ログイン**زواج بالوصية**
**الفصل الرابع** استيقظ نادر في الصباح على صوت العصافير وصوت بعيد لمحرك جرار زراعي. الضوء كان يدخل الغرفة بقوة هذه المرة، لأنه لم يسدل الستائر تماماً في الليلة السابقة. نظر إلى ساعته: السابعة والنصف. في المدينة لم يكن يستيقظ قبل الظهر إلا نادراً. نهض وغسل وجهه، وارتدى بنطلوناً كاجوال وقميصاً أبيض بأكمام مطوية. عندما نزل إلى الطابق الأرضي، وجد المائدة قد أُعدت لشخصين فقط. عمه ثروت كان قد خرج مبكراً إلى الحقول كما أخبرته الخادمة، أما منه فلم تكن موجودة. سأل الخادمة: ـ الآنسة منه؟ ـ خرجت منذ ساعة يا سيد. قالت إنها ستمر على المستودع ثم تعود. شرب نادر قهوته على مهل، ثم خرج إلى الشرفة الأمامية. الهواء نظيف وبارد قليلاً، والحقول تمتد أمامه كموجات خضراء. بعد ربع ساعة رأى سيارة جيب بيضاء قديمة تقترب من الفيلا. توقفت، ونزلت منه من جهة السائق. كانت ترتدي بنطلوناً جينز داكناً وقميصاً أبيض بسيطاً، وشعرها مربوطاً في ذيل حصان مرتفع. بدت مختلفة عن الليلة السابقة، أكثر عملية وأقرب إلى أرض المزرعة. حملت حقيبة جلدية صغيرة من المقعد الخلفي وتوجهت نحوه. ـ صباح الخير ـ قالت وهي تمر بجانبه. ـ صباح الخير. خرجتِ باكراً. ـ هناك شحنة زيت زيتون كان يجب التأكد من أوراقها قبل إرسالها إلى الميناء. والدي مشغول في الجهة الغربية من المزرعة. دخلَت إلى الفيلا، وتبعها نادر دون أن يدعوه أحد. في الصالة وضعت الحقيبة على الطاولة وفتحتها، وأخرجت بعض الأوراق وبدأت تراجعها بسرعة. لاحظ كيف تتحرك عيناها بين السطور، وكيف تمسك القلم بطريقة واثقة. ـ تحتاجين مساعدة؟ ـ سأل وهو يتكئ على ظهر الأريكة. رفعَت رأسها ونظرت إليه للحظة. ـ هل تقرأ العقود التجارية؟ ـ أوقع عليها عادة. هذا يكفي في معظم الأحيان. ابتسمت منه ابتسامة صغيرة ساخرة للمرة الأولى منذ التقيا. ـ إذن الأفضل أن أتابع وحدي. جلس على الكرسي المقابل وصمت يراقبها. بعد دقائق رفعت ورقة ومدتها إليه. ـ هذا عقد مع شركة توزيع في أوروبا. هل ترى أي مشكلة في البند السابع؟ أخذ الورقة وقرأ. البند يتعلق بشروط التأخير والغرامات. كان واضحاً نسبياً، لكنه لاحظ أن الصيغة تضع عبئاً أكبر على المورد في حال تأخر الشحن بسبب ظروف خارجة عن الإرادة. ـ الغرامة مرتفعة قليلاً إذا كان التأخير بسبب الميناء أو الجمارك ـ قال وهو يعيد الورقة. ـ بالضبط. سأعدلها قبل التوقيع النهائي. نظر إليها نادر باهتمام أكبر هذه المرة. لم تكن تتحدث كفتاة تنتظر زوجاً ليرعاها. كانت تتحدث كشخص يدير عملاً حقيقياً. بعد ساعة، انتهى ثروت من عمله في الحقول وعاد. اقترح أن يتجول نادر في المزرعة، فوافق. صعد الاثنان في الجيب نفسها، وأخذته جولة طويلة بين أشجار الزيتون والبيوت البلاستيكية ومصنع العصر الصغير. كان ثروت يتحدث بحماس عن كل شيء، ونادر يستمع في معظمه، لكنه كان يلاحظ كيف يحيي العمال عمه باحترام حقيقي، لا بالخوف. عند الظهيرة عادوا. وجدوا منه في المكتب الصغير الملحق بالفيلا، تتحدث في الهاتف بلغة أجنبية بطلاقة. عندما أنهت المكالمة ونظرت إليهما، قال ثروت لابنته: ـ نادر سيمكث بضعة أيام إضافية. رتبي له ما يحتاجه. نظر إليها نادر وانتظر رد فعلها. اكتفت بالإيماء برأسها قائلة: ـ حسناً. في المساء، بعد العشاء، اعتذر ثروت مجدداً وانسحب مبكراً. بقي نادر ومنه في الصالة. كانت تقرأ كتاباً، وهو يتصفح هاتفه دون تركيز حقيقي. فجأة رفع رأسه وقال: ـ لماذا توافقين أصلاً على هذا الزواج؟ أغلقَت الكتاب بهدوء ووضعته جانباً. ـ سألتك السؤال نفسه ليلة أمس. ـ وأجبتِ إجابة ناقصة. نظرت إليه طويلاً، ثم قالت: ـ لأن أبي تعب كثيراً ليصل إلى ما نحن عليه. ولأن عمك جاسر ساعده في أيام صعبة جداً قبل سنوات. هذه الوصية ليست مجرد شرط عليّ... هي دين معنوي بطريقة ما. لكني لن أتنازل عن كرامتي من أجل أي دين. سكتت لحظة ثم أضافت: ـ وأنت؟ هل ستظل ترى هذا الزواج صفقة فقط؟ ابتسم نادر نصف ابتسامة. ـ حتى الآن نعم. صفقة كبيرة ومزعجة. ـ على الأقل أنت صادق. وقف ومشى نحو النافذة، ثم التفت إليها. ـ هل تعتقدين أننا نستطيع أن نتحمل بعضنا ثلاثة أشهر دون أن نقتتل؟ ـ ثلاثة أشهر؟ ـ رفعت حاجبيها. ـ الوصية تقول الزواج خلال ثلاثة أشهر. لكنها لم تحدد مدة بقاء الزواج بعدها. ضحك نادر ضحكة حقيقية هذه المرة. ـ هل تخططين للطلاق فور الحصول على الميراث؟ ـ أخطط لأن لا أكون ضحية أحد. لا أنت ولا الوصية. اقترب منها حتى وقف أمام الكرسي الذي تجلس عليه. نظر إلى أسفل إليها، وكانت هي ترفع وجهها إليه دون أن تتحرك. ـ أنتِ أصعب مما توقعت يا منه. ـ وأنت بالضبط كما توقعت. ربما أسوأ قليلاً. ظلا صامتين لثوانٍ، المسافة بينهما قصيرة أكثر من اللازم. استطاع أن يرى تفاصيل عينيها بوضوح، والخط الرفيع لحاجبيها، وطريقة ارتفاع صدرها مع التنفس. شعرت هي بحرارة جسده القريب، وبرائحة عطره الخفيفة التي تختلف عن رائحة المزرعة. في لحظة ما مالت هي إلى الخلف قليلاً في الكرسي، فكسر ذلك التوتر. ابتعد نادر خطوة وقال بصوت أهدأ: ـ سأبقى حتى نهاية الأسبوع. بعدها أعود إلى المدينة لأرتب بعض الأمور. إذا قررنا المتابعة... سنتحدث عن التفاصيل. ـ حسناً. صعدت منه إلى غرفتها بعد قليل. ظل نادر في الصالة وحده، يسكب لنفسه كأساً من العصير هذه المرة بدلاً من أي شيء آخر. نظر إلى الكتاب الذي تركته على الطاولة، وكان عنوانه عن الاقتصاد السلوكي. ابتسم بسخرية هادئة وهز رأسه. هذه الفتاة لن تكون سهلة الانقياد. ولن تكون مجرد اسم يوقع بجانبه على عقد زواج. وفي مكان ما في أعماقه، بدأ يشعر أن الثلاثة أشهر القادمة قد تكون أطول مما يظن... أو أقصر مما يتوقع، حسب الطريقة التي ستسير بها الأمور بينهما.**زواج بالوصية****الفصل الحادي والعشرون**في الصباح الباكر جداً، قبل أن تكتمل خطوط الفجر في الأفق، كان نادر ومنه يسيران في ممرات المستشفى شبه الخالية. رائحة المعقمات كانت حادة في الهواء، وأضواء النيون البيضاء تمنح كل شيء مظهراً باهتاً. أمسكت منه بيده بقوة أكبر مما اعتادت، كأنها تحاول أن تنقل إليه بعض ثباتها. هو كان صامتاً، وملامحه مشدودة بقلق لم يعد يحاول إخفاءه كثيراً أمامها.عندما دخلَا غرفة جاسر وجداه مستيقظاً ومسنوداً إلى وسائد إضافية. وجهه كان أكثر نحافة، لكن عينيه كانتا صافيتين بشكل لافت في تلك الساعة المبكرة. أشار إليهما أن يقتربا ويغلقا الباب خلفهما. جلس نادر على الكرسي بجانب السرير، بينما وقفت منه إلى جانبه مباشرة واضعة يدها على كتفه.ـ طلبتَني يا أبي.ـ طلبتكما الاثنين. ما سأقوله يعنيكما معاً.سعل الرجل سعلة جافة ثم تابع بصوت أجش لكنه واضح:ـ أنا لست أحمقاً يا نادر. أعرف أن جسدي يتوقف تدريجياً. الأطباء يتحدثون بمجاملات، لكنني أسمع ما لا يقولونه. لهذا أردت أن أراكما اليوم قبل أن يزداد التعب.ـ لا تتحدث بهذا الشكل ـ اعترض نادر بصوت مخنوق.ـ اسمعني حتى النهاية. أنت تزوجت. وهذا
**زواج بالوصية****الفصل العشرون**مرّ اليوم التالي لزواجهما بهدوء يشبه الحلم المتكرر. استيقظَا متأخرين، وتبادلا قبلات الصباح الكسولة تحت الغطاء، ثم نزلَا معاً إلى المطبخ كمن يؤدان طقساً يومياً قديماً رغم أنه لم يمر عليه سوى ساعات. نادر اكتشف أنه يحب أن يرى منه بشعرها العشوائي وروبها الفضفاض وهي تحضر القهوة. هي اكتشفت أنها تحب صوت خطواته خلفها قبل أن يحتضنها من الخلف ويضع ذقنه على كتفها.ـ هل هذا حقيقي؟ ـ سألته وهي تسكب القهوة.ـ إذا لم يكن حقيقياً فأنا لا أريد أن أصحو ـ ردّ وهو يقبّل رقبتها قبلة خفيفة.جلسا إلى الطاولة هذه المرة لا واقفين. تحدثَا عن أمور عملية لأول مرة كزوجين: عن نقل بعض أغراضها من المزرعة، عن تحويل إحدى الغرف إلى مكتب خاص بها، عن موعد زيارة جاسر المسائية. كانت التفاصيل عادية، لكنها كانت تحمل طعماً جديداً لأنهما يقررانها معاً لا كلٌّ على حدة.بعد الظهر ذهبَا إلى المستشفى. جاسر بدا أقل إرهاقاً مما كان عليه في يوم العقد. عندما رآهما دخلَا معاً ويمسك كل منهما بيد الآخر، أشرق وجهه بابتسامة راضية.ـ كيف ليلتكما الأولى؟ ـ سأل مباشرة بجرأة الرجل الذي لم يعد يخاف كثيراً من ا
**زواج بالوصية****الفصل التاسع عشر**استيقظ نادر قبلها بقليل. الضوء الذي يدخل من بين الستائر كان ناعماً ومائلاً إلى الذهب، يشير إلى أن العصر قد بدأ ينحسر نحو المساء. هي كانت لا تزال نائمة على جانبها، شعرها الأسود مبعثر على الوسادة، وكتفها العاري يظهر من تحت الغطاء الخفيف. ظل ينظر إليها لفترة طويلة دون أن يتحرك، كأن أي حركة قد تكسر شيئاً هشاً وجميلاً في اللحظة.مدّ يده برفق وأزاح خصلة شعر عن خدها. لم تستيقظ. فقط تنهدت تنهيدة صغيرة وملأت الفراغ الذي تركه شعرها بوجهها أكثر. ابتسم لنفسه في الصمت. لم يكن معتاداً على الاستيقاظ إلى جانب امرأة والرغبة في البقاء لا في الانصراف. هذه المرة كان العكس تماماً: كان يخشى أن تتحرك هي أولاً وتكسر السحر.بعد دقائق فتحت عينيها ببطء. عندما رأته بجانبها حدّقت فيه لحظة كأنها تتأكد من أن ما حدث لم يكن حلماً، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة دافئة ودفنت وجهها في صدره.ـ مساء الخير يا زوجي ـ همست بصوت الصحو الخشن.ـ مساء الخير يا زوجتي.احتضنها بقوة أكبر وقبّل أعلى رأسها. ظلّا هكذا تحت الغطاء، أجسادهما متلامسة وعارية، دون حاجة فورية إلى كلام كثير. يدها كانت ترسم خطوطا
**زواج بالوصية****الفصل الثامن عشر**كان صباح الخميس مختلفاً منذ اللحظة الأولى. استيقظ نادر عند السادسة، ووجد أن النوم قد هربه تماماً منذ ساعة. وقف أمام النافذة ينظر إلى الحديقة التي لا تزال مغطاة بضباب خفيف، ويحاول أن يستوعب أن هذا اليوم لن يشبه أي يوم سبقه. بعد ساعات قليلة سيكون زوجاً. والمرأة التي ستقف إلى جانبه لم تعد مجرد اسم في وصية، بل أصبحت الشخص الذي يفكر فيه قبل أن ينام وبعد أن يستيقظ.نزل إلى الطابق السفلي فوجد ثروت بالفعل مستيقظاً ومرتدياً بدلة رسمية داكنة. الرجل صافحه بحرارة أطول من المعتاد وقال:ـ اليوم يوم خير إن شاء الله. والدك ينتظر، وأنا أيضاً.ـ أعرف. سأكون جاهزاً خلال ساعة.صعدت منه بعد قليل. كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً وأنيقاً يصل إلى قدميها، دون مبالغة في التفاصيل أو الزينة. شعرها مرسلاً ومصففاً بهدوء، وعلى وجهها مكياج خفيف جداً يبرز ملامحها دون أن يغيّرها. عندما رآها نادر نازلة الدرج توقف في مكانه للحظة. لم تكن تشبه عروساً تقليدية، لكنها كانت أجمل مما تخيل في أي لحظة سابقة.ـ أنتِ... ـ بدأ يقول ثم توقف باحثاً عن كلمة مناسبة.ـ أنا جاهزة ـ أكملت هي مبتسمة نصف
**زواج بالوصية****الفصل السابع عشر**كان يوم الأربعاء ثقيلاً وبطيئاً كأن الزمن نفسه يقاوم الوصول إلى الغد. استيقظ نادر قبل الفجر وظل جالساً على طرف سريره يحدق في الظلام. غداً في مثل هذه الساعة تقريباً سيكون رجلاً متزوجاً. الفكرة لم تعد مجرد بند قانوني في وصية، ولا اتفاقاً عائلياً مرتباً. أصبحت شيئاً يمسّ صدره مباشرة كلما تذكر وجهها وهي تقول له «الخميس» بصوتها الهادئ الواثق.نزل إلى المطبخ فوجدها هناك قبل الجميع كعادتها في كثير من الصباحات. كانت ترتدي روبًا خفيفاً فوق بيجامتها، وشعرها مبعثر قليلاً كأنها لم تُعِدّ نفسها بعد لعيون الآخرين. عندما رأته لم تتفاجأ. فقط ناولته فنجان القهوة الذي كانت قد سكبته مسبقاً كأنها كانت تعرفه قادماً.ـ لم تنم جيداً أيضاً؟ ـ سألت بصوت الصباح الخشن قليلاً.ـ لا. وأنتِ؟ـ كنت أفكر في الغد. وفي والدك. وفي أننا بعد ساعات قليلة لن نكون شخصين يحاولان التفاهم... بل زوجين أمام القانون.أخذ الفنجان منها ووضعَه على الرخام، ثم أمسك بيديها الاثنتين وسحبها إليه برفق. احتضنها احتضاناً طويلاً صامتاً، ذقنه فوق رأسها، ويداها ملتفتان حول ظهره. ظلّا هكذا دقائق دون أن يتكل
**زواج بالوصية****الفصل السادس عشر**في الصباح التالي بدأت الترتيبات تأخذ شكلاً عملياً سريعاً. اتصل المحامي فهد مبكرًا ليخبر نادر أن معظم الأوراق جاهزة، وأن بإمكانهما تحديد موعد لتوثيق عقد الزواج خلال أيام قليلة إذا رغبا. عندما أنهى المكالمة كان ثروت ومنه جالسين في الصالة. نقل إليهما الخبر بهدوء، فظهر على وجه ثروت ارتياح واضح، بينما بقيت ملامح منه هادئة لكن عينيها كانتا تتحدثان بأكثر مما يقول فمها.ـ هل يناسبكما يوم الخميس القادم؟ ـ سأل نادر وهو ينظر إليها تحديداً.ـ يناسبني ـ أجابت دون تردد. ـ الأفضل ألا نطيل أكثر من ذلك. عمك جاسر ينتظر، وأنا أيضاً لا أرى فائدة في التأجيل بعد أن حسمنا الأمر.أومأ ثروت موافقًا وقال:ـ سأتصل ببعض الأقارب المقربين فقط. لا داعي لحفل كبير في ظل ظرف جاسر الصحي. عقد بسيط وكريم يكفي.بعد الإفطار ذهب الثلاثة معاً إلى المستشفى. جاسر بدا ذلك اليوم أكثر ضعفاً في الجسد لكن أكثر إشراقاً في العينين عندما سمع أن الموعد قد تحدّد. أمسك بيد نادر وبيد منه في الوقت نفسه وضمّهما فوق الغطاء الأبيض كأنه يبارك شيئاً أكبر من مجرد اتفاق قانوني.ـ الخميس... حسنًا. أريد أن أوقع