LOGINدخلت هبة المكتب بخطوات مترددة، وأغلقت الباب خلفها برفق. كان المكان أنيقًا على نحو لم تعتد رؤيته؛ أثاث فاخر، مكتبة خشبية ضخمة، ولوحات فنية تتوزع على الجدران. في منتصف المكتب جلست المرأة التي رأتها قبل لحظات، تتصفح بعض الأوراق وكأنها لم تلاحظ دخولها.
انتظرت هبة بضع ثوانٍ قبل أن تتحدث. "أخبرني صاحب المقهى أنكِ تريدين رؤيتي." رفعت المرأة نظرها إليها، ثم أشارت إلى المقعد المقابل. "اجلسي." جلست هبة، لكنها لم تستطع إخفاء ارتباكها. "هل أخطأت في شيء؟" أغلقت المرأة الملف أمامها وقالت بهدوء: "على العكس... أنتِ بالضبط ما أبحث عنه." ازدادت حيرة هبة، بينما أخرجت المرأة ملفًا آخر من حقيبتها الجلدية، ووضعته أمامها. "اقرئي." أمسكت هبة بالملف وفتحته دون اهتمام، لكن عيناها اتسعتا في اللحظة التي وقعتا فيها على العنوان. عقد زواج. رفعت رأسها بسرعة، ثم أعادت النظر إلى الورقة، وكأنها تتأكد أنها لم تخطئ في القراءة. "أعتقد أن هذا العقد وصل إلى الشخص الخطأ." هزت المرأة رأسها بثقة. "بل وصل إلى الشخص الصحيح." أغلقت هبة الملف فورًا ودفعته نحوها. "أعتذر، لكنني لا أتزوج رجلًا لا أعرفه." ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي المرأة. "ستعرفينه." "ولا أتزوج مقابل المال." "ومن قال إنني أشتريك؟" عقدت هبة حاجبيها. "إذن لماذا أنا هنا؟" أسندت المرأة ظهرها إلى المقعد وقالت: "لأنني أريدك أن تتزوجي ابني." ساد الصمت. شعرت هبة وكأنها تسمع حديثًا لا علاقة له بالواقع. "هل هذا نوع من المزاح؟" "أنا لا أمزح." تنهدت هبة، ثم نهضت من مكانها. "أعتذر، لكنني أضعت من وقتك ما يكفي." وقبل أن تلمس يدها مقبض الباب، قالت المرأة بهدوء: "فاتورة علاج والدتك تتجاوز مليونًا ونصف المليون دينار." تجمدت هبة في مكانها. تسارعت أنفاسها ببطء، بينما بقيت يدها معلقة فوق المقبض. أكملت المرأة بنفس النبرة الهادئة: "والمستشفى منحكم أربعة أيام فقط قبل إلغاء موعد العملية." استدارت هبة ببطء، وقد اختفى اللون من وجهها. "من... من أنتِ؟" رفعت المرأة رأسها، وقالت بثقة: "نوال العاصي." اتسعت عينا هبة فور سماع الاسم. كانت تعرفه جيدًا. اسم يتردد في الأخبار والجرائد وصفقات الشركات الكبرى. لكن ما الذي تريده امرأة مثلها من فتاة تعمل في مقهى؟ تابعت نوال حديثها: "سأتكفل بعلاج والدتك بالكامل." بقيت هبة صامتة. "وستحصلين على راتب شهري يكفيك أنتِ وعائلتك." ثم دفعت العقد نحوها مرة أخرى. "في المقابل... تتزوجين ابني." ابتلعت هبة ريقها بصعوبة. "ولماذا سيوافق ابنك؟" ابتسمت نوال ابتسامة غامضة. "اتركي أمره لي." ظلت هبة تحدق في العقد لثوانٍ طويلة. ثم رفعت رأسها. "هناك آلاف الفتيات... لماذا اخترتِني أنا؟" سكتت نوال. وفي لحظة خاطفة، مرت في ذهنها صورة فتاة نزعت مئزرها أمام امرأة متغطرسة، ورفضت أن تبيع كرامتها مقابل وظيفة كانت بأمس الحاجة إليها. تذكرت تلك النظرة... نظرة الكبرياء التي لم تستطع الأموال كسرها. لكنها دفنت تلك الذكرى في أعماقها، ونظرت إلى هبة بنظرتها الواثقة المعتادة. "لأنني أحببتك." ازدادت حيرة هبة. كان الجواب مختصرًا إلى حد أثار شكوكها أكثر مما أقنعها. في الوقت نفسه، كان لؤي يجلس في الطابق الأخير من مقر شركة العاصي، يوقع آخر صفحة من عقد استثماري ضخم مع شركة أجنبية. صافحه أحد أعضاء مجلس الإدارة مبتسمًا. "مبارك، أستاذ لؤي. هذه الصفقة ستفتح لنا أبواب السوق الأوروبية." أغلق لؤي الملف وأومأ برأسه. "متى موعد السفر؟" أجابه الرجل: "غدًا صباحًا." "وكم سأبقى هناك؟" "أسبوع تقريبًا، حتى تنتهي جميع الاجتماعات." أخذ لؤي نفسًا عميقًا، ثم وقع الصفحة الأخيرة. لم يكن يعلم... أن والدته كانت تنتظر سفره منذ أسابيع، وأن اللعبة الحقيقية ستبدأ لحظة إقلاع طائرته.كانت عقارب الساعة تقترب من الواحدة ظهرًا، حين انعطفت سيارة لؤي إلى داخل بوابة القصر الحديدية.لم يكن يقود بسرعة...ولا ببطء.كان يقود كما يعيش منذ أيام...هادئًا من الخارج، مضطربًا من الداخل.منذ أن غادر الشركة، لم يفكر في الفتاة التي سيقابلها.ولم يحاول حتى أن يتخيل شكلها.كان قد اتخذ قراره بالفعل.سيمنحها فرصة عادلة...كما طلب منه والده.لن يقارنها بسارة.ولن يحملها ذنب قصة لم تكن جزءًا منها.كان يكرر هذه الكلمات في داخله منذ الصباح، كأنه يقنع نفسه أكثر مما يؤمن بها.أوقف السيارة أمام المدخل الرئيسي، ثم ترجل منها بهدوء.استقبله أحد العاملين، فألقى عليه التحية قبل أن يتجه مباشرة إلى مكتب والديه.طرق الباب طرقات خفيفة."ادخل."فتح الباب.وجد فارس جالسًا خلف مكتبه، بينما كانت نوال تقف قرب النافذة.رفع فارس رأسه مبتسمًا."ظننت أنك ستتأخر."أجاب وهو يخلع سترته ويضعها على المقعد المجاور."أنهيت اجتماعاتي بسرعة."ساد صمت قصير.ثم نظر حوله."أين هي؟"ابتسم فارس ابتسامة خفيفة.أما نوال، فاتجهت نحو النافذة مرة أخرى، ثم أشارت بيدها إلى الخارج."في الحديقة."تقدم لؤي بخطوات هادئة.لم يكن يرى سو
عبرت هبة البوابة الحديدية بخطوات أهدأ مما توقعت. لم تكن هذه زيارتها الأولى للقصر، لذلك لم تلتفت إلى ارتفاع الجدران ولا إلى اتساع الحديقة كما فعلت سابقًا. كانت تعرف الطريق المؤدي إلى المدخل، وتعرف تلك الأشجار التي جلست تحت ظل إحداها قبل أيام وهي تظن أن الحياة لا يمكن أن تصبح أكثر تعقيدًا مما هي عليه. ابتسمت في سرها. كم كانت ساذجة وهي تظن أن كل ما ينتظرها مجرد مقابلة عمل. فتح الباب قبل أن تصل إليه. خرجت نوال تستقبلها بنفسها، وما إن وقعت عيناها على هبة حتى شعرت براحة لم تتوقعها. لم تعد ترى تلك الفتاة التي دخلت مكتبها أول مرة بملامح أنهكها القلق. اليوم وقفت أمامها شابة تعرف كيف تخفي ارتباكها دون أن تخفي حقيقتها. كان الفستان العاجي الذي اختارته معها قبل أيام ينسجم مع هدوء ملامحها، بينما بدا شعرها البني أكثر ترتيبًا، لا لأنه صُفف بعناية فحسب، بل لأنها كانت تحمله بثقة مختلفة. اقتربت نوال وربتت برفق على يدها. "أهلاً بك يا هبة." ابتسمت هبة. "سعيدة برؤيتك، سيدتي." تأملتها نوال لحظة، ثم قالت: "يبدو أن السيدة ريم كانت محقة... الأناقة لا تُعلَّم، لكنها تُوقظ." ضحكت هبة
تسللت خيوط الصباح الأولى إلى غرفة لؤي، فأيقظت المكان قبل أن توقظه. كان يقف أمام المرآة بصمت، يثبت أزرار قميصه الأبيض، ثم التقط سترته ذات اللون الأزرق الليلي وارتداها بهدوء. انعكس طيفه على الزجاج. رجل في الثلاثين من عمره. طويل القامة حتى بدا الباب خلفه أصغر مما هو عليه، عريض الكتفين، مستقيم الظهر، يحمل في هيئته وقارًا فرضته المسؤولية أكثر مما فرضه العمر. مرر يده بين خصلات شعره البني الداكن التي استقرت بعفوية فوق جبينه، ثم عدل ساعة يده ونظر إلى نفسه للحظات. لم يعد يرى الشاب الذي كان يركض خلف الحب... بل الرجل الذي يستعد لحمل إرث عائلته. أخذ نفسًا عميقًا. ثم خرج من غرفته. كان فارس يجلس في بهو القصر يقرأ بعض التقارير، بينما كانت نوال ترتشف قهوتها بهدوء. رفع فارس رأسه مبتسمًا. "صباح الخير." "صباح الخير." جلس لؤي إلى الطاولة. وضعت الخادمة فنجان القهوة أمامه، فشكرها بإيماءة خفيفة. كسرت نوال الصمت قائلة: "لا ترتبط بأي موعد بعد الساعة الواحدة." نظر إليها لؤي. "هل حان الوقت؟" أومأت برأسها. "نعم." أعاد فنجانه إلى الطبق بهدوء. "حسنًا... سأعود قبلها."
استلقت هبة فوق سريرها، تحدق في سقف غرفتها دون أن ترمش. كان كل شيء هادئًا... هادئًا على نحو يثير الريبة. أطلقت ضحكة قصيرة، ثم وضعت كفها فوق فمها كأنها تخشى أن يسمعها أحد. "يا للروعة..." ساد الصمت. ثم عادت تضحك مرة أخرى. "هبة الكيلاني..." رفعت سبابتها نحو السقف كأنها تخاطب شخصًا غير مرئي. "الفتاة المجنونة... على حد تعبير أمي." أغمضت عينيها، ثم أكملت وهي تعد على أصابعها: "خمسة وعشرون عامًا..." "أنقذت أمها..." "بمال عقد باعت فيه نفسها لعائلة العاصي." ما إن أنهت الجملة حتى انفجرت ضاحكة من جديد. كانت تضحك كما لو أن ما حدث يخص شخصًا آخر. لكن الضحكة لم تدم طويلًا. اختفت شيئًا فشيئًا... وحل مكانها صمت ثقيل. جلست على حافة السرير. وضمت ركبتيها إلى صدرها. حدقت في الفراغ طويلًا. ثم همست لنفسها: "هل أنا مجنونة فعلًا؟" لم تجد جوابًا. اكتفت بإطلاق زفرة طويلة، ثم ألقت بنفسها على الوسادة. وأغلقت عينيها محاولة أن تنام... لكن النوم كان آخر ما يفكر في زيارتها. في صباح اليوم التالي، خرجت والدة هبة من المستشفى وسط فرحة ابنتها التي لم تفارقها منذ نجاح ال
دخلت أشعة الصباح من نافذة الغرفة بهدوء، لتستقر فوق وجه والدة هبة. فتحت عينيها ببطء، ثم أدارت رأسها تبحث بعينيها عن ابنتها. ما إن لمحَتها هبة حتى أسرعت نحوها، وانحنت تقبل جبينها. ابتسمت الأم بصعوبة. "الحمد لله... ما زلت أراك." اغرورقت عينا هبة بالدموع. ابتسمت وهي تمسك يدها. "ولن تفقديني أبدًا بإذن الله." تنهدت الأم بارتياح وهي تتأمل وجه ابنتها. "يبدو أن العملية نجحت." ضحكت هبة من بين دموعها. "نجحت... والطبيب قال إنك ستعودين إلى البيت بعد أيام قليلة." ابتسمت الأم، ثم أغمضت عينيها للحظة. "إذن... سنعود إلى حياتنا الصغيرة." هزت هبة رأسها بحماس. "بل إلى حياة أجمل." رفعت الأم حاجبيها. "حياة أجمل؟" جلست هبة إلى جوارها. "سأعمل أكثر." "وسأدخر المال." "وسنغادر ذلك المنزل الضيق." ابتسمت وهي ترسم بيديها أحلامًا صغيرة في الهواء. "وسأشتري لك حديقة صغيرة تزرعين فيها الياسمين الذي تحبينه." ضحكت الأم بخفة. "وكل هذا من أجل عجوز مثلي؟" أجابت هبة بسرعة: "من أجل الإنسان الوحيد الذي بقي لي." ساد بينهما صمت دافئ. كانت الأم تنظر إلى ابنتها بفخر، حتى وقع
ظل الضوء الأحمر المعلق فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا لساعات، حتى فقدت هبة إحساسها بالوقت. لم تعد تنظر إلى الساعة. ولا إلى المارة. ولا حتى إلى هاتفها الذي امتلأ بالمكالمات التي لم تجب عنها. كانت عيناها معلقتين بذلك الباب الأبيض، وكأن العالم كله اختصر خلفه. كل ثانية كانت تمر أثقل من التي سبقتها. كانت تضغط كفيها ببعضهما حتى شحب لونهما، بينما لا يتوقف لسانها عن الدعاء. وفجأة... انطفأ الضوء الأحمر. انتفضت واقفة قبل أن يُفتح الباب. خرج الطبيب، ونزع كمامته ببطء، ثم ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلب هبة. قال بهدوء: "الحمد لله... العملية نجحت." لم تسمع ما قاله بعد ذلك. كل ما شعرت به أن ساقيها خانتاها. أطلقت ضحكة امتزجت ببكاء حار، ثم رفعت يديها نحو السماء. "الحمد لله... الحمد لله." كانت تكررها وهي تبكي، غير آبهة بمن حولها. شعرت وكأن جبلًا كان يجثم فوق صدرها قد اختفى في لحظة. ركضت في الممر تسأل الممرضة متى يمكنها رؤية والدتها، ثم شكرتها مرتين، وثلاثًا، حتى ابتسمت الممرضة من فرط تأثرها. لم تستطع أن تخفي فرحتها. كانت تتحرك بخ







