Home / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (42): شبح الأعماق المظلمة

Share

الفصل (42): شبح الأعماق المظلمة

last update publish date: 2026-09-11 08:34:48

في سحيق المحيط الأطلسي الشمالي، حيث يبتلع الظلام الدامس كل أثر للضوء منذ فجر التاريخ، وحيث يتحول وزن المياه إلى ضغط ساحق يبلغ ثلاثمائة ضعف الضغط الجوي المعتاد، كانت الغواصة التكتيكية الشبحية «العاصفة 1» تنزلق في صمت مطبق عبر خندق صخري بركاني مجهول المعالم. لم تكن هذه الغواصة كغيرها من القطع البحرية التابعة لأساطيل الدول التقليدية؛ بل كانت تحفة تكنولوجية فائقة السرية، شُيد هيكلها من طبقات مزدوجة لسبائك التيتانيوم المعزز بألياف البوليمر الماصة للموجات الصوتية، وتعتمد في حركتها على محرك دفع هيدروديناميكي مغناطيسي عديم المراوح، يجعلها تسبح في بطن المحيط كشبح أسود لا تلتقطه مجسات السونار ولا ترصده رادارات المسح الترددي.

في مقصورة القيادة التكتيكية المركزية للغواصة، كانت الإضاءة خافتة تغشاها مسحة من اللونين القرمزي والأزرق الداكن، عاكسة ملامح التركيز الصارم على وجوه طاقم من أمهر ضباط الاستخبارات البحرية. في منتصف المقصورة، أمام منصة ملاحة هولوغرافية ثلاثية الأبعاد تجسد تضاريس القاع وتعرجات الشقوق التكتونية، وقف طارق بكل ثقله وهيبته المهيبة. ارتدى بزة غوص تكتيكية مضغوطة باللون الأسود غير اللامع، مفتوحة الياقة لتكشف عن عروق رقبته المشدودة وصلابة فكه المنحوت، بينما استقر سلاحه الرشاش البحري المدمج وخنجره الفولاذي في حزاميهما المصفحين. كانت عيناه الصقريتان تحدقان في شاشات الرصد الباثيمتري بجمود صخري يخفي خلفه غضباً هادراً؛ لم يكن طارق من أولئك الذين ينتظرون أن تكتمل خيوط المؤامرة، بل كان يؤمن بأن مواجهة الخطر في مهده وتحت وطأة أقصى الظروف هي القانون الوحيد لبقاء العروش العظيمة.

إلى يساره، وقفت إلينا ملتصقة بجانبه، متزنة بحركات رشيقة رغم التموج الخفي للغواصة بين التيارات الباردة. ارتدت بزة مطابقة من ألياف الكربون المشدود حددت تفاصيل قوامها الممشوق بفتنة عسكرية بالغة، بينما رُفع شعرها الليلي الداكن في عقدة محكمة أبرزت صفاء عنقها العاجي، وتدلت من أذنها سماعة اتصال رقمية مشفرة تتصل مباشرة بأقمار الاستطلاع الاصطناعية. عيناها الزمرديتان كانتا تلتمعان بنظرات حادة ومحمومة، تلاحقان قراءات أجهزة السونار السلبي ونبضات التردد الكهرومغناطيسي، بينما تحركت أصابعها الرقيقة فوق لوحة التحكم الزجاجية بسرعة استثنائية لفك شفرات التشويش السائدة في هذه الأعماق السحيقة.

تلاقت نظراتهما في تلك البقعة المعزولة عن العالم، وسرى بينهما تيار صامت من الدفء والارتباط الروحي الذي لا تزيده الأخطار إلا توهجاً؛ مد طارق يده القوية وأحاط خصرها برفق حازم ليجذبها نحوه قليلاً، وشعرت إلينا بحرارة أنفاسه التي لامست وجنتها وسط برودة هواء الأكسجين المعاد تدويره، حين نطق بصوت عميق ومبحوح: "هذا العمق مقبرة لا تسامح فيها لأي خطأ حسابي يا إلينا... من أقدم على قطع الكابل البحري في هذا الخندق كان يعلم بدقة متناهية مسار بياناتنا، ويدرك أننا لن نترك هذه الإهانة تمر دون أن ننزل بأنفسنا إلى الهاوية."

رفعت إلينا بصرها نحوه، وتألقت حدقتاها بابتسامة دهاء باردة ممتزجة بالثقة المطلقة، ووضعت يدها الرقيقة فوق صدره العريض لتستشعر نبضاته الهادئة الواثقة: "ومن نزل إلى الهاوية ليواجهنا نسي أنك وأنا صُنعنا في أتون الجحيم يا طارق. أجهزة الرصد البصري للمسبار الآلي اقتربت من نقطة القطع... انظر إلى الشاشة."

أشارت إلينا نحو الشاشة المركزية، حيث نقل المسبار الآلي المسير «الغراب الأزرق» بثاً حياً بدقة فائقة من عمق ثلاثة آلاف ومائتي متر. في بقعة الضوء الكاشف التي أطلقها المسبار وسط العتمة الأبدية، ظهر كابل الألياف الضوئية العملاق المكسو بطبقات الفولاذ والمطاط السميك ملقى فوق أرضية صخرية بازلتية. لم يكن القطع ناجماً عن اصطدام غاطسة غير مقصود أو مرساة سفينة تائهة؛ بل كانت الحواف مقطوعة بزاوية مائلة ناعمة ومحترقة جزئياً، كأنها قُطعت بواسطة شعلة بلازما حرارية تحت مائية تعمل بتقنية الليزر عالي الطاقة.

"قطع ليزري متطور للغاية..." قال عمران بصوته الخشن وهو يقترب من المنصة، حاملاً تحليلاً طيفياً للعينات التي جمعها المسبار. "هذا النوع من المعدات لا تنتجه سوى ورش عسكرية مغلقة تابعة لمشروع 'نبتون السري'، وهو مشروع مشترك تم تفكيكه ظاهرياً بعد سقوط حلف وارسو ومجلس العائلات القديم. لكن الأمر لا يتوقف هنا... المسبار التقط مجساً أسطوانياً صغيراً مثبت بالصخور بجوار الكابل المقطوع."

وجهت إلينا عدسة المسبار نحوه، فظهرت أسطوانة من التيتانيوم الأسود تومض بنبضة خضراء متقطعة كل خمس ثوانٍ، محفورة عليها علامة مألوفة جعلت الدماء تتجمد في عروق المشهد: أفعى تلتف حول خنجر مكسور؛ رمز «الفيلق التائه»، الذراع العسكرية بالغة السرية التي كانت تنفذ أقذر الاغتيالات لكبار أمراء الحرب في بحار الشرق وأوروبا قبل ثلاثين عاماً، والتي اعتقد الجميع أنها تلاشت باندثار قادتها.

"الفيلق التائه لم يمت..." همست إلينا بصوتها الرخيم الحاد، ولمعت عيناها ببرود مميت. "لقد أعاد أحدهم بعثهم من المقابر، ومولهم بأحدث تكنولوجيا الأعماق... هذه ليست مجرد رسالة قطع اتصالات يا طارق، هذا فخ تكتيكي تم نصبه لاستدراج غواصتنا إلى هذه النقطة بالذات."

وقبل أن يرتد صدى كلماتها، انطلقت صافرات الإنذار السلبية في قمرة القيادة بنغمة متقطعة حادة ومرعبة.

صاح ضابط السونار بصوت مضطرب: "سيدي! اتصال سوناري مباغت! بصمة مائية مجهولة تخرج من التجويف البركاني عند الزاوية مائة وثمانين... غواصة هجومية غير مسجلة تقترب بسرعة أربعين عقدة، وتفتح بوابات الطوربيدات المغناطيسية!"

تصلبت عضلات طارق في كسر من الثانية، وتحول وجهه إلى قناع من الصلب الخالص؛ أزاح كل تردد جانباً وتقدم نحو لوحة التوجيه القتالي بحركات خارقة السرعة، متولياً زمام القيادة المباشرة بصوت جهوري مزلزل ملأ أرجاء الغواصة: "عمران! أطلق سحابة الشراك الخداعية الصوتية فوراً! غيّر زاوية الجنيحات إلى أربعين درجة هبوطاً، وادفع المحرك المغناطيسي إلى أقصى طاقته الاندفاعية لننزلق في بطن الأخدود الصخري!"

انطلقت «العاصفة 1» كالسهم في تجويف الهاوية، بينما أطلقت الغواصة المهاجمة طوربيدين فائقين يعملان بنظام التوجيه السلكي عبر تجاويف الموجات فوق الصوتية. انشق صمت الأعماق بفقاعات هائلة وصوت محركات الطوربيدات المقتربة كعواء ذئاب جائعة.

وقفت إلينا بجانب طارق، ممسكة بقبضة المقعد التكتيكي لتثبت جسدها وسط المناورة العنيفة، بينما كانت أصابع يدها الحرة ترسل نبضات كهرومغناطيسية مضادة عبر جهاز الإرسال الخارجي للغواصة لتعطيل دارات التوجيه للطوربيدين: "الطوربيد الأول يبتعد باتجاه الشراك الصوتية... لكن الثاني أعاد الإغلاق الحراري على ذيل الغواصة! المسافة بيننا وبينه ستمائة متر فقط!"

التفت طارق نحوها، وتلاقت عيناه الصقريتان بعينيها في لحظة موت محقق، فرأى فيها نفس الشجاعة الجامحة والجنون الواثق الذي جمعهما في أخطر المعارك. ابتسم طارق ابتسامة خطيرة تنضح بالسطوة والتحدي، وأمسك بعصا التحكم بالدفع اليدوي، هاتكاً كل قواعد الأمان الملاحي: "إلينا... تمسكي بي جيداً!"

جذب طارق عصا التحكم بحركة عكسية مفاجئة، ليجعل الغواصة الضخمة تستدير حول محورها بزاوية شبه عمودية مستندة إلى حافة الجدار البازلتي، ثم أطلق طوربيداً مضاداً من فئة «الرمح المائي» في مواجهة مباشرة مع الطوربيد المعادي.

في عمق ثلاثة آلاف متر، انفجر المقذوفان على مسافة مائتي متر فقط من هيكل الغواصة، محدثين موجة صدمية تضاغطية هائلة هزت أعماق الأطلسي بعنف، وقذفت بالغواصة «العاصفة 1» نحو هوامش الأخدود وسط صرير مرعب لمفاصل التيتانيوم وتطاير شرارات كهربائية من بعض لوحات التوزيع الثانوية.

احتضن طارق إلينا بذراعه الفولاذية محيطاً جسدها بالكامل ليحميها من الارتطام، حتى استقر جسد الغواصة بعد ثوانٍ بدت كأنها دهر.

ارتفعت أنفاسهما المتلاحقة في سكون المقصورة بعد نجاة استثنائية من موت محقق. رفعت إلينا رأسها عن صدره، وتلاقت أعينهما في مسافة منعدمة تشع بحرارة النصر والأدرينالين الملتهب؛ مسح طارق خصلة من شعرها المبتل بالعرق عن جبينها، وطبع قبلة حارقة وقاطعة فوق شفتيها أكدت بقاءهما معاً فوق كل هاوية.

استعادت إلينا وقارها سريعاً، ورمقت شاشة السونار التي رصدت ارتباك الغواصة المهاجمة بعد فشل كمينها: "لقد كشفوا موقعهم يا طارق... إنهم يلتفون للهروب نحو الخندق الجنوبي."

أمسك طارق بميكروفون التوجيه الهجومي، وخرج صوته كصاعقة قادمة من أعماق الأرض: "الذئاب لا تفلت فرائسها في الماء... عمران، أطلق ثلاثي الطوربيدات الترددية وانسف مراوح دفعهم الخلفية؛ لا تترك هذا الشبح يخرج من ظلمات هذا القاع حياً."

انطلقت طوربيدات «العاصفة 1» تشق المياه المظلمة كقدر محتوم، لتعلن بدء مطاردة الموت في أعماق المحيط، وافتتاح أولى معارك الجزء الثاني بالحديد والنار والسيادة التي لا تقهر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد السطوة   الفصل (58): خيوط المؤامرة الأخيرة

    عادت الغواصة «قاهر الظلمات» لتستقر في الحوض الجاف الصخري أسفل قصر «لو بيلفيدير» مع انبلاج خيوط فجر ندي غسل زرقة البحر الأبيض المتوسط برذاذ فضي نقي. انحسرت مياه البحر الهادرة عبر البوابات الفولاذية العازلة بصرير هيدروليكي مهيب، مخلّفة سحباً من الأبخرة البيضاء ورائحة الملح المركز، بينما اصطفت كتائب «حراس العهد» على الأرصفة الخرسانية ببنادقها المجهزة في انضباط فولاذي صارم. لم يكن النصر في هاوية سوندا السحيقة نهاية المطاف، بل كان استئصالاً لقلب الخطر البيولوجي قبل أن ينفث سمومه؛ غير أن الجسد المتفرع لحلف الأيتام كان لا يزال يمتلك أطرافاً تتحرك في عواصم الظل، تتغذى على حسابات سرية معقدة وشركات أمنية وهمية أُسست خصيصاً لتنفيذ الانتقام بعد سقوط الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف.صعد طارق وإلينا عبر المصعد الصخري الصاعد نحو الجناح الإمبراطوري العلوي بخطوات هادئة تنضح بالجبروت واليقظة. كان طارق قد استبدل بزة الغوص بقميص أسود من القطن المعالج يلتصق بصدره العريض وساعديه المفتولين، بينما استقر خنجره الفولاذي الدمشقي في غمده الجلدي على خاصرته، وعيناه الصقريتان الداكنتان تفيضان ببرود مفترس يبحث عن

  • رماد السطوة   الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

    انحدرت الغواصة الاستراتيجية للأعماق السحيقة «قاهر الظلمات» كحوت تيتانيومي أسود في أحشاء المحيط الهندي، مخترقة طبقات المياه المظلمة نحو قاع خندق "سوندا" على عمق أربعة آلاف ومائتي متر تحت سطح البحر. في هذا السديم المائي المعزول، حيث لا يجرؤ أدنى بصيص من ضوء الشمس على التسلل منذ الأزل، كان وزن المحيط يشكل ضغطاً هيدروستاتيكياً ساحقاً يهدد بسحق أعتى الدروع الفولاذية في رمشة عين، بينما تصاعدت من الشقوق التكتونية السفلية أعمدة دخان كبريتي ومياه مغلية تقذفها الفوهات البركانية الحرارية كجحيم مستعر في قاع الصقيع. لم تكن هذه البقعة مجرد هوة جيولوجية منسية في خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المعقل الأكثر عزلة لمشروع «البرزخ الأسود»، حيث تم تشييد محطة الأبحاث «نيكسوس-سوندا» داخل تجويف بازلتي محمي بحقول ألغام مغناطيسية ومجسات رصد صوتي ترصد دبيب حركات القاع.في مقصورة القيادة المتقدمة للغواصة، خيم ضوء قرمزي شاحب امتزج بأزيز أجهزة تنقية الأكسجين ورنين نبضات السونار السلبي. وقف طارق كطود صخري لا تزعزعه أهوال الأعماق؛ ارتدى بزة غوص تكتيكية مصفحة بصفائح ألياف الكربون المعالجة بالتيتانيوم السائل لمق

  • رماد السطوة   الفصل (56): يقظة البرزخ المظلم

    مرت سبعة أشهر على ميلاد «آدم»، واستكانت مياه البحر الأبيض المتوسط تحت شمس ربيعية دافئة غمرت شرفات قصر «لو بيلفيدير» بضياء عسجدي وهاج. بدا القصر الإمبراطوري الرابض فوق الجرف الصخري الشامخ كقلعة أسطورية صلبة حفرتها يد القدر لتكون منارة السيادة للعالم الجديد؛ لم تعد البوارج الحربية الشبحية تجوب مياهه في حالة تأهب قتالي مستمر، بل اصطفت على مسافات محسوبة كحراس عملاقة تنفث وقار القوة المفرطة، بينما كانت حركة التجارة العالمية تجري في المضايق الدولية بنظام ساعاتي محكم يخضع بالكامل لشفرات وضوابط منظومة «رماد السطوة». خيل للعواصم الكبرى ولغرف التجارة أن الكوكب دخل أخيراً في عصر الاستقرار الأبدي بعد احتراق الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف، لكن القمم الشاهقة التي تصنع الملوك تدرك دائماً أن أشد أنواع الخطر ضراوة ليس ذلك الذي يزمجر بالمدافع في وضح النهار، بل الذي يتخلق في صمت مطبق داخل الأرحام المظلمة للمؤسسات المندثرة.في الجناح الإمبراطوري العلوي، حيث تتداخل نسائم البحر الرطبة مع أريج زهر البرتقال وأشجار السرو المحيطة بالحدائق المعلقة، وقفت إلينا بجوار مهاد عاجي فاخر مرصع بالذهب وخشب الأبنوس، تت

  • رماد السطوة   الفصل (55): ميلاد العهد الجديد

    تهادت زرقة البحر الأبيض المتوسط في صبيحة خريفية دافئة، لتغسل أمواجها الهادئة قواعد الجرف الصخري الشامخ لقصر «لو بيلفيدير»، حيث استقرت أساطيل الحماية التابعة لقيادة «رماد السطوة» في تشكيلات بحرية مهيبة ترسم حدود العاصمة السرية للعالم الجديد. لم تعد الممرات المعلقة في القصر تشهد صخب بنادق الاقتحام أو رنين أجهزة الإنذار التكتيكية؛ بل ساد المكان هدوء ملكي فاره، تتخلله حركة دبلوماسية استثنائية لم تشهد لها القارة مثيلاً منذ قرون. في المرفأ الخاص المنحوت في الصخر، اصطفت مروحيات الوفود الرسمية وسفن الدبلوماسيين القادمين من عواصم آسيا، وأوروبا، والأمريكتين، بعد أن خضع كل وفد لإجراءات تفتيش بيومترية دقيقة أشرف عليها قادة «حراس العهد»، ليجتمعوا تحت سقف واحد للتوقيع على المعاهدة الشاملة التي خطتها أيدي المنتصرين بعد سحق آخر أطياف مجلس الظل في جنيف.في الجناح الإمبراطوري الشرقي، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر الحريرية العاجية، لتلقي بظلالها الوارفة على أرضية خشب الساج المعتق والمفروشات المخملية الفاخرة. وقفت إلينا أمام الواجهة الزجاجية الكبرى المطلة على البحر؛ ارتدت فستاناً أسطوري

  • رماد السطوة   الفصل (54): فجر النظام الأبدي

    تنفس فجر جنيف البارد دخاناً أسود كثيفاً تصاعد من أنقاض قصر «لو بريزيدينسيال»، ليشهد العالم السري واحدة من أعنف الهزات في تاريخه الحديث؛ هزة لم تسجلها مقاييس الزلازل الجيولوجية، بل رصدتها خوادم غرف العمليات المغلقة في واشنطن، وبكين، ولندن، وموسكو. في غضون أسبوعين فقط، تهاوت الرؤوس السبعة التي حكمت الكوكب من وراء أقنعة الظل لأكثر من نصف قرن؛ سقط دراكوف في الكاربات، وميداس في كومو، وكروغر في بحر البلطيق، ويانوس في محافل جنيف، ورافاييل في أودية الأندلس، وشتاينر في صقيع بيرنغ، وصولاً إلى اللورد سيباستيان مورغان—«أوريون»—الذي احترق عرشه الأخير في وضح الفجر. تجمدت أسواق المال المشبوهة، وانسحبت خلايا المرتزقة من بؤر النزاع الإقليمية كفئران مذعورة أدركت أن جحورها باتت مكشوفة، بينما خيم وجوم مرعب على أجهزة الاستخبارات الدولية؛ لم يعد هناك مجلس أطياف يدير دفة النزاعات، بل صار هناك سيدان مطلقان لا شريك لهما في السيادة على هذا الكوكب: طارق وإلينا.حطت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» فوق المهبط الصخري السري المعلق في خاصرة جرف قصر «لو بيلفيدير». تلاشت عواصف الثلوج وأمطار الشمال الباردة

  • رماد السطوة   الفصل (53): عرش أوريون في جنيف

    هطلت أمطار جنيف الخريفية كشلالات باردة من الرصاص المذاب، تغسل أرصفة ضاحية "كولوني" الأرستقراطية وتلف قصورها الرخامية بغلالة رمادية كثيفة من الضباب الرطب العالق فوق مياه بحيرة "ليمان". كانت شوارع المدينة الدبلوماسية غارقة في هدوء مخادع، إلا أن قصر «لو بريزيدينسيال» الشاهق، الرابض على تلة حرجية معزولة تشرف على صفحة الماء والضفاف المقابلة للحدود الفرنسية، كان يعيش استنفاراً غير مرئي للعين المجردة. لم تكن هناك مدرعات تجوب الحديقة أو جنود بزيهم الرسمي؛ بل انتشر حول الأسوار الحجرية العتيقة خمسون عنصراً من نخبة "الحرس الأسود"، مدججين بأسلحة كهرومغناطيسية ونظارات رؤية بيومترية متصلة بغرف التوجيه المركزية، بينما جابت أسراب من الطائرات المسيرة فائقة الصغر فضاء القصر، تحميه من أي تسلل بري أو جوي. هنا، في هذا الحصن المنيف الذي توارثته عائلات الظل لأكثر من قرن، جلس رأس الأفعى الأخير: "الإمبراطور أوريون"، البارون الأكبر والمهندس الحقيقي لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي نسج خيوط المؤامرة، ومول كارتيلات الشمال، ووجّه حروب القارات الخمس دون أن تُلتقط له صورة واحدة في سجلات العالم العلني.في قبو صخري مه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status