LOGINطوال طريق العودة في سيارة الليموزين المصفحة، ساد صمت ثقيل ومشحون بين سارة وفارس. كان فارس يحدق عبر الزجاج الداكن وعيناه السوداوان تعكسان أفكاراً غامضة ومخططات لا تنتهي، بينما كانت سارة تحاول التقاط شتات كبريائها الجريح بعد مواجهة الجد عاصم. كان مشهد تحطيم فارس لعصا جده وحمايته الشرسة لها يعاد في مخيلتها مرارًا، تاركًا في نفسيتها تساؤلات لا تجد لها إجابات حول طبيعة هذا الرجل الذي يجمع بين الطغيان المستبد والأمان المطلق في آن واحد.عندما دخلت السيارة عبر البوابات الحديدية العملاقة وتوقفت أمام المدخل الزجاجي للقصر المعاصر، ترجل فارس بخطواته الواثقة وسحب سارة خلفه بحزم مألوف. دلفا إلى الردهة الرئيسية ذات الرخام الأسود اللامع، والتفتت سارة متوجهة غريزيًا نحو الدرج لتصعد إلى جناحها الخاص في جهة اليمين، رغبةً منها في الانفراد بنفسها وخلع تلك البدلة الرسمية التي طوقتها طوال اليوم.لكن قبل أن تضع قدمها على الدرجة الأولى، جاء صوت فارس الرجولي، الرخيم والعميق ليوقفها مكانه كأمر عسكري لا يقبل التراجع:- "إلى أين تذهبين يا سارة؟ جناحكِ القديم مغلق منذ هذه الساعة.. وجهتكِ من الآن فصاعدًا هي الجناح
انتهت جلسة التصويت العاصفة داخل قاعة الاجتماعات بالطريقة التي خطط لها فارس الجارحي بدقة متناهية. لم يجرؤ عضو واحد من أعضاء مجلس الإدارة، ولا حتى أعمامه الذين كانوا يضمرون له الكره، على رفع يده بالاعتراض. لقد كان التهديد بفتح ملفات الغش التجاري وإعلان إفلاس المجموعة كفيلاً بشل حركة الجميع وإجبارهم على الانصياع التام لسلطته الجديدة. أُغلِق المحضر الرسمي بتعيين فارس رئيساً مطلقاً وموجهاً وحيداً للإمبراطورية، وسط نظرات الانكسار والهزيمة التي غلفت وجه الجد عاصم الجارحي.عندما رُفِعت الجلسة، وقف فارس بكامل هيبته ووقاره، والتفت نحو مساعده الشخصي وأمره بنبرة صوت جافة وصارمة:- "خذ هذه الملفات إلى مكتبي الجديد في الطابق العلوي، وجهز أوراق نقل ملكية الأسهم النهائية للتوقيع قبل نهاية اليوم.. سارة، انتظري هنا في استراحة الجناح التنفيذي لدقائق، سأنهي أمراً قانونياً سريعاً مع المستشارين وأعود إليكِ."أومأت سارة برأسها ببرود مصطنع أمام الحاضرين، وتوجهت بخطوات هادئة نحو قاعة الاستراحة الجانبية الفاخرة المحاطة بجدران زجاجية تطل على المدينة. ما إن أُغلِق الباب خلفها وتأكدت من انفرادها، حتى جلست على الأ
انطلقت سيارة الليموزين المصفحة لتخترق الشوارع الرئيسية المؤدية إلى الحي المالي للمدينة، حيث ترتفع ناطحات السحاب كقلاع إسمنتية تعكس نفوذ أصحابها. كانت سارة تجلس بجانب فارس في المقعد الخلفي، وعيناها العسليتان تراقبان المارة في الخارج، بينما كان عقلها يسجل الكلمات الصادمة التي ألقاها في وجهها قبل قليل عن غش عائلته وانهيار المبنى السكني. تملّكها مزيج معقد من المشاعر؛ فرغم رعبها من نفوذه الطاغي وتحكمه المستبد بحياتها، إلا أن معرفة الحقيقة جعلتها تدرك أن هذا الرجل ليس مجرد وحش مالي طامع، بل كتلة من الغموض والمبادئ القاسية التي تحركها دوافع أعمق بكثير مما تظهره الشائعات.بعد دقائق من الصمت الثقيل، توقفت السيارة بسلاسة أمام المدخل الرئيسي لبرج "مجموعة الجارحي الأسطوري". كان المبنى عبارة عن ناطحة سحاب شاهقة من الزجاج العاكس والصلب الأسود، يمتد أمام بوابتها سجادة حمراء احتشد حولها العشرات من الصحفيين، المصورين، ومراسلي القنوات الاقتصادية الذين أثارهم خبر استبدال العريس في الليلة الماضية وتعيين فارس رئيساً جديداً لمجلس الإدارة.التفت فارس نحو سارة، وعدّل سترة بذلته الرسمية الرمادية بثقة مطلقة، ث
لم تذق سارة طعم النوم طوال تلك الليلة المظلمة. كانت تقلبات أفكارها والصدمات المتتالية التي تلقتها كفيلة بجعل وسادتها الحريرية جمرًا يحرق رأسها. ظلت تراقب خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل عبر النوافذ الزجاجية العملاقة للجناح، معلنةً عن بداية اليوم الأول في حياتها الجديدة.. اليوم الذي سيسقط فيه القناع الأرستقراطي القديم لتواجه حقيقتها كشريكة مجبرة للملياردير الأكثر قسوة في السوق.في تمام الساعة السابعة صباحًا بالضبط، قطع هدوء الجناح صوت تكة إلكترونية خفيفة، تلاها فتح الباب ببطء. لم يكن القادم فارس، بل كانت امرأة في أواخر الأربعينيات من عمرها، ترتدي زيًا رسميًا صارمًا وخلفها ثلاث خادمات يحملن أكياسًا قماشية ضخمة وصناديق جلدية تحمل شعارات لأشهر دور الأزياء العالمية. تقدمت المرأة وقالت بنبرة عملية جافة تخلو من أي مشاعر:- "صباح الخير يا مدام سارة. أنا السيدة نجوى، مديرة المنزل. السيد فارس أمرنا بتجهيزكِ بالكامل وتنسيق إطلالتكِ بما يليق بزوجة رئيس مجلس الإدارة الجديد. السيارة ستكون عند البوابة في تمام السابعة وخمس وأربعين دقيقة، والسيد فارس ينتظركِ بالأسفل."نظرت سارة إلى الخادمات والملابس بذهول
تقدم فارس نحوها بخطوات بطيئة وموزونة، أحدث وقع حذائه الإيطالي فوق الرخام الأسود صدىً مرعبًا في هدوء الجناح الملكي الخانق. لم تتراجع سارة هذه المرة؛ بل وقفت مكانها بثبات مستميت، متمسكة بأطراف الملف الجلدي الأسود وكأنه درعها الأخير، وعيناها العسليتان تشتعلان بمزيج حارق من الخذلان والوجع والكبرياء الجريح. رفعت الأوراق أمامه، وجعلت يدها المرتجفة تستقر في الهواء وهي تقول بصوت مخنوق ومبحوح من أثر الصدمة:- "هل تعتقد أنك بهذه الأوراق الملوثة تملكني؟ هل تظن أن عجز والدي وخطأه الجنائي يمنحك الحق في تحويلي إلى دمية أو رهينة تحركها كيفما تشاء في حربك القذرة ضد جدك وعائلتك؟ أنت لم تنقذ عائلتي الليلة يا سيد فارس.. أنت فقط اخترت الوقت المناسب لتقايض على حريتهم بحريتي!"توقف فارس على بعد إنشات قليلة منها، لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس صورتها المذعورة في حدقتي عينيه الصقريتين المظلمتين. انبعثت منه رائحة عطر رجولي فاخر وحاد يفوح بالسطوة والمال، وامتزجت تلك الرائحة ببرود ملامحه الصارمة التي لم تهتز أمام دموعها. نظر إلى الأوراق في يدها بنظرة خاطفة، ثم رفع عينيه السوداوين نحو وجهها الباكي، وقال بنبرة ها
صعدت سارة درجات السلم الرخامي العريض بخطوات متثاقلة وثقيلة، وكأنها تجر خلفها سلاسل حديدية غير مرئية تطوق كاحليها. كان صدى حذاء الزفاف ذو الكعب العالي يتردد في أرجاء القصر الزجاجي المعاصر البارد، محدثًا نغمة رتيبة ومخيفة تذكرها في كل ثانية تمر بأنها أصبحت سجينة رسمية في عالم فارس الجارحي. لم تكن جدران القصر تشبه تلك القصور الأرستقراطية الكلاسيكية المليئة بالدفء واللوحات الزيتية العائلية التي اعتادت عليها في منزل والدها؛ بل كان المكان عبارة عن لوحة هندسية باردة من الخرسانة المسلحة، والزجاج الداكن، والإضاءات المخفية التي صممها فارس بنفسه لتعكس شخصيته: صارمة، عملية، ولا تحمل أي ذرة من الرحمة التقليدية.وصلت إلى الطابق العلوي، واتجهت نحو الجناح المحدد لها جهة اليمين بناءً على إشارة الحارس الشخصي الذي كان يتبعها بصمت مطبق. عندما فتحت الباب، لم تجد غرفة نوم تقليدية لعروس تنتظر ليلتها الأولى؛ بل كان الجناح ملكيًا معاصرًا يطغى عليه اللونان الرمادي والأسود الداكن، بنوافذ فرنسية عملاقة تمتد من الأرض حتى السقف تطل على أضواء المدينة المتلألئة من بعيد، والتي بدت لها كقضبان مضيئة لسجنها الجديد.أغلق







