Se connecterحان الوقت المرتقب، موعد عودتها اليومي من العمل. وقف خالد في مكانه المعتاد على ناصية الشارع، يختبئ خلف نظراته المتلهفة، يتابع الطريق بعينين قلقتين، يتمنى فقط أن يلمح طيفها القادم من بعيد ليبرد به جوف اشتياقه. لكن الخوف كان ينهش صدره هذه المرة؛ فقد تملكه خجل عارم وجزع شديد منذ أن أرسل رسالته بالأمس. كان يخشى حتى فتح هاتفه أو تفقّد صندوق الرسائل، مرعوباً من ردة فعلها، ومستسلماً لهواجس الرفض التي قد تهدم حلمه الزجاجي.
وفجأة، أطلت راندا. مرت من أمام المقهى بخطواتها الهادئة الواثقة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن كالمعتاد؛ التفتت برأسها قليلاً، ورمقته بنظرة خاطفة استقرت في أعماق عينه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة غامضة. في تلك اللحظة، شعر خالد وكأن تياراً صعقاً من الكهرباء قد سرى بعنف في جميع أنحاء جسده، فانتفض قلبه بين ضلوعه، وتجمدت الدماء في عروقه من فرط المفاجأة السعيدة. أطلق ساقيه للريح وركض نحو داخل غرفته كالمجنون، التقط هاتفه بيدين ترتجفان وعرق يتصبب من جبينه. فتح الشاشة بسرعة لاهثة، ودخل إلى محادثتها ليجد سطرها الوحيد الذي غير مجرى حياته (أنا موافقة...) توقف الزمن من حوله، وشعر خالد في تلك الثانية بأنه غادر الأرض الفانية وصار يحلق في الفردوس الأعلى. رفع يده إلى السماء شاكراً بعيون تلمع بالدموع، ثم جذب هاتفه بلهفة وقبّل الشاشة بنزق طفولي، قبل أن تطير أصابعه على لوحة المفاتيح لتكتب كلمات خرجت متدفقة كشلال من نور، عازفاً لها على أوتار الروح (أول مرة شفتك فيها، كنت بتمنى من ربنا بس أسمع نبرة صوتك.. ولما سمعت صوتك، حسيت إنه لحن سماوي بيعزف على أوتار قلبي ويداوي جروحه.. ولما عنيا جت في عنيكي النهارده وشفت ابتسامتك، عرفت وتأكدت إنك مش بس عاجباني.. أنتِ احتليتي قلبي وروحي ورويتِ سنين عمري الجافة). ✨✨✨✨✨✨✨ مرّ أسبوعان كاملان على زواجها، لكن يسرا كانت تشعر في أعماقها بأن ما مرّ عليها هو أعوام من القهر والشقاء والركض في ساقية لا تهدأ. لم تذق طعم الدلال الذي تحظى به أي عروس في أيامها الأولى، بل استيقظت على واقع مشوه جعلها تشعر وكأنها جُلبت إلى هذا البيت لتباع كخادمة للجميع بلا أجر أو كرامة؛ فمنذ خيوط الفجر الأولى وحتى الهزيع الأخير من الليل، ينهك جسدها العمل الشاق في شقة والدته بالأسفل، تلبي طلبات هذا، وتنصاع لأوامر تلك، وسط نظرات الاستعلاء والتحكم الفج. كانت تقف في غرفتها تعد حقيبته وعيناها شاردتان في الفراغ، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من التساؤلات المريرة: كيف ستمر الأيام القادمة؟ وكيف ستتحمل هذا السحق اليومي لإنسانيتها؟ وفي تلك اللحظة، اتخذت قراراً حاسماً بداخلها؛ لا بد أن تعود إلى عملها بأي ثمن، فالعمل هو طوق نجاتها الوحيد، والنافذة التي ستتنفس منها بعيداً عن حصار هذا البيت وخناق حماتها. أغلقت سحاب الحقيبة بعنف كأنها تغلق على جراحها، وفي تلك اللحظة، لمحت بطرف عينها حركته خلفها. التفتت ببطء لتجده يفتح أحد أدراجها الخاصة بجرأة واستباحة مطلقة؛ مد يده وأخرج مظروف نقودها الخاص، ذلك المبلغ الذي ادخرته من عرقها ومن أموال "نقطتها". وقف بكل برود يعد الأوراق النقدية أمام عينيها المصدومتين، يفصل بينها بأصابعه، ثم أعاد بضع ورقات ضئيلة إلى الدرج، بينما حشر الجزء الأكبر والأضخم في جيب بنطاله. التفت إليها، بملامح جامدة خالية من أي حياء أو استئذان، وهز رأسه وهو يردد بنبرة باردة وواثقة كأنه يتصرف في حق مكتوب له - أنا خدت من الفلوس اللي في الدرج يا يسرا تسمرت يسرا في مكانها، وشعرت بغصة حارقة تسد حلقها، وتضاعفت الخيبة في صدرها حتى كادت تقتلها. لم يكن الوجع بسبب المال، بل كان بسبب تلك التبعية والمهانة، وتأكدت أن هذا السجان لم يكتفِ بطلب جسدها وحريتها، بل امتدت يده لتستبيح خصوصيتها وذمتها المالية دون أدنى اعتبار لكرامتها كإنسانة وزوجة. وقفت يسرا متجمدة في مكانها، تتطلع إليه بعينين متسعتين، بينما كان يدور في رأسها إعصار من الكلمات، وألف جواب وجواب يوشك أن ينفجر من بين شفتيها ردًا على استباحته الفجة. كانت نظراتها الحائرة تتنقل في حركت سريعة تارة بين وجهه البارد اللامبالي، وتارة أخرى نحو ذلك الدرج المفتوح الذي نُهبت خصوصيتها منه، وكأنها تخوض معركة طاحنة وصراعًا داخليًا يمزق أحشاءها؛ صراع بين تلك الثورة العارمة والنيران المشتعلة في صدرها لكرامتها المهدرة، وبين وازع الخوف المكبوت الذي يطالبها بأن تصمت وتتنازل هذه المرة أيضًا ليمر اليوم بسلام. في النهاية، وتحت وطأة العجز، قررت أن تبتلع غصتها وتلوذ بالصمت. راحت تخلق له الأعذار واهية في عقلها لتسكن بركانها، متحججة لنفسها بأنه ربما يكون قد أنفق كل ما يملك من نقود في تكاليف الزفاف الباهظة ولم يتبقَّ معه شيء. أومأت له برأسها إيجاباً بملامح ميتة خالية من أي تعبير، ثم تحركت بخطوات بطيئة متثاقلة في أرجاء الغرفة، وهي ترتب في عقلها فكرة العودة للحياة، فرددت بنبرة حاولَتْ أن تبدو طبيعية وشاردة - تمام يا أحمد.. عمومًا، أنا كمان هنزل الشغل من بكرة، فلو سمحت عرف ماما تحت.. ولو احتاجوا أي حاجة من الشقة هنا أعملها أو أنزلها ليهم وأنا نازلة الصبح. تناول أحمد حقيبته ببرود، وسار نحو باب الشقة دون أن ينظر إليها، ثم ردد بنبرة تقطر باللامبالاة والاستخفاف - لا.. ما هو أنتِ مش هتقفلي الشقة وراكِ وأنتِ نازلة، أنتِ هتسيبى مفتاح الشقة في الباب من بره.. يعني هتقفليها من مين يعني؟ البيت كله واحد وأمي وإخواتي طالعين نازلين. وقعت كلماته على مسمعها كالصفعة، فتسمرت في مكانها والذهول يلجم لسانها. راحت تردد تلك الكلمات الصادمة في داخلها بدهشة وتعجب هز أركان وعيها؛ أإلى هذه الدرجة أصبحت مستباحة؟ أيريد تجريدها حتى من خصوصية جدرانها الأربعة؟ لم تستوعب حجم المأزق الذي وضعت فيه، حتى أفاقت على صوت قفل الباب الخارجي وهو يُغلق بحدة، إيذانًا بخروجه وتوجهه إلى شقة والدته بالأسفل ليودعها قبل سفره، تاركًا يسرا وحيدة وسط شظايا أحلامها وخيباتها المتلاحقة.- مش قادر أصدق إن إنتِ بجد جنبي دلوقتي، بكلمك كده وبسمع نبرة صوتك وهي طالعة.. أنا حاسس إني أسعد إنسان في الدنيا دي كلها، والمكان مش سايعني من الفرحة. طأطأت راندا رأسها وابتسمت بخجل شديد تلونت معه وجنتاها بحمرة قانية، أغمضت عينيها للحظات تستجمع شجاعتها، ثم رددت بصوت خافت كاد لا يتجاوز مسمعه - دي أول مرة في حياتي كلها أعمل حاجة زي دي أو أوافق أكلم حد.. مش عارفة بجد أنا عملت كده إزاي وليه، بس كل اللي عارفاه ومتأكدة منه إني حاسة بإنجذاب غريب ومشدودة ليك، وعشان كده حبيت أديك وأدي نفسي فرصة. كانت كلماتها الرقيقة بمثابة وقود أشعل نيران الأمل في صدره، فالتمعت عيناه بسعادة طاغية، وتابع بلهفة وعاطفة جياشة صبغت نبرته - أوعدك، أوعدك من كل قلبي إنك مش هتندمي يوم واحد على الفرصة دي.. أنا أتمنى لو أروح أتقدم لك حالا وأخبط على باب بيتكم النهاردة قبل بكرة، بس.. بس خايف أهلك يرفضوني وميرحبوش بيا عقدت راندا حاجبيها وضَيّقت ما بينهما بتعجب، وتطلعت إليه بدهشة واستنكار لتردد - وليه ميرحبوش بيك يا خالد؟ إيه اللي يخليهم يعملوا كده؟ اعتدل خالد في جلسته، ورفع بصره ليتطلع إلى الفراغ أمامه، بينما تسلل
حان الوقت المرتقب، موعد عودتها اليومي من العمل. وقف خالد في مكانه المعتاد على ناصية الشارع، يختبئ خلف نظراته المتلهفة، يتابع الطريق بعينين قلقتين، يتمنى فقط أن يلمح طيفها القادم من بعيد ليبرد به جوف اشتياقه. لكن الخوف كان ينهش صدره هذه المرة؛ فقد تملكه خجل عارم وجزع شديد منذ أن أرسل رسالته بالأمس. كان يخشى حتى فتح هاتفه أو تفقّد صندوق الرسائل، مرعوباً من ردة فعلها، ومستسلماً لهواجس الرفض التي قد تهدم حلمه الزجاجي.وفجأة، أطلت راندا. مرت من أمام المقهى بخطواتها الهادئة الواثقة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن كالمعتاد؛ التفتت برأسها قليلاً، ورمقته بنظرة خاطفة استقرت في أعماق عينه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة غامضة. في تلك اللحظة، شعر خالد وكأن تياراً صعقاً من الكهرباء قد سرى بعنف في جميع أنحاء جسده، فانتفض قلبه بين ضلوعه، وتجمدت الدماء في عروقه من فرط المفاجأة السعيدة.أطلق ساقيه للريح وركض نحو داخل غرفته كالمجنون، التقط هاتفه بيدين ترتجفان وعرق يتصبب من جبينه. فتح الشاشة بسرعة لاهثة، ودخل إلى محادثتها ليجد سطرها الوحيد الذي غير مجرى حياته(أنا موافقة...)توقف الزمن من حوله، وشعر خالد
وقفت يسرا في منتصف ذلك المطبخ القديم، الذي تفوح من جدرانه رطوبة خانقة، وهي محاصرة بتلال من الأواني الكثيرة والمتراكمة التي تبدو كأنها بلا نهاية. كانت تجر يدها المجهدة فوق الصحون بحسرة ممتزجة بالمرارة، بينما يخترق مسامعها صوت قهقهات زوجها أحمد الصاخبة، الممتزجة بضحكات أخواته البنات ووالدته في الصالة المجاورة. كان صدى فرحتهم يطير في أرجاء البيت ليتحول في صدرها إلى خنجر مسموم يذبح كرامتها. انقبض قلبها وهي تقارن بين واقعها المرير، وبين شريط الذكريات الذي مر أمام عينيها فجأة؛ تذكرت نرمين، زوجة أخيها، في بداية زواجها.. كيف أنها لم تطأ قدمها خارج شقتها لمدة شهر كامل، وربما أكثر، وكيف كانت والدتها صفية تمنع أي شخص من إزعاجها، وتردد دائماً بفخر - دي عروسة جديدة، ولازم تكون مدلعة في بيتها، دي أجمل أيام في العمر كله. أما هي.. فها هي تقف وسط القاذورات والدهون في ثاني يوم لعرسها، تنظف أواني لم تتسبب في اتساخها، بالرغم من أنها في بيت والدتها وبكامل دلالها لم تكن تفعل ذلك قط، ولم تجبر يوماً على غسل هذه الكمية المرعبة من الصحون. دارت عيناها في المكان بيأس، وحدثت نفسها بمرارة على لسانها - إيه كم
تطلعت إليه خلود بتعجب وذهول من جراء هذا السؤال الفج، وشعرت بموجة عارمة من النفور والاشمئزاز تتضاعف في صدرها تجاهه؛ فطريقته في إلقاء التهم والتدخل في نواياها نزعت من عينيها أي مساحة للاحترام. عقدت حاجبيها ورددت بنبرة جافة يكسوها ضيق واضح لا يقبل المواربة - أظن حضرتك عرفت ردي النهائي على طلبك من كريم أخويا.. فمش فاهمة لازمتها إيه الأسئلة دي دلوقتي؟ وهتفرق مع حضرتك في إيه أساساً؟ تحرك العريس في مقعده، ومال بجسده ليقترب منها أكثر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء تشع خبثاً ولؤماً، ثم أردف بنبرة متهكمة حملت طابع التشفي - هتفرق كتير طبعاً.. أصل أنا أبقى صاحب محمود ابن عمك والروح بالروح، وسمعت منه شخصياً وبلسانه إنك كنتِ بتحبيه بجنون وبتموتي فيه.. عشان كده بس سألت، عشان أتأكد لو رفضك ليا ده مجرد عناد وتضحية عشان خاطر محمود في تلك اللحظة، شعرت خلود وكأن أحدهم قد سكب على جسدها دلواً من الماء المثلج؛ تجمدت الدماء في عروقها، واهتزت الأرض من تحت قدميها. أإلى هذه الدرجة الدنيئة وصل الاستهتار والنذالة بابن عمها؟ أيتحدث عن مشاعرها القديمة ويجعل من كرامتها وسيرتها مادة للتسلية والتباهي بين أصدقا
انقشعت عتمة تلك الليلة الثقيلة، وأُسدل ستار الليل لتدب الحياة مجدداً في عروق يوم جديد، تملؤه الشمس بأشعتها الدافئة وضياؤها اللامع. استيقظت يسرا بجسد مهدود وروح منطفئة، والتفتت لتتطلع إلى ذلك الرجل الغافي بجوارها في سبات عميق، غير آبهٍ بما تركته ليلته العاصفة في وجدانها. انقبض قلبها بنفور تلقائي، لكنها سرعان ما قمعت هذا الإحساس، وبدأت تلوم نفسها بقسوة على تلك الأفكار السوداوية التي تراودها. فكرت في سرها لا مجال الآن للتراجع أو الندم.. لقد أصبحت زوجته أمام الله والناس، ولا بد أن أكون على قدر الثقة التي وضعها أهلي فيّ، وأن أحافظ على هذا البيت. غادرت الفراش بخطوات وئيدة، وراحت تتجول في أرجاء الشقة الغريبة، كأنها تحاول ترويض غرفها واستئناس جدرانها. نظرت إلى الأثاث والديكورات التي لم تسترْشَر في اختيارها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن كل شيء على ما يرام، بل وجميل. حدثت نفسها بنبرة توسلية تطمئن بها مخاوفها - إيه يا يسرا؟ ما الحاجة جميلة وزي الفل أهو.. ما هي مامتك كمان اشترت حاجات كتير من غير ما تاخد رأيك ومزعلتيش.. العمر لسه قدامنا طويل، وبكرة نغير ونبدل كل اللي مش عاجبنا على ذوقنا. توجهت
وقفت يسرا على عتبة باب الشقة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، تتطلع إلى الفراغ بشروود تام وعينين غائمتين، وكأنها لا تعيش واقعاً بل استيقظت فجأة داخل كابوس أسود أحكم خناقه عليها. أهبطت رأسها بآلية ميتة، وألقت نظرة باهتة على فستان زفافها الأبيض الذي بدا لها كأنه كفن يُطوق أنفاسها، ثم دارت بنظراتها التائهة في أرجاء تلك الشقة الغريبة. كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا والأثاث، تحاول استكشاف جغرافيا هذا المكان الذي سيصبح سجنها، بينما ظل جسدها ثابتاً، عاجزاً عن تحريك خطوة واحدة للأمام، وكأن قدميها غُرستا في الأرض. عادت بنظراتها المنكسرة إلى موضع قدمها، واجتاحها تساؤل مرير يمزق أحشاءها: هل كان هذا هو حلمها؟ هل هذه هي النهاية التي رسمتها لنفسها كأي فتاة تحلم بمنزل الزوجية، ذلك الملاذ الدافئ الذي يجمعها مع فتى أحلامها في رحلة حب واختيار؟ لقد أُجبرت على كل شيء بدم بارد. أُجبرت على هذا الأثاث الذي تراه للمرة الأولى اليوم بعد أن اختارته والدة أحمد وأخواته وتجاهلوها تماماً، وأُجبرت على هذا الفستان الذي لم تشارك في تفاصيله سوى بوجع ارتدائه، بل وأُجبرت قبل كل شيء على هذا الرجل الواقف قبالتها، والذ
حلّ اليوم الموعود لقراءة الفاتحة، واجتمعت العائلتان في بهو المنزل وسط إحتفال بسيط، يغلفه رنين الضحكات وصوت الملاعق وهي تداعب أكواب الشربات. ارتدت الوجوه أقنعة البهجة المناسبة للمقام، وبدت التبريكات تتدفق من الأفواه بسلاسة، حتى تقدم أحمد وبسط كفه ليلبس يسرا خاتم الخطبة، ليعلن الرابط الجديد أمام الجم
- يالا يا لمار اصحي.. هتأخر ولسه هوديكِ عند عمتك. كانت تلك كلمات وليد التي ألقاها بنبرة متثاقلة وهو يحاول إيقاظ طفلته؛ فلديه اليوم جلسة قضية هامة ومصيرية سيترافع فيها بإحدى المحافظات البعيدة، والوقت يداهمه بلا رحمة. تقلبت لمار في فراشها الصغير، وراحت تتذمر بطفولية عابسة، واضعة كفيها الصغيرين على
أصبحت عروساً للمرة الثانية، وفي غمرة هذه المشاعر المتباينة، لم تكن يسرا لتنكر يوماً فضل والدتها التي أفنت عمرها في تربيتها، ولا فضل إخوتها الذين أحاطوها برعايتهم؛ فبالرغم من أنهم إخوة غير أشقاء، إلا أنهم كانوا لها السند والجدار الذي تستند إليه في كل مأزق. ولكن، ورغم كل هذا الدفء العائلي المحيط بها
بات أمر تلك الزيجة يلتهم حيزاً كبيراً من تفكير يسرا؛ إذ وجدت نفسها تتأرجح بين كفتي الرفض والقبول، عاقدةً في مخيلتها مقارنات لا تنتهي حول هذا التحول الجذري. فالموافقة تعني الانخلاع من جذورها، والانتقال للعيش في بلدة أخرى غريبة، لتنسج خيوط علاقات جديدة مع أناس لم تألفهم، وتبدأ في تأسيس أسرة من نقطة ا