Home / الرومانسية / زواج لإنقاذ العائلة / الفصل الثامن: ليلة الزفاف

Share

الفصل الثامن: ليلة الزفاف

Author: Hani
last update publish date: 2026-09-21 04:40:16

جاء يوم الزفاف باردًا وصافيًا. وقفت ياسمين أمام المرآة في الفستان الأبيض البسيط، والوشاح الأزرق على كتفيها، وحاولت أن تُثبّت الطرحة فسقط دبّوسان من يدها. انحنت لتلتقطهما، فرأت صورة أبيها على الجدار، وتوقفت. لم تبكِ بصوت. سالت الدموع على وجهها وهي تبتسم للصورة كأنها تخدعه. «أتمنى لو كنت هنا لتقول لي إن كنتُ أخطئ.»

طرق فهد الباب ودخل مرتديًا بذلة سوداء لا تناسبه تمامًا، اشتراها في اليوم السابق على عجل. توقّف عند رؤيتها. «أنتِ…» ثم حكّ رقبته بحرج. «لا تتخيلي أن أقول شيئًا شاعريًّا. أنتِ فقط تشبهين أمي في صورة زفافها.»

مسحت وجهها بظهر يدها وضحكت. «هذه أجمل جملة قلتَها منذ سنة.»

«سأمشي بجانبك، وإن تعثّرتِ سأتعثر معك حتى لا يلاحظ أحد.»

أُقيم الحفل في قاعة تملكها عائلة المطيري، وامتلأت المقاعد بالوجوه المتأنقة والعيون الفاحصة. تقدّمت ياسمين على ذراع أخيها بين الصفين، وشعرت بنظرات تتبع كل خطوة، وبهمسات تحسب كم كلّفتها الصفقة. رفعت ذقنها ولم تنظر إلى أحد. وفي الصف الأول رأت سعود المطيري يومئ لها إيماءة قصيرة، بينما جلس بندر في الخلف يعدّل ياقته بحركات عصبية متتابعة. عند طرف الممر كان سلطان واقفًا في بذلة رمادية داكنة، وعلى وجهه هدوء متعمَّد لا يخفي أن أصابعه تفتح قبضتها وتغلقها.

وقّعا عقد القران أمام الشهود. حين ناولها القلم لامست يده يدها لحظة، وكانت دافئة على غير ما توقعت، فارتبكت وكتبت اسمها بحرف مائل. انحنى سلطان قليلًا وقال بصوت لم يسمعه سواها: «أعدك أن أكون زوجًا يستحق احترامك، ياسمين، وإن لم أستطع أن أعدك بالحب الذي تحلمين به.»

لم تعرف بمَ تجيب. أومأت فقط، وكان قلبها يخفق بقوة لم تجد لها تفسيرًا.

على مائدة العشاء وقف بندر ورفع كأس العصير. «أريد أن أنخب هذا الزواج، الذي لم يكلّف أحدًا شيئًا سوى مليارًا وربع المليار وشركة كاملة.» ضحك بعضهم بحرج، وتجمّدت الأيدي في الهواء. «أقصد أنه زواج عملي، ولا شيء أجمل من العمل.»

نهض سلطان ببطء. لم يرفع صوته. «شكرًا يا بندر. وأودّ أن أضيف أن من يجد صعوبة في احتمال هذه العائلة يستطيع الانصراف، والباب هناك.» وأشار بكفه إلى المخرج. لحظات صمت طويلة، ثم جلس بندر واضعًا الكأس بقوة كادت تكسره، ورأته ياسمين يلتقط هاتفه ويكتب رسالة بأصابع سريعة قبل أن يعود ويبتسم لجاره.

في نهاية الحفل احتضنت ياسمين أمها طويلًا، وأحسّت بالأصابع الواهنة تشدّ على كتفها بقوة لا تتناسب مع مرضها. «اعتني بنفسك يا صغيرتي»، همست سعاد. «وإن ضاق بك الأمر، عودي. البيت بيتك.» لم تقل ياسمين شيئًا. قبّلت جبينها ثم التفتت إلى فهد الذي كان يقف مرتبكًا وعيناه تلمعان، فنقرت على ذقنه بإصبعها كما كانت تفعل حين كان طفلًا. «كن رجلًا جيدًا حتى أعود.»

«وأنتِ كوني زوجة جيدة»، قال بابتسامة مرتجفة، «لكن لا تجعليه يفوز بكل النقاشات.»

قبل مغادرة القاعة اندفع صحفي ومصوّره عبر حاجز الحرس. «سيدة ياسمين! هل صحيح أن هذا زواج مقابل التمويل؟ وكم ثمن إنقاذ مصانعك؟» تجمّدت في مكانها. قبل أن تنطق، أمسك سلطان معصمها برفق ووضعها خلفه نصف خطوة، وقال للحرس بصوت هادئ حاسم: «أخرجوه.» ثم التفت إلى الصحفي: «الجريدة التي تعمل لها ستتلقى اتصالًا من محاميّ قبل الفجر.» نظرت ياسمين إلى يده على معصمها. لم يكن يشدّ بقوة، لكنها أحسّت أنها المرة الأولى منذ شهرين التي يقف فيها أحد بينها وبين الضربة.

كانت الطريق إلى قصر سلطان صامتة. جلست ياسمين بجانبه في المقعد الأمامي وفستانها يملأ نصف السيارة، ونظرت إلى الخارج حيث كانت الأضواء تمرّ كخيوط مقطوعة. قالت وهي تحدّق في زجاج النافذة: «الصحفي لم يتجاوز الحرس وحده. أحدٌ فتح له الباب.»

«فكرتُ في الشيء نفسه.» قبض على المقود. «سأعرف من.»

حين توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية الطويلة، أوقف المحرك ولم ينزل. «قبل أن ندخل: جناحك في الطابق العلوي، في الطرف الشرقي، وجناحي في الغربي. المفتاح الوحيد لجناحك معك.»

«وإن أردتُ دخول جناحك؟»

تفاجأ لحظة. «هذا قرارك وحدك. لن أفرض عليك شيئًا لست مستعدة له، لا الليلة ولا بعدها.»

كتمت ياسمين الشعور الذي انتظر خلف ضلوعها منذ الصباح، ذلك المزيج من الخوف والارتياح، وقالت بهدوء: «شكرًا.» ثم أضافت بنبرة عملية: «لكن لي شرطًا: لا خدم في جناحي دون إذني. أريد أن أتعلم مكان الأشياء وحدي.»

«الأمر لك.» ثم نزل ليفتح لها الباب. دخلا القصر، وكان الممر الرخامي أطول مما تحتمل ليلة كهذه، وصدى كعبيها هو الصوت الوحيد فيه. عند أعلى الدرج توقف وقال: «تصبحين على خير، ياسمين.» أجابته: «وأنت، سلطان.» ثم مشى كلٌّ إلى طرفه من الطابق، وحين أغلقت باب جناحها خلفها ظلّت تحدّق في المفتاح بين أصابعها. خلعت طرحتها أخيرًا، وجلست على حافة السرير الضخم، وقالت لنفسها بصوت مسموع: «الليلة الأولى فقط.» لكنها لم تعرف هل تحاول أن تطمئن نفسها أم أن تحذّرها.

وجدت على الوسادة بطاقة صغيرة بخط نورة: «نمْ جيدًا. غدًا يوم آخر، وسيكون أهون.» وضعتها إلى جانب صورة أبيها في حقيبتها، وأطفأت النور.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الخامس عشر: انفجار الفضيحة

    في صباح الاثنين استيقظت ياسمين على رنين هاتفها للمرة الخامسة قبل السابعة: منصور، مديرة العلاقات العامة، وأرقام لا تعرفها. فتحت أول رسالة وجدت فيها رابطًا وعنوانًا بخط أسود عريض: «أسرار خفية وراء زواج الحمود والمطيري: هل أخفت الوريثة الأزمة عن مجلسها؟»قرأت المقال واقفة في منتصف الغرفة. اتهامات ملفقة: أنها عرفت بالأزمة قبل موت أبيها بستة أشهر، ووقّعت تحويلين ماليين فاشلين، وأن الزواج صفقة انتهازية استغلت فيها موت أبيها. وتحت الفقرة الثالثة جدول صغير فيه رقم بخط عريض: أربعمئة وثلاثة وسبعون مليونًا.توقفت أصابعها على الشاشة. هذا الرقم كتبته بيدها في ملف واحد، ليراه رائد وحده. لم يوجد في أي مكان آخر في العالم. ارتجفت يدها، لا خوفًا هذه المرة. كان غضبًا بارد الأطراف، تشعر به كمن وجد الخيط الأول في عقدة طويلة. أمسكت هاتفها وضغطت رقم منصور.«رأيتَ المقال؟»«أقرؤه للمرة الثالثة. هذه اتهامات يمكن أن تُسقط أي شركة.»«انظر إلى الجدول الثالث. الرقم الذي ورد فيه هو الرقم الذي وضعناه لرائد وحده. المقال بُني على وثائق مرّت عبر رائد.»صمت منصور لحظة. «تأكدي قبل أن تتحركي. وأخبري سلطان قبل أن يصله من

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الرابع عشر: بداية المؤامرة

    لم يرَ بندر في هذا الزواج شيئًا يستحق الاحتفال، بل مقعدًا يُسحب من تحت قدميه. سبع سنوات قضاها في المجموعة يُقنع نفسه بأن دوره قادم، وحين أُعلن أن الحمود ستدخل تحت مظلة سلطان، أدرك أنه لن يصعد أبدًا ما دام ابن عمه هو الوريث الوحيد الذي يراه عمّه، وأن ياسمين ستجلس على المقعد الذي حلم به.صباح الاثنين دخل مكتب عمه يحمل طلب ترقية مكتوبًا بعناية: مدير عام للتوسع الإقليمي. قرأ سعود الورقة كاملة، ثم وضعها جانبًا. «مشروعك جيد يا بندر، لكنني أجّلته إلى ما بعد الاندماج.»«سيصير هذا المنصب لسلطان أو لزوجته، أليس كذلك؟»«المنصب للأجدر. وما زلتَ تحتاج أن تتعلم كيف تكسب ثقة من حولك.»«وأنا ابن أخيك، أيها العم. سبع سنوات لا أطلب شيئًا إلا حقي.»«الحق لا يُطالَب به بهذه النبرة.» قالها سعود بلا غضب، وعاد إلى أوراقه. «يمكنك الانصراف.»مشى بندر في الممر بخطى متوترة. أمام مكتب سلطان رأى الباب مفتوحًا وياسمين تضحك بصوت خافت على شيء يقوله ابن عمه، وسلطان يمسح جبينه بظهر يده وهو يبتسم. توقف عند العتبة ولم ينتبه إليه أحد منهما. كان قد حسم أمره: سيبحث عن من يحوّل الشك إلى عنوان.في مساء الأربعاء ارتدى معطفًا

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الثالث عشر: لحظات إنسانية

    مرّت ثلاثة أسابيع ولم يظهر الرقم المغلوط في أي مكان. بدأت ياسمين تظن أنها بالغت في الشك برائد، وأن الظرف الذي رأته لم يكن سوى سلفة راتب. وبمرور الأيام تغيّر شيء في البيت أيضًا: صار العشاء المشترك موعدًا لا يفوّته أحد منهما، وأصبح سلطان يترك هاتفه في جيبه وهو يجلس إلى المائدة.ذات مساء حكى لها عن أول اجتماع له مع مستثمرين يابانيين. كان في الثالثة والعشرين، وأراد أن يُظهر احترامه فحفظ التحية بلغتهم، لكنه نطق اسم رئيس الوفد بطريقة تعني «الحذاء». انحنى الرجل ببطء، وانحنى بعده أعضاء الوفد الستة، وسلطان يتعرق ولا يفهم لماذا يتبادلون النظرات. ضحكت ياسمين حتى سالت دموعها ووضعت الملعقة من يدها. «وبعد ذلك؟»«وقّعوا العقد. قالوا إن رجلًا يجازف بإهانتهم ليُكرمهم يستحق الثقة.»لاحظت وهي تمسح عينيها أنه ينظر إليها ولا يضحك، ينظر فقط كأنه يحفظ الصوت. قالت وهي تتصنع الجدية: «ماذا؟» فقال: «لا شيء. ضحكتك تشبه صوت شيء ينكسر بلطف.» ثم انتبه لما قاله فأخذ كوب الماء وشربه كله.في الأحد التالي وجدها في الحديقة الخلفية جالسة على العشب، وأمامها حامل خشبي صغير وعلبة ألوان مائية جافة. كانت تحاول رسم الغروب فوق

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الثاني عشر: ظلال الماضي

    كان غداء الجمعة في بيت سعود المطيري تقليدًا لا يُلغى. جلست ياسمين إلى يمين نورة، وبندر في آخر المائدة يقطّع اللحم بصمت، ودار الحديث حول أسعار الحديد وأسهم الشحن، حتى وضعت ياسمين شوكتها وسألت فجأة: «عمّي سعود، لماذا اختلف جدّانا؟»توقفت الملاعق. رفعت نورة عينيها إلى أخيها، وتنحنح بندر، وتجمّد وجه سعود كأن أحدًا سكب عليه ماءً باردًا.«قصة قديمة، يا ابنتي.» أخذ منديله ومسح فمه ببطء. «انتهت مع أصحابها، ولا فائدة من إحيائها.»«لكنني نشأتُ على أنكم اعتديتم علينا. وأريد أن أعرف إن كان هذا صحيحًا.»«ياسمين…» همس سلطان.نهض سعود. «سأترك لكم الحلوى.» وخرج من الغرفة، وبقيت الكراسي تصرّ خلفه. أما بندر فابتسم ابتسامة رفيعة وهمس في أذن جاره: «الأميرة تحفر في قبور لا تخصّها.»في السيارة، في طريق العودة، قال سلطان بصوت متعب: «كان عليك أن تنتظري.»«وكم تنتظر؟ أربعين عامًا كما انتظرتم؟» ثم خفضت صوتها. «أنا لا أريد أن أُحرجه. أريد أن أفهم لماذا يصمت الجميع في هذه العائلة بمجرد ذكر اسمنا.»تنهد. «أنا نفسي لا أعرف كل التفاصيل. كل ما سمعته أن جدّينا كانا شريكين في مشروع كبير، واختلفا على توزيع الأرباح، فاف

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الحادي عشر: بداية الاندماج

    مع بداية الشهر الثاني من الزواج صدر أول قرار مشترك: توحيد الأنظمة المالية للشركتين في ثلاثة أشهر. استدعى سلطان ياسمين إلى مكتبه صباح الأحد وقال دون مقدمات: «أريدك عضوًا في لجنة القرار. لا ممثلةً عن الحمود فقط، بل شريكةً في كل شيء.»وكانت قد اعتادت صمت المكتب الجديد، فبدت الدعوة كأنها اختبار. توقعت أن يهمّشها. كانت قد سمعت عن شركاء ابتلعوا شركاء بعد التوقيع بأسبوع، فشدّت ظهرها وسألت: «لماذا؟ أنت تملك الأغلبية ولا تحتاج رأيي.»«لأنني أحتاج ما لا تحتويه أرقامي: من يعمل عندكم فعلًا، ومن يكذب في التقارير، ومن يستحق الثقة. أنتِ تعرفين ذلك. أنا لا.» رفع كتفيه. «تجاهل هذه الخبرة سيكون غباءً مكلفًا.»لم تُخفِ دهشتها. «ظننتُ أنك ستأخذ منّي كل شيء بعد أن أنقذتَني.»«لم أنقذك. اشتريتُ حصة في شركة جيدة. والأصل ما زال بين يديك.»في الاجتماع الأول حضر بندر متأخرًا خمس دقائق، وجلس قبالتها وابتسم ابتسامة لا تدلّ على شيء. قدّمت ياسمين خطتها لإعادة هيكلة التسويق: دمج إدارتين متشابهتين، تقليل الإنفاق الإعلاني بمقدار الخُمس، وتحويله إلى حملات مباشرة مع العملاء الكبار. كانت الأرقام مرصوصة على الشاشة، مبنية

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل العاشر: أول اختبار

    في الأسبوع الثاني من الزواج، اتصل بها مدير المشتريات في المصنع الثاني الساعة الرابعة عصرًا بصوت مذعور: «آنسة ياسمين، شركة النور للمواد الخام ألغت العقد. قالوا إن التوريد يتوقف من صباح الغد.»وكان سلطان قد ذكّرها صباحًا بعشاء الثامنة مع شركاء المجموعة، فقالت بلا انتباه: «سأكون هناك.»«هذا مستحيل. العقد ساري ثلاث سنوات!»«قالوا إنهم وجدوا في بنوده ثغرة، وإن محاميهم…» انقطع صوته. «قالوا إن أحدًا نبّههم إليها.»نهضت ياسمين وسحبت حقيبتها. الخطوط الثلاثة في المصنع تعتمد على هذا المورد، وإن توقفت فسيتوقف ألف ومئتا عامل خلال أربعة أيام.قضت المساء كله في المصنع. اتصلت بستة موردين بديلين، فاعتذر أربعة وطلب اثنان دفعًا مقدمًا بضعف السعر. وفي الحادية عشرة ليلًا وقفت أمام مدير شركة النور نفسه في مكتبه المضاء، وقالت بلا مقدمات: «من نبّهكم إلى الثغرة؟»حكّ الرجل ذقنه. «لا أستطيع أن أفصح.»«اسمع، نحن نوقّع منذ خمسة عشر عامًا. إن كنتَ ستنقض العقد فأخبرني على الأقل من يقف خلفك.»تنهد. «كان صوتًا يعرف تفاصيل الاتفاق الجديد مع المطيري. عرض علينا ضعف سعرنا إن انتقلنا إلى مورد جديد يُقدَّم لنا.»وصلت إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status