Home / الرومانسية / رماد القمر / البارت الحادى عشر

Share

البارت الحادى عشر

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-19 06:38:47

بات أمر تلك الزيجة يلتهم حيزاً كبيراً من تفكير يسرا؛ إذ وجدت نفسها تتأرجح بين كفتي الرفض والقبول، عاقدةً في مخيلتها مقارنات لا تنتهي حول هذا التحول الجذري. فالموافقة تعني الانخلاع من جذورها، والانتقال للعيش في بلدة أخرى غريبة، لتنسج خيوط علاقات جديدة مع أناس لم تألفهم، وتبدأ في تأسيس أسرة من نقطة الصفر.

بينما كانت يسرا غارقة في حساباتها الخاصة، لاحظت أن ريهام قد أصابتها حالة حادة وغير مسبوقة من الشرود والانعزال، كادت أن تهوي بها إلى درك الاكتئاب السحيق. وأمام هذا التدهور، نحّت يسرا همومها وقلقها الشخصي جانباً، وقررت أن تتفرغ لصديقتها لتستكشف ما وراء هذا الوجوم المفاجئ. وعندما ضيقت عليها الخناق بالأسئلة، جاء رد ريهام باهتاً ومثقلاً بالمرارة

- مش مرتاحة يا يسرا... حاسة إني خاينة وغشاشة.

سرى الذعر في أوصال يسرا؛ إذ خشيت أن تكون تلك الهواجس مقدمة لعودة الأفكار الانتحارية والظلامية إلى عقل رفيقتها. لكن ريهام سارعت إلى نفي ذلك الظن، وأردفت بنبرة يكسوها ندم صادق مشوب باليقين

- ممكن زمان كان إيماني ضعيف... لكن دلوقتي لما قربت من ربنا استحالة أفكر في كده. إزاي تكون درجة خوفي من العبد أكبر من درجة خوفي من ربنا، عشان أنهي حياتي بإيدي وأخسر دنيتي وآخرتي؟

رغم هذا اليقين، بقي الموقف معقداً للغاية، ومحاصراً بين مطرقة تأنيب الضمير الفطري، وسندان الخوف من رد فعل مجتمع شرقي صارم لا يرحم زلات النساء. تملّك الضيق من يسرا، فقالت بنبرة حانقة ومتبرمة

- أنا مش عارفة ليه دايماً بييجوا على البنت..... ما الولد بيغلط عادي والناس بتغفرله وبتعديها، إنما البنت لا... ميت محكمة بتتنصب لها، وألف حكم قاسي بيتحكم بيه عليها من القريب والغريب.

أطلقت ريهام تنهيدة عميقة، حارة، كأنها تخرج من بين ضلوعها، ثم ردت بنبرة وقورة غلفها الانكسار

- بس ده الصح يا يسرا... لأن البنت غالية أوي، وشرفها هو أعلى ما تملك. المبادئ دي والتشدد فيها هو اللي بيخلق مجتمع سوي، لامرأة بتعرف إزاي تحافظ على نفسها وتعفها. إوعي يا يسرا في يوم تغلطي غلطتي دي... هي لحظات طيش، وبندم عليها سنين، وبستحقر نفسي كل ما أفتكر إني عملت كده.

لامست كلمات ريهام نياط قلب يسرا، فدمعت عيناها تأثراً، وضمت صديقتها إلى صدرها بقوة جارفة؛ فقد كانت تشعر بحجم الألم والتمزق الذي يعتصر وجدان رفيقتها، وكأن الندم قبض على عظام ريهام وراح يكسرها ضلعاً تلو الآخر.

وبعد طول تفكير ومداولة في هذا المأزق الأخلاقي، هداهما تفكيرهما إلى اللجوء لأحد أهل العلم والدين المستنيرين لاستفتائه في كيفية التصرف النبيل. وبالفعل، قادت الخطى الفتاتين إلى مجلس شيخ جليل، كان وجهه يشع بنور التقوى والوقار والرحمة.

جلست ريهام بين يديه، وسردت عليه القصة كاملة دون مواربة، مفصحة عن مخاوفها الرهيبة من عقاب الله، ومن فكرة أنها تبني حياتها على ما تراه غشاً.

استمع الشيخ بإنصات، ثم ارتسمت على ثغره ابتسامة حانية التقطت طيبة تلك الفتاة ونقاء سريرتها؛ فالدموع التي كانت تهبط من عيني ريهام كالأمطار الغزيرة، بدت وكأنها تغسل بها ذنوباً تأبى نفسها اللوامة أن تغفرها. أردف الشيخ بصوت دافئ يفيض بالسكينة

- يا بنتي، ربنا سبحانه وتعالى اسمه الغفور والتواب، وهو في انتظار توبة عبده دايماً... وزي ما أنا شايف ولمس في كلامك يا بنتي، إنتي توبتي توبة نصوحة تامة. وربنا برضه هو الستار، بيحب يستر عبده؛ فربنا سترك، وجعل صاحبتك دي ربنا يبارك لها تكون سبب وسند في الستر ده. يبقى بعد كل الكرم والستر ده تروحي تفضحي نفسك؟ توبي يا بنتي لربنا، واتجوزي، وحافظي على شرف جوجك وبيتك، وربي أولادك على الدين والفضيلة، فهو خير منهج للتربية.

وقعت كلمات الشيخ الجليل على قلب ريهام كبلسم شافٍ؛ فسرى في جسدها شعور بالراحة لم تذق مثله منذ سنوات، وخُيل إليها وكأنها ولدت في تلك اللحظة من جديد. انزاح ذلك العبء الجاثم على صدرها وتبخرت الغمة، لتستنشق الهواء أخيراً بعمق، ويسر، وحرية.

✨✨✨✨✨✨✨✨

دلف إليها أخوها الأكبر سمير، يتطلع في وجهها بنظرات فاحصة صامتة، لكن يسرا كانت تفهم مغزاها جيداً، وتعلم ما خلفها من كلمات تجعلها تكاد تموت خجلاً؛ نظرات تحمل في طياتها تساؤلاً حاسماً يترقب مصير مستقبلها.

تحرك سمير بهدوء وجلس بجوارها على طرف الفراش، ثم مد يده الحانية ليمرر أصابعه برفق بين خصلات شعرها الأسود الكثيف، في حركة دافئة اعتادت عليها منذ طفولتها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة رقيقة تفيض بالحب؛ فهو لم يشعر يوماً بأنه مجرد أخ أكبر، بل كان يرى نفسه والدها وسندها الأول. يسرا بالنسبة له هي طفلته المدللة التي ترعرعت ونمت أمام عينيه وعلى يديه، حتى غدت اليوم تلك الشابة اليافعة الفاتنة، التي تقف على أعتاب الزواج وتستعد لمغادرة العش.

تنحنح سمير ليقطع الصمت، ممهداً للحديث بنبرة وقورة ومحبة

- أنا سيبتك تفكري كتير أهو وخدتي وقتك على الآخر... وعاوز ردك النهائي دلوقتي يا ريري عشان أبلغ بيه الناس.

فور سماع كلماته، اشتعلت وجنتا يسرا واكتسى وجهها بحمرة الخجل الفاضحة، وأنزلت عينيها أرضاً؛ فالبرغم من كل الأيام التي مضت، لم تكن قد استقرت على قرار حاسم حتى تلك اللحظة. تملكتها الحيرة، فرفعت رأسها لتستنجد برأيه هو، وسألته بنبرة خفيطة عن قراره ورأيه في هذا الطارق. لم يتردد سمير في إبداء موافقته وارتياحه الشديد لذلك الشاب؛ فالأيام القليلة الماضية أثبتت أنه على خلق رفيع، وعائلته تمتاز بالطيبة والأصل الطيب، وهذا بالتحديد هو كل ما ينشده ويتمناه لأخته؛ رجل يصونها ويتقي الله فيها.

دارت في عقل يسرا في تلك اللحظات شجون كثيرة، وحدثت نفسها قائلة

-؛ كلمات سمير شجعتني على قرار الموافقة، بالرغم من إن جوايا حاجة خفية بتقولي بلاش... بس ممكن ده كله يكون مجرد خوف وقلق من تجربتي الأولى الفاشلة اللي مكملتش شهر. على العموم، فترة الخطوبة دي هعتبرها فترة دراسة وفهم، ومش هخسر حاجة.

التفتت يسرا نحو شقيقها، وأومأت برأسها هامسة بموافقتها وقبولها، ليتنفس سمير الصعداء وتهلل أسارير وجهه فرحاً، ثم انحنى عليها وطبع قبلة دافئة طويلة على جبينها، مباركاً لها هذه الخطوة الجديدة ومتمنياً لها سعادة تعوضها عن كل ما فات.

✨✨✨✨✨✨✨✨

ترقد نهى على فراش المستشفى الأبيض البارد، تشعر بتحسن طفيف سرى في أوصالها الواهنة، لكن معدتها لا تزال على موقفها المتصلب؛ ترفض استقبال أي طعام أو شراب، لتبقى المحاليل المعلقة فوق رأسها هي شريان الحياة الوحيد الذي يغذي جسدها وجنينها.

لم يكن وجع المرض وحده ما يثقل كاهلها، بل كان قلقها يتضاعف وهي تلمح نفور زوجها حسن من هذا الوضع المأزوم. بدت علامات التأفف والضيق واضحة على محياه وهو يرى مكوثها في المستشفى يقارب الأسبوع دون تقدم ملموس. ضاق حسن ذرعاً بالانتظار، وحاول التحدث مع الأطباء مراراً بلهجة حادة آملاً في استخراج إذن بخروجها، لكن الطبيبة واجهته بصرامة قاطعة، قائلة إن خروجها بهذه الحالة الضعيفة ليس إلا مغامرة كبرى وغير محسوبة بحياة الجنين.

أمام هذا التحذير الطبي، رضخ حسن للأمر الواقع مرغماً. عاد إلى الغرفة وجلس على المقعد المجاور لفراشها طوال فترة الزيارة، دون أن ينبس ببنت شفة. كان الصمت بينهما جداراً سميكاً، وكان حسن شارداً بعينين غائبتين في تفاصيل حياته هذه، يتساءل بمرارة عن ذنب طيبته في هذا الجفاء.

على الجانب الآخر، كانت نهى تراقب صمته ونظراته المتهربة، وتغوص في أعماق جرحها الخاص. داهمتها فكرة سوداوية لم تستطع دفعها؛ شعرت في قرارة نفسها أن كل ما تعانيه من وهن، وقيء، ورفض لجسدها، ليس مجرد عوارض حمل طبيعية، بل هو انعكاس لنفور روحها من هذه الزيجة برمتها. كان لوعة قلبها تخبرها أن نبضها ما زال أسيراً، ومتعلقاً بحبها الأول، بالرغم من كل محاولاتها المستميتة واليائسة التي بذلتها لتمحو ملامحه من ذاكرتها وتستسلم لواقعها الجديد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد القمر    البارت الرابع والعشرون

    - مش قادر أصدق إن إنتِ بجد جنبي دلوقتي، بكلمك كده وبسمع نبرة صوتك وهي طالعة.. أنا حاسس إني أسعد إنسان في الدنيا دي كلها، والمكان مش سايعني من الفرحة. طأطأت راندا رأسها وابتسمت بخجل شديد تلونت معه وجنتاها بحمرة قانية، أغمضت عينيها للحظات تستجمع شجاعتها، ثم رددت بصوت خافت كاد لا يتجاوز مسمعه - دي أول مرة في حياتي كلها أعمل حاجة زي دي أو أوافق أكلم حد.. مش عارفة بجد أنا عملت كده إزاي وليه، بس كل اللي عارفاه ومتأكدة منه إني حاسة بإنجذاب غريب ومشدودة ليك، وعشان كده حبيت أديك وأدي نفسي فرصة. كانت كلماتها الرقيقة بمثابة وقود أشعل نيران الأمل في صدره، فالتمعت عيناه بسعادة طاغية، وتابع بلهفة وعاطفة جياشة صبغت نبرته - أوعدك، أوعدك من كل قلبي إنك مش هتندمي يوم واحد على الفرصة دي.. أنا أتمنى لو أروح أتقدم لك حالا وأخبط على باب بيتكم النهاردة قبل بكرة، بس.. بس خايف أهلك يرفضوني وميرحبوش بيا عقدت راندا حاجبيها وضَيّقت ما بينهما بتعجب، وتطلعت إليه بدهشة واستنكار لتردد - وليه ميرحبوش بيك يا خالد؟ إيه اللي يخليهم يعملوا كده؟ اعتدل خالد في جلسته، ورفع بصره ليتطلع إلى الفراغ أمامه، بينما تسلل

  • رماد القمر    البارت الثالث والعشرون

    حان الوقت المرتقب، موعد عودتها اليومي من العمل. وقف خالد في مكانه المعتاد على ناصية الشارع، يختبئ خلف نظراته المتلهفة، يتابع الطريق بعينين قلقتين، يتمنى فقط أن يلمح طيفها القادم من بعيد ليبرد به جوف اشتياقه. لكن الخوف كان ينهش صدره هذه المرة؛ فقد تملكه خجل عارم وجزع شديد منذ أن أرسل رسالته بالأمس. كان يخشى حتى فتح هاتفه أو تفقّد صندوق الرسائل، مرعوباً من ردة فعلها، ومستسلماً لهواجس الرفض التي قد تهدم حلمه الزجاجي.وفجأة، أطلت راندا. مرت من أمام المقهى بخطواتها الهادئة الواثقة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن كالمعتاد؛ التفتت برأسها قليلاً، ورمقته بنظرة خاطفة استقرت في أعماق عينه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة غامضة. في تلك اللحظة، شعر خالد وكأن تياراً صعقاً من الكهرباء قد سرى بعنف في جميع أنحاء جسده، فانتفض قلبه بين ضلوعه، وتجمدت الدماء في عروقه من فرط المفاجأة السعيدة.أطلق ساقيه للريح وركض نحو داخل غرفته كالمجنون، التقط هاتفه بيدين ترتجفان وعرق يتصبب من جبينه. فتح الشاشة بسرعة لاهثة، ودخل إلى محادثتها ليجد سطرها الوحيد الذي غير مجرى حياته(أنا موافقة...)توقف الزمن من حوله، وشعر خالد

  • رماد القمر    البارت الثانى والعشرون

    وقفت يسرا في منتصف ذلك المطبخ القديم، الذي تفوح من جدرانه رطوبة خانقة، وهي محاصرة بتلال من الأواني الكثيرة والمتراكمة التي تبدو كأنها بلا نهاية. كانت تجر يدها المجهدة فوق الصحون بحسرة ممتزجة بالمرارة، بينما يخترق مسامعها صوت قهقهات زوجها أحمد الصاخبة، الممتزجة بضحكات أخواته البنات ووالدته في الصالة المجاورة. كان صدى فرحتهم يطير في أرجاء البيت ليتحول في صدرها إلى خنجر مسموم يذبح كرامتها. انقبض قلبها وهي تقارن بين واقعها المرير، وبين شريط الذكريات الذي مر أمام عينيها فجأة؛ تذكرت نرمين، زوجة أخيها، في بداية زواجها.. كيف أنها لم تطأ قدمها خارج شقتها لمدة شهر كامل، وربما أكثر، وكيف كانت والدتها صفية تمنع أي شخص من إزعاجها، وتردد دائماً بفخر - دي عروسة جديدة، ولازم تكون مدلعة في بيتها، دي أجمل أيام في العمر كله. أما هي.. فها هي تقف وسط القاذورات والدهون في ثاني يوم لعرسها، تنظف أواني لم تتسبب في اتساخها، بالرغم من أنها في بيت والدتها وبكامل دلالها لم تكن تفعل ذلك قط، ولم تجبر يوماً على غسل هذه الكمية المرعبة من الصحون. دارت عيناها في المكان بيأس، وحدثت نفسها بمرارة على لسانها - إيه كم

  • رماد القمر    البارت الحادى والعشرون

    تطلعت إليه خلود بتعجب وذهول من جراء هذا السؤال الفج، وشعرت بموجة عارمة من النفور والاشمئزاز تتضاعف في صدرها تجاهه؛ فطريقته في إلقاء التهم والتدخل في نواياها نزعت من عينيها أي مساحة للاحترام. عقدت حاجبيها ورددت بنبرة جافة يكسوها ضيق واضح لا يقبل المواربة - أظن حضرتك عرفت ردي النهائي على طلبك من كريم أخويا.. فمش فاهمة لازمتها إيه الأسئلة دي دلوقتي؟ وهتفرق مع حضرتك في إيه أساساً؟ تحرك العريس في مقعده، ومال بجسده ليقترب منها أكثر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء تشع خبثاً ولؤماً، ثم أردف بنبرة متهكمة حملت طابع التشفي - هتفرق كتير طبعاً.. أصل أنا أبقى صاحب محمود ابن عمك والروح بالروح، وسمعت منه شخصياً وبلسانه إنك كنتِ بتحبيه بجنون وبتموتي فيه.. عشان كده بس سألت، عشان أتأكد لو رفضك ليا ده مجرد عناد وتضحية عشان خاطر محمود في تلك اللحظة، شعرت خلود وكأن أحدهم قد سكب على جسدها دلواً من الماء المثلج؛ تجمدت الدماء في عروقها، واهتزت الأرض من تحت قدميها. أإلى هذه الدرجة الدنيئة وصل الاستهتار والنذالة بابن عمها؟ أيتحدث عن مشاعرها القديمة ويجعل من كرامتها وسيرتها مادة للتسلية والتباهي بين أصدقا

  • رماد القمر    البارت العشرون

    انقشعت عتمة تلك الليلة الثقيلة، وأُسدل ستار الليل لتدب الحياة مجدداً في عروق يوم جديد، تملؤه الشمس بأشعتها الدافئة وضياؤها اللامع. استيقظت يسرا بجسد مهدود وروح منطفئة، والتفتت لتتطلع إلى ذلك الرجل الغافي بجوارها في سبات عميق، غير آبهٍ بما تركته ليلته العاصفة في وجدانها. انقبض قلبها بنفور تلقائي، لكنها سرعان ما قمعت هذا الإحساس، وبدأت تلوم نفسها بقسوة على تلك الأفكار السوداوية التي تراودها. فكرت في سرها لا مجال الآن للتراجع أو الندم.. لقد أصبحت زوجته أمام الله والناس، ولا بد أن أكون على قدر الثقة التي وضعها أهلي فيّ، وأن أحافظ على هذا البيت. غادرت الفراش بخطوات وئيدة، وراحت تتجول في أرجاء الشقة الغريبة، كأنها تحاول ترويض غرفها واستئناس جدرانها. نظرت إلى الأثاث والديكورات التي لم تسترْشَر في اختيارها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن كل شيء على ما يرام، بل وجميل. حدثت نفسها بنبرة توسلية تطمئن بها مخاوفها - إيه يا يسرا؟ ما الحاجة جميلة وزي الفل أهو.. ما هي مامتك كمان اشترت حاجات كتير من غير ما تاخد رأيك ومزعلتيش.. العمر لسه قدامنا طويل، وبكرة نغير ونبدل كل اللي مش عاجبنا على ذوقنا. توجهت

  • رماد القمر    البارت التاسع عشر

    وقفت يسرا على عتبة باب الشقة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، تتطلع إلى الفراغ بشروود تام وعينين غائمتين، وكأنها لا تعيش واقعاً بل استيقظت فجأة داخل كابوس أسود أحكم خناقه عليها. أهبطت رأسها بآلية ميتة، وألقت نظرة باهتة على فستان زفافها الأبيض الذي بدا لها كأنه كفن يُطوق أنفاسها، ثم دارت بنظراتها التائهة في أرجاء تلك الشقة الغريبة. كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا والأثاث، تحاول استكشاف جغرافيا هذا المكان الذي سيصبح سجنها، بينما ظل جسدها ثابتاً، عاجزاً عن تحريك خطوة واحدة للأمام، وكأن قدميها غُرستا في الأرض. عادت بنظراتها المنكسرة إلى موضع قدمها، واجتاحها تساؤل مرير يمزق أحشاءها: هل كان هذا هو حلمها؟ هل هذه هي النهاية التي رسمتها لنفسها كأي فتاة تحلم بمنزل الزوجية، ذلك الملاذ الدافئ الذي يجمعها مع فتى أحلامها في رحلة حب واختيار؟ لقد أُجبرت على كل شيء بدم بارد. أُجبرت على هذا الأثاث الذي تراه للمرة الأولى اليوم بعد أن اختارته والدة أحمد وأخواته وتجاهلوها تماماً، وأُجبرت على هذا الفستان الذي لم تشارك في تفاصيله سوى بوجع ارتدائه، بل وأُجبرت قبل كل شيء على هذا الرجل الواقف قبالتها، والذ

  • رماد القمر    البارت الثامن عشر

    جلست خلود تتوسط الصغيرتين؛ زينة ابنة أخيها، ولمار، تلك الطفلة التي تخطت بفطرتها فارق السن لتصبح صديقتها المقربة. لقد تعلقت لمار بخلود تعلقاً شديداً، وباتت تقضي جلّ أوقاتها معها، متمسةً في حنانها دفئاً كانت تفتقده. انفتح الباب ودلف كريم، يحمل في يده أكياس الحلوى التي تعود أن ينشر بها البهجة. بمجرد

  • رماد القمر    البارت السابع عشر

    - دي مبقتش عيشة.... هو أنتِ أول واحدة تحبل في الدنيا؟ الدكاترة قالوا أول ما تعدي الثالث كل ده هيروح، وأنتِ أهو بتخلصي في الرابع ولسه زي ما أنتِ نزل الكلمات من فم حسن زي السكاكين، صوته كان عالي ومشحون بالضيق وهو واقف على سريره، بعد ما هاجمت نهى نوبة الغثيان المعتادة بمجرد ما قرب منها. كأن الجنين ال

  • رماد القمر    البارت السادس عشر

    حلّ اليوم الموعود لقراءة الفاتحة، واجتمعت العائلتان في بهو المنزل وسط إحتفال بسيط، يغلفه رنين الضحكات وصوت الملاعق وهي تداعب أكواب الشربات. ارتدت الوجوه أقنعة البهجة المناسبة للمقام، وبدت التبريكات تتدفق من الأفواه بسلاسة، حتى تقدم أحمد وبسط كفه ليلبس يسرا خاتم الخطبة، ليعلن الرابط الجديد أمام الجم

  • رماد القمر    البارت الخامس عشر

    حلّ اليوم الموعود لقراءة الفاتحة، واجتمعت العائلتان في بهو المنزل وسط إحتفال بسيط، يغلفه رنين الضحكات وصوت الملاعق وهي تداعب أكواب الشربات. ارتدت الوجوه أقنعة البهجة المناسبة للمقام، وبدت التبريكات تتدفق من الأفواه بسلاسة، حتى تقدم أحمد وبسط كفه ليلبس يسرا خاتم الخطبة، ليعلن الرابط الجديد أمام الجم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status