Home / الرومانسية / زواج بقرار عائلي / الفصل السادس : طوق من حرير

Share

الفصل السادس : طوق من حرير

last update Petsa ng paglalathala: 2026-08-12 07:12:37

لم تذق سارة طعم النوم طوال تلك الليلة المظلمة. كانت تقلبات أفكارها والصدمات المتتالية التي تلقتها كفيلة بجعل وسادتها الحريرية جمرًا يحرق رأسها. ظلت تراقب خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل عبر النوافذ الزجاجية العملاقة للجناح، معلنةً عن بداية اليوم الأول في حياتها الجديدة.. اليوم الذي سيسقط فيه القناع الأرستقراطي القديم لتواجه حقيقتها كشريكة مجبرة للملياردير الأكثر قسوة في السوق.

في تمام الساعة السابعة صباحًا بالضبط، قطع هدوء الجناح صوت تكة إلكترونية خفيفة، تلاها فتح الباب ببطء. لم يكن القادم فارس، بل كانت امرأة في أواخر الأربعينيات من عمرها، ترتدي زيًا رسميًا صارمًا وخلفها ثلاث خادمات يحملن أكياسًا قماشية ضخمة وصناديق جلدية تحمل شعارات لأشهر دور الأزياء العالمية. تقدمت المرأة وقالت بنبرة عملية جافة تخلو من أي مشاعر:

- "صباح الخير يا مدام سارة. أنا السيدة نجوى، مديرة المنزل. السيد فارس أمرنا بتجهيزكِ بالكامل وتنسيق إطلالتكِ بما يليق بزوجة رئيس مجلس الإدارة الجديد. السيارة ستكون عند البوابة في تمام السابعة وخمس وأربعين دقيقة، والسيد فارس ينتظركِ بالأسفل."

نظرت سارة إلى الخادمات والملابس بذهول ممزوج بغضب مكتوم. شعرَت بالمهانة وهي ترى كيف يتم تنظيم أدق تفاصيل يومها بأمر من ذلك الطاغية، وكأنها مجرد دمية يتم إعدادها للعرض العام في شركة الجارحي. وقفت من مكانها وقالت بكبرياء يحاول جاهدًا ألا ينكسر:

- "أنا لست بحاجة إلى مساعدتكم.. يمكنني تدبر أمري بمفردي."

ردت السيدة نجوى ببرود لم يهتز:

- "أعتذر منكِ يا مدام، لكن جدول السيد فارس لا يحمل أي مجال للتأخير أو النقاش. الأوامر كانت واضحة؛ يجب أن تخرجي من هذا الجناح وأنتِ تجسدين المثالية التي يتوقعها قطاع المال والأعمال الليلة.. تفضلي بالجلوس أمام طاولة الزينة."

أدركت سارة أن المقاومة في هذه التفاصيل الصغيرة لن تجلب لها سوى خسارة طاقتها للمواجهة الأكبر بالأسفل. جلست أمام المرآة مستسلمة لأنامل الخادمات اللواتي بدأن في رفع شعرها العسلي بتصفيفة كلاسيكية ناعمة تبرز حدة ملامحها وعينيها الواسعتين. اختارت لها مديرة المنزل بذرة رسمية نسائية من المخمل الكحلي الداكن، يحيط بعنقها طوق رفيع من الألماس الحر، بدا لسارة أشبه بطوق من حرير يربط عنقها برغبات فارس الجارحي.

في تمام السابعة وأربعين دقيقة، نزلت سارة درجات السلم الرخامي العريض وهي تشعر بثقل كل خطوة تلتصق بالأرض. كانت الردهة الرئيسية غارقة في هدوء مهيب، وفي نهايتها، عند طاولة الطعام الزجاجية الطويلة، كان فارس يجلس بكامل هيبته الطاغية. كان يرتدي بدلة رسمية رمادية داكنة مخصصة له بدقة، يمسك بيده كوبًا من القهوة السوداء ويقرأ بعض التقارير المالية على جهازه اللوحي.

لم يرفع فارس عينيه فورًا عند سماع خطواتها، بل انتظر حتى توقفت على بُعد خطوات من الطاولة. وضع كوب قهوته ببطء، ورفع عينيه الصقريتين المظلمتين ليمسح جسدها وإطلالتها بنظرة فاحصة، دقيقة، وخالية من أي تعبير عاطفي، لكنها كانت نظرة تقيم مدى التزامها بالشروط. قال بصوت رجولي رخيم يحمل بحة الصباح الصارمة:

- "جيد.. السيدة نجوى قامت بعملها بدقة، وأنتِ تعلمتِ سريعًا أن الالتزام بالوقت والمظهر هو أولى خطوات البقاء في عالمي."

شدّت سارة على قبضتي يدها خلف ظهرها لتمنع نفسها من الصراخ في وجهه، وقالت بنبرة تقطر قسوة مستترة:

- "أنا هنا فقط لأنك تهددني بحرية والدي يا سيد فارس.. لا تظن لدقيقة واحدة أن هذا الطوق الألماسي أو هذه المظاهر تعني أنني أصبحت زوجة تطيعك بوعي ورضا."

ابتسم فارس ابتسامة باردة وساخرة، ووقف من مكانه بكامل قامته الفارهة التي حجبت الضوء عنها. تقدم نحوها حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلفح وجهها، وانحنى قليلاً ليهمس بنبرة جعلت رعشة تسري في عمودها الفقري:

- "الرضا والوعي هما رفاهية لا نملكها في صفقات الملايين يا مدام فارس. جدي وعائلتي ينتظروننا في برج الشركة الآن، وأعينهم تشتعل برغبة في رؤيتنا نسقط. جدي عاصم يظن أن اختفاء إياد سيعيد له السيطرة القانونية، لكنه لا يعلم أنني أملك الآن الحصة الأكبر، وأملككِ أنتِ كواجهة شرعية أمام المستثمرين الأجانب الذين يعشقون الروابط العائلية المستقرة."

تراجعت خطوة للخلف وقالت بمرارة:

- "أنت تستخدم عائلتك وتستخدم عائلتي كقطع شطرنج في رقعتك الخاصة.. هل تملك قلبًا حقًا، أم أن كل ما يهمك هو الانتقام للمقاولات المغشوشة التي طردوك بسببها؟"

تغيرت نظرة فارس في ثانية واحدة، وتحولت عيناه السوداوان إلى ما يشبه نيرانًا خامدة تحت الجليد. اقترب منها مجددًا، وقبض على فكها بإحكام ولكن دون قسوة تجرحها، ورفع وجهها لتنظر في عينيه مباشرة، وقال بنبرة صوت خفيضة تقطر وعيدًا وحسمًا أرعبها:

- "تلك القبور الإسمنتية المغشوشة التي بناها جدي تسببت في انهيار مبنى سكني قبل سنوات، ومات فيه أناس أبرياء غطت العائلة على جثثهم بالمال والرشاوى.. طردوني لأنني رفضت أن أكون قاتلاً مثلهم. الليلة، أنا لا أنتقم لنفسي يا سارة.. أنا أستعيد حقاً سُلب، وسأقوم بتطهير هذه المجموعة بالكامل، وأنتِ ستسيرين بجانبي بابتسامة مثالية أمام الكاميرات، وإلا تدمير والدكِ سيكون مجرد تفصيل صغير في طريقي.. هل كلامي واضح؟"

ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت لأول مرة بجانب مرعب وشريف في آن واحد خلف قناع هذا الطاغية المظلم. أومأت برأسها ببطء دلالة على الفهم، فأفلت فكها ببطء ومرر إبهامه فوق شفتها المرتجفة برقة مفاجئة وخاطفة بعثرت نبضات قلبها، ثم التفت نحو الباب الخارجي وقال ببرود:

- "السيارة تنتظر.. لندخل عرين الذئاب معًا."

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • زواج بقرار عائلي   الفصل التاسع : الأنفاس المشتركة

    طوال طريق العودة في سيارة الليموزين المصفحة، ساد صمت ثقيل ومشحون بين سارة وفارس. كان فارس يحدق عبر الزجاج الداكن وعيناه السوداوان تعكسان أفكاراً غامضة ومخططات لا تنتهي، بينما كانت سارة تحاول التقاط شتات كبريائها الجريح بعد مواجهة الجد عاصم. كان مشهد تحطيم فارس لعصا جده وحمايته الشرسة لها يعاد في مخيلتها مرارًا، تاركًا في نفسيتها تساؤلات لا تجد لها إجابات حول طبيعة هذا الرجل الذي يجمع بين الطغيان المستبد والأمان المطلق في آن واحد.عندما دخلت السيارة عبر البوابات الحديدية العملاقة وتوقفت أمام المدخل الزجاجي للقصر المعاصر، ترجل فارس بخطواته الواثقة وسحب سارة خلفه بحزم مألوف. دلفا إلى الردهة الرئيسية ذات الرخام الأسود اللامع، والتفتت سارة متوجهة غريزيًا نحو الدرج لتصعد إلى جناحها الخاص في جهة اليمين، رغبةً منها في الانفراد بنفسها وخلع تلك البدلة الرسمية التي طوقتها طوال اليوم.لكن قبل أن تضع قدمها على الدرجة الأولى، جاء صوت فارس الرجولي، الرخيم والعميق ليوقفها مكانه كأمر عسكري لا يقبل التراجع:- "إلى أين تذهبين يا سارة؟ جناحكِ القديم مغلق منذ هذه الساعة.. وجهتكِ من الآن فصاعدًا هي الجناح

  • زواج بقرار عائلي   الفصل الثامن : جدار الحماية

    انتهت جلسة التصويت العاصفة داخل قاعة الاجتماعات بالطريقة التي خطط لها فارس الجارحي بدقة متناهية. لم يجرؤ عضو واحد من أعضاء مجلس الإدارة، ولا حتى أعمامه الذين كانوا يضمرون له الكره، على رفع يده بالاعتراض. لقد كان التهديد بفتح ملفات الغش التجاري وإعلان إفلاس المجموعة كفيلاً بشل حركة الجميع وإجبارهم على الانصياع التام لسلطته الجديدة. أُغلِق المحضر الرسمي بتعيين فارس رئيساً مطلقاً وموجهاً وحيداً للإمبراطورية، وسط نظرات الانكسار والهزيمة التي غلفت وجه الجد عاصم الجارحي.عندما رُفِعت الجلسة، وقف فارس بكامل هيبته ووقاره، والتفت نحو مساعده الشخصي وأمره بنبرة صوت جافة وصارمة:- "خذ هذه الملفات إلى مكتبي الجديد في الطابق العلوي، وجهز أوراق نقل ملكية الأسهم النهائية للتوقيع قبل نهاية اليوم.. سارة، انتظري هنا في استراحة الجناح التنفيذي لدقائق، سأنهي أمراً قانونياً سريعاً مع المستشارين وأعود إليكِ."أومأت سارة برأسها ببرود مصطنع أمام الحاضرين، وتوجهت بخطوات هادئة نحو قاعة الاستراحة الجانبية الفاخرة المحاطة بجدران زجاجية تطل على المدينة. ما إن أُغلِق الباب خلفها وتأكدت من انفرادها، حتى جلست على الأ

  • زواج بقرار عائلي   الفصل السابع : المواجهة الاولى

    انطلقت سيارة الليموزين المصفحة لتخترق الشوارع الرئيسية المؤدية إلى الحي المالي للمدينة، حيث ترتفع ناطحات السحاب كقلاع إسمنتية تعكس نفوذ أصحابها. كانت سارة تجلس بجانب فارس في المقعد الخلفي، وعيناها العسليتان تراقبان المارة في الخارج، بينما كان عقلها يسجل الكلمات الصادمة التي ألقاها في وجهها قبل قليل عن غش عائلته وانهيار المبنى السكني. تملّكها مزيج معقد من المشاعر؛ فرغم رعبها من نفوذه الطاغي وتحكمه المستبد بحياتها، إلا أن معرفة الحقيقة جعلتها تدرك أن هذا الرجل ليس مجرد وحش مالي طامع، بل كتلة من الغموض والمبادئ القاسية التي تحركها دوافع أعمق بكثير مما تظهره الشائعات.بعد دقائق من الصمت الثقيل، توقفت السيارة بسلاسة أمام المدخل الرئيسي لبرج "مجموعة الجارحي الأسطوري". كان المبنى عبارة عن ناطحة سحاب شاهقة من الزجاج العاكس والصلب الأسود، يمتد أمام بوابتها سجادة حمراء احتشد حولها العشرات من الصحفيين، المصورين، ومراسلي القنوات الاقتصادية الذين أثارهم خبر استبدال العريس في الليلة الماضية وتعيين فارس رئيساً جديداً لمجلس الإدارة.التفت فارس نحو سارة، وعدّل سترة بذلته الرسمية الرمادية بثقة مطلقة، ث

  • زواج بقرار عائلي   الفصل السادس : طوق من حرير

    لم تذق سارة طعم النوم طوال تلك الليلة المظلمة. كانت تقلبات أفكارها والصدمات المتتالية التي تلقتها كفيلة بجعل وسادتها الحريرية جمرًا يحرق رأسها. ظلت تراقب خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل عبر النوافذ الزجاجية العملاقة للجناح، معلنةً عن بداية اليوم الأول في حياتها الجديدة.. اليوم الذي سيسقط فيه القناع الأرستقراطي القديم لتواجه حقيقتها كشريكة مجبرة للملياردير الأكثر قسوة في السوق.في تمام الساعة السابعة صباحًا بالضبط، قطع هدوء الجناح صوت تكة إلكترونية خفيفة، تلاها فتح الباب ببطء. لم يكن القادم فارس، بل كانت امرأة في أواخر الأربعينيات من عمرها، ترتدي زيًا رسميًا صارمًا وخلفها ثلاث خادمات يحملن أكياسًا قماشية ضخمة وصناديق جلدية تحمل شعارات لأشهر دور الأزياء العالمية. تقدمت المرأة وقالت بنبرة عملية جافة تخلو من أي مشاعر:- "صباح الخير يا مدام سارة. أنا السيدة نجوى، مديرة المنزل. السيد فارس أمرنا بتجهيزكِ بالكامل وتنسيق إطلالتكِ بما يليق بزوجة رئيس مجلس الإدارة الجديد. السيارة ستكون عند البوابة في تمام السابعة وخمس وأربعين دقيقة، والسيد فارس ينتظركِ بالأسفل."نظرت سارة إلى الخادمات والملابس بذهول

  • زواج بقرار عائلي   الفصل الخامس : العرين

    تقدم فارس نحوها بخطوات بطيئة وموزونة، أحدث وقع حذائه الإيطالي فوق الرخام الأسود صدىً مرعبًا في هدوء الجناح الملكي الخانق. لم تتراجع سارة هذه المرة؛ بل وقفت مكانها بثبات مستميت، متمسكة بأطراف الملف الجلدي الأسود وكأنه درعها الأخير، وعيناها العسليتان تشتعلان بمزيج حارق من الخذلان والوجع والكبرياء الجريح. رفعت الأوراق أمامه، وجعلت يدها المرتجفة تستقر في الهواء وهي تقول بصوت مخنوق ومبحوح من أثر الصدمة:- "هل تعتقد أنك بهذه الأوراق الملوثة تملكني؟ هل تظن أن عجز والدي وخطأه الجنائي يمنحك الحق في تحويلي إلى دمية أو رهينة تحركها كيفما تشاء في حربك القذرة ضد جدك وعائلتك؟ أنت لم تنقذ عائلتي الليلة يا سيد فارس.. أنت فقط اخترت الوقت المناسب لتقايض على حريتهم بحريتي!"توقف فارس على بعد إنشات قليلة منها، لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس صورتها المذعورة في حدقتي عينيه الصقريتين المظلمتين. انبعثت منه رائحة عطر رجولي فاخر وحاد يفوح بالسطوة والمال، وامتزجت تلك الرائحة ببرود ملامحه الصارمة التي لم تهتز أمام دموعها. نظر إلى الأوراق في يدها بنظرة خاطفة، ثم رفع عينيه السوداوين نحو وجهها الباكي، وقال بنبرة ها

  • زواج بقرار عائلي   الفصل الرابع : كشف الاقنعة

    صعدت سارة درجات السلم الرخامي العريض بخطوات متثاقلة وثقيلة، وكأنها تجر خلفها سلاسل حديدية غير مرئية تطوق كاحليها. كان صدى حذاء الزفاف ذو الكعب العالي يتردد في أرجاء القصر الزجاجي المعاصر البارد، محدثًا نغمة رتيبة ومخيفة تذكرها في كل ثانية تمر بأنها أصبحت سجينة رسمية في عالم فارس الجارحي. لم تكن جدران القصر تشبه تلك القصور الأرستقراطية الكلاسيكية المليئة بالدفء واللوحات الزيتية العائلية التي اعتادت عليها في منزل والدها؛ بل كان المكان عبارة عن لوحة هندسية باردة من الخرسانة المسلحة، والزجاج الداكن، والإضاءات المخفية التي صممها فارس بنفسه لتعكس شخصيته: صارمة، عملية، ولا تحمل أي ذرة من الرحمة التقليدية.وصلت إلى الطابق العلوي، واتجهت نحو الجناح المحدد لها جهة اليمين بناءً على إشارة الحارس الشخصي الذي كان يتبعها بصمت مطبق. عندما فتحت الباب، لم تجد غرفة نوم تقليدية لعروس تنتظر ليلتها الأولى؛ بل كان الجناح ملكيًا معاصرًا يطغى عليه اللونان الرمادي والأسود الداكن، بنوافذ فرنسية عملاقة تمتد من الأرض حتى السقف تطل على أضواء المدينة المتلألئة من بعيد، والتي بدت لها كقضبان مضيئة لسجنها الجديد.أغلق

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status