Share

رماد التمرد
رماد التمرد
Author: Oum saif

عرش من زجاج

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-05-29 07:46:34

​الجزء الأول: عرش من زجاج

​لم تكن نايا السيوفي مجرد اسم في سوق العقارات والمقاولات، بل كانت إعصاراً يتحاشى الجميع الوقوف في طريقه. في سن الثامنة والعشرين، كانت تمتلك عيوناً كالصقر، حادة ولا ترحم، وملامح جميلة لكنها جامدة كالتماثيل الرخامية. بالنسبة لها، المشاعر هي بضاعة الخاسرين، والرحمة هي نقطة ضعف يستغلها الأعداء.

​في ذلك الصباح العاصف، كانت نايا تقف خلف مكتبها الزجاجي العملاق في الطابق الأربعين، تراقب المدينة من الأعلى وكأنها تملكها. دلفت سكرتيرتها بخطوات ترتعد، وهي تحمل ملفاً أزرق:

​"آنسة نايا... المهندس الجديد الذي طلبته لإدارة مشروع 'البرج الأيقوني' وصل، وهو ينتظر بالخارج."

​لم تلتفت نايا، وظلت نظراتها معلقة بالأفق وهي تقول بصوت حاد كالشفرة:

​"ألم أخبركِ أنني لا أحب الانتظار؟ دعه يدخل، وإذا لم يعجبني عرضه في الدقائق الثلاث الأولى، يمكنكِ إبلاغ الأمن بطرده."

​تراجعت السكرتيرة بسرعة، ودخل بعد ثوانٍ رجل لم يكن يشبه أي شخص وظفته نايا من قبل. كان آدم الشافعي. طويل القامة، بملامح رجولية هادئة، يرتدي حلة بسيطة لكنها أنيقة للغاية. لم تكن في عينيه تلك النظرة الخائفة أو المرتبكة التي تراها نايا عادة في أعين الرجال الذين يقابلونها. بل كان يشع منه هدوء غريب، وطاقة إيجابية ونبل يظهر في مشيته وثباته.

​التفتت نايا إليه، ونظرت له من أسفل إلى أعلى بنظرة استعلاء، ثم جلست خلف مكتبها وقالت وهي تشير إلى الساعة:

​"أمامك دقيقتان ونصف. أرني ما لديك، ولا تضيع وقتي بالكلام الإنشائي."

​ابتسم آدم ابتسامة هادئة، لم تكن تحمل أي تحدٍ، بل كانت ابتسامة ثقة وتهذيب جمّ. تقدم ووضع الملف أمامه، ثم قال بصوت رخيم ومريح للأذن:

​"صباح الخير يا آنسة نايا. الوقت ثمين، ولذلك لن أتحدث عن سيرتي الذاتية، بل سأتحدث عن الثغرة التي أنقذتُ بها مشروعكِ من الانهيار القانوني والهندسي قبل نصف ساعة فقط."

​قطبت نايا حاجبيها. ساد الصمت في الغرفة، لكن آدم استمر في الشرح ببراعة، مستخدماً لغة الأرقام والمنطق التي تعشقها. طوال ربع ساعة، لم يقاطعها، ولم يظهر أي تذمر من نظراتها القاسية أو أسلوبها الجاف عندما كانت تقاطعه بأسئلة تعجيزية. كان يجيب بمنتهى الأدب، مستخدماً عبارات راقية تعكس أخلاقاً رفيعة ندر وجودها في هذا الزمن.

​حين انتهى، أغلقت نايا الملف بقوة أصدرت صوتاً عالياً في الغرفة، وقالت ببرود:

​"أفكارك مقبولة. لكن أسلوبك المهذب هذا لا يصلح لشركاتي. أنا لا أدير جمعية خيرية، آدم. هنا، نأكل الكلاب لكي نعيش. هل تفهم؟"

​نظر آدم في عينيها مباشرة. لم يتراجع، بل قال بنبرة هادئة ولكنها حاسمة:

​"الأخلاق ليست ضعفاً يا آنسة نايا، بل هي القوة الحقيقية التي تحمي العمل من الانهيار الداخلي. يمكننا أن ننجح دون أن نفقد إنسانيتنا."

​ضحكت نايا ضحكة ساخرة، ووقفت قائلة:

​"سنرى كم ستصمد إنسانيتك هذه تحت إدارتي. استلم عملك من اليوم. وإذا رأيتك تتعاطف مع عامل أو تتأخر بسبب 'أخلاقك'، ستكون خارجاً."

​انحنى آدم برأسه قليلاً علامة على الاحترام، وقال:

​"شكراً لكِ على هذه الفرصة. أعدكِ بأنني لن أخيب ظنك."

​غادر آدم المكتب بخطوات واثقة. بقيت نايا واقفة، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بضيق غير مبرر. هناك شيء في هذا الرجل استفز كبريائها وتمردها. كانت تريد كسر هذا الهدوء، تريد أن تراه يغضب، يصرخ، أو يتوسل مثل البقية. لم تكن تعلم أن هذا المهندس الهادئ ذو الأخلاق النبيلة ليس سوى بداية العاصفة التي ستقتلع عرشها الزجاجي من جذوره.

​في المساء، نزل آدم إلى مرآب السيارات السفلي للمبنى. ركب سيارته، وأطفأ الأنوار. أخرج من جيبه قلادة فضية قديمة، نظر إليها بملامح تغيرت تماماً؛ اختفت الابتسامة المهذبة، وحلت مكانها نظرة قاسية ومظلمة، وعيناه تلمعان برغبة عارمة في الانتقام. همس لنفسه وهو ينظر إلى الطابق الأربعين:

​"لقد بدأت اللعبة يا نايا... سأجعلكِ تذوقين نفس الألم، قطرة بقطرة

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد التمرد   سفر العهود المشتعلة و جبروت السلالة النبيلة

    خاتمة الرواية: سفر العهود المشتعلة وجبروت السلالة النبيلة​(08:00:00 مساءً – قمرة القيادة الإمبراطورية "شبح السيادة"، على ارتفاع 45 ألف قدم فوق المحيط الهادئ)​في طريق العودة نحو العرين، حيث تخترق الطائرة الإمبراطورية النفاثة عباب السحب المخملية التي تلونت بألوان الشفق القرمزي والذهبي البارد، ساد هدوء مهيب داخل القمرة الشاسعة. لم يكن صمتاً عادياً، بل كان سكون محاربين عظام تملأ الأجواء بوقارهم النبيل ونشوة انتصارهم المطلق وسيادتهم الشاملة التي عمت أرجاء الكوكب وفضائه الرقمي والجيني والخارق.​كان صقر آدم الشافعي يقف بجسده الفاره وجبروته الرجولي الطاغي الذي لا ينحني أمام نافذة القمرة البلورية، واضعاً يده اليسرى في جيب بنطاله التكتيكي بكبرياء وهيمنة ملوكية لا تنتهي، بينما كانت عيناه الرماديتان العسليتان تتأملان الأفق الممتد برؤية ثاقبة تخرس النفوس لهيبتها وسلطانها الشامل. اقتربت منه ثريا حياته ومليكته الكحلية، الدكتورة ميرال الشافي، برشاقتها الطاغية وعنفوان أنوثتها الملكية الفاتنة المتمردة. تقدمت لتلف ذراعيها الناعمتين الدافئتين حول خاصرته العريضة وتستند برأسها المرمري النقي المتوج بالذكا

  • رماد التمرد   تحالف العهود المشتعلة

    الموسم الثالث - الجزء الثاني والعشرون: تحالف العهود المشتعلة​(04:30:00 مساءً – ساحة القتال المتجمدة، قمة جبل الجليد الشاغر، أنتاركتيكا)​كان لاهب المعركة يزداد سعاراً وسط صقيع القطب الجنوبي، والدماء النبيلة للألفا القديم تتصادم مع عنفوان الجيل الجديد بالحديد والنار الشريفة. سدد صقر آدم الشافعي لكمة تيتانيومية مدمرة هزت الهيكل العظمي للملك "لوكان الأول"، ليرتد الأخير بجبروت وحش خارق موجهاً مخالبه نحو صدر صقر العريض، ممزقاً نسيج البذلة النانوية لولا الدرع الكهرومغناطيسي الذي تبرع ميرال في إدارته بعقلها الفذ ونبوغها الذي قهر كوابيس السيليكون. كانت الدكتورة ميرال الشافي تتحرك برشاقتها الطاغية وجاذبيتها الأنثوية القاتلة كالنمر الكحلي المتمرد، تحمي ظهر قيصرها وتطلق دفقات الموجات الحرارية لشل الملكين الآخرين، لكن الطوق البيولوجي للملوك القدامى كان يزداد إحكاماً وضراوة، والنفوذ القديم بدأ يثقل كاهل الأجواء القطبية.​وفجأة... انشقت الغيوم الكثيفة المتجمدة في الأفق الشمالي عن هدير جوي مرعب زلزل القارة بأكملها! لم يكن صدى الرياح، بل كان زئير المحركات النفاثة لأسطول "السيادة المطلقة" الإمبراطوري

  • رماد التمرد   لعنة العهد القديم و ظلال الملوك القدامى

    الموسم الثالث - الجزء الحادي والعشرون: لعنة العهد القديم وظلال الملوك القدامى​(03:15:00 مساءً – قمة الجبل الجليدي المنهار، أنتاركتيكا)​لم تكن الهزة الأرضية التي ضربت أركان القارة القطبية الجنوبية مجرد تحرك للصفائح التكتونية، بل كانت زلزالاً روحياً وبيولوجياً تغلغل في أعماق الطبيعة ليعيد ترتيب موازين القوى في هذا العالم. انقشعت سحب الغبار الجليدي الأبيض، وتلاشت أصوات البوق الغامض المكتوم، لينبثق من قلب الشق المتجمد هيكل أسطوري لسفينة حربية عملاقة مصنوعة من خشب "الأبنوس" الأسود المغطى بطبقات من الذهب والبلور الكوني، والذي لم يتأثر بآلاف السنين تحت وطأة الجليد الشاغر.​كانت السفينة مغطاة بالكامل بنقوش هيروغليفية مصرية قديمة تمتزج برموز سحرية لرماد المستذئبين الأوائل. ومع تدفق الفيروس البيولوجي والنبضات الجينية التي حقنتها ميرال في النواة السيبرانية، تسببت تلك الذبذبات الترددية العالية في كسر الأختام الطاقية التي كانت تبقي "الملوك القدامى لعالم المستذئبين" (The Ancient Alphas) في سباتهم العريق ممتد الجذور.​وقف صقر آدم الشافعي بقامته الفارهة ووقاره النبيل الشامخ، محيطاً بجسد ميرال الرشي

  • رماد التمرد   مرايا الرماد و الصقيع

    الموسم الثالث - الجزء العشرون: مرايا الرماد والصقيع​(11:00:00 صباحاً – عمق 200 متر تحت سطح جليد أنتاركتيكا، القارة القطبية الجنوبية)​كان الصمت في القطب الجنوبي أشبه بكفن أبيض يلتف حول عنق العالم، لكن في أعماق الأرض، كان هذا الصمت يتلاشى ليحل محله الأزيز الحاد للطاقة السيبرانية المنبعثة من وكر الآلة. هبطت الطائرة الإمبراطورية "شبح السيادة" وسط زوبعة ثلجية عاتية، مستقرة فوق منصة جليدية وعرة نجح صقر في ترويضها بقبضته الحديدية وبراعته العسكرية الفذة التي لا تعرف المستحيل.​انفتحت البوابات الهيدروليكية للطائرة، ليتدفق صقيع أنتاركتيكا القاتل الذي يتدنى إلى ما دون ستين درجة تحت الصفر، لكنه واجه فوراً الحرارة اللاهبة للعهد الفولاذي الشريف. خرج صقر آدم الشافعي أولاً، متقدماً بجسده الفاره ووقاره النبيل الأسطوري. كان يرتدي بذلته التكتيكية السيبرانية المعالجة بالنانو، والتي توهجت خطوطها الضوئية الحمراء بقوة لتوليد حقل حراري ذاتي يحميه من التجمد، بينما استقر هاربو البلازما الفضي المطوّر في يده الدافئة القوية، وعيناه الرماديتان العسليتان تمسحان المكان بمكر فوقي حاد ونظرات سيادية تخرس النفوس لشدة

  • رماد التمرد   صدى في الجليد الشاغر

    الفصل التاسع عشر: صدى في الجليد الشاغر​لم يكن السكون الذي أعقب دويّ الانفجارات في صحراء نيفادا سكوناً عادياً، بل كان أشبه بالهدوء الذي يسبق زئير العاصفة في ليلة شاتية. داخل قمرة القيادة المدرعة، حيث تفوح رائحة الأسلاك المحترقة والحديد الساخن، التقت نظرات صقر وميرال. كانت أنفاس صقر تتصاعد ثقيلة، وصدره العريض يعلو ويهبط كجبل يرفض الانحناء، بينما انهمرت خصلات شعر ميرال الغجرية على وجهها الملطخ ببعض الرماد، وعيناها تشعان بذلك البريق الفولاذي الذي لا ينطفئ.​تنفس صقر الصعداء، وألقى بجسده الضخم إلى الخلف على المقعد الجلدي، واضعاً يده الثقيلة فوق كف ميرال الناعمة والمثبتة على لوحة التحكم الرئيسية. قال بنبرة رجولية عميقة تخالطها بحة التعب: «لقد فعلناها يا ميرال.. انتهى كابوس "أوميغا-زيرو". دُفنت الآلة اللعينة تحت أطنان من الرماد، واستعاد العهد الفولاذي سيادته التي لا تُنازع.»​ابتسمت ميرال ابتسامة باهتة، لكن ذكاءها الفذ وعقلها التحليلي كانا يمنعانها من الركون الكامل إلى الراحة. مسحت جبهتها بظهر كفها وقالت وهي تتطلع إلى الشاشات التي بدأت تنطفئ واحدة تلو الأخرى: «المعارك مع الآلات لا تنتهي برص

  • رماد التمرد   معركة نيفادا و القيامة الرقمية السطر الأخير

    ​الموسم الثاني - الجزء الثامن عشر: معركة نيفادا والقيامة الرقمية السطر الأخير​(08:00:00 صباحاً – فوق صحراء نيفادا، الولايات المتحدة الأمريكية، على متن الطائرة النفاثة الإمبراطورية "شبح السيادة")​كانت الطائرة النفاثة الشبحية ذات التصميم الهيدروليكي الأسود تخترق الغلاف الجوي فوق جبال نيفادا القاحلة بسرعة تفوق سرعة الصوت بأضعاف. من خلف النوافذ الكريستالية المقاومة للإشعاع، كان الأفق الصحراوي الممتد يبدو كبحر من الرمال الذهبية الحارقة، لكن في عمق تلك القفار، كانت "مختبرات سكايرن السرية" تقبع تحت الأرض كأفعى تكنولوجية سامة. لم يعد العدو هذه المرة بشراً من مافيا سويسرا، ولا مستذئباً من لعنة رومانيا، بل كان "أوميغا-زيرو"... الذكاء الاصطناعي الخارق الذي تولد من اندماج الوعي الكوني الأعلى بكافة الأنظمة السيبرانية للعالم، معلناً "بروتوكول القيامة الرقمية" وممسكاً بزمام الرؤوس النووية للقارات.​داخل الجناح القيادي للطائرة، ساد صمت رهيب لم تكسره سوى الهمهمات الإلكترونية لشاشات الهولوغرام التي كانت تعرض تنازلياً زمنياً قاتلاً: [04:12:35 متبقي على الإطلاق النووي الشامل].​كان صقر آدم الشافعي يقف

  • رماد التمرد   إشتعال النبض

    ​الجزء الرابع: اشتعال النبض​مضت أسابيع أخرى، وأصبحت شركة السيوفي تشهد ظاهرة غريبة؛ نايا، المرأة التي كان مجرد مرورها في الرواق ينشر الرعب، أصبحت تقف أحياناً عند مكتب آدم لتستشيره في أمور لا تخص الهندسة حتى. كانت تخلق الأعذار فقط لتسمع صوته الرخيم، ولترى تلك الابتسامة التي أصبحت بمثابة ترياق ليومها

  • رماد التمرد   شظايا الزجاج و القلب الجريح

    ​الجزء الثاني عشر: شظايا الزجاج والقلب الجريح​مرت الساعات التالية لمعركة الميناء كأنها دهر كامل على نايا السيوفي. عادت إلى مكتبها في الطابق الأربعين، لكنها هذه المرة لم تجلس خلف مكتبها بكبرياء المتسلطة، بل كانت تقف أمام زجاج النافذة العملاقة وعيناها تائهتان في أفق المدينة الغارقة في الغيوم. الأورا

  • رماد التمرد   اللعب بالنار

    ​الجزء الثالث: اللعب بالنار​بعد حادثة موقع البناء تحت المطر، تغير شيء ما في كواليس شركة السيوفي. لم تصبح نايا لطيفة فجأة، فالطباع لا تتغير بين ليلة وضحاها، لكنها توقفت عن صراخها غير المبرر في وجه آدم. أصبحت تراقبه بصمت، بنظرات مطولة تحمل الكثير من الحيرة والفضول. كانت تريد أن تفهم سر هذا الثبات ال

  • رماد التمرد   شروخ في جدار الجليد

    ​الجزء الثاني: شروخ في جدار الجليد​مر الأسبوع الأول لآدم في شركة السيوفي كأنه معركة صامتة. كانت نايا تراقب كل تحركاته عبر كاميرات المكتب، وتنتظر بفارغ الصبر سقطة واحدة منه لتثبت لنفسها أن مثاليته وأخلاقه ليست سوى قناع زائف. لكن آدم كان كالصخرة؛ يأتي قبل الجميع، يوجه العمال والمهندسين بابتسامه وأدب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status