Share

الصدمة 3

Author: Jiji
last update publish date: 2026-08-02 02:47:55

دخلت هبة المكتب بخطوات مترددة، وأغلقت الباب خلفها برفق. كان المكان أنيقًا على نحو لم تعتد رؤيته؛ أثاث فاخر، مكتبة خشبية ضخمة، ولوحات فنية تتوزع على الجدران. في منتصف المكتب جلست المرأة التي رأتها قبل لحظات، تتصفح بعض الأوراق وكأنها لم تلاحظ دخولها.

انتظرت هبة بضع ثوانٍ قبل أن تتحدث.

"أخبرني صاحب المقهى أنكِ تريدين رؤيتي."

رفعت المرأة نظرها إليها، ثم أشارت إلى المقعد المقابل.

"اجلسي."

جلست هبة، لكنها لم تستطع إخفاء ارتباكها.

"هل أخطأت في شيء؟"

أغلقت المرأة الملف أمامها وقالت بهدوء:

"على العكس... أنتِ بالضبط ما أبحث عنه."

ازدادت حيرة هبة، بينما أخرجت المرأة ملفًا آخر من حقيبتها الجلدية، ووضعته أمامها.

"اقرئي."

أمسكت هبة بالملف وفتحته دون اهتمام، لكن عيناها اتسعتا في اللحظة التي وقعتا فيها على العنوان.

عقد زواج.

رفعت رأسها بسرعة، ثم أعادت النظر إلى الورقة، وكأنها تتأكد أنها لم تخطئ في القراءة.

"أعتقد أن هذا العقد وصل إلى الشخص الخطأ."

هزت المرأة رأسها بثقة.

"بل وصل إلى الشخص الصحيح."

أغلقت هبة الملف فورًا ودفعته نحوها.

"أعتذر، لكنني لا أتزوج رجلًا لا أعرفه."

ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي المرأة.

"ستعرفينه."

"ولا أتزوج مقابل المال."

"ومن قال إنني أشتريك؟"

عقدت هبة حاجبيها.

"إذن لماذا أنا هنا؟"

أسندت المرأة ظهرها إلى المقعد وقالت:

"لأنني أريدك أن تتزوجي ابني."

ساد الصمت.

شعرت هبة وكأنها تسمع حديثًا لا علاقة له بالواقع.

"هل هذا نوع من المزاح؟"

"أنا لا أمزح."

تنهدت هبة، ثم نهضت من مكانها.

"أعتذر، لكنني أضعت من وقتك ما يكفي."

وقبل أن تلمس يدها مقبض الباب، قالت المرأة بهدوء:

"فاتورة علاج والدتك تتجاوز مليونًا ونصف المليون دينار."

تجمدت هبة في مكانها.

تسارعت أنفاسها ببطء، بينما بقيت يدها معلقة فوق المقبض.

أكملت المرأة بنفس النبرة الهادئة:

"والمستشفى منحكم أربعة أيام فقط قبل إلغاء موعد العملية."

استدارت هبة ببطء، وقد اختفى اللون من وجهها.

"من... من أنتِ؟"

رفعت المرأة رأسها، وقالت بثقة:

"نوال العاصي."

اتسعت عينا هبة فور سماع الاسم.

كانت تعرفه جيدًا.

اسم يتردد في الأخبار والجرائد وصفقات الشركات الكبرى.

لكن ما الذي تريده امرأة مثلها من فتاة تعمل في مقهى؟

تابعت نوال حديثها:

"سأتكفل بعلاج والدتك بالكامل."

بقيت هبة صامتة.

"وستحصلين على راتب شهري يكفيك أنتِ وعائلتك."

ثم دفعت العقد نحوها مرة أخرى.

"في المقابل... تتزوجين ابني."

ابتلعت هبة ريقها بصعوبة.

"ولماذا سيوافق ابنك؟"

ابتسمت نوال ابتسامة غامضة.

"اتركي أمره لي."

ظلت هبة تحدق في العقد لثوانٍ طويلة.

ثم رفعت رأسها.

"هناك آلاف الفتيات... لماذا اخترتِني أنا؟"

سكتت نوال.

وفي لحظة خاطفة، مرت في ذهنها صورة فتاة نزعت مئزرها أمام امرأة متغطرسة، ورفضت أن تبيع كرامتها مقابل وظيفة كانت بأمس الحاجة إليها.

تذكرت تلك النظرة...

نظرة الكبرياء التي لم تستطع الأموال كسرها.

لكنها دفنت تلك الذكرى في أعماقها، ونظرت إلى هبة بنظرتها الواثقة المعتادة.

"لأنني أحببتك."

ازدادت حيرة هبة.

كان الجواب مختصرًا إلى حد أثار شكوكها أكثر مما أقنعها.

في الوقت نفسه، كان لؤي يجلس في الطابق الأخير من مقر شركة العاصي، يوقع آخر صفحة من عقد استثماري ضخم مع شركة أجنبية.

صافحه أحد أعضاء مجلس الإدارة مبتسمًا.

"مبارك، أستاذ لؤي. هذه الصفقة ستفتح لنا أبواب السوق الأوروبية."

أغلق لؤي الملف وأومأ برأسه.

"متى موعد السفر؟"

أجابه الرجل:

"غدًا صباحًا."

"وكم سأبقى هناك؟"

"أسبوع تقريبًا، حتى تنتهي جميع الاجتماعات."

أخذ لؤي نفسًا عميقًا، ثم وقع الصفحة الأخيرة.

لم يكن يعلم...

أن والدته كانت تنتظر سفره منذ أسابيع، وأن اللعبة الحقيقية ستبدأ لحظة إقلاع طائرته.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج بالإجبار   132 أريد إصلاح كل شيء

    كان ضوء الصباح يتسلل بهدوء من خلف الستائر الثقيلة، يرسم خيوطًا ذهبية رقيقة على أرضية الغرفة، بينما ظل الهدوء يخيّم على المكان إلا من صوت عقارب الساعة المعلّقة على الجدار.تحركت هبة تحت الغطاء ببطء، ثم فتحت عينيها نصف فتحة، قبل أن تعود وتغمضهما للحظات. شعرت بثقل غريب في جسدها، وكأنها لم تنم بما يكفي، رغم أنها أمضت ساعات طويلة في فراشها. ربما لم يكن التعب جسديًا بقدر ما كان نتيجة الأفكار التي لم تتوقف عن الدوران في رأسها طوال الليل.مدت يدها نحو الطاولة المجاورة تبحث عن هاتفها، ثم رفعته أمام عينيها بتثاقل.اتسعت عيناها فجأة."يا إلهي! لقد تأخرت!"اعتدلت في جلستها بسرعة، وأزاحت الغطاء عنها، ثم وضعت قدميها على الأرض. كان اليوم قد بدأ بالفعل، ولم يعد أمامها الوقت الذي كانت تظن أنها تملكه للاستعداد.لكنها، قبل أن تتحرك نحو الحمام، توقفت فجأة.اليوم هو يوم الحفل.يوم ستلتقي فيه بلؤي بعد أيام من الصمت والبرود، وبعد سلسلة من التصرفات التي لم تكن تتمنى حدوثها بينهما. يوم ستراه فيه أمام الآخرين، وربما تكون هذه فرصتها الأخيرة لتكسر الجدار الذي بنته بيديها.ظلت جالسة على طرف السرير، تحدق في الهاتف

  • زواج بالإجبار   131 إعتذار متأخر

    لم يبقَ على الحفل سوى يوم واحد.كانت هبة جالسة خلف مكتبها، منشغلة بمراجعة مجموعة من المستندات المتعلقة بأحد المشاريع الجديدة. بدت غارقة في عملها، أو هكذا حاولت أن تقنع نفسها، لكنها كانت بين الحين والآخر ترفع عينيها نحو الباب، وكأنها تنتظر دخول شخص بعينه.كان لؤي في مكتبه، ولم يمر عليها منذ الصباح، ولم يتصل بها كما اعتاد أن يفعل، حتى إنه لم يسألها إن كانت قد حسمت قرارها بشأن مرافقته إلى الحفل.والأغرب من ذلك أنه لم يعد يحاول استرضاءها أو معرفة سبب برودها.لقد تبدل الأمر تمامًا.فبعد أن كان يقترب منها كلما سنحت له الفرصة، ويسألها عما يزعجها، أصبح الآن يتعامل معها بقدر كبير من الهدوء واللامبالاة الظاهرية. يمر أمام مكتبها دون أن يتوقف، يكتفي بتحية مقتضبة إن التقت عيناهما، ثم يواصل طريقه وكأن لا شيء يشغله.في البداية، حاولت هبة تجاهل الأمر، وأقنعت نفسها بأنها لا تهتم، لكن مرور الساعات دون أن يبدي أي اهتمام بها بدأ يثير أعصابها.رفعت رأسها عندما سمعت خطواته في الممر، ثم انتظرت أن يتوقف أمام باب مكتبها كما كان يفعل دائمًا.لكنه لم يفعل.مر أمام الباب متحدثًا في هاتفه، ولم يلتفت حتى نحوها.تج

  • زواج بالإجبار   130 الواشي آدم ينقذ الموقف

    لم يكن لؤي يفهم ما الذي أصاب هبة فجأة. منذ الصباح، وهي تتعامل معه ببرود واضح، تتجنب النظر إليه، وتختصر حديثها معه إلى كلمات قليلة، حتى إنه بدأ يشعر بأن وجوده أصبح يزعجها. في البداية، حاول إقناع نفسه بأنها متعبة أو منشغلة بأمور العمل، لكن الأمر لم يكن كذلك. فقد كان يعرفها بما يكفي ليدرك أن وراء هذا الصمت شيئًا تخفيه، وأنها تتعمد إبعاده عنها. دخل مكتبها بعد أن طرق الباب، فوجدها منهمكة في مراجعة بعض الملفات. «صباح الخير.» «صباح النور.» رفع حاجبيه منتظرًا أن ترفع عينيها إليه، لكنها واصلت تقليب الأوراق دون أن تمنحه اهتمامًا إضافيًا. اقترب من مكتبها وقال: «ألن تسأليني عن أحوالي اليوم؟» أجابته دون أن تنظر إليه: «أظن أنك بخير، أليس كذلك؟» ابتسم محاولًا تخفيف التوتر: «كنت بخير حتى بدأتِ معاملتي بهذه الطريقة.» رفعت عينيها إليه أخيرًا، ثم قالت ببرود: «لا أعتقد أن معاملتي لك تؤثر في سير عملك.» اختفت ابتسامته قليلًا. «هبة، ما بك؟» «لا شيء.» «أنت تعرفين أنني لا أصدق هذه الإجابة.» أعادت نظرها إلى الملف أمامها. «إذن لا تسألني.» تنهد لؤي، ثم استند إلى حافة المكتب. «هل فعلت شيئًا

  • زواج بالإجبار   129 هذا ما رأته عيني !؟

    كان لؤي يتفحص بعض المستندات على مكتبه حين وصلته رسالة من العميل الذي جمع بينه وبين هبة في مشروع قطر قبل عام كامل.لم تكن الرسالة طويلة، لكنها حملت دعوة رسمية لحضور احتفال كبير بمناسبة مرور سنة على تدشين المشروع، مع الإشارة إلى أن الاحتفال سيشهد حضور عدد من الشخصيات ورجال الأعمال الذين ساهموا في إنجاحه، وأن العميل يود مشاركة هبة ولؤي هذه المناسبة تقديرًا لما قدماه من جهد وتعاون.ابتسم لؤي وهو يقرأ الرسالة، ثم أعاد النظر إلى التاريخ المحدد للاحتفال.أسبوع كامل يفصله عن الموعد.أغلق هاتفه، ونهض من مكانه متجهًا إلى مكتب هبة.كانت منهمكة في مراجعة بعض الأوراق حين طرق الباب ودخل بعد أن أذنت له، فرفعت رأسها نحوه بابتسامة هادئة.ـ هل انتهيت من مراجعة التقرير؟ـ تقريبًا، بقيت بعض التفاصيل الصغيرة.اقترب من مكتبها ووضع هاتفه أمامها.ـ وصلتنا دعوة لحضور احتفال بمناسبة مرور عام على تدشين مشروع قطر.تناولت الهاتف وراحت تقرأ الرسالة باهتمام، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة.ـ عام كامل!قالتها بشيء من الدهشة، وكأنها لم تصدق أن كل ذلك الوقت مر منذ بدأت خطواتهما الأولى في المشروع.ـ يبدو أن الوقت يم

  • زواج بالإجبار   128 جار غير مرغوب فيه

    لم يعد المقر القديم لشركة لؤي العاصي يتسع لموظفيه، فقد شهدت الشركة خلال الأشهر الأخيرة توسعًا ملحوظًا، وتضاعفت مشروعاتها وعقودها، حتى أصبح من الضروري البحث عن مقر جديد يليق بحجمها المتنامي.كان هذا هو السبب الرسمي الذي أعلنه لؤي أمام موظفيه، وهو السبب الذي لم يجد أحد ما يدعوه للتشكيك فيه.أما السبب الحقيقي، فكان مختلفًا تمامًا.جلس لؤي خلف مكتبه يتصفح مجموعة من الصور والمخططات التي وضعها مساعده أمامه، وقد طلب منه البحث عن مبنى تجاري تتوفر فيه مساحة واسعة وموقع مناسب لاستيعاب أقسام الشركة المختلفة.قال مساعده وهو يشير إلى أحد الملفات:«هذا المبنى هو الخيار الأفضل حتى الآن. مساحته كبيرة، وتصميمه حديث، كما أن موقعه قريب من المراكز التجارية التي نتعامل معها. توجد فيه عدة شركات، وبعض المكاتب لا تزال شاغرة».رفع لؤي عينيه عن الأوراق.«أي مبنى؟»«برج الأعمال في شارع... لقد أرسلت لك تفاصيله كاملة».أمسك لؤي الملف، وألقى نظرة سريعة على الصور، رغم أنه كان يعرف جيدًا ما يحتويه. فقد سبق أن زار المبنى بنفسه، وتفقد الطابق الذي توجد فيه شركة هبة، بل إنه حرص على معرفة المكاتب المتاحة بالقرب منها.لم

  • زواج بالإجبار   127 غيرة تشعل شرارة الحب من جديد

    كان الصباح هادئًا في الدوحة، والشمس تتسلل من خلف الواجهات الزجاجية للمباني الشاهقة، ناشرة ضوءها على الشوارع التي بدأت تستعيد حركتها المعتادة. توقفت سيارة هبة أمام المبنى الذي يضم مقر شركتها، فرفعت عينيها نحو الطوابق العليا، وتأملت الواجهة التي تحمل اسم شركتها بفخر صامت. كم من الوقت مضى منذ آخر مرة وقفت فيها هنا دون أن يكون عقلها منشغلًا بملفات قديمة، أو بأسماء أشخاص، أو بتفاصيل حادثة ظلت تطارد عائلتها طوال سنوات؟ لقد انتهى الأمر أخيرًا. لم يكن انتهاء القضية يعني أن ألم فقدان والدها قد زال، ولا أن السنوات التي عاشتها والدتها في الحزن والانتظار يمكن استعادتها، لكنه منحها شيئًا كانت تحتاج إليه بشدة؛ القدرة على إغلاق ذلك الباب دون أن تشعر بأنها تخلت عن حقه. تنفست بعمق، ثم حملت حقيبتها وترجلت من السيارة. ما إن دخلت المبنى حتى استقبلها موظف الاستقبال بابتسامة عريضة. «صباح الخير، آنسة هبة. يسعدنا عودتك.» ابتسمت له. «صباح النور. كيف تسير الأمور هنا؟» «كل شيء على ما يرام، وقد أنهى الفريق بعض الأعمال التي كانت تنتظر موافقتك.» أومأت برضا، ثم اتجهت نحو المصعد. كان للمكان رائحة مألوفة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status