INICIAR SESIÓNبعد يومين...
لم يرَ زين هند طوال اليومين الماضيين، وكان تواصلهما يقتصر على المكالمات الهاتفية. كانت هند في المنزل، تهتم بزيد الذي ما زال يعاني من وعكةٍ صحية . أما زين، فكان جالسًا في مكتبه، شارد الذهن، غارقًا في التفكير. دخل معتز إلى المكتب، ونظر إليه قائلًا: ــ "زين، ما بك؟ لماذا أنت شارد؟ اشتقت إليها، أليس كذلك؟" تنهد زين وقال: ــ "كثيرًا يا معتز... أفكر بها في كل لحظة." ابتسم معتز وقال: ــ "إذًا، لماذا لا تذهب إليها؟ اطمئن عليها... واطمئن على أختها أيضًا." ابتسم زين ابتسامة خفيفة وقال: ــ "معك حق... سأذهب إليها الآن." نهض من مكانه، وأخذ مفاتيح سيارته، وفي الطريق توقف واشترى باقةً جميلة من الورود، ثم أكمل طريقه إلى منزل هند. في ذلك الوقت... كانت هند تحمل زيد بين ذراعيها، وتحاول تهدئته بعدما أخذ يبكي. وفجأة... رن جرس الباب. قالت هند وهي تربت على صغيرها بحنان: ــ "هيا يا زيد... لنفتح الباب، ربما عادت خالتك زهر." اتجهت نحو الباب، وفتحته وهي تقول بابتسامة: ــ "اهدأ يا حبيبي... ماما لن تتر..." لكن الكلمات توقفت في حلقها. اتسعت عيناها بدهشة وهمست: ــ "ز... زين؟!" كان زين يقف أمام الباب، يحمل باقة الورد بيده، لكن نظره كان مثبتًا على الطفل الذي بين ذراعيها. قال بصوتٍ مبحوح، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه: ــ "أنتِ... لديكِ طفل؟!" وقفت هند تنظر إليه دون أن تنطق بكلمة. ثم استدارت ببطء، ودخلت إلى الصالون وهي لا تزال تحمل زيد بين ذراعيها، بينما كان قلبها يرتجف، وملامحها يغمرها التوتر. دخل زين خلفها، وأغلق الباب بهدوء. وقف أمامها، وعيناه لا تفارقان الطفل. ثم قال بصوتٍ مرتجف: ــ "من... من والد هذا الطفل يا هند؟" ابتلعت هند ريقها، وخفضت رأسها، ثم همست بصوتٍ يكاد لا يُسمع: ــ "أنت... أنت والده يا زين." تراجع زين خطوة إلى الخلف، وكأن الأرض اهتزت تحت قدميه. تسارعت أنفاسه، وشعر أن العالم كله يدور من حوله. أما هند، فكانت تحاول تهدئة زيد حتى هدأ واستسلم للنوم، بينما بقي زين واقفًا في مكانه، عاجزًا عن النطق. مرّت ساعة كاملة في صمتٍ ثقيل. وأخيرًا، قال بصوتٍ مكسور: ــ "لماذا يا هند؟ لماذا لم تخبريني من قبل؟" رفعت هند عينيها إليه بتردد، وقالت: ــ "ماذا كان بإمكاني أن أقول؟ كنت خائفة... خفت أن ترفض الحقيقة." اقترب زين منها ببطء، ثم حمل زيد بين ذراعيه. امتلأت عيناه بالدموع وهو يتأمل ملامح الطفل الصغيرة. وقال بصوتٍ مرتجف: ــ "مستحيل... مستحيل ألا أقبل ابني. انظري إلى عينيه... إنه يشبهني." ضمّه إلى صدره بحنان، ثم قبّل جبينه. وسأل بصوتٍ دافئ: ــ "ما اسمه؟" أجابته هند: ــ "زيد." انسابت دمعة على خد زين، وقال وهو يحاول كتم ألمه: ــ "لماذا يا هند؟ لماذا حرمتِني منه كل هذه المدة؟" قالت وهي تبكي: ــ "أنا آسفة... والله آسفة يا زين." اقتربت منه، وقبّلت خده بخجل وندم، ثم قالت: ــ "سامحني... أرجوك سامحني." فتح زين ذراعيه وضمها إليه بقوة، وقال بصوتٍ يرتجف: ــ "سأسامحك... لكن عديني بشيء." نظرت إليه وقالت: ــ "ماذا؟" قال: ــ "ألا تخفي عني شيئًا بعد اليوم." هزت رأسها وقالت بإخلاص: ــ "أعدك... وعدًا من قلبي." نظرت إلى زيد، ثم ابتسمت وقالت: ــ "انظر إليه... لقد نام بين ذراعيك، وكأنه يشعر بالأمان." ابتسم زين بحنان وقال: ــ "سأحمله إلى سريره." قالت هند: ــ "تعال... هذه غرفته." دخل زين إلى الغرفة، ووضع زيد برفق في سريره، ثم ظل واقفًا يتأمله طويلًا. وقال بابتسامة امتزجت بالدموع: ــ "حقًا... يشبهنا كثيرًا." اقتربت هند منه، وأحاطته بذراعيها من الخلف، وهمست: ــ "زين..." التفت إليها وقال بابتسامة هادئة: ــ "نعم؟" ابتسمت بخجل وسألته: ــ "ماذا أُحضّر لك لتأكل؟" ابتسم زين، ونظر إليها بعينين امتلأتا حبًا، ثم قال: ــ "لا أريد إلا أنتِ... أنتِ فقط." استدار نحوها، والتقت عيناهما في صمتٍ طويل. اقترب منها ببطء، بينما كانت هي تنظر إليه دون أن تنطق بكلمة... وتركت المشاعر ما عجزت الكلمات عن قوله.الخاتمةأخذ زين يد هند، وسار بها ببطء نحو ساحة الرقص. كانت الأضواء خافتة تنشر وهجًا دافئًا في أرجاء القاعة، والزهور البيضاء تحيط بهما من كل جانب، بينما كان الحضور يصفقون بحرارة ويتابعونهما بإعجاب وتأثر.انطلقت الموسيقى بصوت الفنان عمرو دياب، وكانت كلماتها تنساب برقة، وكأنها تحكي قصة حبهما:"والله جمعتنا الحياة... والليلة يا حبيب، الليلة أحلى ليلة في حياتي."دار زين بهند بين ذراعيه برفق، فاستدارت وهي تبتسم بسعادة، بينما كان فستانها الأبيض يلمع تحت أضواء القاعة كأنها أميرة خرجت من إحدى الحكايات. أما زين، فلم يرفع عينيه عنها لحظة واحدة.اقترب منها وهمس بصوت لا يسمعه سواها:ــ "لم أتخيل يومًا أن تأتي هذه اللحظة... لكنكِ كنتِ قدري منذ البداية."اغرورقت عينا هند بالدموع من شدة الفرح، وابتسمت بخجل وهي تقول:ــ "كل لحظة ابتعدت فيها عنك كانت وجعًا... أما هذه الليلة، فقد محت كل ذلك الألم."استمرا في الرقص ويداهما متشابكتان، وقلوبهما تخفق بإيقاع واحد، بينما كانت نظراتهما تروي قصة حبٍ صمدت أمام كل الصعاب.كان الجميع يتابع تلك اللحظات بصمت، وكأنهم يشهدون نهاية رحلة طويلة وبداية حياة جديدة.لقد كا
في مركز الشرطة، كان المشهد مختلفًا تمامًا.دخل زين برفقة معتز، وكانت ملامحه مشحونة بالغضب والاضطراب. اتجه مباشرة نحو غرفة التحقيق، وطلب مقابلة زينب.سمح له بالدخول، فوجدها تجلس وحدها في الغرفة، مطرقة الرأس، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء، بينما بدا على وجهها الإرهاق والانكسار.رفع زين نظره إليها، وقال بصوت حاد يحمل عتابًا وألمًا:ــ "زينب... لماذا؟ لماذا فعلتِ هذا؟"رفعت زينب رأسها ببطء، وكانت الدموع تملأ عينيها، وقالت بصوت مرتجف:ــ "رغمًا عني، والله يا زين... لم يكن الأمر بيدي. كنت تحت ضغطٍ شديد، وكنت ضائعة... سامحني، أرجوك، ساعدني."أغمض زين عينيه للحظة، محاولًا كبح دموعه، لكن الغضب كان أقوى من كل شيء. اقترب منها قليلًا، وقال بصوت منخفض امتزج فيه الحزن بالقهر:ــ "أنتِ كنتِ السبب في موت أختي... رنا لم ترحل من هذه الدنيا عبثًا، وأنا... لا أستطيع أن أسامحك."استدار بعدها دون أن ينتظر ردًا، وغادر غرفة التحقيق برفقة معتز، تاركًا خلفه زينب تبكي بحرقة، بينما كانت تهمس لنفسها بصوتٍ خافت:ــ "لقد أضعت كل شيء... وخسرت الجميع."في القصر، كانت الأجواء أكثر هدوءًا. هند في صالة الجلوس برفقة ز
كانت هند تستعد للخروج، فقد اتفقت مع زين على الذهاب إلى أحد مراكز التسوق لشراء مستلزمات حفل زفافهما.وقفت أمام المرآة تمشط شعرها بعناية، بينما كانت ملامح السعادة ترتسم على وجهها، وعيناها تلمعان بالحماس.وأثناء ترتيبها لأغراضها، وقع بصرها على صندوق خشبي صغير موضوع فوق أحد الرفوف.اقتربت منه بفضول، وفتحته ببطء، لتجد بداخله صورة قديمة.أمسكتها، وما إن وقعت عيناها عليها حتى تجمدت في مكانها.كانت الصورة لزين... يقف إلى جانب فتاة ترتدي فستان زفاف.اتسعت عيناها، وتسارعت نبضات قلبها، وشعرت بصدمة أربكت أفكارها.في تلك اللحظة، دخل زين إلى الغرفة، وما إن رأى الصورة بين يديها حتى توقف مكانه، وقد ارتسمت الدهشة على وجهه.أسرع نحوها، وسحب الصورة من يدها بارتباك، وقال:— "هند... ماذا أخرجتِ؟"نظرت إليه ويداها ترتجفان، وقالت بصوت متقطع:— "هذه صورة... زين! هل كنت متزوجًا؟! لماذا لم تخبرني؟"ساد الصمت لثوانٍ، وبدا التوتر واضحًا على ملامح زين، ولم يجد ما يقوله.رفعت هند صوتها قليلًا، وقد اختلطت كلماتها بالألم:— "لقد أخبرتني أنك لم تتزوج من قبل... فلماذا أخفيت الحقيقة؟"اقترب منها زين بهدوء، وقال بصوت يح
وصلت سيارة معتز إلى بوابة القصر، وترجّل منها زين وهند بخطوات بطيئة، وقد بدت على وجهيهما آثار الإرهاق والتعب، لكن بريقًا خافتًا من الأمل كان يلمع في أعينهما بعد كل ما مرّا به.ما إن دخلا القصر حتى وجدا سوزان وعلي يقفان عند المدخل، وقد غلبت الدموع على ملامحهما.بمجرد أن رأت سوزان زين، أسرعت نحوه واحتضنته بقوة، وهي تبكي بحرقة قائلة:— "الحمد لله على سلامتك يا بني... هذا اليوم لن يُنسى أبدًا، لكن المهم أنك عدت إلينا سالمًا، وستعود الأمور إلى ما كانت عليه بإذن الله."ربّت زين على كتفها بحنان، وقال بصوت متعب ومتهدج:— "اهدئي يا أمي... لقد انتهى كل شيء، والحمد لله."في تلك اللحظة، خرجت زهر من إحدى الغرف وهي تحمل زيد الصغير بين ذراعيها. وما إن رأت هند حتى ركضت نحوها، بينما فتحت هند ذراعيها لها بكل شوق.ارتمت زهر في حضن أختها، فاحتضنتها هند بقوة، وانهمرت دموعها وهي تضمها إلى صدرها وكأنها تخشى أن تفقدها مرة أخرى.ابتعدت زهر قليلًا وهي تنظر إلى هند بعينين دامعتين، وقالت بصوت خافت:— "اشتقنا إليك كثيرًا."ابتسمت هند وسط دموعها، ثم ضمّت زيد إلى صدرها، وأخذت تقبّل جبينه وخديه بحنان الأم الذي افتقدت
في مكانٍ مهجور...كان زين مقيّدًا بالحبال، وما يزال فاقدًا للوعي، بينما كانت هند تنظر إليه والدموع تنهمر من عينيها بلا توقف.وقف سليم أمام زين، ممسكًا بدلوٍ من الماء البارد، ثم سكبه على وجهه دفعةً واحدة.انتفض زين من شدة البرودة، وفتح عينيه بصعوبة، محاولًا أن يرفع رأسه المثقل بالألم.نظر أولًا إلى سليم، ثم اتجهت عيناه مباشرةً إلى هند، التي كانت مقيّدة، ودموعها تنهمر بغزارة.همس بصوتٍ مبحوح:زين: — هند... حبيبتي... هل أنتِ بخير؟أجابته هند بصوتٍ مرتجف من البكاء:هند: — أنا بخير يا زين... لكن لماذا جئت؟ لماذا يا زين؟ كان يجب أن تبقى بعيدًا!وقف سليم يضحك ضحكةً شيطانية خبيثة، وهو يدور حولهما، ثم قال بسخرية:سليم: — آه... الحب! عاشقٌ ومعشوقة... وأخيرًا يا زين، جاء يومك. اليوم سأنتقم، كما أدخلتني أنا وأبي إلى السجن. أكنت تظن أنك ستفلت؟ لا يا عزيزي... اليوم ستدفع الثمن.كان زين ينظر إلى سليم بعينين يملؤهما الألم والقهر، والدم يغطي رأسه بسبب الضربة التي تلقاها.قال بصوتٍ متعب:زين: — سليم... دع هند ترحل...ضحك سليم باستهزاء وقال:سليم: — لا... لن أتركها. أريدها أن تبقى هنا... لترى حبيبها وهو
عاد زين إلى القصر، وقد بدا عليه الإرهاق بعد ساعاتٍ طويلة من البحث.ما إن دخل حتى نظر إلى سوزان وسألها بلهفة:زين: ـ أين هند؟ هل رأيتموها؟أجابت سوزان بسرعة:سوزان: ـ في غرفتها في الأعلى... ربما كانت تستريح.اندفع زين مسرعًا نحو الغرفة، وفتح الباب بعجلة...لكن الغرفة كانت خالية.تجمد في مكانه، ثم وقعت عيناه على ورقةٍ صغيرة فوق طاولة الزينة.اقترب منها، وأمسكها بيدٍ مرتجفة، ثم قرأ ما كُتب فيها بصوتٍ متقطع:> "سامحني يا زين... كان لا بد أن أذهب وحدي. لم أستطع أن أترك زهر وحدها. أحبك."سقطت الورقة من بين أصابعه، واتسعت عيناه من الصدمة.صرخ بأعلى صوته:زين: ـ هند...!! ماذا فعلتِ؟!اندفع راكضًا إلى الطابق السفلي.وفي تلك اللحظة، دخل والداه إلى الصالة، وقد بدا القلق واضحًا على وجهيهما.سأله والده:علي ـ ماذا حدث يا بني؟أجاب زين بصوتٍ مخنوق، يكاد يختنق من شدة الخوف:زين: ـ هند رحلت... ذهبت وحدها... ذهبت لتنقذ زهر بنفسها!كان قلبه يكاد ينفجر من شدة القلق، ولم يضيع لحظة واحدة، بل أسرع ليجهز نفسه قبل أن يفوت الأوان.في تلك الأثناء...دخل سليم إلى الغرفة التي كانت تحتجز فيها هند وزهر.اقترب منهم







