로그인وقفت يسرا على عتبة باب الشقة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، تتطلع إلى الفراغ بشروود تام وعينين غائمتين، وكأنها لا تعيش واقعاً بل استيقظت فجأة داخل كابوس أسود أحكم خناقه عليها.
أهبطت رأسها بآلية ميتة، وألقت نظرة باهتة على فستان زفافها الأبيض الذي بدا لها كأنه كفن يُطوق أنفاسها، ثم دارت بنظراتها التائهة في أرجاء تلك الشقة الغريبة. كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا والأثاث، تحاول استكشاف جغرافيا هذا المكان الذي سيصبح سجنها، بينما ظل جسدها ثابتاً، عاجزاً عن تحريك خطوة واحدة للأمام، وكأن قدميها غُرستا في الأرض. عادت بنظراتها المنكسرة إلى موضع قدمها، واجتاحها تساؤل مرير يمزق أحشاءها: هل كان هذا هو حلمها؟ هل هذه هي النهاية التي رسمتها لنفسها كأي فتاة تحلم بمنزل الزوجية، ذلك الملاذ الدافئ الذي يجمعها مع فتى أحلامها في رحلة حب واختيار؟ لقد أُجبرت على كل شيء بدم بارد. أُجبرت على هذا الأثاث الذي تراه للمرة الأولى اليوم بعد أن اختارته والدة أحمد وأخواته وتجاهلوها تماماً، وأُجبرت على هذا الفستان الذي لم تشارك في تفاصيله سوى بوجع ارتدائه، بل وأُجبرت قبل كل شيء على هذا الرجل الواقف قبالتها، والذي كان يحدق بها بنظرات جريئة، متفحصة، تفتقر إلى أي ذرة من الرحمة أو الرقة. شعرت يسرا في تلك اللحظة بأنها جُردت من إنسانيتها، وتحولت إلى مجرد دمية خشبية هزيلة، يمسك بخيوطها عدة أشخاص، يحركونها كيفما شاؤوا وفق أهوائهم، دون أن يكون لها حق الإرادة، أو حتى حق الصراخ والاعتراض. خطت يسرا خطوات بطيئة، متثاقلة، نحو الداخل، بينما كان أحمد يتطلع إلى ترددها بنفاد صبر، ويحثها بنظراته على التقدم. وما إن تجاوزت عتبة الغرفة حتى تحرك هو بسرعة، وأغلق الباب الخشبي الثقيل خلفهما، ليعلن بهدوء مرعب انقطاع صلتها بالعالم الخارجي. ولم تكد تستوعب صوت انغلاق القفل، حتى انقض عليها واعتصرها بين أحضانه بعنف ودون أي مقدمات أو تمهيد، كأنه يفرض سلطته عليها دفعة واحدة. بدأ يمطر وجهها وعنقها بقبلات جائعة، عشوائية وقاسية، خالية من أي مشاعر أو مودة. اجتاحت يسرا موجة عارمة وصادمة من النفور والاشمئزاز؛ فهذا الرجل لم يمتلك حتى لغة الحديث أو اللطف لتهدئة روعها، بالرغم من أن هذه هي الليلة الأولى التي تجمعهما خلف أبواب مغلقة، بل تركهما كلياً للغة الفعل الهمجية والامتلاك الفج. كان يحاكي غريزته ويسد جوعه دون أن يرى في وجهها الشاحب وعينيها المغمضتين أي علامة على الألم أو الانكسار. بعد مدة بدت لها كأنها دهر من العذاب، ارتمى أحمد بجسده المستهلك على الفراش، ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى غط في نوم عميق، وأخذ يصدر غطيطاً مزعجاً ملأ أركان الغرفة الباردة. تنحت يسرا عنه ببطء، ونهضت وهي تحاول أن تلملم شتات نفسها المبعثرة وقلبها المهشم. كانت تشعر ببرودة شديدة، برودة صقيع تجتاح عظامها من الداخل رغم حرارة الجو، وانفجرت دموعها المحبوسة لتسيل بغزارة، حارقة، حتى أغرقت وجهها بالكامل ومزجت مساحيق التجميل بمرارة الخذلان. تحركت نحو خزانة الملابس وجسدها يرتجف بعنف. بدأت ترتدي ملابسها بصعوبة بالغة؛ فقد كان الوهن الشديد والألم العضوي والنفسي يدبان في أوصالها بقوة، كأنها خرجت للتو من معركة طاحنة هُزمت فيها. لم تجد مكاناً تهرب إليه في هذه الغرفة الضيقة، فانكمشت على نفسها في أقصى زاوية من الفراش، متخذة وضع الجنين، وضمت ركبتيها إلى صدرها بعجز، مستسلمة لنوم ثقيل ومفاجئ، لم يكن راحة، بل كان وسيلتها الوحيدة والأخيرة للهروب من واقع موحش ومؤلم لا تقوى على مواجهته. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ لم تكن الأيام والأسابيع الماضية هينة أو عابرة على تلك العائلة؛ فقد عاشوا أياماً مشحونة بالتوتر والترقب، لكن هذا اليوم تحديداً كان الأثقل والأصعب على قلوبهم جميعاً. إنها المرة الأولى التي يغيب فيها طيف يسرا عن جدران هذا البيت، والمرة الأولى التي يفتحون فيها الباب ويعودون من دونها، تاركين خلفهم قطعة من روحهم في عهدة رجل غريب. كانت صفية تجاهد بكل ما أوتيت من قوة لتبدي تماسكها أمام ولادها والناس طوال حفل الزفاف، لكن ما إن دلفت إلى عتبة المنزل، وأقفل الباب عليها، حتى انهارت حصونها تماماً، وارتمت على أقرب مقعد وهي تنفجر في بكاء مرير ونحيب مكتوم زلزل جسدها. لم يكن الفراق وحده هو ما يمزق أحشائها، بل كان هناك خنجر آخر يغرس في قلبها كأم؛ تلك اللمحات الخاطفة من الحزن والانكسار والشرود التي لمحتها في عيون ابنتها وهي ترتدي ثوبها الأبيض، نظرات كانت تصرخ بالوجع والخذلان دون أن تنطق. رق قلب نرمين لمشهد انهيار حماتها، فتحركت نحوها بخطوات سريعة بعد أن وضعت صغيرها جانباً في فراشه، ثم جلست بجوارها على المقعد، وجذبت رأس صفية إلى صدرها تحتضنها بحنان وتأثر واضح بدا على نبرة صوتها - روقي كده يا ماما وحدي الله.. بلاش تعملي في نفسك كدا، ده اليوم اللي أي أم بتتمناه لبنتها، ربنا يسعد قلبها ويملى أيامها كلها فرح وهنى. أومأت صفية برأسها إيجاباً وهي تحاول التمسك بكلمات نرمين، لكن دموعها كانت أسرع، فرددت من بين نحيبها وصوتها المتهدج - يارب يا حبيبتي، يارب يسمع منك.. أنا اللي تاعبني وواجع قلبي زعلها اللي كان باين لكل عيان.. خايفة عليها أوي يا نرمين، خايفة يحصلها حاجةمنالزعل، وكمان دي بقت في بلد غريبة وتعتبر لوحدها ومحدش مننا جمبها. راحت نرمين تربت على ظهر حماتها بحركات هادئة ومنتظمة لتهدئة روعها، وتابعت مواساتها بنبرة واثقة - يا ماما بكرة تجيلك لحد هنا وهي مبسوطة وفرحانة ووشها بيضحك لما تاخد على أحمد وتفهم طباعه.. وبعدين ما أنا أهو، ما أنا من بلد ثانية خالص، وجيت وعشت وسطكم وبقيتوا زي أهلي وأحسن كمان ومحستش بغربة.. قومي بس اغسلي وشك واستغفري، وبكرة تلاقي وشها منور من الفرحة وتطمنك بنفسها. لكن خلف هذا القناع الهادئ والكلمات المشجعة، كان هناك صراع آخر يدور في أعماق نرمين؛ صراع صامت تجسد في حديثها مع نفسها وهي تتأمل دموع حماتها - مش عارفة أنا بكلامي ده بطمنها هي.. ولا بحاول أطمن نفسي وأسكت ضميري اللي بدأ يصحى؟ غصب عني لما شفت نظرات أحمد وعيلته في الفرح حسيت بإنقباضة في قلبي.. حسيت إنهم ناس مش سهلة خالص، وطبعهم جاف وناشف.. يارب يخلف ظني ويطلعوا ناس طيبين، يارب تسعدها ومتحوجهاش لحد، عشان مش قادرة أتخيل إني ممكن أكون السبب في وجعها ده كله.. ومش عاوزة أعيش عمري كله حاسة بالذنب ناحيتها.حان الوقت المرتقب، موعد عودتها اليومي من العمل. وقف خالد في مكانه المعتاد على ناصية الشارع، يختبئ خلف نظراته المتلهفة، يتابع الطريق بعينين قلقتين، يتمنى فقط أن يلمح طيفها القادم من بعيد ليبرد به جوف اشتياقه. لكن الخوف كان ينهش صدره هذه المرة؛ فقد تملكه خجل عارم وجزع شديد منذ أن أرسل رسالته بالأمس. كان يخشى حتى فتح هاتفه أو تفقّد صندوق الرسائل، مرعوباً من ردة فعلها، ومستسلماً لهواجس الرفض التي قد تهدم حلمه الزجاجي.وفجأة، أطلت راندا. مرت من أمام المقهى بخطواتها الهادئة الواثقة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن كالمعتاد؛ التفتت برأسها قليلاً، ورمقته بنظرة خاطفة استقرت في أعماق عينه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة غامضة. في تلك اللحظة، شعر خالد وكأن تياراً صعقاً من الكهرباء قد سرى بعنف في جميع أنحاء جسده، فانتفض قلبه بين ضلوعه، وتجمدت الدماء في عروقه من فرط المفاجأة السعيدة.أطلق ساقيه للريح وركض نحو داخل غرفته كالمجنون، التقط هاتفه بيدين ترتجفان وعرق يتصبب من جبينه. فتح الشاشة بسرعة لاهثة، ودخل إلى محادثتها ليجد سطرها الوحيد الذي غير مجرى حياته(أنا موافقة...)توقف الزمن من حوله، وشعر خالد
وقفت يسرا في منتصف ذلك المطبخ القديم، الذي تفوح من جدرانه رطوبة خانقة، وهي محاصرة بتلال من الأواني الكثيرة والمتراكمة التي تبدو كأنها بلا نهاية. كانت تجر يدها المجهدة فوق الصحون بحسرة ممتزجة بالمرارة، بينما يخترق مسامعها صوت قهقهات زوجها أحمد الصاخبة، الممتزجة بضحكات أخواته البنات ووالدته في الصالة المجاورة. كان صدى فرحتهم يطير في أرجاء البيت ليتحول في صدرها إلى خنجر مسموم يذبح كرامتها. انقبض قلبها وهي تقارن بين واقعها المرير، وبين شريط الذكريات الذي مر أمام عينيها فجأة؛ تذكرت نرمين، زوجة أخيها، في بداية زواجها.. كيف أنها لم تطأ قدمها خارج شقتها لمدة شهر كامل، وربما أكثر، وكيف كانت والدتها صفية تمنع أي شخص من إزعاجها، وتردد دائماً بفخر - دي عروسة جديدة، ولازم تكون مدلعة في بيتها، دي أجمل أيام في العمر كله. أما هي.. فها هي تقف وسط القاذورات والدهون في ثاني يوم لعرسها، تنظف أواني لم تتسبب في اتساخها، بالرغم من أنها في بيت والدتها وبكامل دلالها لم تكن تفعل ذلك قط، ولم تجبر يوماً على غسل هذه الكمية المرعبة من الصحون. دارت عيناها في المكان بيأس، وحدثت نفسها بمرارة على لسانها - إيه كم
تطلعت إليه خلود بتعجب وذهول من جراء هذا السؤال الفج، وشعرت بموجة عارمة من النفور والاشمئزاز تتضاعف في صدرها تجاهه؛ فطريقته في إلقاء التهم والتدخل في نواياها نزعت من عينيها أي مساحة للاحترام. عقدت حاجبيها ورددت بنبرة جافة يكسوها ضيق واضح لا يقبل المواربة - أظن حضرتك عرفت ردي النهائي على طلبك من كريم أخويا.. فمش فاهمة لازمتها إيه الأسئلة دي دلوقتي؟ وهتفرق مع حضرتك في إيه أساساً؟ تحرك العريس في مقعده، ومال بجسده ليقترب منها أكثر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء تشع خبثاً ولؤماً، ثم أردف بنبرة متهكمة حملت طابع التشفي - هتفرق كتير طبعاً.. أصل أنا أبقى صاحب محمود ابن عمك والروح بالروح، وسمعت منه شخصياً وبلسانه إنك كنتِ بتحبيه بجنون وبتموتي فيه.. عشان كده بس سألت، عشان أتأكد لو رفضك ليا ده مجرد عناد وتضحية عشان خاطر محمود في تلك اللحظة، شعرت خلود وكأن أحدهم قد سكب على جسدها دلواً من الماء المثلج؛ تجمدت الدماء في عروقها، واهتزت الأرض من تحت قدميها. أإلى هذه الدرجة الدنيئة وصل الاستهتار والنذالة بابن عمها؟ أيتحدث عن مشاعرها القديمة ويجعل من كرامتها وسيرتها مادة للتسلية والتباهي بين أصدقا
انقشعت عتمة تلك الليلة الثقيلة، وأُسدل ستار الليل لتدب الحياة مجدداً في عروق يوم جديد، تملؤه الشمس بأشعتها الدافئة وضياؤها اللامع. استيقظت يسرا بجسد مهدود وروح منطفئة، والتفتت لتتطلع إلى ذلك الرجل الغافي بجوارها في سبات عميق، غير آبهٍ بما تركته ليلته العاصفة في وجدانها. انقبض قلبها بنفور تلقائي، لكنها سرعان ما قمعت هذا الإحساس، وبدأت تلوم نفسها بقسوة على تلك الأفكار السوداوية التي تراودها. فكرت في سرها لا مجال الآن للتراجع أو الندم.. لقد أصبحت زوجته أمام الله والناس، ولا بد أن أكون على قدر الثقة التي وضعها أهلي فيّ، وأن أحافظ على هذا البيت. غادرت الفراش بخطوات وئيدة، وراحت تتجول في أرجاء الشقة الغريبة، كأنها تحاول ترويض غرفها واستئناس جدرانها. نظرت إلى الأثاث والديكورات التي لم تسترْشَر في اختيارها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن كل شيء على ما يرام، بل وجميل. حدثت نفسها بنبرة توسلية تطمئن بها مخاوفها - إيه يا يسرا؟ ما الحاجة جميلة وزي الفل أهو.. ما هي مامتك كمان اشترت حاجات كتير من غير ما تاخد رأيك ومزعلتيش.. العمر لسه قدامنا طويل، وبكرة نغير ونبدل كل اللي مش عاجبنا على ذوقنا. توجهت
وقفت يسرا على عتبة باب الشقة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، تتطلع إلى الفراغ بشروود تام وعينين غائمتين، وكأنها لا تعيش واقعاً بل استيقظت فجأة داخل كابوس أسود أحكم خناقه عليها. أهبطت رأسها بآلية ميتة، وألقت نظرة باهتة على فستان زفافها الأبيض الذي بدا لها كأنه كفن يُطوق أنفاسها، ثم دارت بنظراتها التائهة في أرجاء تلك الشقة الغريبة. كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا والأثاث، تحاول استكشاف جغرافيا هذا المكان الذي سيصبح سجنها، بينما ظل جسدها ثابتاً، عاجزاً عن تحريك خطوة واحدة للأمام، وكأن قدميها غُرستا في الأرض. عادت بنظراتها المنكسرة إلى موضع قدمها، واجتاحها تساؤل مرير يمزق أحشاءها: هل كان هذا هو حلمها؟ هل هذه هي النهاية التي رسمتها لنفسها كأي فتاة تحلم بمنزل الزوجية، ذلك الملاذ الدافئ الذي يجمعها مع فتى أحلامها في رحلة حب واختيار؟ لقد أُجبرت على كل شيء بدم بارد. أُجبرت على هذا الأثاث الذي تراه للمرة الأولى اليوم بعد أن اختارته والدة أحمد وأخواته وتجاهلوها تماماً، وأُجبرت على هذا الفستان الذي لم تشارك في تفاصيله سوى بوجع ارتدائه، بل وأُجبرت قبل كل شيء على هذا الرجل الواقف قبالتها، والذ
جلست خلود تتوسط الصغيرتين؛ زينة ابنة أخيها، ولمار، تلك الطفلة التي تخطت بفطرتها فارق السن لتصبح صديقتها المقربة. لقد تعلقت لمار بخلود تعلقاً شديداً، وباتت تقضي جلّ أوقاتها معها، متمسةً في حنانها دفئاً كانت تفتقده. انفتح الباب ودلف كريم، يحمل في يده أكياس الحلوى التي تعود أن ينشر بها البهجة. بمجرد رؤيته، قفزت الصغيرة زينة بسعادة الأطفال الصافية، وفردت ذراعيها كعصفور يهم بالطيران، فتلقفها والدها بين أحضانه بحب جارف، ورفعها عالياً وهو يبتسم، قبل أن يمنحها قطعتها المفضلة من الشوكولاتة. طبع كريم قبلة حانية على جبين ابنته، ثم وضعها جانباً برفق. التفتت عيناه نحو لمار التي كانت تجلس هادئة، يرتسم في عينيها الصغيرتين شبح حزن خفي، ممتزج بنظرة فقد وحاجة لحنان أبوي تراقبه من بعيد. شعر كريم بوخزة في قلبه، فاقترب منها بخطوات حثيثة، وانحنى بجسده حتى صار في مستوى طولها، وسألها بنبرة تقطر حناناً وأبوة - القمر مجتش في حضن عمو ليه عشان تاخد الشوكولاتة بتاعتها؟ لم تكد الكلمات تلامس مسامعها حتى ضربت السعادة لمعة براقة في عينيها، وارتسمت ابتسامة رقيقة وواسعة على شفتيها الصغيرتين. فتحت ذراعيها بتلقائية و
- يالا يا لمار اصحي.. هتأخر ولسه هوديكِ عند عمتك. كانت تلك كلمات وليد التي ألقاها بنبرة متثاقلة وهو يحاول إيقاظ طفلته؛ فلديه اليوم جلسة قضية هامة ومصيرية سيترافع فيها بإحدى المحافظات البعيدة، والوقت يداهمه بلا رحمة. تقلبت لمار في فراشها الصغير، وراحت تتذمر بطفولية عابسة، واضعة كفيها الصغيرين على
أصبحت عروساً للمرة الثانية، وفي غمرة هذه المشاعر المتباينة، لم تكن يسرا لتنكر يوماً فضل والدتها التي أفنت عمرها في تربيتها، ولا فضل إخوتها الذين أحاطوها برعايتهم؛ فبالرغم من أنهم إخوة غير أشقاء، إلا أنهم كانوا لها السند والجدار الذي تستند إليه في كل مأزق. ولكن، ورغم كل هذا الدفء العائلي المحيط بها
بات أمر تلك الزيجة يلتهم حيزاً كبيراً من تفكير يسرا؛ إذ وجدت نفسها تتأرجح بين كفتي الرفض والقبول، عاقدةً في مخيلتها مقارنات لا تنتهي حول هذا التحول الجذري. فالموافقة تعني الانخلاع من جذورها، والانتقال للعيش في بلدة أخرى غريبة، لتنسج خيوط علاقات جديدة مع أناس لم تألفهم، وتبدأ في تأسيس أسرة من نقطة ا
وقفت يسرا مكانها دون حراك، وكأن قدميها قد غُرستا في الأرض، تحاول جاهدة استيعاب وتفنيد ما تفوهت به والدتها للتو. كيف تلاشت مأساة خطبتها السابقة بهذه السرعة لتبدأ أخرى في التشكل؟ قطع حبل أفكارها صوت نرمين الذي أتى من خلفها، لتهس في أذنها بنبرة حملت بريقاً غامضاً - عريس إيه بقى يا ريري... مفيهوش غلط







