Home / الرومانسية / زواج لإنقاذ العائلة / الفصل التاسع: قواعد المنزل الجديد

Share

الفصل التاسع: قواعد المنزل الجديد

Author: Hani
last update publish date: 2026-09-23 14:15:26

استيقظت ياسمين على وقع خطوات في الممر وصوت ملعقة ترتطم بفنجان. لم تعرف للحظة أين هي. حدّقت في السقف العالي، ثم تذكّرت، فنهضت وفتحت الستائر على حديقة واسعة مرتّبة كأنها رُسمت بمسطرة. لم يكن في الغرفة شيء يخصّها سوى حقيبتها، وصورة أبيها التي أخرجتها ووضعتها على المنضدة، فبدت وحيدة.

نزلت إلى قاعة الإفطار فوجدت سلطان يقرأ الصحيفة الاقتصادية على رأس مائدة تتسع لاثني عشر شخصًا. رفع رأسه وأومأ. «صباح الخير.» جلست على الطرف المقابل، وجاء الخادم بالقهوة قبل أن تطلب. «نمتِ جيدًا؟»

«لا بأس. كل شيء هنا أكبر مما ينبغي.»

ابتسم ابتسامة صغيرة، أول ابتسامة حقيقية تراها منه. «ستعتادين.»

قبل أن تنتهي من فنجانها دخل رجل في الأربعين يحمل مجلدًا، وقدّم نفسه على أنه مدير الدمج في المطيري. «سيدة ياسمين، أعددنا جدولًا لنقل إدارة المبيعات والمشتريات في الحمود إلى مبنى المجموعة خلال أسبوعين، لتوحيد الأنظمة.»

وضعت الفنجان ببطء. «هذا يخالف البند الثاني. إدارة قسمي مستقلة.»

«نحن نعتبر المبيعات والمشتريات وظيفة مشتركة…»

«نحن لا نعتبر.» التفتت إلى سلطان. «أنت وقّعتَ الاتفاق بيدك.»

أنزل سلطان الصحيفة. نظر إلى الرجل نظرة قصيرة باردة. «من أعطاك هذا الجدول؟»

«السيد بندر، بتكليف من…»

«ارجع إلى مكتبك، وأخبر السيد بندر أن أي نقل لأي قسم من الحمود يمرّ عليّ وعلى السيدة ياسمين معًا. والجدول ليس ساريًا.»

خرج الرجل وقد شحب وجهه. ظلت ياسمين تحدّق في سلطان. «كان بإمكانك أن تدعه ينفّذه، وتدّعي أنك لم تعلم.»

«وأخسر أول اختبار لثقتك في اليوم الأول؟» رفع حاجبًا. «أنا لا أدير شراكة بالتفاف من خلفك. من يفعل ذلك يفقد شريكه بسرعة.»

بعد خروج المدير رنّ هاتف سلطان. نظر إلى الشاشة وقال: «بندر.» لم يجب. تركه يرنّ حتى انقطع، ثم أطفأه ووضعه مقلوبًا على المائدة. «سيتصل بمحاميّ حين يبحث عن عذر.» شدّت ياسمين حاجبيها: «ألا تخشى أن يشتكي لوالدك؟»

«أخشى أن يتصرف من غير علمي. الشكوى أهون.»

خلال الأيام التالية تعلمت ياسمين قوانين البيت التي لم تكن مكتوبة في أي مكان. يستيقظ سلطان في الخامسة ويجري على المسار الرياضي في الحديقة، ثم يقرأ الصحف على الإفطار، ويعود إلى مكتبه المنزلي حتى الظهر. لا يدخل أحد جناح الآخر دون طرق، ولا يسأل أحد الآخر عن مكالماته، وتُحفظ الكياسة في كل حديث كما تُحفظ الأسرار في الخزنة. بدا لها هذا برودًا في أول يومين، ثم لاحظت أنها بدأت تنام ست ساعات متصلة لأول مرة منذ وفاة والدها.

في إحدى الليالي تعشّيا معًا بلا كلام، ثم قالت ياسمين فجأة: «اسمي لا يعجبك؟ تقول ياسمين كأنك تقرأ اسم شركة.» رفع نظره عن الطبق. «أقولها بهدوء لأنني لا أريد أن أخطئ فيها.» لم تفهم إن كانت إهانة أو مجاملة، لكنها نظرت في طبقها حتى لا يرى أنها احمرّت.

بعد أيام ذهبت إلى مقر الحمود لتتفقد قسم المالية بنفسها. كان الطابق هادئًا إلا من طرقات لوحات المفاتيح. حين دخلت من الباب الجانبي أغلق محاسب شاب، اسمه رائد، شاشته بسرعة قبل أن ترى ما فيها. «ماذا كنتَ تفتح؟» سألت بهدوء.

«تقرير الربع الماضي يا آنسة.» لم يرفع عينيه عن لوحة المفاتيح. لاحظت حبات عرق على صدغه رغم برودة المكيّف. لم تلحّ. مرّت بجانبه وسجّلت اسمه في ذهنها، ثم أخذت ملف التدقيق الأخير من أمين الأرشيف وقالت له: «أريد سجلّ الدخول لكل من فتح ملفات الاتفاق هذا الشهر. على مكتبي غدًا.»

ذات عصر ضاقت بها الغرف، فنزلت إلى المكتبة الكبيرة في الطابق الأرضي. مرّت أصابعها على الظهور الجلدية حتى توقفت عند رفّ كامل عن التاريخ الاقتصادي والفلسفة. سحبت كتابًا عن ابن خلدون، ففتحته على صفحة كثيرة الحواشي بخط رفيع منحنٍ: «العصبية تبني الدولة وتهدمها، والمصلحة وحدها لا تبني شيئًا.» ابتسمت. كانت الجملة تناقض الرجل الذي جلس أمامها في مكتب المحامي وأعلن أنه لا يؤمن بالعواطف.

«رفٌّ خطير.» جاء الصوت من الباب. كان سلطان واقفًا بقميص بلا سترة وأكمام مرفوعة، وفي عينيه ارتباك لم تعتده فيه، كمن ضُبط يفعل شيئًا لا يليق برجل بارد. «الحواشي لي، ولا أسمح عادة لأحد بقراءتها.»

«ولماذا لا تسمح؟»

«لأن الناس تحكم على الأفكار من كاتبها، وأفضّل أن يُحكم عليها بذاتها.» جلس على الكرسي المقابل. «أبي علّمني أن رجل الأعمال الذي لا يفهم التاريخ يكرر أخطاء غيره بثمن أعلى.»

«وأنت تكرر أخطاءك بثمن أقل؟» سألته بابتسامة مائلة.

ضحك. ضحكة قصيرة، مفاجئة، رأتها تنسلّ من صدره قبل أن يمسكها. «أحاول.»

وحين عادت إلى جناحها مساءً كان على مكتبها كتاب ابن خلدون نفسه، وعند الصفحة السابعة والأربعين قصاصة صغيرة بخطه: «تصحيح: المصلحة قد تبني شيئًا إن اقترنت بالوفاء. — س.» قرأتها مرتين. ثم فتحت درج المنضدة، ووضعت القصاصة فيه بجانب بطاقة أبيها، وقالت للغرفة الفارغة، وهي تكاد تبتسم: «رجل غريب.» وأطفأت النور، وسمعت من الطرف الآخر من الطابق صوت باب يُغلق برفق، فعرفت أنه هو أيضًا لم ينم بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الخامس عشر: انفجار الفضيحة

    في صباح الاثنين استيقظت ياسمين على رنين هاتفها للمرة الخامسة قبل السابعة: منصور، مديرة العلاقات العامة، وأرقام لا تعرفها. فتحت أول رسالة وجدت فيها رابطًا وعنوانًا بخط أسود عريض: «أسرار خفية وراء زواج الحمود والمطيري: هل أخفت الوريثة الأزمة عن مجلسها؟»قرأت المقال واقفة في منتصف الغرفة. اتهامات ملفقة: أنها عرفت بالأزمة قبل موت أبيها بستة أشهر، ووقّعت تحويلين ماليين فاشلين، وأن الزواج صفقة انتهازية استغلت فيها موت أبيها. وتحت الفقرة الثالثة جدول صغير فيه رقم بخط عريض: أربعمئة وثلاثة وسبعون مليونًا.توقفت أصابعها على الشاشة. هذا الرقم كتبته بيدها في ملف واحد، ليراه رائد وحده. لم يوجد في أي مكان آخر في العالم. ارتجفت يدها، لا خوفًا هذه المرة. كان غضبًا بارد الأطراف، تشعر به كمن وجد الخيط الأول في عقدة طويلة. أمسكت هاتفها وضغطت رقم منصور.«رأيتَ المقال؟»«أقرؤه للمرة الثالثة. هذه اتهامات يمكن أن تُسقط أي شركة.»«انظر إلى الجدول الثالث. الرقم الذي ورد فيه هو الرقم الذي وضعناه لرائد وحده. المقال بُني على وثائق مرّت عبر رائد.»صمت منصور لحظة. «تأكدي قبل أن تتحركي. وأخبري سلطان قبل أن يصله من

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الرابع عشر: بداية المؤامرة

    لم يرَ بندر في هذا الزواج شيئًا يستحق الاحتفال، بل مقعدًا يُسحب من تحت قدميه. سبع سنوات قضاها في المجموعة يُقنع نفسه بأن دوره قادم، وحين أُعلن أن الحمود ستدخل تحت مظلة سلطان، أدرك أنه لن يصعد أبدًا ما دام ابن عمه هو الوريث الوحيد الذي يراه عمّه، وأن ياسمين ستجلس على المقعد الذي حلم به.صباح الاثنين دخل مكتب عمه يحمل طلب ترقية مكتوبًا بعناية: مدير عام للتوسع الإقليمي. قرأ سعود الورقة كاملة، ثم وضعها جانبًا. «مشروعك جيد يا بندر، لكنني أجّلته إلى ما بعد الاندماج.»«سيصير هذا المنصب لسلطان أو لزوجته، أليس كذلك؟»«المنصب للأجدر. وما زلتَ تحتاج أن تتعلم كيف تكسب ثقة من حولك.»«وأنا ابن أخيك، أيها العم. سبع سنوات لا أطلب شيئًا إلا حقي.»«الحق لا يُطالَب به بهذه النبرة.» قالها سعود بلا غضب، وعاد إلى أوراقه. «يمكنك الانصراف.»مشى بندر في الممر بخطى متوترة. أمام مكتب سلطان رأى الباب مفتوحًا وياسمين تضحك بصوت خافت على شيء يقوله ابن عمه، وسلطان يمسح جبينه بظهر يده وهو يبتسم. توقف عند العتبة ولم ينتبه إليه أحد منهما. كان قد حسم أمره: سيبحث عن من يحوّل الشك إلى عنوان.في مساء الأربعاء ارتدى معطفًا

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الثالث عشر: لحظات إنسانية

    مرّت ثلاثة أسابيع ولم يظهر الرقم المغلوط في أي مكان. بدأت ياسمين تظن أنها بالغت في الشك برائد، وأن الظرف الذي رأته لم يكن سوى سلفة راتب. وبمرور الأيام تغيّر شيء في البيت أيضًا: صار العشاء المشترك موعدًا لا يفوّته أحد منهما، وأصبح سلطان يترك هاتفه في جيبه وهو يجلس إلى المائدة.ذات مساء حكى لها عن أول اجتماع له مع مستثمرين يابانيين. كان في الثالثة والعشرين، وأراد أن يُظهر احترامه فحفظ التحية بلغتهم، لكنه نطق اسم رئيس الوفد بطريقة تعني «الحذاء». انحنى الرجل ببطء، وانحنى بعده أعضاء الوفد الستة، وسلطان يتعرق ولا يفهم لماذا يتبادلون النظرات. ضحكت ياسمين حتى سالت دموعها ووضعت الملعقة من يدها. «وبعد ذلك؟»«وقّعوا العقد. قالوا إن رجلًا يجازف بإهانتهم ليُكرمهم يستحق الثقة.»لاحظت وهي تمسح عينيها أنه ينظر إليها ولا يضحك، ينظر فقط كأنه يحفظ الصوت. قالت وهي تتصنع الجدية: «ماذا؟» فقال: «لا شيء. ضحكتك تشبه صوت شيء ينكسر بلطف.» ثم انتبه لما قاله فأخذ كوب الماء وشربه كله.في الأحد التالي وجدها في الحديقة الخلفية جالسة على العشب، وأمامها حامل خشبي صغير وعلبة ألوان مائية جافة. كانت تحاول رسم الغروب فوق

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الثاني عشر: ظلال الماضي

    كان غداء الجمعة في بيت سعود المطيري تقليدًا لا يُلغى. جلست ياسمين إلى يمين نورة، وبندر في آخر المائدة يقطّع اللحم بصمت، ودار الحديث حول أسعار الحديد وأسهم الشحن، حتى وضعت ياسمين شوكتها وسألت فجأة: «عمّي سعود، لماذا اختلف جدّانا؟»توقفت الملاعق. رفعت نورة عينيها إلى أخيها، وتنحنح بندر، وتجمّد وجه سعود كأن أحدًا سكب عليه ماءً باردًا.«قصة قديمة، يا ابنتي.» أخذ منديله ومسح فمه ببطء. «انتهت مع أصحابها، ولا فائدة من إحيائها.»«لكنني نشأتُ على أنكم اعتديتم علينا. وأريد أن أعرف إن كان هذا صحيحًا.»«ياسمين…» همس سلطان.نهض سعود. «سأترك لكم الحلوى.» وخرج من الغرفة، وبقيت الكراسي تصرّ خلفه. أما بندر فابتسم ابتسامة رفيعة وهمس في أذن جاره: «الأميرة تحفر في قبور لا تخصّها.»في السيارة، في طريق العودة، قال سلطان بصوت متعب: «كان عليك أن تنتظري.»«وكم تنتظر؟ أربعين عامًا كما انتظرتم؟» ثم خفضت صوتها. «أنا لا أريد أن أُحرجه. أريد أن أفهم لماذا يصمت الجميع في هذه العائلة بمجرد ذكر اسمنا.»تنهد. «أنا نفسي لا أعرف كل التفاصيل. كل ما سمعته أن جدّينا كانا شريكين في مشروع كبير، واختلفا على توزيع الأرباح، فاف

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الحادي عشر: بداية الاندماج

    مع بداية الشهر الثاني من الزواج صدر أول قرار مشترك: توحيد الأنظمة المالية للشركتين في ثلاثة أشهر. استدعى سلطان ياسمين إلى مكتبه صباح الأحد وقال دون مقدمات: «أريدك عضوًا في لجنة القرار. لا ممثلةً عن الحمود فقط، بل شريكةً في كل شيء.»وكانت قد اعتادت صمت المكتب الجديد، فبدت الدعوة كأنها اختبار. توقعت أن يهمّشها. كانت قد سمعت عن شركاء ابتلعوا شركاء بعد التوقيع بأسبوع، فشدّت ظهرها وسألت: «لماذا؟ أنت تملك الأغلبية ولا تحتاج رأيي.»«لأنني أحتاج ما لا تحتويه أرقامي: من يعمل عندكم فعلًا، ومن يكذب في التقارير، ومن يستحق الثقة. أنتِ تعرفين ذلك. أنا لا.» رفع كتفيه. «تجاهل هذه الخبرة سيكون غباءً مكلفًا.»لم تُخفِ دهشتها. «ظننتُ أنك ستأخذ منّي كل شيء بعد أن أنقذتَني.»«لم أنقذك. اشتريتُ حصة في شركة جيدة. والأصل ما زال بين يديك.»في الاجتماع الأول حضر بندر متأخرًا خمس دقائق، وجلس قبالتها وابتسم ابتسامة لا تدلّ على شيء. قدّمت ياسمين خطتها لإعادة هيكلة التسويق: دمج إدارتين متشابهتين، تقليل الإنفاق الإعلاني بمقدار الخُمس، وتحويله إلى حملات مباشرة مع العملاء الكبار. كانت الأرقام مرصوصة على الشاشة، مبنية

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل العاشر: أول اختبار

    في الأسبوع الثاني من الزواج، اتصل بها مدير المشتريات في المصنع الثاني الساعة الرابعة عصرًا بصوت مذعور: «آنسة ياسمين، شركة النور للمواد الخام ألغت العقد. قالوا إن التوريد يتوقف من صباح الغد.»وكان سلطان قد ذكّرها صباحًا بعشاء الثامنة مع شركاء المجموعة، فقالت بلا انتباه: «سأكون هناك.»«هذا مستحيل. العقد ساري ثلاث سنوات!»«قالوا إنهم وجدوا في بنوده ثغرة، وإن محاميهم…» انقطع صوته. «قالوا إن أحدًا نبّههم إليها.»نهضت ياسمين وسحبت حقيبتها. الخطوط الثلاثة في المصنع تعتمد على هذا المورد، وإن توقفت فسيتوقف ألف ومئتا عامل خلال أربعة أيام.قضت المساء كله في المصنع. اتصلت بستة موردين بديلين، فاعتذر أربعة وطلب اثنان دفعًا مقدمًا بضعف السعر. وفي الحادية عشرة ليلًا وقفت أمام مدير شركة النور نفسه في مكتبه المضاء، وقالت بلا مقدمات: «من نبّهكم إلى الثغرة؟»حكّ الرجل ذقنه. «لا أستطيع أن أفصح.»«اسمع، نحن نوقّع منذ خمسة عشر عامًا. إن كنتَ ستنقض العقد فأخبرني على الأقل من يقف خلفك.»تنهد. «كان صوتًا يعرف تفاصيل الاتفاق الجديد مع المطيري. عرض علينا ضعف سعرنا إن انتقلنا إلى مورد جديد يُقدَّم لنا.»وصلت إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status