارقة

    ​الجزء الثامن عشر: صقر لندن وظلال الغيرة الحارقة​كانت قاعة الاستقبال الخاصة بالطيران الخاص في مطار العاصمة تتألق تحت الأضواء الحديثة، لكن الأجواء بداخلها كانت باردة وجادة. حطت الطائرة النفاثة السوداء الفاخرة القادمة من لندن، وتحركت نحو المهبط الخاص بها بهدوء يشبه هدوء الأفاعي قبل الانقضاض. لم تمضِ سوى دقائق حتى انفتح باب الطائرة، وترجل منها رجل يجسد في ملامحه وحركاته الهيبة البريطانية الصارمة والغموض الشرقي الحاد؛ إنه "سير ألكسندر الميرغني".​كان ألكسندر يرتدي حلة رسمية رمادية مصممة في أرقى دور الأزياء في لندن، ومعطفاً طويلاً من الكشمير الأسود يضفي على قامته الطويلة وصدره العريض هيبة مرعبة. شعره الأسود مصفف بدقة، وعيناه الرماديتان الحادتان كعيني صقر جارح كانتا تقلبان الأوراق في يده ببرود تام. لم يكن يبدو عليه أنه ابن غير شرعي هارب، بل كان يتحرك كملك جاء ليسترد عرشاً يخصه. خلفه كان يتحرك طاقم ضخم من المحامين البريطانيين والمستشارين الدوليين، يحملون حقائب جلدية مليئة بالوثائق والمستندات القانونية.​صعد ألكسندر في سيارته المصفحة، ونظر إلى مدير أعماله قائلاً بنبرة صوت عميقة، هادئة، وتتحد

  • رماد التمرد   ترميم الرماد و ظلال التحدي الأخير

    ​الجزء السابع عشر: ترميم الرماد وظلال التحدي الأخير​كانت خيوط الشمس الدافئة تنساب عبر نافذة الشقة القديمة في الحي الشعبي، محولةً ذرات الغبار المتطايرة في الهواء إلى نقاط ذهبية تلمع حول آدم ونايا. في تلك اللحظة، كان الزمن قد توقف تماماً بالنسبة لهما. العناق الذي جمع بينهما لم يكن مجرد التقاء لجسدين أتعبتهما الحروب الصامتة، بل كان أشبه بالتحام جبهتين عسكريتين قررتا فجأة إلقاء السلاح وإعلان السلام فوق أرض محروقة. كان صوت أنفاس نايا المتهدجة، الممزوجة بشهقات البكاء الخفيف، يتردد في أركان الغرفة متناغماً مع دقات قلب آدم السريعة والقوية.​تراجعت نايا ببطء، لكن يديها ظلتا متمسكتين بياقة معطف آدم الأسود وكأنها تخشى أن يختفي إذا تركته. نظرت في عينيه العميقتين، ورأت فيهما ذلك الدفء القديم الذي ظنت أنه احترق في قاعة المؤتمرات، لكنه عاد الآن أكثر عمقاً ونضجاً. مسح آدم بسبّابته دمعة متمردة كانت تقف على وجنتها الشاحبة، وقال بصوته الرخيم الذي يحمل بحّة حزن دافئة:​"نايا... الرماد الذي تسببنا في صنعه طوال الأشهر الماضية لا يمكن أن يختفي في ليلة واحدة. أنا أعلم أن جرح الثقة غائر، وأن عودتي إلى حياتكِ

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status