Home / الرومانسية / رماد القمر / البارت الثانى عشر

Share

البارت الثانى عشر

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-20 12:17:40

أصبحت عروساً للمرة الثانية، وفي غمرة هذه المشاعر المتباينة، لم تكن يسرا لتنكر يوماً فضل والدتها التي أفنت عمرها في تربيتها، ولا فضل إخوتها الذين أحاطوها برعايتهم؛ فبالرغم من أنهم إخوة غير أشقاء، إلا أنهم كانوا لها السند والجدار الذي تستند إليه في كل مأزق.

ولكن، ورغم كل هذا الدفء العائلي المحيط بها، كان هناك غصّة مريرة في حلقها، وشعور حارق ينبش في صدرها بأن هناك شيئاً هاماً للغاية ينقصها... إنه والدها. بالرغم من تخليه الكامل عنها منذ نعومة أظفارها، وإهماله الذي امتد لسنوات، إلا أن في أعماقها حنيناً دافقاً لا يموت، يطفو على السطح كلما واجهت منعطفاً كبيراً في حياتها.

في هذه المرة، قررت يسرا ألا تستسلم للغياب؛ تاقت نفسها أن تذهب إليه، أن تطرق بابه وتطلب منه أن يحضر ليلة قراءة فتحتها، لتنعم بشعور الأبوة ولو لمرة واحدة في حياتها، وليشهد العالم أن لها أباً يقف خلفها في يومها الكبير.

تحركت بخطوات مترددة نحو شروق، التي كانت كعادتها منكبة على هاتفها، تغوص في تفاصيل تلك الحياة الموازية التي حُرمت منها. وقفت يسرا أمامها بحيرة ظاهرة، تفرك يديها بوجل، ثم رددت بنبرة حذرة، تخشى رد الفعل

- إيه رأيك نروح لبابا؟

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

كانت الخطوات تمضي بهما في طريق غريب؛ شروق تُزيّن دربها سعادة غامرة وشوق طفولي جارف لقاء أبٍ لم تره قط، بينما كانت يسرا ينهشها خوف مبهم، وتتثاقل قدماها مع كل متر تقترب فيه من ذلك اللقاء المجهول.

وصلت الفتاتان أخيراً إلى تلك البناية القابعة في البلدة المجاورة. وقفت يسرا عند المدخل، وأخرجت من حقيبتها تلك الورقة المطوية التي تحمل العنوان بخط يدها، وتطلعت إليها ملياً؛ تظاهرت أمام شروق بأنها تراجع الأحرف والكلمات لتتأكد، لكنها في الحقيقة كانت تصارع رغبة عاصفة في داخلها بالاستدارة، والعودة من حيث أتتا، والتنحي تماماً عن هذه الفكرة المجنونة.

هي تعرف هذه البناية جيداً، ولم تنسَ ملامحها يوماً. نعم... انفتحت في عقلها طاقة من الذكريات الأليمة، فتذكرت ذلك اليوم البعيد حين طُردت والدتها من هذا المكان عينه، مجردة من كل حقوقها ومستحقاتها، تحمل شروق جنيناً في بطنها، وتمسك بيدي خالد ويسرا الصغيرتين، والدموع تأبى أن تتوقف عن مآقيها.

بلعت يسرا غصتها المريرة، ودفعت تلك الذكرى السوداء إلى خلفية عقلها، ثم التفتت إلى شقيقتها وأردفت بنبرة تحاول جعلها متماسكة

- يالا بينا يا شروق... هو ده البيت فعلاً.

دلفت الفتاتان عبر البوابة، وبدأت يسرا تصعد الدرج بخطى متباطئة ومترددة، ومن خلفها كانت شروق تتبعها وعيناها تتفقدان المكان بانبهار؛ فالمنزل والبناية بأكملها يبدو عليها الثراء والنعمة. وقفت يسرا أخيراً أمام باب الشقة المنشودة، وألقت نظرة سريعة على شروق، فأدركت أنه لا مجال للتراجع الآن ولا مفر من المواجهة. مدت يدها المرتجفة، وضغطت على جرس الباب بأصابع حائرة.

بعد لحظات، انفتح الباب ليظهر من خلفه طفل صغير، يبدو أنه في السابعة من عمره. تطلع إليهما بتعجب ودهشة، ثم ردد ببراءة طفولية

- إنتوا مين؟ بتوع الإعلانات؟ ولا بتوع التطعيم؟

لم تملك يسرا إلا أن تبتسم رغماً عنها أمام عذوبة طفولته؛ بدا لها واضحاً أن هذا الصغير هو أخوها، فقد كان يحمل في تقاطيعه ملامح كثيرة تشبه شقيقها خالد، وتشبه والدها أيضاً. انحنت يسرا بجسدها حتى أصبحت في مستوى طوله، وردت عليه بابتسامة دافئة

- إحنا لا بتوع إعلانات ولا تطعيم... إحنا عاوزين الحاج سعيد، هو موجود؟

تفرس الطفل في وجهيهما سريعاً، ثم استدار وركض إلى الداخل بصوت عالٍ وهو يصيح

- بابا... بابا.... فيه بنات حلوة أوي برة عاوزينك، تعالى

ثوانٍ قليلة، وخرج من عتمة الشقة ذلك الرجل الذي أشرف على الستين من عمره. كان الشعر الأبيض قد غزا رأسه بالكامل، ورسم الزمن خطوطه القاسية حول تجاعيد وجهه. خمسة عشر عاماً كاملة كانت هي الفاصل بين المرة الأخيرة التي رأته فيها يسرا وبين هذه اللحظة؛ خمسة عشر عاماً كانت كافية لترى كيف خط الزمن آثاره على ملامحه.

تطلع سعيد إليهما بنظرات مبهمة، ومرت لحظات الصمت تلك على الفتاتين وكأنها أعوام مديدة. شعرتا بجفاف شديد في حلقيهما، منتظرتين في لهفة وشوق أن يكتشف هويتهما بمفرده، أن تلمع عيناه بدموع الندم، ويأخذهما بين أحضانه ليغرقهما بقبلاته ويعتذر عن كل تلك السنوات العجاف التي مضت.

تقدم سعيد عدة خطوات إلى الأمام، وفي تلك اللحظة تأهبت شروق بكامل جوارحها لارتماءة ذلك الحضن المنتظر، حتى وقف الرجل على مقربة منهما، وبدلاً من الشوق، ردد بنبرة جافة مستنكرة

- إنتوا مين؟ وعاوزين إيه

التفتت الدنيا في عيني يسرا، والتمعت عيناها بالدموع وثقلت أنفاسها في صدرها، ولكن قبل أن تنطق بحرف واحد، اندفعت شروق بنزق ونحو الرجل، وارتمت بين أحضانه بكل قوتها، في ظل استنكاره التام لفعلتها وتفاجئه بجراءتها. تسببت الصدمة في بكاء شروق المرير، وراحت تردد من بين دموعها

- أنا شروق بنتك يا بابا

وفي تلك اللحظات، كان لسان حال شروق يصرخ بوجع

- بالرغم من إن يسرا قالتلي استني لما يعرفنا ويستوعب، بس مكنتش قادرة أصبر... كان نفسي أحس بحضنه اللي انحرمت منه طول عمري، كان نفسي أنطق كلمة بابا وأسمعها منه.

لكن المفاجأة القاسية صدمت شروق؛ إذ وجدته يمسك بكتفيها ويزيحها بعيداً عن أحضانه بحدة، وهو يتراجع خطوة للخلف ويردد باستنكار ولجاجة

- شروق بنتي مين؟ ومين دي كمان؟ إنتوا نصابين ولا إيه؟

- نصابين؟

رددتها يسرا بذهول ممزوج بالقهر والكرامة الجريحة. تقدمت إلى الأمام بخطوات حازمة، وسحبت أختها المنكسرة لتضمها بين ذراعيها وتحتضنها بقوة، ثم وجهت نظراتها النارية نحو الرجل وقالت

- نصابين؟ إحنا كنا منتظرين قلبك يحس بينا أول ما تشوفنا... أنا يسرا يا بابا، ودي شروق أختي الصغير، اللي إنت طلقت ماما وطردتها وهي حامل فيها

كانت يسرا تتوقع، أو ربما تأمل في زاوية خفية من قلبها، أن تلين ملامحه القاسية بعد سماع الحقيقة، ولكن ملامحه ظلت جامدة، صخرية كما هي، دون أدنى تغيير، وكأنه لم يستمع لتلك العبارات الراعفة التي تفوهت بها. ردد بلامبالاة تامة برابطة الدم وعقود الزمن التي مرت عليهما

- جايين ليه؟ وإيه اللي فكركم بيا بعد السنين دي كلها؟

شعرت شروق برعدة برودة مفاجئة تجتاح أوصالها وتجمد الدماء في عروقها إثر ردة فعله الجافة؛ فاندست بين أحضان يسرا أكثر، وأخفت وجهها في صدرها وكأنها تتمنى أن تختفي خلف ضلوع شقيقتها لتتقي ضربات هذا الخذلان.

أحاطتها يسرا بذراعها بإحكام، وضمتها إليها بشدة وكأنها ترسل إليها رسالة صامتة: "أنا بجوارك، ولن تضيعي". ثم التفتت وتطلعت إلى والدها بملامح باردة، فاترة، اختفت منها كل حماسة المشاعر السابقة، وردت بنبرة جليدية

- كنا جايين عشان أقولك إن خطوبتي الأسبوع اللي جاي... وكنت عاوزاك تحضر.

وأثناء حديثها، لمحت يسرا بطرف عينها تلك السيدة زوجة أبيها وهي تطل برأسها من خلف جدار الممر، تجمع أولادها بحذر وتدفعهم إلى الداخل، وتحذرهم بصوت خفيض من الخروج إليهما؛ فغمر يسرا شعور مهين بأنها وأختها مجرد متطفلتين، دخيلتين غير مرغوب فيهما على حياة هذه العائلة المستقرة.

تطلع إليها سعيد عقب كلماتها تلك، فمسح جسدها بنظرة من أعلى إلى أسفل، ثم ربع يديه أمام صدره بصلف، وردد بتهكم وسخرية

- آه... عشان كده جيالي.... اسمعي يا شاطرة، أنا عارف ألاعيب أمك كويس، وهي اللي بعتاكي عشان أساعد في الجهاز طبعاً... خلي إخواتك اللي سابتني عشانهم يجهزوكِ يا شاطرة... وأنا مش فاضي أحضر خطوبات.

نزلت الكلمات كالسياط، لكن يسرا كانت قد تلقت من الصدمات ما يكفي لتموت مشاعرها؛ فقابلت إهانته ببرود تام وشموخ جريح. أحكمت قبضتها على كف أختها المرتجفة لتغادرا المكان فوراً، ثم وقفت على أعتاب المنزل، والتفتت بوجهها إليه للمرة الأخيرة، وقالت بنبرة حاسمة هزت أركان الصمت

- إخواتي ربوني، وعلموني، وجهزوني خلاص ومش محتاجين منك حاجة... وماما متعرفش أصلاً إننا جايين، إحنا جينا من نفسنا تلبية لنداء غبي في قلوبنا... بس الظاهر إن العنوان كان غلط.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد القمر    البارت الرابع والعشرون

    - مش قادر أصدق إن إنتِ بجد جنبي دلوقتي، بكلمك كده وبسمع نبرة صوتك وهي طالعة.. أنا حاسس إني أسعد إنسان في الدنيا دي كلها، والمكان مش سايعني من الفرحة. طأطأت راندا رأسها وابتسمت بخجل شديد تلونت معه وجنتاها بحمرة قانية، أغمضت عينيها للحظات تستجمع شجاعتها، ثم رددت بصوت خافت كاد لا يتجاوز مسمعه - دي أول مرة في حياتي كلها أعمل حاجة زي دي أو أوافق أكلم حد.. مش عارفة بجد أنا عملت كده إزاي وليه، بس كل اللي عارفاه ومتأكدة منه إني حاسة بإنجذاب غريب ومشدودة ليك، وعشان كده حبيت أديك وأدي نفسي فرصة. كانت كلماتها الرقيقة بمثابة وقود أشعل نيران الأمل في صدره، فالتمعت عيناه بسعادة طاغية، وتابع بلهفة وعاطفة جياشة صبغت نبرته - أوعدك، أوعدك من كل قلبي إنك مش هتندمي يوم واحد على الفرصة دي.. أنا أتمنى لو أروح أتقدم لك حالا وأخبط على باب بيتكم النهاردة قبل بكرة، بس.. بس خايف أهلك يرفضوني وميرحبوش بيا عقدت راندا حاجبيها وضَيّقت ما بينهما بتعجب، وتطلعت إليه بدهشة واستنكار لتردد - وليه ميرحبوش بيك يا خالد؟ إيه اللي يخليهم يعملوا كده؟ اعتدل خالد في جلسته، ورفع بصره ليتطلع إلى الفراغ أمامه، بينما تسلل

  • رماد القمر    البارت الثالث والعشرون

    حان الوقت المرتقب، موعد عودتها اليومي من العمل. وقف خالد في مكانه المعتاد على ناصية الشارع، يختبئ خلف نظراته المتلهفة، يتابع الطريق بعينين قلقتين، يتمنى فقط أن يلمح طيفها القادم من بعيد ليبرد به جوف اشتياقه. لكن الخوف كان ينهش صدره هذه المرة؛ فقد تملكه خجل عارم وجزع شديد منذ أن أرسل رسالته بالأمس. كان يخشى حتى فتح هاتفه أو تفقّد صندوق الرسائل، مرعوباً من ردة فعلها، ومستسلماً لهواجس الرفض التي قد تهدم حلمه الزجاجي.وفجأة، أطلت راندا. مرت من أمام المقهى بخطواتها الهادئة الواثقة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن كالمعتاد؛ التفتت برأسها قليلاً، ورمقته بنظرة خاطفة استقرت في أعماق عينه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة غامضة. في تلك اللحظة، شعر خالد وكأن تياراً صعقاً من الكهرباء قد سرى بعنف في جميع أنحاء جسده، فانتفض قلبه بين ضلوعه، وتجمدت الدماء في عروقه من فرط المفاجأة السعيدة.أطلق ساقيه للريح وركض نحو داخل غرفته كالمجنون، التقط هاتفه بيدين ترتجفان وعرق يتصبب من جبينه. فتح الشاشة بسرعة لاهثة، ودخل إلى محادثتها ليجد سطرها الوحيد الذي غير مجرى حياته(أنا موافقة...)توقف الزمن من حوله، وشعر خالد

  • رماد القمر    البارت الثانى والعشرون

    وقفت يسرا في منتصف ذلك المطبخ القديم، الذي تفوح من جدرانه رطوبة خانقة، وهي محاصرة بتلال من الأواني الكثيرة والمتراكمة التي تبدو كأنها بلا نهاية. كانت تجر يدها المجهدة فوق الصحون بحسرة ممتزجة بالمرارة، بينما يخترق مسامعها صوت قهقهات زوجها أحمد الصاخبة، الممتزجة بضحكات أخواته البنات ووالدته في الصالة المجاورة. كان صدى فرحتهم يطير في أرجاء البيت ليتحول في صدرها إلى خنجر مسموم يذبح كرامتها. انقبض قلبها وهي تقارن بين واقعها المرير، وبين شريط الذكريات الذي مر أمام عينيها فجأة؛ تذكرت نرمين، زوجة أخيها، في بداية زواجها.. كيف أنها لم تطأ قدمها خارج شقتها لمدة شهر كامل، وربما أكثر، وكيف كانت والدتها صفية تمنع أي شخص من إزعاجها، وتردد دائماً بفخر - دي عروسة جديدة، ولازم تكون مدلعة في بيتها، دي أجمل أيام في العمر كله. أما هي.. فها هي تقف وسط القاذورات والدهون في ثاني يوم لعرسها، تنظف أواني لم تتسبب في اتساخها، بالرغم من أنها في بيت والدتها وبكامل دلالها لم تكن تفعل ذلك قط، ولم تجبر يوماً على غسل هذه الكمية المرعبة من الصحون. دارت عيناها في المكان بيأس، وحدثت نفسها بمرارة على لسانها - إيه كم

  • رماد القمر    البارت الحادى والعشرون

    تطلعت إليه خلود بتعجب وذهول من جراء هذا السؤال الفج، وشعرت بموجة عارمة من النفور والاشمئزاز تتضاعف في صدرها تجاهه؛ فطريقته في إلقاء التهم والتدخل في نواياها نزعت من عينيها أي مساحة للاحترام. عقدت حاجبيها ورددت بنبرة جافة يكسوها ضيق واضح لا يقبل المواربة - أظن حضرتك عرفت ردي النهائي على طلبك من كريم أخويا.. فمش فاهمة لازمتها إيه الأسئلة دي دلوقتي؟ وهتفرق مع حضرتك في إيه أساساً؟ تحرك العريس في مقعده، ومال بجسده ليقترب منها أكثر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء تشع خبثاً ولؤماً، ثم أردف بنبرة متهكمة حملت طابع التشفي - هتفرق كتير طبعاً.. أصل أنا أبقى صاحب محمود ابن عمك والروح بالروح، وسمعت منه شخصياً وبلسانه إنك كنتِ بتحبيه بجنون وبتموتي فيه.. عشان كده بس سألت، عشان أتأكد لو رفضك ليا ده مجرد عناد وتضحية عشان خاطر محمود في تلك اللحظة، شعرت خلود وكأن أحدهم قد سكب على جسدها دلواً من الماء المثلج؛ تجمدت الدماء في عروقها، واهتزت الأرض من تحت قدميها. أإلى هذه الدرجة الدنيئة وصل الاستهتار والنذالة بابن عمها؟ أيتحدث عن مشاعرها القديمة ويجعل من كرامتها وسيرتها مادة للتسلية والتباهي بين أصدقا

  • رماد القمر    البارت العشرون

    انقشعت عتمة تلك الليلة الثقيلة، وأُسدل ستار الليل لتدب الحياة مجدداً في عروق يوم جديد، تملؤه الشمس بأشعتها الدافئة وضياؤها اللامع. استيقظت يسرا بجسد مهدود وروح منطفئة، والتفتت لتتطلع إلى ذلك الرجل الغافي بجوارها في سبات عميق، غير آبهٍ بما تركته ليلته العاصفة في وجدانها. انقبض قلبها بنفور تلقائي، لكنها سرعان ما قمعت هذا الإحساس، وبدأت تلوم نفسها بقسوة على تلك الأفكار السوداوية التي تراودها. فكرت في سرها لا مجال الآن للتراجع أو الندم.. لقد أصبحت زوجته أمام الله والناس، ولا بد أن أكون على قدر الثقة التي وضعها أهلي فيّ، وأن أحافظ على هذا البيت. غادرت الفراش بخطوات وئيدة، وراحت تتجول في أرجاء الشقة الغريبة، كأنها تحاول ترويض غرفها واستئناس جدرانها. نظرت إلى الأثاث والديكورات التي لم تسترْشَر في اختيارها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن كل شيء على ما يرام، بل وجميل. حدثت نفسها بنبرة توسلية تطمئن بها مخاوفها - إيه يا يسرا؟ ما الحاجة جميلة وزي الفل أهو.. ما هي مامتك كمان اشترت حاجات كتير من غير ما تاخد رأيك ومزعلتيش.. العمر لسه قدامنا طويل، وبكرة نغير ونبدل كل اللي مش عاجبنا على ذوقنا. توجهت

  • رماد القمر    البارت التاسع عشر

    وقفت يسرا على عتبة باب الشقة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، تتطلع إلى الفراغ بشروود تام وعينين غائمتين، وكأنها لا تعيش واقعاً بل استيقظت فجأة داخل كابوس أسود أحكم خناقه عليها. أهبطت رأسها بآلية ميتة، وألقت نظرة باهتة على فستان زفافها الأبيض الذي بدا لها كأنه كفن يُطوق أنفاسها، ثم دارت بنظراتها التائهة في أرجاء تلك الشقة الغريبة. كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا والأثاث، تحاول استكشاف جغرافيا هذا المكان الذي سيصبح سجنها، بينما ظل جسدها ثابتاً، عاجزاً عن تحريك خطوة واحدة للأمام، وكأن قدميها غُرستا في الأرض. عادت بنظراتها المنكسرة إلى موضع قدمها، واجتاحها تساؤل مرير يمزق أحشاءها: هل كان هذا هو حلمها؟ هل هذه هي النهاية التي رسمتها لنفسها كأي فتاة تحلم بمنزل الزوجية، ذلك الملاذ الدافئ الذي يجمعها مع فتى أحلامها في رحلة حب واختيار؟ لقد أُجبرت على كل شيء بدم بارد. أُجبرت على هذا الأثاث الذي تراه للمرة الأولى اليوم بعد أن اختارته والدة أحمد وأخواته وتجاهلوها تماماً، وأُجبرت على هذا الفستان الذي لم تشارك في تفاصيله سوى بوجع ارتدائه، بل وأُجبرت قبل كل شيء على هذا الرجل الواقف قبالتها، والذ

  • رماد القمر    البارت التاسع

    حلّ يوم الجمعة، ليجمع شمل الأسرة كاملة حول مائدة الغداء التي ضجت بتفاصيلهم المعتادة. وما إن فرغ الجميع من تناول الطعام، حتى انفضّ الجمع ليتوزعوا في أرجاء غرفة المعيشة. التفتت يسرا برأسها نحو عماد، وجلست بالقرب منه كعادتها، ثم همست له بنبرة خفيضة تخبئ وراءها ثقلاً كبيراً، مخبرة إياه بأنها تريده في أ

  • رماد القمر    البارت الثامن

    الصمت مالي الأوضاع، تقيل ومكتوم، ومفيش صوت طالع غير أنفاس عماد العالية اللي فضحا غضبه. بص لأخوه سمير بنظرات حادة، وبعدين لف لمامتهم اللي كانت عمالة تفرك في منديلها بقلق وخوف. - أنا حذرتكم من الأول عماد بدأ يتكلم وهو بيضغط على كل كلمة - قلت لكم الراجل ده ميتأمنش على ضفرها، فما بالكم بحياتها؟ كلا

  • رماد القمر    البارت السابع

    عادت خلود من السوق وهي تحمل أكياس الخضار والاحتياجات اليومية، تجر خطى متعبة بعد جولة في لاهب النهار. وبينما كانت تصعد درجات السلم المؤدية لشقتها، اخترق سكون البناية صوت نحيب خافت، بكاء طفولي متقطع ينم عن خوف شديد. توقفت خلود، وتلفتت حولها حتى انتبهت لتلك الكتلة الصغيرة المنكمشة على نفسها في زاوية

  • رماد القمر    البارت السادس

    ولم يطل مكوثه في ساحة الغزل، إذ سرعان ما عرج بالحديث نحو المرتب، وبدأ يلقي عليها نصائح مطولة في الادخار، وحسن التدبير، والتوفير للمستقبل. كان حديثه يدور في حلقة مفرغة، محورها الأساسي وسؤاله المبطن... كم يبلغ راتبك تحديداً؟.تسلل الضيق إلى صدر يسرا وحاولت كتمانه، حتى باغتَها في منتصف الحوار بسؤال مب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status