Masukمع إشراقة صباح اليوم التالي، عاد كل شيء إلى شكله الطبيعي في الظاهر فقط.
في مقر الشركة، كانت الحركة تسير كالمعتاد؛ ملفات تُنقل، اجتماعات تُعقد، وأصوات خافتة تملأ الرواق، لكن التوتر كان يغلف الأجواء كضبابٍ كثيف لا يراه إلا من يعيشه. جلست سلمى في مكتبها تحاول التركيز في الأوراق أمامها، لكن عقلها كان بعيداً جداً، غارقاً في تفاصيل المواجهة الليلية وكلمات الرسالة التي قلبت كيانها. أما آدم، فقد كان في مكتبه، يقف خلف زجاجه المطل على الموظفين بملامح جامدة. أغلق الباب بإحكام، وأخرج هاتفه ليجري اتصالاً واحداً لم يتجاوز الدقيقة. قال بصوتٍ حاد ومنخفض: — "الرقم الذي أرسلته لك.. أريد كل شيء عنه. صاحبه، موقعه، والجهات التي يتواصل معها. لا أريد تقريراً عادياً، أريد تحقيقاً حقيقياً يكشف لي من يتجرأ على اللعب في منطقتي." أنهى المكالمة وجلس خلف مكتبه الضخم، لم يكن هذا مجرد فضول عابر، بل كان تحركاً استراتيجياً لرجلٍ لا يقبل بوجود ثغرة في نظامه. في الخارج، كانت سلمى تحاول التصرف بشكل طبيعي، ممسكة بقلمها وكأنها تدقق في الحسابات، لكن ليث، بذكائه المعهود، لاحظ اضطرابها. اقترب منها ووضع بعض الأوراق على مكتبها، ثم قال بنبرة هادئة: — "يبدو أن الأمس لم يكن عادياً يا سلمى.. ملامحكِ تقول الكثير." نظرت إليه سلمى، وحاولت جاهدة إخفاء توترها خلف قناع من البرود: — "ولا اليوم يبدو عادياً يا ليث. العمل يضغط على الجميع كما ترى." ابتسم ليث قليلاً، ابتسامة تحمل نوعاً من الفهم لكنه لم يسأل أكثر، وانسحب بهدوء. في تلك الأثناء، كانت نادين تراقب المشهد من بعيد، ونظراتها لم تكن مريحة أبداً؛ كانت عيناها تلمعان بشكٍّ مكتوم، وكأنها تنتظر سقطة واحدة لتبدأ هجومها. داخل المكتب، اهتز هاتف آدم معلناً وصول المعلومات الأولية. فتح الملف وبدأ يقرأ، ومع كل سطر كانت ملامحه تزداد قسوة، من تركيزٍ هادئ إلى توترٍ خفيف ظهر في انقباضة فكه. رفع نظره ببطء نحو الباب الزجاجي، مسلطاً نظراته نحو المكان الذي تجلس فيه سلمى، وتمتم بصوتٍ مسموع لنفسه فقط: — "هذا ليس مجرد مجهول يعبث.. هذه بداية مشكلة أكبر مما تخيلت." نهض آدم من مكانه واتجه نحو الباب، فتحه بهدوء وخرج متوجهاً مباشرة نحو سلمى. توقفت عن الكتابة فور شعورها بظله يغطي مكتبها، رفعت نظرها إليه، وكانت تلك النظرة كافية لتفهم أن هناك خبراً جديداً سيغير مسار يومها. — "تعالي معي،" قالها بهدوء لا يقبل النقاش. نهضت وتبعته دون سؤال، ودخلا المكتب حيث أطبق الصمت بمجرد إغلاق الباب. وقف آدم أمامها وقال أخيرًا: — "صاحب الرقم الذي يراسلنا.. ليس شخصاً عادياً، وتحركاته ليست عشوائية كما ظننا." شعرت سلمى بأن قلبها بدأ ينبض أسرع، لكنها حافظت على ثباتها: "ماذا تقصد؟ هل توصلت لهويته؟" اقترب آدم منها خطوة، وقال بنبرة غامضة: "أقصد أن ظهوره في هذا التوقيت ليس صدفة. هناك شخص يملك مفاتيح لماضيكِ ويحاول استخدامها لضرب استقراري." صمتت سلمى للحظة، ثم قالت بصوتٍ أخف: "ومن يملك تلك المفاتيح لا يفعل شيئاً بدون سبب مسبق." نظر إليها آدم باهتمام أكبر، وسأل فجأة: "هل تملكين أدنى فكرة عمن قد يكون هذا الشخص؟ هل هناك أحد من الماضي تثقين به لدرجة إعطائه هذه القوة؟" ردت سلمى بسرعة ودون تردد: "لا أثق بأحد.. لكنني أفهم كيف يفكر هؤلاء الناس." تغيرت نظرة آدم قليلاً، وكأن جملتها لم تعجبه: "الفهم أحياناً أخطر من الثقة يا سلمى. والجهل بما يخططون له هو انتحار." انتهى الحوار باتفاقٍ غير معلن؛ شراكة مليئة بالشك والحذر. آدم يبحث عن "صاحب الرقم"، وسلمى تخفي في صدرها يقيناً بأن اللعبة بدأت تحرق الجميع. وفي مكانٍ آخر، بعيداً عن صخب الشركة، كان هناك هاتفٌ يُغلق بهدوء، وشخصٌ يبتسم وهو يتابع كل خطوة بدقة، منتظراً اللحظة المناسبة ليكشف عن وجهه.ظهر وجه ياسين على الشاشة العملاقة، فتجمدت القاعة بأكملها للحظة.ارتفعت همسات متفرقة بين الحضور، بينما تبادل البعض نظرات الاستغراب.أما آدم، فشعر بأن قبضته انغلقت تلقائيًا.كان يعرف جيدًا أن ظهور ياسين هنا لا يمكن أن يعني شيئًا جيدًا.ارتسمت على شفتي ياسين ابتسامة هادئة قبل أن يقول:“مساء الخير أيها السادة.”ساد الصمت في القاعة.تابع ياسين حديثه وكأنه أحد الضيوف المشاركين في الاحتفال:“أعتذر عن مقاطعة هذه الأمسية الجميلة، لكنني وجدت أنه من المناسب أن أشارككم جزءًا آخر من تاريخ هذه الشركة.”بدأ بعض الحاضرين ينظرون إلى بعضهم باستغراب.أما سليمان فبقي جالسًا دون أن يتحرك، لكن ملامحه أصبحت أكثر توترًا.أكمل ياسين:“لقد استمتعت كثيرًا بمشاهدة الذكريات التي عُرضت قبل قليل.”ظهرت ابتسامة ساخرة خفيفة على وجهه.“لكن يبدو أن هناك بعض الذكريات التي نسي الجميع إضافتها.”بدأ الهمس يزداد داخل القاعة.في تلك الأثناء نهض أحد المسؤولين عن الحفل من مكانه واتجه بسرعة نحو غرفة التحكم محاولًا إيقاف البث.لكن الشاشة استمرت في العمل.قال ياسين بهدوء:“أربعون عامًا من النجاح… قصة تستحق الاحتفال فعلًا.”ثم صمت
استمرت أجواء الاحتفال داخل القاعة بعد انتهاء فقرة التكريم، وعادت الأحاديث والضحكات تملأ المكان من جديد. كانت الموسيقى الهادئة تنبعث من إحدى الزوايا، بينما تنقل الموظفون بين الطاولات لتلبية طلبات الضيوف.وقف سليمان محاطًا بعدد من رجال الأعمال والشركاء القدامى الذين جاؤوا لتهنئته بهذه المناسبة، وكان يستقبلهم بابتسامته المعتادة ويبادلهم الأحاديث عن السنوات الطويلة التي مرت منذ تأسيس الشركة.أما آدم، فقد وجد نفسه بدوره محاطًا بعدد من المستثمرين الذين أرادوا الحديث معه حول مشاريع الشركة المستقبلية. حاول أن يبدو هادئًا ومنشغلًا بالمحادثة، لكن جزءًا من تفكيره كان لا يزال عالقًا بالأحداث الأخيرة المتعلقة بياسين.في المقابل، كانت سلمى تجلس إلى جانب سعاد وأمل. وبين الحين والآخر كانت بعض السيدات يقتربن منها للترحيب بها أو تبادل أطراف الحديث معها.قالت إحدى السيدات مبتسمة:“يبدو أن هذه أول مناسبة رسمية كبيرة تحضرينها مع العائلة.”ابتسمت سلمى بخجل وأجابت:“نعم، لهذا أشعر ببعض التوتر.”ضحكت السيدة بلطف:“لا داعي لذلك، الجميع يتحدث عنكِ اليوم.”ازدادت حمرة وجنتي سلمى، بينما تابعت السيدة:“في الحقيقة
ما إن انتهت مراسم التكريم حتى انطفأت الأنوار قليلًا، وبدأت فرقة موسيقية تعزف مقطوعة هادئة ملأت أرجاء القاعة.ابتسم مقدم الحفل وهو يمسك بالميكروفون قائلاً:“والآن ندعو ضيوفنا الكرام للاستمتاع بالأمسية، ونتمنى لكم قضاء وقت ممتع.”دوّى التصفيق مرة أخرى، بينما بدأ الحاضرون ينهضون من أماكنهم، فمنهم من اتجه نحو طاولة المأكولات، ومنهم من انشغل بالحديث مع رجال الأعمال والشركاء الذين لم يرهم منذ مدة.لم تمضِ دقائق حتى اقترب ثلاثة من كبار المستثمرين من آدم.صافحه أحدهم مبتسمًا:“مبروك يا آدم، لقد أبهرتنا النتائج التي حققتها الشركة هذا العام.”ابتسم آدم بأدب وهو يرد:“شكرًا لكم، ما زال أمامنا الكثير لنحققه.”تبادل معهم الحديث لبضع دقائق، قبل أن يلتفت إلى سلمى قائلاً:“سأعود بعد قليل.”ابتسمت له بهدوء.“لا بأس.”ابتعد آدم مع رجال الأعمال، بينما بقيت سلمى جالسة تتأمل القاعة الواسعة.كانت هذه أول مرة تحضر فيها مناسبة بهذا الحجم، لذلك راحت تراقب تفاصيل المكان بإعجاب، من الثريات الكريستالية الضخمة إلى الطاولات المزينة بالورود البيضاء والشموع.لم يطل بها الجلوس وحدها.اقتربت منها ثلاث سيدات تبدو عليهن
أن التقط المصورون الصور التذكارية، نزل آدم وسلمى من المنصة وعادا إلى طاولة العائلة وسط تصفيق الحاضرين.ما إن جلسا حتى اقترب عدد من الضيوف لمصافحة سليمان وتهنئته بمرور أربعين عامًا على تأسيس الشركة.كان بعضهم يحيّي آدم باحترام واضح، بينما كانت بعض السيدات يوجهن كلمات لطيفة إلى سلمى.قالت إحدى السيدات مبتسمة:"لقد بدوتِ رائعة على المنصة يا سلمى."ابتسمت سلمى بخجل وأجابت:"شكرًا لكِ."وأضاف رجل يقف بجوارها وهو يصافح آدم:"بصراحة، أنتما تبدوان مناسبين لبعضكما جدًا."ضحك آدم بخفة، بينما احمرّ وجه سلمى مرة أخرى.في المقابل، كانت أمل تراقب المشهد بهدوء من مقعدها.لم تقل شيئًا، واكتفت بابتسامة خفيفة وهي تنظر إلى أخيها وسلمى.بعد قليل، بدأ العشاء الرسمي، وانتشرت أصوات الأحاديث والضحكات في أنحاء القاعة.كانت الموسيقى الهادئة تعزف في الخلفية، بينما يتحرك الموظفون بين الطاولات لتقديم الأطباق والمشروبات.التفت إياد إلى آدم وقال مازحًا:"أظن أن الجميع نسي أن هذا حفل الشركة، وأصبحوا يتحدثون عنكما فقط."هز آدم رأسه مبتسمًا:"هذا لأنك تبالغ."ضحك إياد، ثم بدأ يتحدث مع والده عن بعض الضيوف الذين حضروا
اعتلى سليمان المنصة وسط تصفيق الحاضرين، ثم وقف أمام الميكروفون ينظر إلى القاعة التي امتلأت بالضيوف من رجال الأعمال والشركاء والموظفين الذين رافقوا الشركة في مسيرتها الطويلة. ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال: “مساء الخير جميعًا…” ساد الهدوء في أرجاء القاعة، واتجهت جميع الأنظار نحوه. تابع سليمان بصوتٍ يحمل شيئًا من الفخر: “منذ أربعين عامًا، لم تكن هذه الشركة سوى حلم صغير بدأ من مكتب متواضع وعدد قليل من الموظفين. لم نكن نملك حينها سوى الإيمان بالعمل والاجتهاد، لكننا كنا نملك شيئًا أهم… الإرادة.” توقف للحظة، ثم أكمل: “مرت علينا سنوات صعبة، واجهنا خلالها تحديات كثيرة، لكننا تعلمنا أن النجاح الحقيقي لا يُبنى في يوم واحد، بل يُبنى بالصبر والثقة والعمل الجماعي.” دوّى التصفيق في القاعة، بينما تبادل الحاضرون النظرات بإعجاب. أما آدم، فكان ينظر إلى والده بصمت، وكأنه يسترجع السنوات التي كبر فيها وهو يشاهد هذا الرجل يكرس حياته للشركة. واصل سليمان حديثه: “اليوم، ونحن نحتفل بمرور أربعين عامًا على تأسيس الشركة، لا أريد أن يكون هذا الاحتفال تكريمًا للإدارة فقط، بل لكل شخص ساهم في هذا النجاح، مهما
ما إن فتح آدم باب القاعة حتى خفتت بعض الأحاديث تلقائيًا، والتفتت عشرات الأنظار نحوهما. دخل آدم بخطوات هادئة وواثقة، بينما كانت سلمى تسير إلى جانبه بفستانها الأزرق الملكي الذي انسدل بأناقة حول قوامها الرشيق، وأبرز خصرها النحيل، فيما انعكست أضواء الثريات على التطريزات المرصعة بالكريستال لتمنحه بريقًا راقيًا مع كل خطوة تخطوها. لم يستطع كثير من الحاضرين إخفاء نظرات الإعجاب. همست إحدى السيدات لرفيقتها: “أهذه زوجة السيد آدم؟” أجابت الأخرى وهي تنظر إلى سلمى بإعجاب: “نعم… إنها أجمل بكثير مما توقعت.” وفي الجهة الأخرى، قال أحد رجال الأعمال مبتسمًا: “لطالما كان آدم يتمتع بحضور قوي… لكن يبدو أن زوجته لا تقل عنه أناقة.” ابتسم الرجل الذي يقف بجانبه وقال: “بل أظن أنها خطفت الأنظار منه هذه الليلة.” ضحك الاثنان بخفة. وفي زاوية أخرى، قالت إحدى الموظفات بصوت منخفض: “إنهما يبدوان مناسبين لبعضهما بشكلٍ لافت.” ردت زميلتها وهي تتابع دخولهما: “صحيح… لهذا يحسدهما الجميع.” لكن لم تكن كل النظرات تحمل الإعجاب. إحدى السيدات نظرت إلى سلمى بنظرة امتزجت فيها الدهشة بشيء من الغيرة، ثم تمتمت: “محظوظة
لم يكن الزواج بين آدم وسلمى مجرد بداية تقليدية لحياة زوجية، بل كان توقيعاً رسمياً على عقدٍ غير معلن بين عائلتين لا تؤمنان إلا بلغة الأرقام والمصالح. لم تدخل سلمى حياة آدم لتكون رفيقة درب فحسب، بل كان عليها أن تشغل مقعدها كـ "موظفة" داخل إمبراطوريته؛ فقد كان هذا شرط والدها الجوهري منذ البداية، وكأ
ساد صمتٌ طويل ومريب في الأرجاء بعد اعتراف آدم الأخير. لم يعد هناك مكان للتمثيل؛ فالحقائق بدأت تخرج من مخابئها واحدة تلو الأخرى لتواجههما في منتصف الصالة. كانت سلمى تنظر إلى آدم، ليس بعيني الزوجة المكسورة أو الخائفة، بل بتركيز شديد وبرود أدهشه، وكأنها تعيد ترتيب قطع أحجية معقدة في رأسها، أحجية لم
مرّت الساعات داخل الشقة ثقيلة ومملة، لكن التوتر الذي اشتعل فتيله في الليلة الماضية لم يغب أثره. لم تستطع سلمى النوم؛ فكلما أغمضت عينيها، تراءت لها تلك الرسالة الغامضة كأشباح تطارد سكون ليلها. في النهاية، استسلمت للأرق ونهضت بهدوء، متوجهة نحو هاتفها لتتأمل تلك الكلمات من جديد: "أنتِ لستِ هنا بالصد
لم يدم صمت آدم طويلاً، لكن التغير الذي طرأ على ملامحه كان كافياً لبث القلق في أرجاء القاعة. أمسك هاتفه بهدوء مصطنع، وفتح الرسالة. كانت قراءته سريعة، خاطفة، لكنها انتهت بسكونٍ مفاجئ. لم يصدر عنه أي رد فعل مبالغ فيه، غير أن عينيه اللتين كانت تشتعلان بذكاء العمل، انطفأتا فجأة ليحل محلهما برود قارس.







