Home / الرومانسية / رماد العهود / الرجل الذي يعرف الحقيقة

Share

الرجل الذي يعرف الحقيقة

last update publish date: 2026-07-28 23:04:04

الرجل الذي يعرف الحقيقة

وقفت ليان أمام آدم الشامي للحظات، غير قادرة على تفسير ما تسمعه. كان صوته هادئًا، لكن عينيه كانتا تحملان خوفًا حقيقيًا، وكأنهما رأتا ما لا يجب أن يراه أحد.

قالت وهي تشد حقيبتها إلى صدرها:

"من أنت؟ ولماذا تتدخل في حياتي؟"

تنهد آدم وأعاد بطاقته الصحفية إلى جيبه.

"اسمي آدم الشامي، صحفي استقصائي. ومنذ ثلاث سنوات أحقق في قضية قديمة ظن الجميع أنها انتهت، لكنها في الحقيقة لم تبدأ إلا الآن."

عقدت حاجبيها.

"وما علاقتها بسليم؟"

نظر إليها طويلًا قبل أن يجيب:

"كل شيء."

ساد صمت ثقيل بينهما، قطعه صوت سيارة مرت مسرعة في الشارع.

قال آدم:

"لا أستطيع أن أخبرك بكل شيء هنا."

"ولماذا أثق بك؟"

ابتسم ابتسامة باهتة.

"لا أطلب منك الثقة... بل أطلب منك الحذر."

ثم سلّمها بطاقة صغيرة.

"إذا احتجتِ إلى معرفة الحقيقة، اتصلي بي."

استدار وغادر، تاركًا ليان تقف وحدها تحت ضوء المصباح الخافت، تحمل بطاقة في يد، ورسالة مجهولة في اليد الأخرى.

في صباح اليوم التالي، كان سليم أول الواصلين إلى دار البيان. دخل مكتبه وفتح حاسوبه، لكن قبل أن يبدأ عمله، وجد ظرفًا بنيًا موضوعًا فوق مكتبه.

فتح الظرف بسرعة.

في داخله صورة قديمة.

تجمدت ملامحه.

كانت الصورة تضم أربعة أشخاص يقفون أمام منزل ريفي قديم.

تعرف على نفسه وهو طفل في العاشرة من عمره.

وتعرف على الرجل الذي يقف خلفه... والده.

لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقه هو الطفلة الواقفة إلى جانبه.

كانت ليان.

أسفل الصورة، كُتبت عبارة بخط أحمر:

"لن تستطيع الهرب من الماضي إلى الأبد."

قبض على الصورة بقوة حتى تجعدت بين أصابعه.

دخل يزن الكيلاني في تلك اللحظة.

لاحظ اضطراب سليم.

"ماذا حدث؟"

ناولَه الصورة بصمت.

قرأها يزن، ثم شحب وجهه.

"مستحيل... من احتفظ بهذه الصورة؟"

أجاب سليم بصوت خافت:

"الشخص الذي بدأ يحرك الخيوط من جديد."

في الوقت نفسه، كانت ليان تحاول التركيز في مراجعة إحدى الروايات، لكن عقلها كان مشغولًا بكلام آدم.

هل كان يكذب؟

أم أن سليم يخفي فعلًا ماضيًا مظلمًا؟

دخلت ريم وجلست على طرف المكتب.

"هل أنت بخير؟"

ابتسمت ليان بصعوبة.

"أشعر أنني دخلت قصة بوليسية دون إرادتي."

ضحكت ريم.

"أنت تقرئين روايات كثيرة."

لكن ليان لم تضحك هذه المرة.

بعد انتهاء الدوام، اتجه آدم إلى الأرشيف الوطني في مدينة الصفواء، حيث كان يحتفظ بنسخ من الصحف القديمة.

استقبله الموظف العجوز بابتسامة.

"عدت تبحث في القضية نفسها؟"

أومأ آدم.

"أحتاج ملفات الحريق الذي وقع قبل عشرين عامًا في قرية عين الوادي."

اختفت الابتسامة عن وجه الرجل.

"تلك القضية أُغلقت."

"أعرف."

"ولماذا تعيد فتحها؟"

قال آدم وهو ينظر إلى رفوف الملفات:

"لأن هناك أشخاصًا ما زالوا يدفعون ثمنها."

بعد دقائق، حصل على الملف.

وبين الأوراق الصفراء، وجد تقريرًا قديمًا يحمل عبارة أثارت دهشته:

"عدد الضحايا: ثلاثة."

لكنه يعلم يقينًا أن الضحايا كانوا اثنين فقط.

أعاد قراءة التقرير مرة أخرى.

ثم همس:

"إذن... هناك شخص اختفى من السجلات."

في مساء اليوم نفسه، كانت المرأة الغامضة التي رآها الجميع مع سليم تجلس في شرفة منزلها الفخم.

اسمها كارما ناصر.

كانت تقلب كأس العصير بين يديها عندما دخل رجل يرتدي ملابس سوداء.

قال:

"عاد آدم للتحقيق."

ابتسمت كارما بهدوء.

"كنت أعلم أنه لن يتوقف."

"هل نمنعه؟"

هزت رأسها.

"لا."

نظر إليها باستغراب.

أكملت:

"دعه يقترب أكثر... عندما يعرف نصف الحقيقة، سيظن أنه عرفها كلها."

في تلك الليلة، لم تستطع ليان مقاومة فضولها أكثر.

أخرجت بطاقة آدم من حقيبتها، واتصلت به.

رد بعد الرنة الثانية.

"كنت أعلم أنك ستتصلين."

قالت مباشرة:

"أريد أن أعرف الحقيقة."

ساد صمت قصير، ثم قال:

"غدًا... الساعة الخامسة مساءً."

"أين؟"

"مكتبة النهضة القديمة."

"لماذا هناك؟"

"لأنها المكان الوحيد الذي لا يتوقع أحد أن نلتقي فيه."

وقبل أن تسأله سؤالًا آخر، أغلق الخط.

أغلقت ليان هاتفها، لكنها لم تكن تعلم أن شخصًا ما كان يراقب شرفتها من السيارة المتوقفة في الجهة المقابلة.

رفع ذلك الشخص هاتفه وأجرى اتصالًا قصيرًا.

قال بصوت منخفض:

"لقد تواصلت مع آدم."

ثم ابتسم ابتسامة باردة وأضاف:

"حان وقت الخطوة التالية."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد العهود    حين ينقشع الرماد

    ساد الصمت داخل المستودع بعد اعتراف كارما. كانت الدموع تملأ عينيها وهي تنظر إلى الوجوه التي حملت آثار عشرين عامًا من الخوف والأسئلة. قالت بصوت متهدج: "لم أكن أريد قتل أحد... أقسم بذلك." أغلقت عينيها للحظة، ثم تابعت: "كنت أريد إحراق ملفات الشركة فقط، قبل أن تصل إلى الشرطة. كنت أظن أن الجميع غادر المنزل، لكن النار خرجت عن السيطرة." نظر إليها فارس بحزن. "ولهذا اختفيتِ كل هذه السنوات؟" هزت رأسها. "لم أهرب من الشرطة... كنت أهرب من نفسي." تقدم آدم خطوة إلى الأمام. "لكن من كان يقود شبكة الفساد؟" ساد الصمت. ثم نظر فارس إلى سليم وقال: "حان الوقت لتعرف الحقيقة." اتجهت الأنظار كلها نحوه. قال بصوت هادئ: "والدك، مروان الراوي، لم يكن رجلًا شريرًا عندما بدأ." تجمد سليم في مكانه. أكمل فارس: "الشركة كانت على وشك الإفلاس، وخشي أن يخسر كل ما بناه. بدأ بتزوير بعض العقود ظنًا منه أنه سيصلح الأمر لاحقًا... لكنه تورط أكثر فأكثر، حتى أصبح أسيرًا لأخطائه." قال آدم: "ثم اكتشف سامر الحقيقة." أومأ فارس. "سامر رفض أن يكون شريكًا في الجريمة، وجمع الأدلة، وقرر تسليمها ل

  • رماد العهود     الاعتراف الأخير

    توقفت الطلقات فجأة. ساد صمت ثقيل داخل المستودع، حتى إن الجميع أصبح يسمع أنفاس الآخر. تقدم فارس ببطء نحو النافذة المحطمة، ثم قال بصوت ثابت: "لن تطلقي النار... لأنك لا تريدين موتهم." جاء صوت كارما من الخارج، يحمل هدوءًا غريبًا: "لا أريد موتهم... بعد." ارتجفت ليان. كانت هذه المرأة تظهر دائمًا وكأنها تسبق الجميع بخطوة. لكن هذه المرة بدا وكأنها هي من كتبت القصة منذ بدايتها. --- بعد لحظات، انفتح الباب الحديدي ببطء. دخلت كارما وحدها. لم تحمل سلاحًا. كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، وشعرها مربوط بعناية، وملامحها هادئة على نحو أثار قلق الجميع. توقفت في منتصف المستودع. نظرت إلى فارس. ثم قالت: "مر عشرون عامًا... ولم تتغير." ابتسم فارس بمرارة. "بل تغير كل شيء." نظرت إلى سليم. ثم إلى ليان. وأخيرًا إلى يزن. "كبر الأطفال..." قالها وكأنها تتحدث عن أشخاص تعرفهم منذ زمن بعيد. --- رفع آدم سلاحه في وجهها. "لا تتحركي." ابتسمت. "لن أهرب." قال سليم بحدة: "من أنتِ؟" التفتت إليه. "اسمي الحقيقي... كارما الراوي." تجمد فارس في مكانه. أما سليم، فا

  • رماد العهود     الرجل الذي عاد من الظلال

    لم يغمض ليزن جفن طوال الليل. ظل الرسالة التي وجدها في الملف البني بين يديه، يقرأها مرة بعد أخرى، وكأن الكلمات ستتغير إذا كرر النظر إليها. لم تكن الرسالة طويلة، بل بضعة أسطر فقط، لكنها كانت كافية لتقلب كل ما ظنه حقيقة. > "إذا قرأت هذه الرسالة، فهذا يعني أنني اضطررت للاختفاء. لا تبحثوا عني، لأن موتي هو الحماية الوحيدة لكم. — فارس الراوي." جلس يزن على الكرسي الخشبي وهو يحاول استيعاب الأمر. إذا كان فارس هو من كتب الرسالة، فهذا يعني أنه كان حيًا بعد الحريق. لكن... أين اختفى طوال عشرين عامًا؟ ولماذا ترك الجميع يعتقد أنه مات؟ --- في صباح اليوم التالي، اجتمع يزن مع سليم وليان وآدم والشيخ محمود. وضع الرسالة والصورة على الطاولة. ساد الصمت. تناول سليم الصورة بيد مرتجفة. ظل يحدق في وجه خاله الممزق في الصورة، ثم قال: "لم يخبرني أحد أن لأمي أخًا." أجابه الشيخ محمود: "لأن والدتك كانت تحاول حمايته." قطب آدم حاجبيه. "من ماذا؟" تنهد الشيخ. "من الشخص الذي كان يريد التخلص من كل من عرف الحقيقة." --- أخذ آدم الصورة، وقلبها. لاحظ كتابة باهتة على ظهرها. اقتر

  • رماد العهود    المرحلة الثانية

    استيقظت ليان في صباح اليوم التالي على طرقات متتالية على باب المنزل الذي استضافها هي ووالدتها. فتحت الباب لتجد ساعي بريد يحمل ظرفًا أبيض بلا اسم مرسل. ناولها الظرف وغادر دون أن ينطق بكلمة. أغلقته خلفه، ثم فتحت الظرف بفضول. كان بداخله صورة واحدة. تجمدت ملامحها. الصورة التُقطت الليلة الماضية. هي وسليم يجلسان معًا أمام المنزل المحترق. وفي أسفل الصورة عبارة مكتوبة بالحبر الأحمر: "من يقترب منك... يموت." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. وفي اللحظة نفسها، دخلت هناء إلى الغرفة. ما إن رأت الصورة حتى شهقت. "لقد بدأ..." التفتت إليها ليان بسرعة. "ماذا بدأ؟" لكن هناء لم تُجب، بل أخذت الصورة وأحرقتها في موقد الحطب. قالت بصوت مرتجف: "لا تحتفظي بأي رسالة تصل إليك." --- في الوقت نفسه، كان سليم في مركز الشرطة برفقة آدم. كان الضابط المسؤول يستعرض تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة على الطريق المؤدي إلى عين الوادي. توقفت إحدى اللقطات عند سيارة سوداء. قال الضابط: "هذه السيارة دخلت القرية قبل الحريق بساعة." سأل آدم: "وهل خرجت؟" أجاب الضابط: "لا." نظر سليم

  • رماد العهود    الساعة التي توقفت عند الحقيقة

    ساد الصمت في منزل الشيخ محمود بعد إطلاق الرصاصة. لم يكن الخوف هو ما سيطر على الجميع، بل الشعور بأن من يراقبهم يعرف كل خطوة يخطونها. ظل آدم يقلب الورقة التي كانت ملفوفة حول الرصاصة، ثم قال: "هذا ليس تهديدًا عشوائيًا... بل دليل على أن أحدهم يعلم أننا اقتربنا من السر." أخذ سليم الورقة من يده. "والسؤال هو... من أخبره بشأن الساعة؟" تبادلت ليان وآدم النظرات. كانوا ثلاثة فقط يعرفون بأمرها. قالت ليان بهدوء: "إذن هناك من يتنصت علينا... أو أن أحدًا قريبًا منا ينقل أخبارنا." ساد صمت ثقيل، فلم يجرؤ أحد على اتهام الآخر، لكن الشك بدأ يتسلل إلى الجميع. تذكرت ليان أن الساعة لا تزال داخل حقيبتها، فقد أخذتها من صندوق والدتها قبل احتراق المنزل. أخرجتها ووضعها على الطاولة. كانت ساعة قديمة، بحزام جلدي متشقق، وعقاربها متوقفة عند التاسعة وسبع عشرة دقيقة. أخذها الشيخ محمود بين يديه، وتأملها طويلًا. قال: "هذه ليست ساعة عادية." نظر إليه آدم باستغراب. "كيف عرفت؟" ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة. "سامر كان يرفض إصلاحها رغم أنها تعطلت منذ سنوات، وكان يقول دائمًا إن الوقت الذي توقفت

  • رماد العهود     وجوه لا تشبه الحقيقة

    وقف يزن في مكانه غير قادر على استيعاب الكلمات التي سمعها. "جابر الكيلاني ليس والدك الحقيقي." أعاد النظر إلى الورقة التي أعطته إياها كارما. كانت نسخة قديمة من شهادة ميلاد، باهتة الأطراف، وقد شُطب منها اسم بخط أسود، ثم كُتب اسم جابر الكيلاني فوقه بخط مختلف. رفع رأسه ببطء. "من أين حصلتِ على هذا؟" ابتسمت كارما بهدوء. "من الشخص الذي كان يحتفظ بكل الأسرار." "هل هي مزورة؟" "أتمنى ذلك." قبض يزن على الورقة بقوة. "من والدي إذًا؟" اقتربت كارما منه. "لن أجيب عن هذا السؤال الآن." ارتفع صوته لأول مرة. "إذن لماذا أخبرتني؟" قالت بنبرة هادئة: "لأنك تستحق أن تعرف أن الرجل الذي كرّست حياتك لإرضائه... لم يكن يومًا والدك." تركته وغادرت. أما هو، فبقي واقفًا تحت المطر، يشعر أن الأرض تسحب نفسها من تحت قدميه. --- في صباح اليوم التالي، اجتمع سليم وآدم وليان في منزل الشيخ محمود. كان الدفتر الأزرق مفتوحًا أمامهم. قال آدم وهو يقلب صفحاته: "هناك شيء لا أفهمه." نظر إليه سليم. "ماذا؟" "نادين كتبت عن الشركة، وعن الخلافات، وعن جابر... لكنها لم تذكر سبب تسليم ليان إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status