ログイン
*إلينا*
لم أتخيل يومًا أن أضطر إلى بيع كرامتي مقابل إنقاذ حياة ابني الذي كان يحتضر. ومع ذلك، ها أنا هنا، أرتدي قميص نوم حريري في انتظار رجل لا أعرف اسمه، ولا يُسمح لي حتى برؤية وجهه. أنزلتُ نظري إلى التقويم على هاتفي. شطبت على اليوم الثاني عشر. لم يتبقَّ سوى مائة وثمانٍ وثمانون ليلة. استدار المفتاح في قفل باب الغرفة المظلمة. فخفق قلبي بعنف. لقد وصل. حدقتُ في الظلام الحالك، أنتظر أن يدخل خياله المألوف إلى الغرفة. اقتربت رائحته مني قبل حتى أن أسمع وقع خطواته؛ خليط من عطر خشب الأرز المبلل بمطر ما بعد العاصفة. وكأن جسدي حفظ تلك الرائحة على مدار الليالي الاثنتي عشرة الماضية، فقد سرت في أوصالي حرارة مفاجئة. لم أصدر أي صوت ولم أبدِ أي حركة. فالعقد وقواعده محفورة في ذهني: لا حديث. لا ضوء. لا أسئلة. كانت كل لمسة تبدو خاطئة وصحيحة في آن واحد. لمسات محرمة، رغم أنني ورقياً وقانونيا... ملكه… زوجته. ورغم أنني لم أرَ وجهه أبداً، إلا أنني أصبحت أعرف وزنه جيداً الآن. الطريقة التي كان يستقر بها فوقي كانت كما لو أنه فعلها مئة مرة معي من قبل. وكأنه يألف جسدي مسبقاً. بالطبع لم يكن هذا الاتفاق سوى صفقة بحتة. مائتا ليلة. مائتا ألف دولار عن كل ليلة. حياة ابني مقابل حريتي. لكن لماذا يراودني هذا الشعور الحميمي؟ لم يكن ينبغي لي أن أستسلم لهذه المتعة. حاولت كبح جماح مشاعري، لكن جسدي خانني… ”آآآه… إيييلينا…“ زمجر باسمي وهو يبلغ ذروته، فانساب الصوت من بين شفتيه مرسلاً قشعريرة في شراييني. مدّ الحرف الأول من اسمي، ليحيله إلى شيء دافئ أو كشيء محفوف بالمخاطر. للحظةٍ عابرة، نسيتُ أن الأمر ليس سوى اتفاق عمل. كانت عيناي تتساءلان عن تعبير وجهه الذي يختبئ وراء الظلام... هل كانت عيناه مغمضتين أم مثبتتين عليّ كما كانت عيناي مثبتتين على ملامح وجهه غير المرئية. أرعبتني هذه الفكرة. لم يتحدث مطلقاً، ولا حتى مرة واحدة طوال الاثنتي عشرة ليلة الماضية. أما هذه المرة... فلم أكن واثقة إن كان يدرك أنه لتوّه قد خرق أحد القواعد. فجأة، اهتز هاتفي على الدرج الجانبي للسرير معلناً وصول رسالة نصية جديدة. تجمد مكانه عندما أضاءت الغرفة بضوء الشاشة الخافت جداً، الذي سبب في انعكاس الضوء على سواد عينيه للحظة خاطفة. انحبست انفاسي. سحقاً! لقد خرقتُ قاعدة لتوّي... نسيت أن أغلق هاتفي. يا إلهي! ما الثمن الذي سأدفعه مقابل هذا الخطأ؟ انقبض فكّه قليلاً، وارتعشت عضلةٌ تحت ظلّ وجهه. لم ينبس ببنت شفة؛ فقط قلب الهاتف ووجهه للأسفل واختفى في الحمام. هل سيقتطع الآن من المبلغ المالي كجزاء؟ لم يكن لدي الشجاعة الكافية لألتقط الهاتف وأقرأ الرسالة. كما لم أستطع محو بريق عينيه الغاضبة في الظلام من مخيلتي. بعد دقائق معدودة، غادر الغرفة. وما إن أُغلق الباب خلفه حتى خطفت الهاتف بسرعة قبل أن أفقد أعصابي وقرأت الرسالة: [لقد وصل العلاج الجديد لابنكِ للتو. يجب دفع المبلغ خلال 48 ساعة، وإلا سيتم تحويله إلى المريض التالي في القائمة.] كانت من الطبيب ويلسون. كنت أعيد قراءة الرسالة مرارا وتكرارا وشعور باليأس يغمرني، ليس لدي المبلغ بالكامل. عندما انبثقت رسالة نصية أخرى أعلى الشاشة: [تم إيداع مئتي ألف دولار في حسابكِ المصرفي.] قذفت الهاتف جانباً بتنهيدة ارتياح؛ على الأقل لم يخصم من المبلغ رغم أنني خرقت قاعدة. ورغم ذلك لا يزال المبلغ ينقصني، ساحاول التحدث مع إدارة المستشفى لإمهالي بعض الوقت. وقبل أن أرتدي ملابسي، وصلتني رسالة نصية أخرى: [تم إيداع 2 مليون دولار في حسابكِ المصرفي.] حملقت في الرسالة بذهول ممتزج بالصدمة. هل حوّل مبلغاً آخر بالخطأ؟ [ادفعي ثمن الدواء الجديد لإبنك.] من رقم مجهول. إذن، لقد قرأ الرسالة قبل قليل. رغم أن قلبي رقص فرحاً. ولكن هذا لم يشعرني بالسعادة الحقيقية بل على العكس فقد غمرني بالمرارة. ’لماذا يا أبي؟ لماذا فعلت هذا بي وبحفيدك الصغير؟‘ لو لم يكتب كل ثروته لزوجته وابنتها، وترك ابنائه من صلبه ومن دمه ولحمه بلا شيء قبل وفاته... لكنت الآن قادرة على علاج ابني دون أن أضطر لبيع كرامتي لغريب غامض. هل كان يعتقد حقاً أن زوجته ستعاملنا جيداً؟ كنتُ أعتقد أن الآباء يحمون أبناءهم. لكن أبي اختار أن يصدق كل كذبة همست بها كاميلا. حتى بعد أن توسلت إليه أن يستمع، وبعد أن أقسمت أنني لم أخن عائلتنا طواعيةً قط، نظر إليّ وكأنني أصبحت غريبة بين ليلة وضحاها. خيبة الأمل في عينيه كانت أشدّ إيلامًا من طردي من المنزل. ما زلت أتساءل أحيانًا عمّا إذا كان، لو عاش قليلًا، سيكتشف الحقيقة... أو يموت وهو مقتنع أنني المرأة التي رسمتها كاميلا في مخيلته. أدرت محرك سيارتي وشردت ببصري في الفراغ. ما إن مات أبي، ودفنته زوجة أبي —كاميلا— يوم الثلاثاء، قامت بتغيير أقفال القصر بحلول يوم الجمعة وطردتنا. ”هذا المنزل أصغر من أن يتسع لنا جميعاً“، هكذا تهكمت ابنتها فيفيان وهي توصد الباب في وجهي. أعادني رنين اتصال وارد إلى أرض الواقع. ”نعم؟“ أجبت وأنا انعطف بالسيارة نحو الطريق الرئيسي. ”آنسة مارتينيز، عليكِ الحضور فوراً. حالة ابنكِ تدهورت بشدة“، جاء صوت إحدى الممرضات من الطرف الآخر. اشتدت قبضتي على عجلة القيادة: ”ما مدى خطورة الوضع؟“ سألت بترقب مخيف. ساد صمت قصير. ”أتمنى فقط أن تصلي قبل أن…“ ارتعش صوتها، ثم تابعت: ”... لا أظن أن لديه الكثير من الوقت“. شهقتُ ذعراً... وكان الخط قد انقطع بالفعل.أدريانووعدت نفسي أنني سأحتاجها أقل مع كل يوم يمر.أن أرغب بها أقل...لكن... في كل مرة تقع عيناي عليها، أشعر أنني أعجز أكثر عن التوقف عن احتياجها.تلك العينان اللتان نظرتا إليّ كإنسان حين لم يهتم أحد إن كنت سأعيش أو أموت.اشتدت قبضتي حول خصر فيفيان وأنا أراقب إلينا ترقص مع ذلك الوغد، هندريك زيلر.أتذكر ابتسامتها بعد أن منحتني قبلة الحياة وقالت لي:"ممنوع على البشر أن يقتلوا أنفسهم. أرجوك، لا تفعل ذلك مرة أخرى."وجعلتني أعدها بأن أحاول أن أعيش.كانت في الرابعة عشرة من عمرها آنذاك، بينما كنت أنا في العشرين.يائسًا من الحياة.هي لا تتذكرني الآن حتى.لكنني لم أستطع يومًا أن أتخلص من فكرة أنها خاطرت بحياتها لتنقذ حياتي.كنت مدمن مخدرات.مشردًا.لم يكن هناك من يهتم بي.لكنها... رأت الإنسان بداخلي.وحين لاحظت يد هندريك تستقر على أسفل ظهرها...لم أعد أحتمل أكثر.زمجرت في داخلي:هذه المرأة... لي.في اللحظة التي انتهت فيها الموسيقى، لم أفكر.تحركت.تنحى الناس عن طريقي غريزيًا وأنا أعبر قاعة الرقص.وقبل أن يتمكن هندريك من قول كلمة أخرى لها، أمسكت بمعصم إلينا.شهقت."أدريانو؟"لم أجب.اكتفيت بسحب
كان الممر الجانبي خاليًا.ما إن أُغلق الباب خلفنا حتى أفلت أدريانو معصمي.تقدم بضع خطوات، ثم استدار نحوي.كانت عيناه جليدًا.ليس ذلك البرود الذي اعتاد ارتداءه في المكتب؛ ذلك كان مقصودًا، متحكمًا فيه، قناعًا يضعه متى شاء.أما هذا...فكان شيئًا آخر.شيئًا يختبئ خلف ذلك القناع، ولم يتمكن هذه المرة من السيطرة عليه بالكامل.قال بصوت منخفض جدًا:"ماذا... كنتِ تفعلين؟"أجبته بنفس الهدوء:"أرقص."رفعت دفتري قليلًا."مع المدير التنفيذي للشركة المنافسة التي أرسلتني لجمع المعلومات عنها. وبالمناسبة... نجحت."لوحت بالدفتر أمامه."ست صفحات كاملة. هل تود الاطلاع عليها؟"شيء ما تحرك في ملامحه."كان من المفترض أن تكوني تعملين...""وكنت أعمل."تقدمت خطوة نحوه."منذ اللحظة التي دخلت فيها القاعة، بعدما أخبرتني أن أبدأ عملي."رفعت الدفتر مرة أخرى."حصلت على خطة الربع الرابع، واسم وكالة الدعاية الجديدة التي تعاقدوا معها، وحتى ملامح إعادة الهيكلة الداخلية للشركة... معلومات لا يعرفها حتى بعض أعضاء مجلس إدارتهم."اقتربت خطوة أخرى."وحصلت على كل ذلك لأنني ابتسمت للناس، واستمتعت إليهم، وأحسنت الإصغاء."ثبتُّ نظ
ابتلعت الألم غير المنطقي الذي شعرت به في صدري وفتحت تطبيق توصيل.طلبت تاكسي وبعد خمس دقائق كنت في طريقي إلى المكان.طوال الطريق ظللت أردد على نفسي أن هذا عمل، وليس هناك ما يدعو إلى الشعور بالحزن أو الخيبة على شيء كهذا. كان من الطبيعي أن يختار خطيبته.حين وصلت، كان المكان قد امتلأ بالفعل برجال ونساء أعمال أنيقين وميسورين.لم أعرف إلى أين أتجه. بدأت تمسح عيناي القاعة بحثًا عن زملائي، حين دخل رنين هاتفي وأوقفني.[نحن على الجانب الأيسر من القاعة، طاولة رقم 99.]قرأت الرسالة. كانت من أدريانو. وفي اللحظة التي رفعت فيها عيني التقت بعينيه.لكنه سرعان ما حوّل نظره بعيدًا.مشيت نحوهم. كان يتحدث مع بعض المديرين من شركتنا، بينما فيفيان متعلقة بذراعه. كأنها تقول لكل امرأة في الغرفة: هذا رجلي. لا تقتربي.لم أستطع لومها على أي حال.كان أدريانو من النادرين الذين يستطيعون استقطاب انتباه كل امرأة في أي مكان دون أن يبذل أي جهد.حين رأتني فيفيان، انحازت أكثر نحو أدريانو."مرحبًا،" قلت حين وقفت أمامهم.التفت أدريانو والمديرون من حوله ونظروا إليّ.ابتسمت، واحمرّ وجهي حين مدّت أعينهم عليّ أطول مما ينبغي.صف
كنت سعيدة جدًا حين رأيت نوح جالسًا على سريره يشاهد الرسوم المتحركة. "مرحباً، يا صغيري،" قلت. "يبدو أننا بخير اليوم." ربّتُّ على رأسه. "ماما، انظري." قال بحماس، مشيرًا إلى صندوق بجانب السرير. "رجل توصيل أحضره." عبست. كان صندوقًا متوسط الحجم، عليه ورقة. "لإيلينا وابنها." "افتحيه يا ماما،" قال نوح. "أريد أن أرى ما بداخله." التفتُّ إليه وابتسمت. "حسنًا." بدأت أفكّ الطيّات. "لا بد أنها لعبة جديدة لي." صاح نوح. لم أعرف من كان يمكن أن يرسل لنا هذه الأشياء، لكنني لم أستطع التفكير في أحد سوى زوجي الغامض، السيد دي لوكا. عبست حين لاحظت أن الطيّات كانت أكثر مما ينبغي. التفتُّ إلى نوح. "يبدو أنه شيء مميز." حين نظرت مجددًا وأزلت آخر طيّة، جمدت في مكاني. كان داخل الصندوق لعبة. لعبة مشوّهة، بحلقات سوداء حولها وملطّخة بالدماء. ومعها ورقة صغيرة: "نأمل أن يستمتع نوح بها." تجعّدت البطاقة الصغيرة بين قبضتي. "قذرتان،" أسررت في نفسي. لا بد أنهما كاميلا وفيفيان. "ماما،" قال نوح. "دعيني أراها." أغمضت عيني بإحكام. حابسةً الدموع التي تجمّعت بالداخل. كيف يمكن أن يكونا بهذه القسوة؟ هل
كانت جميع الأنظار مصوبة نحوي. همسات منخفضة عني هسهست في أرجاء المكان، وكل واحدة منها كانت تغرس في داخلي جرحًا أعمق من سابقتها. أبقيت رأسي منخفضًا وأنا أسير نحو مكتب الرئيس التنفيذي، ومن خلفي، لحق بي صوت فيفيان.."آسفة يا أختي." ابتسمت بحلاوة مصطنعة. "نسيت أن أهنئك. لا بد أنكِ سعيدة جدًا لأن حالة نوح تتحسن." لم أجبها. اكتفيت بالنظر إليها من رأسها حتى قدميها، ثم تابعت سيري. كانت فيفيان تكرهني منذ اللحظة التي دخلت فيها حياتي. وكلما وجدت طريقة لإذلالي وتشويه سمعتي، استغلتها. وفي النهاية، نجحت والدتها في إقناع الجميع بأنني أنا المشكلة، وأنني ثمرة فاسدة. والآن كانت فيفيان تحاول أن تفعل الشيء نفسه. طرقت باب المكتب برفق. "ادخلي." جاءني صوته العميق من الداخل. دفعت الباب ودخلت. ولثانية واحدة... شعرت أنني تلك الطفلة الصغيرة من جديد. أقف داخل مكتب والدي. أنتظر أن يوبخني بسبب شجار آخر مع فيفيان، قبل حتى أن يسأل عما حدث. كان يصدقها دائمًا. دائمًا. "لقد تأخرتِ ثلاث دقائق، آنسة مارتينيز." قال أدريانو من دون أن يرفع رأسه عن حاسوبه المحمول، ألقى نظرة سريعة على ساعة رولكس في معصمه، ث
"أليس من غير الأخلاقي الاطلاع على رسائل الآخرين الخاصة؟" الصوت خلفي جعلني أقفز واقفةً من الهول، ثم زحف الخجل إليّ. "أنا… أنا…" تلعثمت. لم أكن أقصد. انتزع الهاتف من يدي ورفع حاجبًا واحدًا. "بوصفك مساعدة شخصية، هذا التصرف غير مقبول،" أضاف، وكان صوته باردًا جدًا. كان بإمكاني أن أفهم غضبه على خصوصيته، لكن لماذا كان بهذه الحدة؟ كان يبالغ في رد فعله. "آسفة يا سيد كونت،" قلت، وكان صوتي أكثر ثباتًا هذه المرة بعد أن استعدت توازني. فحص هاتفه لثوانٍ، مما جعلني أتساءل إن كان يظن أنني تصفحته. هل كان يظن ذلك؟ رفع نظره إليّ. "هل أرسلتِ الملف إلى جهازك؟" أومأت. "نعم، سيدي." "جيد." هذا كل ما قاله. ثم استدار ومشى خارجًا من الشقة. هكذا فحسب. دون حتى تصبح مساءً أو شكرًا. "أحمق!" نظرت إلى الساعة على هاتفي وتنهدت. لم يعد لديّ وقت للحمام الذي كنت أحلم به. يجب أن أذهب لأرى نوح. لا بد أنه غاضب مني، لقد أخلفت وعدي له اليوم. حاولت التحدث إليه عدة مرات وأخبرتني الممرضة أنه يرفض الكلام معي. أمسكت بحقيبتي وتوجهت خارجًا. أدرت محرك سيارتي وانطلقت نحو المستشفى. *** فُتحت أبواب الم







