ログインلم يكد الفجر يشرق حتى كانت ليان مستيقظة، تحدق في سقف غرفتها بعينين مرهقتين. لم تستطع طرد فكرة اللقاء المرتقب مع آدم الشامي. كانت تعلم أن ذهابها قد يجرها إلى أمور لا تريدها، لكنها كانت تعلم أيضًا أن تجاهل الحقيقة لن يجعلها تختفي.
وصلت إلى دار البيان قبل موعدها المعتاد، محاولة إقناع نفسها بأن تنشغل بالعمل حتى يحين المساء. لكن شيئًا ما كان مختلفًا. لاحظت أن سليم لم يغادر مكتبه منذ وصوله، وكان يتلقى اتصالات متكررة، وكل مرة ينهي المكالمة بملامح أكثر توترًا من سابقتها. اقتربت ريم منها وهمست: "هل تشاجرت مع المدير؟" نظرت إليها ليان باستغراب. "لماذا تسألين؟" "لأنه منذ الصباح يبدو شاردًا، وكلما مررتِ أمام مكتبه رفع رأسه ليراك." لم تعلق ليان، لكنها شعرت أن هناك ما يربط كل ما يحدث بخيط خفي لا تستطيع الإمساك به. في منتصف النهار، طلب سليم مقابلتها. دخلت مكتبه بهدوء. كان واقفًا أمام النافذة، ويداه في جيبي معطفه. استدار عندما سمع صوت الباب. "تفضلي." جلست دون أن تتكلم. بقي ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال: "هل حدث شيء منذ الأمس؟" سألته ببرود: "لماذا تسأل؟" "لأنني أشعر أن هناك من يحاول الوصول إليك." ابتسمت بسخرية خفيفة. "وهل هذا جديد عليك؟" أطرق برأسه، ثم قال: "إذا حاول أحد التحدث معك عني... فلا تصدقي كل ما تسمعين." تأملته ليان. "وهل أكذب عيني عندما أراك تخفي الحقائق؟" ساد الصمت. ولأول مرة منذ تعارفهما، بدا سليم عاجزًا عن الرد. مع اقتراب الساعة الخامسة، وصلت ليان إلى مكتبة النهضة. كانت مكتبة قديمة تقع في أحد الأزقة الهادئة، يقصدها الباحثون أكثر من القراء العاديين. دخلت وهي تبحث بعينيها عن آدم. وجدته يجلس في الزاوية الخلفية، وبين يديه مجموعة من الملفات الصفراء. ابتسم عندما رآها. "كنت أعلم أنك ستأتين." جلست أمامه مباشرة. "ليس لدي وقت للمقدمات." أخرج ملفًا ووضعه أمامها. "هل سبق أن سمعتِ بحريق قرية عين الوادي قبل عشرين عامًا؟" ارتبكت. "عين الوادي؟" "نعم." "إنها القرية التي تعيش فيها أمي." أومأ آدم. "وهناك بدأت القصة." فتح الملف. ظهرت صورة منزل محترق بالكامل. ثم صورة لرجل يحمل طفلة صغيرة ويخرج بها من النيران. اتسعت عينا ليان. "من هذا الرجل؟" قال آدم: "لا أعرف." "والطفلة؟" نظر إليها مباشرة. "أنتِ." شحب وجهها. "هذا مستحيل..." أخرج صورة أخرى. كانت أوضح. الطفلة نفسها ترتدي فستانًا أبيض صغيرًا، وعلى معصمها سوار فضي يحمل حرف (ل). رفعت ليان يدها إلى معصمها دون شعور. ما زالت ترتدي السوار نفسه منذ طفولتها. همست بصوت مرتجف: "من أين حصلت على هذه الصور؟" "من أرشيف قديم لم يكن من المفترض أن يراه أحد." في اللحظة نفسها، كان رجل مجهول يقف خارج المكتبة داخل سيارة سوداء. أخرج هاتفه واتصل بأحدهم. "لقد التقيا." جاءه الرد: "راقبهما فقط." "ومتى أتدخل؟" "عندما يبدأ آدم بالكشف عن الاسم." داخل المكتبة، تنفست ليان بصعوبة. "أنت تقول إنني كنت في ذلك المنزل؟" "نعم." "لكن أمي أخبرتني أن والدي وجدني في منزلنا بعد الحريق." هز آدم رأسه. "هناك كذبة كبيرة في قصتك." سكت لحظة، ثم أضاف: "وسليم يعرفها." قفزت ليان من مكانها. "لماذا يعود الجميع إلى سليم؟" أجاب آدم بهدوء: "لأنه كان هناك أيضًا." تجمدت في مكانها. "ماذا؟" "كان طفلًا في الحادية عشرة من عمره." لم تستطع استيعاب ما تسمعه. كيف يمكن أن يكونا قد التقيا قبل عشرين عامًا دون أن تتذكر؟ وفي تلك اللحظة، رن هاتف آدم. نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه. أغلق الهاتف دون أن يجيب. قالت ليان: "من المتصل؟" "رقم مجهول." وبعد ثوانٍ، وصلت رسالة نصية. قرأها، ثم وقف فجأة. "يجب أن نغادر." "لماذا؟" أراها الرسالة. "إذا أخبرتها بالحقيقة... ستكون الجنازة القادمة جنازتك." شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها. خرجا من المكتبة بسرعة. وما إن وصلا إلى الشارع، حتى انطلقت سيارة سوداء نحوهما بسرعة هائلة. صرخ آدم: "ليان... انتبهي!" أمسك بذراعها ودفعها بقوة نحو الرصيف. مرت السيارة على بعد سنتيمترات منهما، ثم اختفت في نهاية الشارع دون أن تتوقف. كان قلب ليان يخفق بعنف. أما آدم، فكان ينظر إلى السيارة وهي تبتعد، ثم قال بصوت منخفض: "لقد بدأوا يشعرون بالخوف... وهذا يعني أننا اقتربنا من الحقيقة." وفي مكان آخر من المدينة، كان سليم يقف في مكتبه ممسكًا بهاتفه. وصله اتصال قصير. قال المتصل: "فشلنا." أغلق سليم عينيه للحظة، ثم قال بغضب لم يظهره من قبل: "قلت لكم لا تقتربوا منها." ساد صمت في الطرف الآخر. ثم انقطع الاتصال. وقف سليم ينظر إلى صورته المنعكسة على زجاج النافذة وهمس: "سامحيني يا ليان... لو عرفتِ الحقيقة الآن، فستخسرين كل من تحبين."ساد الصمت داخل المستودع بعد اعتراف كارما. كانت الدموع تملأ عينيها وهي تنظر إلى الوجوه التي حملت آثار عشرين عامًا من الخوف والأسئلة. قالت بصوت متهدج: "لم أكن أريد قتل أحد... أقسم بذلك." أغلقت عينيها للحظة، ثم تابعت: "كنت أريد إحراق ملفات الشركة فقط، قبل أن تصل إلى الشرطة. كنت أظن أن الجميع غادر المنزل، لكن النار خرجت عن السيطرة." نظر إليها فارس بحزن. "ولهذا اختفيتِ كل هذه السنوات؟" هزت رأسها. "لم أهرب من الشرطة... كنت أهرب من نفسي." تقدم آدم خطوة إلى الأمام. "لكن من كان يقود شبكة الفساد؟" ساد الصمت. ثم نظر فارس إلى سليم وقال: "حان الوقت لتعرف الحقيقة." اتجهت الأنظار كلها نحوه. قال بصوت هادئ: "والدك، مروان الراوي، لم يكن رجلًا شريرًا عندما بدأ." تجمد سليم في مكانه. أكمل فارس: "الشركة كانت على وشك الإفلاس، وخشي أن يخسر كل ما بناه. بدأ بتزوير بعض العقود ظنًا منه أنه سيصلح الأمر لاحقًا... لكنه تورط أكثر فأكثر، حتى أصبح أسيرًا لأخطائه." قال آدم: "ثم اكتشف سامر الحقيقة." أومأ فارس. "سامر رفض أن يكون شريكًا في الجريمة، وجمع الأدلة، وقرر تسليمها ل
توقفت الطلقات فجأة. ساد صمت ثقيل داخل المستودع، حتى إن الجميع أصبح يسمع أنفاس الآخر. تقدم فارس ببطء نحو النافذة المحطمة، ثم قال بصوت ثابت: "لن تطلقي النار... لأنك لا تريدين موتهم." جاء صوت كارما من الخارج، يحمل هدوءًا غريبًا: "لا أريد موتهم... بعد." ارتجفت ليان. كانت هذه المرأة تظهر دائمًا وكأنها تسبق الجميع بخطوة. لكن هذه المرة بدا وكأنها هي من كتبت القصة منذ بدايتها. --- بعد لحظات، انفتح الباب الحديدي ببطء. دخلت كارما وحدها. لم تحمل سلاحًا. كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، وشعرها مربوط بعناية، وملامحها هادئة على نحو أثار قلق الجميع. توقفت في منتصف المستودع. نظرت إلى فارس. ثم قالت: "مر عشرون عامًا... ولم تتغير." ابتسم فارس بمرارة. "بل تغير كل شيء." نظرت إلى سليم. ثم إلى ليان. وأخيرًا إلى يزن. "كبر الأطفال..." قالها وكأنها تتحدث عن أشخاص تعرفهم منذ زمن بعيد. --- رفع آدم سلاحه في وجهها. "لا تتحركي." ابتسمت. "لن أهرب." قال سليم بحدة: "من أنتِ؟" التفتت إليه. "اسمي الحقيقي... كارما الراوي." تجمد فارس في مكانه. أما سليم، فا
لم يغمض ليزن جفن طوال الليل. ظل الرسالة التي وجدها في الملف البني بين يديه، يقرأها مرة بعد أخرى، وكأن الكلمات ستتغير إذا كرر النظر إليها. لم تكن الرسالة طويلة، بل بضعة أسطر فقط، لكنها كانت كافية لتقلب كل ما ظنه حقيقة. > "إذا قرأت هذه الرسالة، فهذا يعني أنني اضطررت للاختفاء. لا تبحثوا عني، لأن موتي هو الحماية الوحيدة لكم. — فارس الراوي." جلس يزن على الكرسي الخشبي وهو يحاول استيعاب الأمر. إذا كان فارس هو من كتب الرسالة، فهذا يعني أنه كان حيًا بعد الحريق. لكن... أين اختفى طوال عشرين عامًا؟ ولماذا ترك الجميع يعتقد أنه مات؟ --- في صباح اليوم التالي، اجتمع يزن مع سليم وليان وآدم والشيخ محمود. وضع الرسالة والصورة على الطاولة. ساد الصمت. تناول سليم الصورة بيد مرتجفة. ظل يحدق في وجه خاله الممزق في الصورة، ثم قال: "لم يخبرني أحد أن لأمي أخًا." أجابه الشيخ محمود: "لأن والدتك كانت تحاول حمايته." قطب آدم حاجبيه. "من ماذا؟" تنهد الشيخ. "من الشخص الذي كان يريد التخلص من كل من عرف الحقيقة." --- أخذ آدم الصورة، وقلبها. لاحظ كتابة باهتة على ظهرها. اقتر
استيقظت ليان في صباح اليوم التالي على طرقات متتالية على باب المنزل الذي استضافها هي ووالدتها. فتحت الباب لتجد ساعي بريد يحمل ظرفًا أبيض بلا اسم مرسل. ناولها الظرف وغادر دون أن ينطق بكلمة. أغلقته خلفه، ثم فتحت الظرف بفضول. كان بداخله صورة واحدة. تجمدت ملامحها. الصورة التُقطت الليلة الماضية. هي وسليم يجلسان معًا أمام المنزل المحترق. وفي أسفل الصورة عبارة مكتوبة بالحبر الأحمر: "من يقترب منك... يموت." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. وفي اللحظة نفسها، دخلت هناء إلى الغرفة. ما إن رأت الصورة حتى شهقت. "لقد بدأ..." التفتت إليها ليان بسرعة. "ماذا بدأ؟" لكن هناء لم تُجب، بل أخذت الصورة وأحرقتها في موقد الحطب. قالت بصوت مرتجف: "لا تحتفظي بأي رسالة تصل إليك." --- في الوقت نفسه، كان سليم في مركز الشرطة برفقة آدم. كان الضابط المسؤول يستعرض تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة على الطريق المؤدي إلى عين الوادي. توقفت إحدى اللقطات عند سيارة سوداء. قال الضابط: "هذه السيارة دخلت القرية قبل الحريق بساعة." سأل آدم: "وهل خرجت؟" أجاب الضابط: "لا." نظر سليم
ساد الصمت في منزل الشيخ محمود بعد إطلاق الرصاصة. لم يكن الخوف هو ما سيطر على الجميع، بل الشعور بأن من يراقبهم يعرف كل خطوة يخطونها. ظل آدم يقلب الورقة التي كانت ملفوفة حول الرصاصة، ثم قال: "هذا ليس تهديدًا عشوائيًا... بل دليل على أن أحدهم يعلم أننا اقتربنا من السر." أخذ سليم الورقة من يده. "والسؤال هو... من أخبره بشأن الساعة؟" تبادلت ليان وآدم النظرات. كانوا ثلاثة فقط يعرفون بأمرها. قالت ليان بهدوء: "إذن هناك من يتنصت علينا... أو أن أحدًا قريبًا منا ينقل أخبارنا." ساد صمت ثقيل، فلم يجرؤ أحد على اتهام الآخر، لكن الشك بدأ يتسلل إلى الجميع. تذكرت ليان أن الساعة لا تزال داخل حقيبتها، فقد أخذتها من صندوق والدتها قبل احتراق المنزل. أخرجتها ووضعها على الطاولة. كانت ساعة قديمة، بحزام جلدي متشقق، وعقاربها متوقفة عند التاسعة وسبع عشرة دقيقة. أخذها الشيخ محمود بين يديه، وتأملها طويلًا. قال: "هذه ليست ساعة عادية." نظر إليه آدم باستغراب. "كيف عرفت؟" ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة. "سامر كان يرفض إصلاحها رغم أنها تعطلت منذ سنوات، وكان يقول دائمًا إن الوقت الذي توقفت
وقف يزن في مكانه غير قادر على استيعاب الكلمات التي سمعها. "جابر الكيلاني ليس والدك الحقيقي." أعاد النظر إلى الورقة التي أعطته إياها كارما. كانت نسخة قديمة من شهادة ميلاد، باهتة الأطراف، وقد شُطب منها اسم بخط أسود، ثم كُتب اسم جابر الكيلاني فوقه بخط مختلف. رفع رأسه ببطء. "من أين حصلتِ على هذا؟" ابتسمت كارما بهدوء. "من الشخص الذي كان يحتفظ بكل الأسرار." "هل هي مزورة؟" "أتمنى ذلك." قبض يزن على الورقة بقوة. "من والدي إذًا؟" اقتربت كارما منه. "لن أجيب عن هذا السؤال الآن." ارتفع صوته لأول مرة. "إذن لماذا أخبرتني؟" قالت بنبرة هادئة: "لأنك تستحق أن تعرف أن الرجل الذي كرّست حياتك لإرضائه... لم يكن يومًا والدك." تركته وغادرت. أما هو، فبقي واقفًا تحت المطر، يشعر أن الأرض تسحب نفسها من تحت قدميه. --- في صباح اليوم التالي، اجتمع سليم وآدم وليان في منزل الشيخ محمود. كان الدفتر الأزرق مفتوحًا أمامهم. قال آدم وهو يقلب صفحاته: "هناك شيء لا أفهمه." نظر إليه سليم. "ماذا؟" "نادين كتبت عن الشركة، وعن الخلافات، وعن جابر... لكنها لم تذكر سبب تسليم ليان إلى







