Masukحلّ المساء على قصر العاصي، لكن الأضواء في مكتب نوال ما زالت مضاءة. كانت تقلب بعض الملفات حين طرق فارس الباب بخفة قبل أن يدخل.
أغلق الباب خلفه، ثم جلس أمامها قائلًا: "يبدو أن كل شيء يسير كما أردتِ." أغلقت نوال الملف أمامها. "تقريبًا." نظر إليها فارس مليًا. "بقي لؤي." أومأت برأسها. "ولهذا طلبت منك أن تأتي." اعتدل في جلسته. "ماذا تريدين مني؟" سحبت نوال ملفًا من درج مكتبها ووضعته أمامه. "قرار تعيين لؤي مديرًا تنفيذيًا للمجموعة." فتح فارس الملف، وقرأ الأوراق سريعًا. "كان بإمكاننا إصدار القرار منذ أشهر." "أعرف." أغلقت نوال الملف بيدها. "لكن ليس الآن." رفع فارس نظره إليها. "تريدين استخدام المنصب لإقناعه." "لا..." قالتها بهدوء. "...بل لأجعله يفكر بعقله بدلًا من قلبه." تنهد فارس وهو يعيد الملف إليها. "وأنتِ تعلمين أنه سيعتبر ذلك ابتزازًا." أجابت بثبات: "لن تكذب عليه." "إذن ماذا أقول؟" وقفت نوال واتجهت نحو النافذة. "أخبره أن والده قرر تسليمه منصب المدير التنفيذي، لكن بشرط أن يستقر ويتزوج." استدار فارس نحوها. "وسيقول إنه لن يتزوج إلا سارة." ابتسمت نوال ابتسامة خفيفة. "وهنا يأتي دورك." ساد الصمت. ثم تابعت: "أخبره أن الزواج لن يمنعه من الزواج بسارة مستقبلًا." التفت إليها فارس ببطء. "تقصدين..." "إذا عادت سارة بعد عامين، وما زال متمسكًا بها، فلن نقف في طريقه." ظل فارس صامتًا للحظات. ثم قال: "وهذا صحيح؟" أجابته نوال دون تردد: "إذا أثبتت أنها تستحقه... نعم." اقترب فارس من المكتب وأسند يديه إليه. "أنتِ تراهنين على أن سارة لن تعود كما هي." نظرت إليه بثقة. "أنا لا أراهن." توقفت لحظة. "أنا أمنحها فرصة لتثبت من تكون." ابتسم فارس ابتسامة باهتة. "وأمنح ابني فرصة ليخسر أو يربح." خفضت نوال بصرها نحو الأوراق. "بعض الدروس لا تُفهم بالكلام." حمل فارس الملف، ثم اتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج، التفت إليها. "سأتحدث معه فور عودته." أومأت نوال بصمت. في الجهة الأخرى من المدينة... كانت سارة تغلق آخر حقيبة سفر. توقفت للحظة، ونظرت إلى الشقة التي شهدت أجمل لحظاتها مع لؤي. اقتربت من الطاولة الصغيرة التي تتوسط غرفة الجلوس. وضعت إطار الصورة الذي جمعهما في مكانه، ثم جلست وأخرجت ورقة بيضاء. ظل القلم معلقًا بين أصابعها لثوانٍ طويلة. قبل أن تبدأ بالكتابة. "لؤي... كنت أتمنى أن أراك قبل سفري، لكنني أعرف نفسي جيدًا... لو وقفت أمامك لما استطعت الرحيل. أحتاج إلى أن أخوض هذه التجربة، وأن أحقق حلمًا انتظرته طويلًا. لا تغضب لأنني غادرت دون وداع، فوداعك كان سيجعل الأمر أصعب علينا معًا. سأتواصل معك بمجرد أن أستقر، وأعدك أن أروي لك كل شيء. لا تنسَ أن تعتني بنفسك... ولا تجعل انشغالك بالعمل ينسيك الطعام كما تفعل دائمًا. سيمر الوقت أسرع مما نتخيل، وعندما أعود سنعوض كل الأيام التي فرقتنا. إلى ذلك الحين... انتظرني. سارة." طوت الرسالة بعناية، ثم وضعتها داخل ظرف أبيض، وكتبت عليه بخطها: "إلى لؤي." حملت الظرف، وأغلقت باب الشقة خلفها للمرة الأخيرة. في الطابق الأرضي، ناولت المفتاح والظرف إلى حارس البناية. قالت بابتسامة هادئة: "إذا جاء لؤي... أعطه هذا من فضلك." أومأ الرجل. "لا تقلقي يا آنسة." تنفست سارة بعمق، ثم سحبت حقيبتها وغادرت. في المطار... دوّى النداء الأخير للرحلة. وقفت سارة أمام بوابة المغادرة. التفتت خلفها مرة واحدة. كأنها تنتظر أن يناديها أحد. لكن المكان بقي صامتًا. ابتسمت ابتسامة حزينة، ثم أمسكت بجواز سفرها ودخلت. وبعد دقائق... ارتفعت الطائرة في السماء، حاملة معها أسرارًا لم يكن أحد يعلمها. بعد أسبوع... هبطت طائرة لؤي في المطار خرج بخطوات سريعة، يجر حقيبة سفره بيد، ويخرج هاتفه بالأخرى. اتصل بسارة. ابتسم وهو ينتظر أن يسمع صوتها. لكن الهاتف كان مغلقًا. هز رأسه وهو يبتسم لنفسه. "لا بد أنها ما زالت غاضبة لأنني تأخرت." أعاد الهاتف إلى جيبه، واستقل سيارته. كان يعرف وجهته دون أن يحتاج إلى التفكير. ضغط على دواسة الوقود، وانطلقت السيارة عبر شوارع المدينة. لم يكن يعلم... أن خلف الباب الذي يقصده الآن، تنتظره أول صدمة ستغير حياته إلى الأبد.كان الليل قد بدأ يفرض سلطته على الجبل، والظلام يزداد كثافة بين الأشجار المتشابهة التي أحاطت بهبة من كل جانب. كانت تمشي منذ وقت لا تعرف كم مضى منه، تتقدم حينًا وتتراجع حينًا آخر، وكلما ظنت أنها وجدت الطريق، قادتها خطواتها إلى مكان أكثر عمقًا في الغابة.توقفت أخيرًا وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، وأخذت تدور حول نفسها محاولة أن تتذكر من أين جاءت. لم يعد هناك شيء مألوف أمامها؛ الأشجار العالية تبدو متطابقة، والظلال الممتدة بينها تجعل المكان أشبه بمتاهة لا نهاية لها. أدخلت يدها في حقيبتها تبحث عن هاتفها للمرة التي لا تعرف عددها، ثم تذكرت فجأة أنها تركته في البيت الجبلي.في تلك اللحظة، كان هاتفها بالفعل مستلقيًا قرب باب المنزل، بينما كان لؤي يستعد للمغادرة.وقبل أن يخطو خارج الباب، لمح ضوءًا صغيرًا على الطاولة القريبة من المدخل. توقف ونظر إليه باستغراب، ثم اقترب منه ليتأكد. لم يحتج إلى وقت طويل ليدرك أنه هاتف هبة.مد يده والتقطه، ثم أضاءت الشاشة فجأة معلنة عن مكالمة واردة.تجمد للحظة عندما قرأ اسم المتصل."مديرة أعمالي ❤️"ارتفع أحد حاجبيه، وظهرت على وجهه ابتسامة ساخرة قصيرة. لم يخطر بباله أن الا
كان لؤي قد أمضى بقية يومه بين الاتصالات والاجتماعات والملفات التي تراكمت أمامه، لكن عقله لم يكن حاضرًا في أي منها. كانت صورة سارة تعود إليه كلما حاول التركيز، وكلمات هبة في المقهى لا تزال تتردد في داخله بإصرار غريب:"من يشتاق حقًا... يفعل المستحيل."وللمرة الأولى منذ أسابيع، شعر أنه ربما بدأ يفعل ذلك فعلًا.أمسك هاتفه واتصل بهبة.لم تجب من المرة الأولى، فانتظر قليلًا ثم أعاد الاتصال. وما إن جاء صوتها حتى قال مباشرة:"وجدت شيئًا قد يساعدنا."سألته باستغراب:"ماذا وجدت؟""فيلم."ساد الصمت للحظات."فيلم؟"ضحك لؤي."لا تنظري إليّ هكذا من خلال الهاتف. الفيلم يتحدث عن شخصين يضطران إلى تمثيل الحب أمام أهل أحدهما."تنهدت هبة."وهل تعتقد أن مشاهدة فيلم ستجعلنا قادرين على خداع أمي؟""لا."توقف لحظة."لكنها قد تعلمنا كيف نتجنب الأخطاء الساذجة."لم تستطع هبة منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهها."أرسل لي العنوان إذن."أرسل إليها الموقع، ثم قال:"انتهي من عملك وتعالي.""إلى هذا المكان؟""ستعرفين عندما تصلين."أغلقت هبة الهاتف وهي تشعر بأن شيئًا غريبًا يحدث في حياتها. قبل أسابيع كانت أكبر مشكلاتها
لم يكن لؤي يعرف إلى أين يذهب.منذ أن عرف أن الرقم الذي بحث عنه سكرتيره يعود إلى سارة، أصبح كل شيء من حوله يبدو ضيقًا على نحو خانق. حاول أن يجلس في مكتبه، أن يفتح التقارير المتراكمة أمامه، أن يستعيد صورته المعتادة كرجل يعرف تمامًا ما يريد، لكنه لم يستطع.كانت عيناه تتحركان فوق الكلمات دون أن تستوعبا حرفًا واحدًا.كل ما كان يراه هو اسم واحد.سارة.بعد أسابيع من الصمت، وبعد أن أقنع نفسه بأن عليه أن يعتاد غيابها، ظهرت فجأة من مكان بعيد، من رقم دولي لا يعرف كيف وصل إليه، وكأن القدر قرر أن يفتح الجرح الذي حاول إغلاقه بالقوة.نهض من خلف مكتبه دون أن يفكر.وفي اللحظة التي وجد نفسه فيها خلف مقود سيارته، كان يعرف إلى أين يتجه.إلى المقهى.المكان الذي كان يأتي إليه معها، والذي كان يعرف أن كل زاوية فيه تحمل ذكرى منها. لم يكن يتوقع أن يجد فيه حلًا لمشكلته، لكنه شعر أن لا شيء آخر يستطيع أن يهدئ الفوضى التي تعصف داخله.كان يحتاج إلى مكان لا يطالبه فيه أحد بأن يكون لؤي العاصي، المدير التنفيذي، الرجل الذي يحمل اسم عائلته ومسؤولياتها، والرجل الذي يستعد للزواج خلال أسابيع.كان يريد فقط أن يكون رجلًا اشت
لم تحتج صور لؤي وهبة إلى أكثر من ساعات قليلة حتى تنتشر في كل مكان.كانت الصحف الإلكترونية تتناقلها واحدة تلو الأخرى، ومواقع التواصل تضج بالتعليقات والتحليلات، بينما كانت صورتهما وهما يخرجان من متجر المجوهرات تتصدر الأخبار باعتبارها أول ظهور علني لهما معًا.صورة لؤي وهو يمسك بيد هبة.وصورة أخرى وهو يحملها بين ذراعيه وسط الصحفيين.وصورة ثالثة لهما أمام واجهة متجر المجوهرات.أما العناوين، فكانت أكثر جرأة من الصور نفسها."لؤي العاصي يعلن ارتباطه رسميًا.""وريث عائلة العاصي يستعد للزواج.""من هي الفتاة التي خطفت قلب لؤي العاصي؟"كانت هبة تحدق في شاشة التلفاز بصمت، وقد شعرت بأن وجهها أصبح أكثر سخونة كلما ظهرت صورة جديدة.جلست والدتها في الجهة المقابلة، تحدق في الشاشة ثم في ابنتها، قبل أن تخفض صوت التلفاز ببطء.ساد الصمت.ذلك الصمت الذي كانت هبة تعرفه جيدًا.الصمت الذي يسبق الأسئلة التي لا يمكن الهروب منها.التفتت والدتها إليها."هبة..."رفعت هبة عينيها إليها."نعم؟"أشارت الأم إلى التلفاز."ما هذا؟"تجمدت هبة للحظة.كانت قد عرفت أن هذه اللحظة ستأتي، لكنها لم تعرف أنها ستأتي بهذه السرعة.ابت
كانت أضواء المدينة تنسحب خلفهما واحدة تلو الأخرى، بينما ظلت السيارة تسير في هدوء بعد الفوضى التي تركاها خلفهما.جلست هبة في المقعد المجاور للؤي، وما زالت يدها تستقر فوق صدرها بين حين وآخر، كأنها تحاول إقناع قلبها بأن ما حدث قبل دقائق لم يكن بالحجم الذي شعر به.أما لؤي فكان يركز على الطريق، لكنه كان يلمحها من طرف عينه بين لحظة وأخرى.ظل صامتًا لبعض الوقت، قبل أن يقول:"هبة..."التفتت إليه."نعم؟"تردد قليلًا، ثم قال:"أنا آسف."رفعت حاجبيها باستغراب."على ماذا؟""لأنني حملتك بهذه الطريقة."ثم أضاف وهو يعيد عينيه إلى الطريق:"ظننت أنك خفتِ، خصوصًا عندما رأيتك تمسكين قلبك."نظرت هبة إلى يدها، ثم ضحكت بخفة."لم أخف منك."التفت إليها للحظة."إذن؟""كنت أحاول فقط أن أستوعب أنك حملتني أمام عشرات الصحفيين وكأنني حقيبة سفر."ضحك لؤي."حسنًا... سأعتبرها إهانة مقبولة."ابتسمت هبة، ثم عادت تنظر من النافذة.ساد بينهما صمت قصير قبل أن يقول لؤي:"يجب أن تتعودي عليهم الآن.""على من؟""الصحافة."تنهد."من الآن فصاعدًا ستصبح جزءًا من حياتنا. اعتبريها فردًا جديدًا من العائلة."التفتت هبة إليه بنظرة جانب
لم يستطع لؤي أن يطرد الرقم الدولي من رأسه.ظل الهاتف بين يديه، وشاشة المكالمة الفائتة أمام عينيه، بينما كانت أفكاره تعود إلى الاسم نفسه الذي لم يحتج إلى أن يظهر على الشاشة حتى يعرف صاحبه.سارة.كان من المفترض أن يشعر بالارتياح لأنه وجد أخيرًا أثرًا لها بعد أسابيع من البحث، لكنه لم يشعر إلا بقلق غريب استقر في صدره. لماذا اتصلت؟ ولماذا لم تجب عندما أعاد الاتصال بها؟رفع عينيه نحو سكرتيره الذي كان يقف أمام المكتب ينتظر تعليماته.قال لؤي بلهجة حاسمة:"أريدك أن تبحث عن هذا الرقم."مد الهاتف إليه."أريد أن أعرف الدولة التي صدر منها، ومن صاحبه تحديدًا."تردد الرجل لحظة قبل أن يأخذ الهاتف."حاضر سيدي."أعاده إليه بعد أن حفظ الرقم، ثم خرج.بقي لؤي وحده.أعاد النظر إلى الشاشة مرة أخرى، وكأنه ينتظر أن يرن الهاتف من تلقاء نفسه.لكنه لم يرن.وفي مكان آخر...كانت هبة تقف خلف آلة القهوة في المقهى، ترتب بعض الأكواب على الرف بينما كانت إحدى العاملات تتولى طلبات الزبائن.رن هاتفها.نظرت إلى الشاشة، ثم رفعت حاجبيها باستغراب عندما قرأت الرسالة التي وصلتها للتو.تم الإعلان رسميًا عن زواج لؤي العاصي.تجمدت







