LOGINلم تتحرك ليان بعد كلمات آدم. بقيت واقفة في القبو الضيق، ويدها لا تزال ممسكة بيده، بينما كان صوت عمها يتردد في ذاكرتها كتحذير لا تعرف إن كان يجب أن تصدقه أم تخشاه. «لا تدعي آدم يخبرك من أنتِ.» كانت الجملة وحدها كافية لتفتح عشرات الأسئلة داخل رأسها. إذا كان عمها يعرف شيئاً عن هويتها، فلماذا أخفاه طوال هذه السنوات؟ ولماذا ظهر الآن تحديداً؟ والأهم... لماذا كان آدم يعرف أكثر مما قال لها؟ قالت ليان بصوت خافت: «قلت إنك ستخبرني بالحقيقة.» نظر آدم إليها بثبات. «وسأفعل.» «الآن.» صمت لحظة، ثم أومأ. «الآن.» أشاح سامر بوجهه قليلاً، وكأنه أدرك أن ما سيقال لا يخصه بالكامل، لكنه بقي بالقرب من باب القبو تحسباً لأي خطر. جلس آدم على صندوق خشبي قديم، وأشار إلى ليان أن تجلس أمامه. لم تجلس. بقيت واقفة، عاقدة ذراعيها أمام صدرها. قالت: «لا أريد أن تجمّل الكلام. ولا أريد جملًا مثل كنت أحاول حمايتك. أريد الحقيقة كما هي.» رفع آدم عينيه إليها. «حسناً.» ثم أخذ نفساً عميقاً. «زواجنا لم يكن صدفة.» لم تتحرك ليان. كانت تتوقع الجملة، ومع ذلك عندما سمعتها شعرت بوخزة حادة في صدرها. تابع آدم: «عندما وقعتِ العقد معي، كنتِ
بقيت ليان واقفة في منتصف الغرفة، عاجزة عن استيعاب الجملة التي قالها آدم. لم تكن تسمع سوى صدى واحد يتكرر داخل رأسها: «من شيء كان يجب أن يقتلها منذ عشرين عاماً.» شعرت وكأن كل ما عرفته عن نفسها طوال حياتها تحول فجأة إلى كذبة ضخمة لا تعرف أين تبدأ وأين تنتهي. رفعت عينيها نحو آدم، وكانت ملامحها شاحبة بصورة أخافته أكثر مما أراد أن يظهر. قالت بصوت متقطع: «ماذا تقصد بأنني نجوت؟» لم يجبها مباشرة. كان ينظر إليها وكأنه يحاول اختيار الكلمات التي لن تحطم ما تبقى من تماسكها. لكنها لم تمنحه فرصة أخرى. اقتربت منه وقالت بإصرار: «أريد الحقيقة يا آدم. الآن. لا أريد حماية، ولا أسراراً، ولا نصف إجابات. أريد أن أعرف من أنا.» بقي صامتاً لثوانٍ، ثم قال: «الحقيقة التي أعرفها ليست كاملة.» «إذن أعطني ما تعرفه.» أخذ آدم نفساً عميقاً، ثم وضع الشهادة القديمة على الطاولة. «قبل عشرين عاماً، كان والدك الحقيقي اسمه ياسر الكيلاني.» تجمدت ليان. الاسم لم يكن مألوفاً لها، ومع ذلك شعرت بقشعريرة غريبة عندما سمعته. «ياسر... الكيلاني؟» أومأ آدم. «كان شريكاً لوالدي في مجموعة من الأعمال، لكن نشاطهما الحقيقي لم يكن كما يبدو على
لم تستطع ليان أن تنطق بكلمة واحدة. بقيت الصورة بين أصابعها، بينما كانت عيناها معلقتين على الوجه الثالث الذي ظهر فيها للمرة الأولى. رجل لم تتذكر أنها رأته من قبل، ومع ذلك كان هناك شيء غريب في ملامحه جعل قلبها ينقبض وكأن ذاكرتها تحاول انتشال صورة قديمة من مكان عميق دفنت فيه منذ سنوات. كان آدم واقفاً أمامها، صامتاً، يراقب تعابير وجهها بدقة. أما سامر فبقي بالقرب من الباب، يتفقد الممر بين لحظة وأخرى، وكأنه يدرك أن الوقت ليس في صالحهم. قالت ليان أخيراً بصوت متقطع: "من هذا الرجل؟" لم يجب آدم فوراً. رفعت عينيها إليه. "آدم، سألتك... من هذا؟" اقترب منها ببطء، وأخذ الصورة من يدها، ثم قلبها إلى الجهة الخلفية. كانت هناك كتابة قديمة بخط والدها. توقفت أنفاس ليان عندما قرأت الجملة: "إذا وصلت هذه الصورة إلى ابنتي، فهذا يعني أن الحقيقة لم تعد قابلة للإخفاء." شعرت ببرودة تسري في جسدها. تابعت القراءة: "الرجل الموجود في الصورة ليس عدوي، لكنه ليس حليفاً أيضاً. لقد كان جزءاً من حياتها أكثر مما يجب، وسيكون أول شخص يحاول إقناعها بأن ما تعرفه عن طفولتها صحيح." ارتجفت أصابعها. "طفولتي؟" رفع آدم عينيه إليها. "نع
لم يكن أمام ليان وقت لتستوعب ما قرأته في الرسالة. كانت أصوات الرجال تقترب من الجهة الخلفية للمنزل، بينما كان آدم يراقب الممر المؤدي إلى الباب بعينين حادتين. أمسك يدها، وانتزع الورقة من بين أصابعها للحظة، ثم طواها ووضعها داخل جيبه. قالت ليان بسرعة: "أعطني إياها." نظر إليها. "لاحقاً." "آدم، هذه رسالة أبي." "وأنا أعرف." "إذن لا تأخذها مني!" اقترب منها وقال بصوت منخفض: "لن آخذها منكِ، لكن إذا بقيتِ واقفة هنا تناقشينني، فلن يبقى لدينا وقت لمعرفة ماذا كان والدكِ يريد منكِ أن تعرفي." سكتت ليان، لكنها لم تترك يده. كان سامر يقف بالقرب من النافذة، يراقب الخارج بقلق. ثم قال: "هناك أربعة رجال في الخلف، وربما اثنان عند البوابة." سأله آدم: "هل تعرفهم؟" "ليسوا من رجال طارق." رفع آدم حاجبه. "كيف أنت متأكد؟" "لأن رجال طارق لا يتحركون بهذه الطريقة." "أي طريقة؟" "هؤلاء مدربون على الدخول والخروج دون ترك أثر." نظر آدم إلى ليان. "وهذا يعني أنهم تابعون للجهة التي نتحدث عنها منذ البداية." سألته: "من هي؟" لم يجب. صرخت ليان بغضب مكتوم: "إلى متى ستظل تقول لي لا أعرف؟ أنت تعرف شيئاً!" قال آدم: "أعرف أنها جهة أكب
لم تتحرك ليان من مكانها. بقيت الورقة بين أصابعها، بينما كانت أصوات السيارات القادمة من الخارج تقترب شيئاً فشيئاً من المنزل القديم. كان اسم آدم واسم طارق مكتوبين أمام عينيها بخط والدها، وكأن الماضي قرر في هذه اللحظة أن يفتح أبوابه دفعة واحدة دون أن يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها. "آدم..." خرج اسمه من فمها مرتجفاً. كان واقفاً أمامها، وعيناه لا تفارقان الورقة. "علينا أن نخرج." "لن أذهب قبل أن تشرح لي." اقترب منها بسرعة، لكنه توقف عندما رأى نظرتها. "ليان، السيارات التي في الخارج ليست صدفة." رفعت الورقة أمامه. "وهذا أيضاً ليس صدفة! أبي كتب اسمك واسم طارق معاً. أريد أن أعرف لماذا." تردد آدم للحظة، ثم قال: "لأنني وطارق كنا جزءاً من شيء واحد في الماضي." تجمدت ملامحها. "ماذا يعني هذا؟" قبل أن يجيب، دوى صوت ارتطام قوي عند الباب الرئيسي، ثم تبعه صوت رجال يتحدثون في الخارج. قال آدم: "يعني أنني لم أكن الوحيد الذي يبحث عن الحقيقة." اقترب الرجل الملثم الذي كان آدم يمسكه، وحاول استغلال انشغالهما، لكنه تحرك فجأة نحو النافذة. أمسك آدم بذراعه وأعاده إلى مكانه. "لن تذهب إلى أي مكان." ضحك الرجل. "أنت لا تفهم
لم تكن الطريق إلى بيت ليان القديم طويلة، لكنها بدت لها وكأنها تمتد بلا نهاية. كانت أضواء المدينة تتراجع خلفهما تدريجياً، بينما تحولت الشوارع المزدحمة إلى طرق أكثر هدوءاً تحيط بها الأشجار والمنازل القديمة. جلست ليان إلى جوار آدم في المقعد الأمامي، تحدق من النافذة بصمت، وذاكرتها تعيد إليها صورة الدرج الخشبي الصغير الذي لم تفكر فيه منذ سنوات. كانت تحاول أن تستعيد تفاصيل تلك الليلة القديمة. ليلة ممطرة، والدها يجلس في غرفته، وملامحه شاحبة على غير عادته. كانت طفلة آنذاك، ولم تفهم لماذا أمسك يدها بقوة ووضع في كفها ورقة مطوية بعناية. "احتفظي بها يا ليان." كانت تلك الجملة هي كل ما بقي في ذاكرتها. لماذا أعطاها إياها؟ ولماذا طلب منها ألا تفتحها إلا عندما تصبح حياتها في خطر؟ التفتت نحو آدم. "أبي كان يعرف أن شيئاً سيحدث." لم يبعد آدم عينيه عن الطريق. "ماذا تقصدين؟" "في الليلة التي أعطاني فيها الورقة... كان خائفاً." ساد الصمت للحظات. "هل قال لكِ شيئاً آخر؟" هزت رأسها. "قال فقط إنني عندما أكبر سأفهم سبب خوفه." شد آدم على المقود قليلاً. "وهل أخبرتِ أحداً عن الورقة؟" "لا." "حتى والدتك؟" "لا أحد." نظر







