Masukلم يكن الزواج بين آدم وسلمى مجرد بداية تقليدية لحياة زوجية، بل كان توقيعاً رسمياً على عقدٍ غير معلن بين عائلتين لا تؤمنان إلا بلغة الأرقام والمصالح.
لم تدخل سلمى حياة آدم لتكون رفيقة درب فحسب، بل كان عليها أن تشغل مقعدها كـ "موظفة" داخل إمبراطوريته؛ فقد كان هذا شرط والدها الجوهري منذ البداية، وكأن الزواج في عُرفهما ليس إلا "انتداباً" لمهمة رسمية طويلة الأمد في قلب الخطر. بدأ الصباح في الشقة الفاخرة بصمت حذر. كانت سلمى قد استعدت تماماً، مرتدية ملابس عملية وأنيقة تناسب مكانتها الجديدة. وقف آدم عند الباب وهو يعدل ساعة يده ببرود، ثم نظر إليها وقال باختصار: — "السيارة في الانتظار. لا أريد أي تأخير في يومكِ الأول." ركبا معاً في المقعد الخلفي للسيارة. كانت المسافة نحو الشركة قصيرة، لكنها مليئة بالتوتر. قطع آدم الصمت وهو ينظر لهاتفه: — "تذكري يا سلمى، بمجرد دخولنا من باب الشركة، تنتهي علاقتنا كزوجين. أنتِ هناك موظفة تحت إمرتي، وأي خطأ سيُحاسب عليه الجميع." ردت سلمى وهي تنظر من النافذة بثبات: — "لا تقلق، أنا ذاهبة لأعمل، لا لأبحث عن عطفك. وقوانينك التي وضعتها في الشقة، سأثبت لك أنها لا تخيفني في مكتبك أيضاً." وصلت السيارة إلى مقر الشركة الشاهق. نزل آدم وتبعته سلمى، وسارا معاً نحو المدخل الرئيسي وسط همسات الموظفين الذين تراجعوا لفتح الطريق لهما. عند مكتب الاستقبال، استوقفهما ليث بابتسامته المعتادة: — "صباح الخير للثنائي الجديد! آدم، هل قررت أخيراً أن تُشرك أحداً في أسرار مكتبك؟" أجاب آدم بنبرة هادئة ومدروسة أمام الموظفين: — "سلمى تملك كفاءة عالية، ووجودها في قسم المراجعة سيكون إضافة قوية للشركة.. أليس كذلك يا سلمى؟" ابتسمت سلمى بذكاء: "بالتأكيد يا ليث، وأتمنى أن أكون عند حسن ظن الجميع." في المكتب الفسيح، كانت نادين تنتظرهما بملامح متوترة. وضعت ملفاً أمام آدم وقالت وهي تتجاهل وجود سلمى: — "سيد آدم، الملفات جاهزة للتوقيع. لقد راجعتُ كل شيء بنفسي لضمان عدم وجود أخطاء." نظر آدم إلى سلمى وقال بتحدٍ: — "سلمى، خذي هذا الملف وراجعيه مرة أخرى. أريد أن أرى إن كانت مهاراتكِ التي تفاخرتِ بها حقيقية أم مجرد كلام." أخذت سلمى الملف وجلست على مكتبها المقابل له. ساد الصمت لبعض الوقت، لم يقطعه إلا صوت الأوراق. فجأة، دخل موظف شاب من قسم الحسابات، بدا عليه الارتباك وهو ينظر لسلمى: — "سيدتي.. هل أنتِ حقاً من سيستلم ملفات الصفقة الخارجية؟ أخبرونا أنكِ زوجة السيد آدم و..." قاطعته سلمى بنبرة حازمة: — "اسمي سلمى، وأنا هنا بصفتي المسؤولة عن المراجعة النهائية. اترك الملفات واذهب لعملك، ولا تشغل نفسك بهويتي الشخصية." تراجع الموظف بخوف، واقترب آدم فجأة من مكتب سلمى. انحنى قليلاً وعدل ياقة قميصها أمام أعين نادين التي كادت تنفجر غيظاً. همست سلمى بغضب: — "حركاتك هذه لن تجعلني أخضع لك يا آدم." رد بهمس بارد: "بل تجعل الجميع يعرفون حدودهم معكِ." انغمست سلمى في العمل لساعات، حتى وصلت للصفحة الخامسة من الملف. فجأة، وقفت وأشارت للأوراق قائلة بحدة: — "توقف يا آدم! الأرقام هنا لا تتطابق مع العقد الأصلي.. هناك تلاعب واضح في الضرائب سيكلف الشركة الملايين!". تغيرت ملامح آدم وسحب الملف منها بذهول. وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفه برسالة نصية. بمجرد أن قرأها، شحب وجهه تماماً وانقبضت ملامحه بطريقة مخيفة. قام من مكانه وسار نحو النافذة الزجاجية الكبيرة وأعطاهم ظهره في صمت ثقيل. اقتربت منه سلمى وقالت بصوت منخفض: — "آدم.. ما الذي حدث؟ " التفت إليها ببطء، واستعاد بروده المصطنع بسرعة، ثم قال بجفاء وهو يضع الهاتف في جيبه: — "لا شيء مهم.. مجرد أمور جانبية لا تشغلي بالكِ بها." نظرت إليه سلمى بعدم تصديق، فقد كانت عيناه تقولان شيئاً مختلفاً تماماً، وشعرت أن الهواء في المكتب أصبح أثقل مما كان عليه.لم يتحرك أحد لثوانٍ بعد أن انطفأت الشاشة.بقيت القاعة غارقة في صمت ثقيل، وكأن الجميع كان يحاول استيعاب ما حدث للتو.ثم بدأت الهمسات تنتشر من جديد بين الطاولات.“حت هل قال إنه ابن سليمان؟”“هل هذا صحيح؟”“من كانت تلك المرأة في الصورة؟”“هل كان لدى السيد سليمان ابن آخر؟”كانت الأسئلة تنتقل من طاولة إلى أخرى، وكلما ارتفع صوت همس، ارتفع معه عدد الهواتف التي أخرجها أصحابها من جيوبهم. بدأت شاشات الهواتف تضيء في الظلام الخفيف، وبعض الضيوف رفعوا أجهزتهم نحو الشاشة السوداء محاولين الاحتفاظ بتسجيل لما حدث قبل أن تختفي آثاره.حتى رائحة الطعام الفاخر والزهور المنتشرة في القاعة بدت غريبة في تلك اللحظة، وكأن أجواء الاحتفال التي كانت تملأ المكان قبل دقائق أصبحت تنتمي إلى مناسبة أخرى لا علاقة لها بما يحدث الآن.بقيت عائلة سليمان في أماكنها دون أن تجد ما تقوله.نظر آدم إلى والده.كان سليمان شاردًا، وعيناه مثبتتان على الشاشة السوداء أمامه. انعكس ضوء الهاتف الموجود على الطاولة على وجهه للحظات، فأظهر التعب الواضح في ملامحه.قال آدم بصوت منخفض:“أبي…”لكن سليمان لم يجبه.اقتربت منه سعاد وأمسكت بيده، فشعر
ظهر وجه ياسين على الشاشة العملاقة، فتجمدت القاعة بأكملها للحظة.ارتفعت همسات متفرقة بين الحضور، بينما تبادل البعض نظرات الاستغراب.أما آدم، فشعر بأن قبضته انغلقت تلقائيًا.كان يعرف جيدًا أن ظهور ياسين هنا لا يمكن أن يعني شيئًا جيدًا.ارتسمت على شفتي ياسين ابتسامة هادئة قبل أن يقول:“مساء الخير أيها السادة.”ساد الصمت في القاعة.تابع ياسين حديثه وكأنه أحد الضيوف المشاركين في الاحتفال:“أعتذر عن مقاطعة هذه الأمسية الجميلة، لكنني وجدت أنه من المناسب أن أشارككم جزءًا آخر من تاريخ هذه الشركة.”بدأ بعض الحاضرين ينظرون إلى بعضهم باستغراب.أما سليمان فبقي جالسًا دون أن يتحرك، لكن ملامحه أصبحت أكثر توترًا.أكمل ياسين:“لقد استمتعت كثيرًا بمشاهدة الذكريات التي عُرضت قبل قليل.”ظهرت ابتسامة ساخرة خفيفة على وجهه.“لكن يبدو أن هناك بعض الذكريات التي نسي الجميع إضافتها.”بدأ الهمس يزداد داخل القاعة.في تلك الأثناء نهض أحد المسؤولين عن الحفل من مكانه واتجه بسرعة نحو غرفة التحكم محاولًا إيقاف البث.لكن الشاشة استمرت في العمل.قال ياسين بهدوء:“أربعون عامًا من النجاح… قصة تستحق الاحتفال فعلًا.”ثم صمت
استمرت أجواء الاحتفال داخل القاعة بعد انتهاء فقرة التكريم، وعادت الأحاديث والضحكات تملأ المكان من جديد. كانت الموسيقى الهادئة تنبعث من إحدى الزوايا، بينما تنقل الموظفون بين الطاولات لتلبية طلبات الضيوف.وقف سليمان محاطًا بعدد من رجال الأعمال والشركاء القدامى الذين جاؤوا لتهنئته بهذه المناسبة، وكان يستقبلهم بابتسامته المعتادة ويبادلهم الأحاديث عن السنوات الطويلة التي مرت منذ تأسيس الشركة.أما آدم، فقد وجد نفسه بدوره محاطًا بعدد من المستثمرين الذين أرادوا الحديث معه حول مشاريع الشركة المستقبلية. حاول أن يبدو هادئًا ومنشغلًا بالمحادثة، لكن جزءًا من تفكيره كان لا يزال عالقًا بالأحداث الأخيرة المتعلقة بياسين.في المقابل، كانت سلمى تجلس إلى جانب سعاد وأمل. وبين الحين والآخر كانت بعض السيدات يقتربن منها للترحيب بها أو تبادل أطراف الحديث معها.قالت إحدى السيدات مبتسمة:“يبدو أن هذه أول مناسبة رسمية كبيرة تحضرينها مع العائلة.”ابتسمت سلمى بخجل وأجابت:“نعم، لهذا أشعر ببعض التوتر.”ضحكت السيدة بلطف:“لا داعي لذلك، الجميع يتحدث عنكِ اليوم.”ازدادت حمرة وجنتي سلمى، بينما تابعت السيدة:“في الحقيقة
ما إن انتهت مراسم التكريم حتى انطفأت الأنوار قليلًا، وبدأت فرقة موسيقية تعزف مقطوعة هادئة ملأت أرجاء القاعة.ابتسم مقدم الحفل وهو يمسك بالميكروفون قائلاً:“والآن ندعو ضيوفنا الكرام للاستمتاع بالأمسية، ونتمنى لكم قضاء وقت ممتع.”دوّى التصفيق مرة أخرى، بينما بدأ الحاضرون ينهضون من أماكنهم، فمنهم من اتجه نحو طاولة المأكولات، ومنهم من انشغل بالحديث مع رجال الأعمال والشركاء الذين لم يرهم منذ مدة.لم تمضِ دقائق حتى اقترب ثلاثة من كبار المستثمرين من آدم.صافحه أحدهم مبتسمًا:“مبروك يا آدم، لقد أبهرتنا النتائج التي حققتها الشركة هذا العام.”ابتسم آدم بأدب وهو يرد:“شكرًا لكم، ما زال أمامنا الكثير لنحققه.”تبادل معهم الحديث لبضع دقائق، قبل أن يلتفت إلى سلمى قائلاً:“سأعود بعد قليل.”ابتسمت له بهدوء.“لا بأس.”ابتعد آدم مع رجال الأعمال، بينما بقيت سلمى جالسة تتأمل القاعة الواسعة.كانت هذه أول مرة تحضر فيها مناسبة بهذا الحجم، لذلك راحت تراقب تفاصيل المكان بإعجاب، من الثريات الكريستالية الضخمة إلى الطاولات المزينة بالورود البيضاء والشموع.لم يطل بها الجلوس وحدها.اقتربت منها ثلاث سيدات تبدو عليهن
أن التقط المصورون الصور التذكارية، نزل آدم وسلمى من المنصة وعادا إلى طاولة العائلة وسط تصفيق الحاضرين.ما إن جلسا حتى اقترب عدد من الضيوف لمصافحة سليمان وتهنئته بمرور أربعين عامًا على تأسيس الشركة.كان بعضهم يحيّي آدم باحترام واضح، بينما كانت بعض السيدات يوجهن كلمات لطيفة إلى سلمى.قالت إحدى السيدات مبتسمة:"لقد بدوتِ رائعة على المنصة يا سلمى."ابتسمت سلمى بخجل وأجابت:"شكرًا لكِ."وأضاف رجل يقف بجوارها وهو يصافح آدم:"بصراحة، أنتما تبدوان مناسبين لبعضكما جدًا."ضحك آدم بخفة، بينما احمرّ وجه سلمى مرة أخرى.في المقابل، كانت أمل تراقب المشهد بهدوء من مقعدها.لم تقل شيئًا، واكتفت بابتسامة خفيفة وهي تنظر إلى أخيها وسلمى.بعد قليل، بدأ العشاء الرسمي، وانتشرت أصوات الأحاديث والضحكات في أنحاء القاعة.كانت الموسيقى الهادئة تعزف في الخلفية، بينما يتحرك الموظفون بين الطاولات لتقديم الأطباق والمشروبات.التفت إياد إلى آدم وقال مازحًا:"أظن أن الجميع نسي أن هذا حفل الشركة، وأصبحوا يتحدثون عنكما فقط."هز آدم رأسه مبتسمًا:"هذا لأنك تبالغ."ضحك إياد، ثم بدأ يتحدث مع والده عن بعض الضيوف الذين حضروا
اعتلى سليمان المنصة وسط تصفيق الحاضرين، ثم وقف أمام الميكروفون ينظر إلى القاعة التي امتلأت بالضيوف من رجال الأعمال والشركاء والموظفين الذين رافقوا الشركة في مسيرتها الطويلة. ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال: “مساء الخير جميعًا…” ساد الهدوء في أرجاء القاعة، واتجهت جميع الأنظار نحوه. تابع سليمان بصوتٍ يحمل شيئًا من الفخر: “منذ أربعين عامًا، لم تكن هذه الشركة سوى حلم صغير بدأ من مكتب متواضع وعدد قليل من الموظفين. لم نكن نملك حينها سوى الإيمان بالعمل والاجتهاد، لكننا كنا نملك شيئًا أهم… الإرادة.” توقف للحظة، ثم أكمل: “مرت علينا سنوات صعبة، واجهنا خلالها تحديات كثيرة، لكننا تعلمنا أن النجاح الحقيقي لا يُبنى في يوم واحد، بل يُبنى بالصبر والثقة والعمل الجماعي.” دوّى التصفيق في القاعة، بينما تبادل الحاضرون النظرات بإعجاب. أما آدم، فكان ينظر إلى والده بصمت، وكأنه يسترجع السنوات التي كبر فيها وهو يشاهد هذا الرجل يكرس حياته للشركة. واصل سليمان حديثه: “اليوم، ونحن نحتفل بمرور أربعين عامًا على تأسيس الشركة، لا أريد أن يكون هذا الاحتفال تكريمًا للإدارة فقط، بل لكل شخص ساهم في هذا النجاح، مهما
مع إشراقة صباح اليوم التالي، عاد كل شيء إلى شكله الطبيعي في الظاهر فقط. في مقر الشركة، كانت الحركة تسير كالمعتاد؛ ملفات تُنقل، اجتماعات تُعقد، وأصوات خافتة تملأ الرواق، لكن التوتر كان يغلف الأجواء كضبابٍ كثيف لا يراه إلا من يعيشه. جلست سلمى في مكتبها تحاول التركيز في الأوراق أمامها، لكن عقلها كا
ساد صمتٌ طويل ومريب في الأرجاء بعد اعتراف آدم الأخير. لم يعد هناك مكان للتمثيل؛ فالحقائق بدأت تخرج من مخابئها واحدة تلو الأخرى لتواجههما في منتصف الصالة. كانت سلمى تنظر إلى آدم، ليس بعيني الزوجة المكسورة أو الخائفة، بل بتركيز شديد وبرود أدهشه، وكأنها تعيد ترتيب قطع أحجية معقدة في رأسها، أحجية لم
توقف المصعد في الطابق الأخير، وانفتحت الأبواب مباشرة على الشقة الفاخرة. دخل آدم بخطوات واثقة، وتبعه في نفس اللحظة أصدقاؤه الذين كانوا بانتظارهما عند المدخل. وسط انشغال الجميع بالدخول، اقترب آدم من سلمى وهمس في أذنها بنبرة حادة: — "لا تظني أن وجودكِ هنا يعطيكِ حقوقاً لا تملكينها.. في هذه الشقة، أن
في تلك الليلة التي تحلم بها كل فتاة، لم تكن سلمى تشعر أنها عروس تُزف إلى أحلامها، بل كانت تشعر أنها مجرد "بضاعة" ثمينة تم تبادلها في صفقة سرية بين والدها والرجل الذي ستحمل اسمه. لم يمنحها الفستان الأبيض أي سعادة؛ فمن كانت ترتديه هي جسدٌ بلا روح، وقلبٌ محطم. وقفت أمام المرآة تنظر إلى وجهها الشاحب وع







