Inicio / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (43): استنطاق الحطام

Compartir

الفصل (43): استنطاق الحطام

last update Fecha de publicación: 2026-09-12 09:54:04

شقت الطوربيدات الترددية الثلاثة طبقات المياه المعتمة في خندق المحيط كسهام متوهجة تتبع الدوامات النفاثة لمراوح الغواصة المعادية. في ذلك العمق السحيق، حيث لا ينفذ شعاع شمس وحيث تسحق الأعماق أعتى الفولاذ، انطلقت الرؤوس الحربية الموجهة لتنفجر بدقة جراحية على بعد أمتار قليلة من المؤخرة الميكانيكية للغواصة الشبحية. لم يكن الهدف تدمير بدن الضغط وإغراقها في قاع الأخدود؛ بل تمزيق زعانف التوجيه وشل محركاتها الكهرومغناطيسية بالكامل عبر موجات صدمية موجهة. دوى انفجار مكتوم في باطن المحيط، صاحبه تمزق هائل في صفائح الدفع الخارجية للغواصة المعادية، لتنحرف بعنف وتفقد اتزانها الملاحي، قبل أن تستقر متثاقلة فوق رف صخري بازلتي ناتئ على حافة الهاوية البركانية، وتغرق مقصورتها في ظلام تقني خانق يصحبه صرير مخيف لمفاصل التيتانيوم المتصدعة.

في قمرة قيادة «العاصفة 1»، ثبتت شاشات السونار السلبي صورة الهدف المشلول. كان هيكل الغواصة المعادية يفرغ فقاعات الهواء المضغوط والزيوت العازلة، بينما أغلقت أجهزة الاستشعار كافة فتحات الطوربيدات تلقائياً بعد انقطاع التغذية الكهربائية عنها.

ألقى طارق نظرة صقرية حاسمة نحو شاشة القياسات الحيوية، واشتعلت في عينيه الداكنتين شعلة الصياد الذي حاصر فريسته في أضيق جحورها. التفت نحو عمران بنبرة صوت عميقة ومزلزلة لا تحتمل التأجيل: "عمران... وجّه الغواصة بزاوية رأسية وثبّت طوق الإرساء الهيدروليكي عالي الضغط فوق فتحة النجاة العلوية لغواصتهم. جهز فريق الإسناد، والتحامنا سيبدأ خلال مائة وعشرين ثانية."

"أمرك يا ابن أخي... منظومة التثبيت المغناطيسي جاهزة للالتصاق بالبدن المعادي،" أجاب عمران وهو يحرك مقابض التحكم الدقيقة لتبدأ الغواصة في المناورة فوق الهدف المهزوم.

استدار طارق نحو خزانة التجهيزات التكتيكية، حيث كانت إلينا قد ارتدت بالفعل بزة الاقتحام المغلقة المخصصة للعمليات تحت المائية عالية الضغط. كانت البزة السوداء المصنوعة من صفائح الكيفلار وألياف التيتانيوم المرن تلتف حول قوامها الممشوق بفتنة عسكرية تجمع بين شراسة المحاربة وأناقة السيدة التي لا تنحني؛ سحبت إلينا خنجريها القتاليين وثبتتهما على خاصرتها، ثم لقمت مسدسها المائي التكتيكي الصامت من طراز «سبكتر» المطور.

اقترب طارق منها، وبدأ في تفحص صمامات الأكسجين ومثبتات خوذتها الكربونية بأصابع خشنة تحركت برفق وحرص بالغ. تلاقت أعينهما في مساحة ضيقة مشحونة بالحرارة والأدرينالين؛ مررت إلينا كفها المكسو بالجلد التكتيكي فوق صدره العريض، متتبعة صلابة درعه الفولاذي، ونظرت في عينيه الصقريتين بابتسامة دهاء ساحرة يمتزج فيها الشغف بالتعطش للقصاص: "الغواصات التي تُبنى في الخفاء تحمل عادة بروتوكولات تفجير ذاتي عند الهزيمة يا طارق... لن يمنحونا الكثير من الوقت لاستنطاق حطامهم."

أحاط طارق خصرها بذراعه القوية، جاذباً إياها نحوه بحركة حازمة ألغت كل مسافة تفصلهما، حتى لامست أنفاسه الدافئة شفتيها قبل أن يغلق القناع الواقي: "أنا لا أطلب إذناً من موتى يا إلينا... سندخل لننتزع قلب هذه السفينة وشفرات مشغليهم، ومن يحاول تفعيل صمام الإفناء سنقطع يده قبل أن تطرف عينه."

طبع قبلة سريعة وقاطعة فوق جبينها، ثم أحكم إغلاق خوذته التكتيكية، واستل بندقيته الهجومية المدمجة ذات الطلقات الفائقة في اختراق الدروع المائية.

دوى صوت التحام هيدروليكي هادر هز أرجاء «العاصفة 1»؛ كان طوق الإرساء قد أطبق فكيه الفولاذيين على فتحة النجاة العلوية للغواصة المعادية، لتبدأ مضخات التفريغ في سحب مياه البحر المعزولة وموازنة الضغط الجوي بين المقصورتين.

أضاءت الإشارة الخضراء، فأنزل طارق شعلة البلازما الحرارية المركزة، وشرع في صهر أقفال البوابة الخارجية للهدف. تطاير الشرر الأبيض كشلالات نارية وسط الدخان الخانق، وفي أقل من دقيقة، انفتحت البوابة الحديدية الثقيلة وسقطت بصرير مدوٍ إلى أسفل.

هبط طارق أولاً كالصخرة في فتحة الممر المعتم للغواصة المعادية، تتبعه إلينا بخفة نمر متأهب للافتراس. كانت الممرات الداخلية غارقة في عتمة شبه كاملة، يكسرها وميض أحمر متقطع من أضواء الطوارئ الاحتياطية، بينما اختلطت رائحة الأسلاك المحترقة والغاز العازل برطوبة مياه البحر التي بدأت تتسرب إلى قاع المقصورات السفلية بزوايا مائلة أحدثها انحدار السفينة فوق الرف الصخري.

فجأة، انطلقت نيران رشاشة من نهاية الرواق الضيق؛ كان ثلاثة من مرتزقة «الفيلق التائه» يتحصنون خلف حاجز حديدي مصفح، يرتدون بزات قتالية سوداء لا تحمل أي شارات رسمية سوى وشم الأفعى والخنجر المكسور على أعناقهم.

تحرك طارق برد فعل يفوق سرعة الإدراك؛ انحنى بجسده الفارع خلف نتوء عازل، وأفرغ دفعة نارية دقيقة من سلاحه المدمج اخترقت فجوات الدرع لتصيب اثنين من المهاجمين في مقتل، ملقية بجثتيهما في المياه المتجمعة في الممر. وفي اللحظة ذاتها، انزلقت إلينا من تحته بمرونة بهلوانية خاطفة، ورفعت مسدسها الصامت لتطلق رصاصة استقرت بين عيني الحارس الثالث قبل أن يتمكن من سحب زناد قنبلته الهجومية.

تقدما عبر الممر بخطوات محسوبة فوق الجثث المتناثرة، حتى وصلا إلى الباب الفولاذي لقمرة القيادة المركزية. لم ينتظر طارق؛ بل ركل الباب المخلوع جزئياً بضربة قدم ساحقة حطمت ما تبقى من مفاصله الهيدروليكية، مقتحماً الصرح الأخير كطود منيع لا يُرد.

في صدر القمرة المتصدعة، وسط شاشات الملاحة المهشمة وأسلاك التردد المتدلية كأحشاء ممزقة، وقف قائد الغواصة؛ رجل خمسيني أشيب الشعر، ذو ندبة عميقة تشق وجهه من أذنه إلى فكه، يرتدي سترة بحرية داكنة خالية من الرتب، ويحاول بأصابع مرتعشة إدخال رمز التدمير الذاتي عبر لوحة مفاتيح يدوية مدمجة في منصة المفاعل.

اندفع طارق نحوه كالصاعقة؛ قبض بيده الفولاذية على معصم القائد ولواه بقوة خارقة هشمت عظام يده، ليصدر عنه عواء ألم مكتوم، ثم دفعه طارق بقسوة بالغة نحو المنصة الرخامية وحاصره بجسده الضخم، مغمداً فوهة مسدسه الباردة أسفل ذقنه مباشرة.

"أنت لا تملك حق الموت قبل أن تتحدث..." نطق طارق بصوت جهوري عميق زلزل أرجاء القمرة الغارقة في الدخان.

اقتربت إلينا بخطى واثقة، ونزعت خوذتها لتنسدل خصلات شعرها الحريري الداكن على كتفيها بملامح ملكية تفيض ببرود استخباراتي قاطع. انتزعت إلينا وحدة التشفير الكمومية (القرص الأسود) من قلب منصة الملاحة، ثم سلطت كشافها التكتيكي على وشم القائد، وتحدثت بنبرة رخيمة تقطر سماً: "الكوماندور فالك... الضابط المنشق عن الاستخبارات البحرية منذ خمسة عشر عاماً، والذي زعموا أنه مات منتحراً في سجن برلين. من الذي أخرجك من قبرك ومول هذه الغواصة لقطع شرايين 'رماد السطوة' في الأعماق؟"

سعل فالك دماً وارتسمت على شفتيه ابتسامة سخرية يائسة وهو يحدق في عينيها الزمرديتين: "أنتم... تظنون أنكم ملكتم العالم بمجرد إسقاط مجالس الموانئ القديمة يا ابنة فالدير... كوزلوف وفانس كانوا مجرد قشور واهية على السطح. الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد... 'مجلس الأطياف' استيقظ... وهم لا يريدون حصصاً من تجارتكم، بل يريدون محوكم عن بكرة أبيكم، وإعادة رسم خريطة العالم بالدم والرماد... قصركم في الريفيرا سيكون أول القبور!"

"مجلس الأطياف..." رددت إلينا الكلمات في سرها بتركيز بارد، وهي تشاهد تدفق البيانات المشفرة على شاشتها اللوحية بعد اختراق نظام اتصالاته. التفتت نحو طارق وقالت بنبرة قاطعة: "كل الإحداثيات، وقوائم التمويل، والخطط المشتركة لضرب موانئنا في البحر المتوسط مسجلة داخل هذا القرص... لم يعد لدينا ما نأخذه من هذا الحطام."

نظر طارق إلى فالك بنظرة صقرية خالية من الشفقة: "أبلغ مجلس أطيافك في الجحيم... أن طارق وإلينا قادمون لإحراق ظلالهم بالكامل."

بضربة خاطفة بكعب سلاحه، حطم طارق جمجمة القائد وأسقطه صريعاً فوق أجهزته المعطلة، منهياً حياة رأس فرقة الأعماق.

سحب طارق إلينا برفق وسرعة نحو ممر النجاة، بينما بدأت صفارات الإنذار النهائية تصيح محذرة من انهيار جدار المفاعل الداخلي للغواصة المهزومة. صعدا بخفة عبر طوق الإرساء ليعودا إلى متن «العاصفة 1»، وانفصلت الغواصة الإمبراطورية في اللحظة المناسبة، متراجعة إلى الوراء في مياه المحيط.

ومن خلف النوافذ الزجاجية المعززة، شاهدا الغواصة المعادية وهي تنفجر داخلياً تحت وطأة الضغط الساحق، لتتحول إلى كتلة من الحديد الملتوي وتستقر في قاع الخندق كشاهد صامت على نهاية الجولة الأولى.

في مقصورة القيادة لـ «العاصفة 1»، نزع طارق خوذته وجذب إلينا إليه بحرارة وشغف، محيطاً إياها بذراعيه الفولاذيتين ليتنفسا معاً راحة النصر وسط أعماق العالم، بينما قالت إلينا وهي تضع القرص المسترد في يد عمران: "مجلس الأطياف فتح أبواب الجحيم يا طارق... وعلينا أن نكون النيران التي تلتهمهم."

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • رماد السطوة   الفصل (43): استنطاق الحطام

    شقت الطوربيدات الترددية الثلاثة طبقات المياه المعتمة في خندق المحيط كسهام متوهجة تتبع الدوامات النفاثة لمراوح الغواصة المعادية. في ذلك العمق السحيق، حيث لا ينفذ شعاع شمس وحيث تسحق الأعماق أعتى الفولاذ، انطلقت الرؤوس الحربية الموجهة لتنفجر بدقة جراحية على بعد أمتار قليلة من المؤخرة الميكانيكية للغواصة الشبحية. لم يكن الهدف تدمير بدن الضغط وإغراقها في قاع الأخدود؛ بل تمزيق زعانف التوجيه وشل محركاتها الكهرومغناطيسية بالكامل عبر موجات صدمية موجهة. دوى انفجار مكتوم في باطن المحيط، صاحبه تمزق هائل في صفائح الدفع الخارجية للغواصة المعادية، لتنحرف بعنف وتفقد اتزانها الملاحي، قبل أن تستقر متثاقلة فوق رف صخري بازلتي ناتئ على حافة الهاوية البركانية، وتغرق مقصورتها في ظلام تقني خانق يصحبه صرير مخيف لمفاصل التيتانيوم المتصدعة.في قمرة قيادة «العاصفة 1»، ثبتت شاشات السونار السلبي صورة الهدف المشلول. كان هيكل الغواصة المعادية يفرغ فقاعات الهواء المضغوط والزيوت العازلة، بينما أغلقت أجهزة الاستشعار كافة فتحات الطوربيدات تلقائياً بعد انقطاع التغذية الكهربائية عنها.ألقى طارق نظرة صقرية حاسمة

  • رماد السطوة   الفصل (42): شبح الأعماق المظلمة

    في سحيق المحيط الأطلسي الشمالي، حيث يبتلع الظلام الدامس كل أثر للضوء منذ فجر التاريخ، وحيث يتحول وزن المياه إلى ضغط ساحق يبلغ ثلاثمائة ضعف الضغط الجوي المعتاد، كانت الغواصة التكتيكية الشبحية «العاصفة 1» تنزلق في صمت مطبق عبر خندق صخري بركاني مجهول المعالم. لم تكن هذه الغواصة كغيرها من القطع البحرية التابعة لأساطيل الدول التقليدية؛ بل كانت تحفة تكنولوجية فائقة السرية، شُيد هيكلها من طبقات مزدوجة لسبائك التيتانيوم المعزز بألياف البوليمر الماصة للموجات الصوتية، وتعتمد في حركتها على محرك دفع هيدروديناميكي مغناطيسي عديم المراوح، يجعلها تسبح في بطن المحيط كشبح أسود لا تلتقطه مجسات السونار ولا ترصده رادارات المسح الترددي.في مقصورة القيادة التكتيكية المركزية للغواصة، كانت الإضاءة خافتة تغشاها مسحة من اللونين القرمزي والأزرق الداكن، عاكسة ملامح التركيز الصارم على وجوه طاقم من أمهر ضباط الاستخبارات البحرية. في منتصف المقصورة، أمام منصة ملاحة هولوغرافية ثلاثية الأبعاد تجسد تضاريس القاع وتعرجات الشقوق التكتونية، وقف طارق بكل ثقله وهيبته المهيبة. ارتدى بزة غوص تكتيكية مضغوطة باللون الأسود غ

  • رماد السطوة   الفصل (41) : سكون ما قبل الانفجار

    تنفس البحر الأبيض المتوسط مع أولى تباشير الفجر نسائم باردة محملة برائحة الملح وأشجار السرو المعمرة، لتزيح ببطء سحباً رمادية كانت تلف قمم الجروف الصخرية العاتية التي ينتصب فوقها قصر «لو بيلفيدير». في هذا الصباح الذي دشن فصلاً جديداً من فصول الهيمنة، بدا القصر كقلعة أسطورية تم شقها من جوف الصخر؛ لم تعد الجدران الرخامية البيضاء والأبراج العالية مجرد ملاذ حصين للاحتماء من ضربات الخصوم أو منصة انطلاق لعمليات الثأر المباغتة، بل تحولت إلى المركز العصبي الذي تتحكم شفراته في حركة الأساطيل، وممرات الطاقة، وتدفقات السيولة في أسواق القارات الخمس. كان الصمت الذي يلف المعقل صمتاً مهيباً، ثقيلاً ومحسوباً؛ ذلك النوع من الهدوء المطلق الذي لا يظفر به إلا من أبادوا أعداءهم بالحديد والنار وتركوا رماد العروش القديمة يذروه الريح.في الجناح الإمبراطوري المعلق فوق مياه الخليج، فتحت الواجهات الزجاجية البانورامية مصاريعها الهيدروليكية لتستقبل هواء البحر النقي. وقف طارق بمحاذاة الحاجز الرخامي للشرفة الشاسعة، مرتدياً بنطالاً قتالياً داكناً وقميصاً أسود من الكتان الفاخر ذا ياقة مفتوحة تبرز عضلات صدره الصلبة

  • رماد السطوة   الفصل (40) : الأفق الأبدي (الخاتمة الكبرى)

    انسدلت ستائر الشفق القرمزي فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، لتصب أمواجاً من العسجد والياقوت المذاب على حواف الصخور الشاهقة لقصر «لو بيلفيدير». كان نسيم المساء الدافئ يتهادى عبر الممرات الرخامية المعلقة، حاملاً معه أريج أشجار الغار والصنوبر البري وزهر الليمون المعتق، ليمتزج بملوحة البحر الهادئ الذي استكانت أعماقه بعد عقود من الصخب والدماء. لم تكن هناك صفارات إنذار تدوي في الأثير، ولا أصوات محركات نفاثة تزرع الرعب في قلوب الموانئ؛ بل ساد العالم صمت إمبراطوري مهيب، صمت لا تفرضه الهدنة الهشة أو المعاهدات المؤقتة، بل تصنعه السيادة المطلقة التي أحرقت كل راية تمرد، وجمعت خيوط القارات الخمس في قبضة واحدة لا تلين.في الجناح الإمبراطوري العلوي، المعلق كعش نسر بين السماء وصفحة الماء، وقف طارق أمام الواجهة الزجاجية الكبرى التي فُتحت مصاريعها على سكون الأفق اللانهائي. كان يرتدي قميصاً أسود من الحرير الإيطالي الخالص ذا أزرار فضية عتيقة، وبنطالاً كلاسيكياً يبرز طول قامته الفارهة وبنيته الجسدية التي صقلتها النيران والمعارك؛ لم يعد يحمل بندقيته الهجومية على كتفه، بل اكتفى بخنجره الفولاذي الدمشقي ا

  • رماد السطوة   الفصل (39) : عرش القارات الخمس

    ساد سكون مهيب فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، بينما كانت أشعة الشمس الذهبية تنعكس على جدران قصر «لو بيلفيدير» الشاهق كأنها تصب الذهب المنصهر فوق صخور الغرانيت والرخام الإمبراطوري. لم تكن الموانئ العالمية في تلك اللحظة تعيش يوماً عادياً؛ ففي أسواق المال في طوكيو، وهونغ كونغ، ولندن، ونيويورك، تجمدت شاشات التداول إثر الهزة الارتدادية الكبرى التي ضربت خطوط الشحن واللوجستيات الدولية. انتشرت الأنباء كالنار في الهشيم في الغرف المغلقة لأجهزة الاستخبارات: قافلة «التنين الأحمر» والمدمرات الشبحية التابعة لكبرى الميليشيات الأمنية العابرة للأطلسي قد استسلمت بالكامل في عرض المحيط، وحمولات الصواريخ وخامات الطاقة باتت راسية في أحواض صلب تابعة لقيادة «رماد السطوة». لم يعد في هذا الكوكب ركن مظلم يمكن للأباطرة القدامى الاختباء فيه؛ فالشمس التي أشرقت على قصر طارق وإلينا أعلنت بزوغ عصر جديد لا يقبل القسمة على اثنين.في القاعة الاستراتيجية العليا للقصر، ذات الأرضية الرخامية السوداء الموشاة بخطوط الذهب والنوافذ البانورامية الممتدة نحو الأفق اللامحدود، كان الهواء مشبعاً بعبق خشب الصندل، والمسك، والبخور

  • رماد السطوة   الفصل (38) : أساطيل الظل في المحيط

    زمجرت أمواج المحيط الأطلسي المفتوح كوحوش كاسرة تتلاطم بعنف في ظلمات ليل دامس لا يرحم، قاذفة برذاذ مالح بارد يرتطم بهياكل أسطول الشبح التابع لإمبراطورية «رماد السطوة». كانت الرياح الغربية تعوي بضراوة محركة سحباً ركامية هائلة حجبت ضوء القمر، بينما كانت البارجة الحربية الشبحية «المهيب»—درة الصناعات العسكرية المعدلة للقيادة الموحدة—تشق عباب المياه المتلاطمة بسرعة ثلاثين عقدة بحرية دون أن ترصدها أي رادارات تقليدية، بفضل طلائها الكربوني الماص للموجات وأجهزة التشويش الكهرومغناطيسي التي تعزلها تماماً عن الأقمار الصناعية لخصومها. لم يعد الصراع محصوراً في المضايق الساحلية للريفيرا أو موانئ بحر الشمال؛ بل انتقل الميدان إلى قلب المحيطات العالمية، حيث حاولت كارتيلات «التنين الأحمر» بالتحالف مع كبرى الميليشيات الأمنية العابرة للأطلسي إنشاء خط إمداد بحري سرّي لتطويق نفوذ طارق وإلينا وكسر احتكارهما لخطوط الطاقة والسلاح.في مركز العمليات التكتيكية المتقدم بجوف البارجة، كانت الإضاءة تتوهج باللونين القرمزي والأزرق الداكن، عاكسة ملامح التركيز الصارم على وجوه ضباط النخبة. في صدر القاعة، أمام شاشة هو

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status