LOGINالفصل الثالث: الغريب في الممر
بعد يومين، كنتُ أقف في ردهة فندق «الأندلس» الفخم، أحمل سيرتي الذاتية في مغلّف مجعّد. كنتُ قد استأجرتُ غرفة صغيرة في نزل متواضع بما تركته لي أم صالح، وقضيتُ ليلتين أقلّب الصحف بحثًا عن عمل. سمعتُ أن الفندق يبحث عن مترجمة لمؤتمر رجال الأعمال الذي يُعقد الأسبوع القادم، وكنتُ أتقن ثلاث لغات بفضل سنوات الدراسة التي لم يعلم أحد بمقدار شغفي بها. كان المكان يلمع كأنه قطعة من حلم: أرضيات رخامية تعكس الثريات، وعطر خفيف من الزهور الطازجة، ورجال ونساء يمرّون بأثواب لا تُشترى بمرتب سنة كاملة. شعرتُ بثيابي القديمة تحرقني، وبنظرات العابرين تلتصق بي كأنها تقول: أنتِ لا تنتمين إلى هنا. وقفتُ أمام مرآة كبيرة على الجدار فرأيتُ نفسي بين الثريات: فتاة نحيلة بعينين مرهقتين، وبقايا كبرياء تشدّ ظهرها. تذكرتُ نصيحة أمي حين كانت تقول لي إن الجلوس في آخر الصف لا يعني أن المكان ليس لك، وإنما أن عليك أن تشقّي طريقك إلى الأمام بخطوات ثابتة. شددتُ كتفيّ، وواصلتُ السير. — لا مكان هنا لمن هم في مثل حالك يا آنسة، — قال رجل الأمن وهو يعترض طريقي بنظرة تفحّص ثيابي. — لديّ موعد مع مدير الموارد البشرية. — الجميع لديهم مواعيد. حاولتُ أن أشرح، لكنه أمسك بمرفقي ليقتادني إلى الخارج أمام الأنظار. احمرّ وجهي حتى أذنيّ، وشعرتُ بالإهانة تسري في عروقي، لكنني رفضتُ أن أبكي. لم يعد لديّ ما أخسره. وفي تلك اللحظة، جاء من آخر الممر صوتٌ هادئ، عميق، لا يحتاج إلى رفع نبرته كي يُطاع: — اتركها. التفتُّ فرأيتُ رجلًا في أواخر الثلاثينيات، طويل القامة، بدلته الداكنة تفصّلت على جسده كأنها جزء منه، وعيناه رماديتان كسماء ما قبل العاصفة. كان يمشي وسط حاشية من الرجال يخطون خلفه بخطى حذرة، ومع ذلك بدا وحيدًا على نحو غريب. تراجع رجل الأمن كمن لُسع، وانحنى قائلًا بصوت مرتبك: — أعتذر يا سيد آدم، لم أكن أعلم أنها ضيفتك. اقترب الرجل مني وتأمّلني لحظة طويلة، ثم قال بشيء من الغرابة: — أنتِ الفتاة التي ركضت أمام سيارتي منذ يومين. اتسعت عيناي. كان هو، الظلّ الذي خلف الزجاج المعتم. تذكّرتُ نظرته التي شعرتُ بها تلك الليلة دون أن أراها. — لم أطلب منك شيئًا، — قلتُ بكبرياء هشّة. — لا. لكنكِ لا تشبهين من يستسلم. — ابتسم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه. — ما اسمك؟ — ليلى المنصور. ارتفع حاجباه قليلًا، وكأن الاسم أثار في ذهنه ذكرى ما، ولمحتُ في عينيه شيئًا يشبه البرق الخاطف ثم اختفى. قال بنبرة متأنية: — ابنة يوسف المنصور، صاحب المجموعة المتعثرة؟ شعرتُ ببرودة تسري في عروقي. إذن هو يعرف أبي، كما يعرفه الجميع الآن، بوصفه اسمًا يُذكر بالشفقة أو الازدراء. — لم أعد ابنته، — قلتُ بصوت ثابت. — ولستُ هنا بسببه. نظر إليّ لحظة أخرى، ثم أومأ لرجاله فتراجعوا. وقال: — كنتُ سأتصل بأبيك غدًا لأمر آخر، لكن يبدو أن القدر أراد اختصار الطريق. — أشار إلى باب جانبي في آخر الممر. — لدي عرض لك يا آنسة ليلى. ولن تندمي إن أصغيتِ إليه. ترددتُ. كل ما في داخلي كان يصرخ بأن رجلًا كهذا لا يقدّم عروضه مجانًا. لكنني نظرتُ إلى رجل الأمن الذي ما زال يتجنب عينيّ، وإلى مغلّف سيرتي المجعّد في يدي، وأدركتُ أنني لا أملك ترف الرفض. مشيتُ خلفه عبر ممر طويل تصطفّ على جانبيه أبواب زجاجية، وكان الموظفون يتوقفون عن الكلام حين يمرّ، وتلاحقنا نظراتهم وهمساتهم. لاحظتُ أنه لا يلتفت إلى أحد، لكنه يعرف كل من يمرّ به بالاسم من غير أن ينظر إليه. وفي المصعد الزجاجي الذي ارتفع بنا إلى الطابق الأخير، ظلّ صامتًا يحدّق في الأضواء المتلألئة تحتنا، وشعرتُ بأنني أقف بجوار رجل يحمل عبئًا أثقل مما يبدو عليه.الفصل السادس والعشرون :نظرة الشك مرّ الأسبوع التالي كأنه شهر كامل. تحولتُ إلى شبح في القصر الذي طالما شعرتُ فيه بالانتماء تدريجيًّا؛ صلاحياتي معلّقة، وموظفو الشركة يتجنبون النظر إليّ في الممرات كأنني وباء، وحتى زينب عادت إلى برودتها الأولى، وكأن الشهور الماضية من الدفء لم تحدث قط. الأقسى من كل ذلك كان آدم نفسه. لم يعد يأتي إلى الإفطار، وصار يعود من مكتبه بعد منتصف الليل، وحين نلتقي في الممرات يكتفي بإيماءة باردة أو سؤال روتيني عن حالي. كنتُ أراه يبتعد أمام عيني، كجليد يتجمد من جديد فوق نهر بدأ يذوب للتو. كنتُ أمرّ بجانب مكتبه في طريقي كل صباح، آملة أن يفتح الباب ويناديني كما اعتاد، لكن الباب كان يبقى مغلقًا، وصوت اجتماعاته المتلاحقة يتسرب من خلفه كجدار إضافي بيننا. شعرتُ أنني أخسر شيئين معًا: مكانتي التي بنيتها بالكد، والرجل الذي بدأ قلبي يفتح له أبوابًا لم يفتحها لأحد من قبل. حاولتُ مرارًا أن أشرح له نظريتي عن فادي، لكنه كان يستمع بصبر ظاهري ثم يقول بحياد مؤلم: «سنترك الأمر للجنة التحقيق يا ليلى. لا أريد أن أتسرع في اتهام أحد، كما لا أريد أن أتسرع في تبرئة أحد». في أحد الأيام،
الفصل الخامس والعشرون: الاتهامبعد أيام من حفل الجمعية الخيرية، وبينما كان آدم يحاول احتواء الأضرار السياسية لإعلان طارق المفاجئ، انفجرت فضيحة جديدة هزّت الشركة من أساسها.استُدعي آدم فجأة إلى اجتماع طارئ لمجلس الإدارة، ودُعيتُ أنا أيضًا، وهو أمر غير معتاد إلا في الأزمات الكبرى. حين دخلنا القاعة، وجدتُ وجوه الأعضاء متجهمة، وطارق يقف عند رأس الطاولة ممسكًا بملف أحمر سميك، وابتسامة الانتصار ترتسم على شفتيه بوضوح لا يخفيه.— أعتذر عن هذا الاستدعاء المفاجئ، — بدأ طارق بصوت رسمي مصطنع، — لكن أمرًا خطيرًا وصل إلى علمي، يمسّ أمن هذه الشركة من الداخل.فتح الملف، وأخرج أوراقًا مطبوعة، ووزعها على الأعضاء. نظرتُ إلى النسخة أمامي فتجمد الدم في عروقي: كانت رسائل بريد إلكتروني، تبدو وكأنها مرسلة من حسابي الشخصي، إلى عنوان بريد يخص «مجموعة الحمداني»، تحتوي على تفاصيل حساسة عن استراتيجية تمويل مشروع الميناء، وعن نقاط ضعف قانونية في عقد الشراكة مع بنك فيبر.— هذه ليست رسائلي! — قلتُ بصوت مرتجف من الصدمة والغضب معًا.شعرتُ بعشرات العيون تحدّق فيّ حول الطاولة، بعضها بشفقة، وبعضها بريبة صريحة، وبعضها الآ
الفصل الرابع والعشرون: فخّ في الحفل جاء حفل الجمعية الخيرية الذي حذّرتني منه أذني في السوق القديم أسرع مما توقعت. أقيم في فندق «الأندلس» نفسه الذي التقيتُ فيه آدم أول مرة، وكأن القدر يحب أن يغلق دوائره في الأماكن نفسها. كنتُ أرتدي فستانًا فضيًّا اختارته الجدة نورة بنفسها، وشعرتُ لأول مرة منذ أسابيع بسعادة حقيقية، فآدم لم يفارق جانبي طوال الطريق، ويده تمسك يدي بثبات جديد لا علاقة له بالتمثيل أمام الكاميرات. لكن السعادة لم تدم طويلًا. فور دخولنا القاعة، لمحتُ من بعيد وجهًا لم أتوقع رؤيته هناك: أبي، يقف بجانب سالم الحمداني، وكلاهما يتحدث بجدية مع طارق الذي بدا مبتهجًا بشكل غير معتاد. اقترب منا سامر بوجه قلق، وهمس في أذن آدم بشيء جعل ملامحه تتجمد. التفت إليّ آدم وقال بصوت منخفض: — ليلى، يبدو أن عمي أعدّ إعلانًا مفاجئًا الليلة. لا أعرف تفاصيله، لكن كن حذرة. قبل أن أسأل أكثر، صعد طارق إلى المنصة وطلب الميكروفون من منظمي الحفل، بحجة «مفاجأة سارة تخص عائلته الكريمة». اعتلى المنصة بابتسامته الزيتية المعتادة، ونظر مباشرة نحوي بنظرة انتصار مسبق. — أيها الحضور الكرام، يسعدني أن أعلن الليلة
الفصل الثالث والعشرون: القلب يتمرّدفي الأيام التي تلت الحفل، بدأت رنا الخوري تظهر بشكل متكرر في حياة الشركة، تحت غطاء «الشراكة الاستراتيجية» التي ذكرتها. كانت تحضر الاجتماعات، وتتصل بآدم مباشرة دون المرور بسامر، وتترك في مكتبه هدايا صغيرة أنيقة بذريعة الصداقة القديمة. لاحظتُ أن آدم يتعامل معها بحذر شديد، لكنه لا يستطيع أن يرفض التعاون التجاري الذي تمثله، فالبنك الذي تديره ضروري لتمويل مرحلة جديدة من مشروع الميناء.كنتُ أراقب كل هذا بصمت، أحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق مهني، لكن قلبي كان يعرف الحقيقة أفضل مني: كنتُ أغار، غيرة حقيقية خالصة لا علاقة لها بالعقد أو بالمصلحة.في مساء أحد الأيام، دخلتُ مكتب آدم لأسلمه بعض الأوراق الموقعة، فوجدتُ رنا تجلس أمامه، تضحك على شيء قاله، ويدها تلمس ذراعه بثقة زائدة. توقفتُ عند الباب لحظة، فشعر آدم بحضوري وسحب ذراعه بسرعة كطفل ضُبط متلبسًا، لكن الأذى كان قد وقع بالفعل في قلبي.— ليلى، — قال بصوت متوتر، — كنا فقط نناقش تفاصيل التمويل.— لا داعي للتفسير، — قلتُ بهدوء بارد وضعتُ الأوراق على المكتب. — هذا عملك، لا شأن لي به.خرجتُ من المكتب
الفصل الثاني والعشرون: المرأة الثالثةلم يمض أسبوع حتى وصلت دعوة أنيقة إلى القصر، من نوع لم أتوقعه: حفل استقبال يقيمه بنك «الشرق للاستثمار» لتكريم كبار عملائه، وعلى رأس المدعوين اسم لم أسمعه من قبل: السيدة «رنا الخوري»، الشريكة الجديدة للبنك، والتي وُصفت في بطاقة الدعوة بأنها «صديقة قديمة للسيد آدم الراوي».حين رأى آدم بطاقة الدعوة على الطاولة، توقف للحظة، وظهر على وجهه تعبير لم أفهمه، مزيج من المفاجأة وشيء آخر أعمق.— من هي رنا الخوري؟ — سألتُ بفضول لم أخفه.— كنا... معًا، قبل سنوات. في إنجلترا، أثناء الجامعة. — قال بحذر، وكأنه يقيس كل كلمة. — انفصلنا حين عدتُ لأتولى الشركة بعد وفاة أبي. لم أرها منذ ذلك الحين.شعرتُ بشيء يشبه الغيرة يتسلل إلى صدري، غيرة لم أكن أتوقع أن أشعر بها تجاه ماضٍ لا علاقة لي به. لكنني تذكرتُ نفسي بسرعة: أنا زوجة على الورق، لا يحق لي أن أغار.وقفتُ أمام مرآتي قبل الحفل بساعة، أرتدي الفستان الفضي وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق عابر، لكن يدي كانتا ترتجفان وأنا أثبّت أقراطي، وأدركتُ أن قلبي بدأ يتصرف بطريقة لم أعد أسيطر عليها، رغم كل التحذيرات التي و
الفصل الحادي والعشرون: هدنة هشّةبعد ليلة الشرفة، بدا القصر وكأنه يتنفس بإيقاع مختلف. صار آدم يأتي إلى الإفطار كل صباح بدل أن يكتفي بفنجان قهوة يحمله إلى مكتبه، وصرنا نتناقش في الأخبار والكتب كزوجين حقيقيين، لا كشريكين في صفقة. حتى زينب لاحظت التغيير، وبدأت تعاملني بلطف أعمق من مجرد الواجب.لكن الهدنة، كما تعلمتُ في هذا البيت، لا تدوم طويلًا دون أن يخترقها ظل من الماضي.كنتُ أستمتع بتلك الأيام الهادئة رغم معرفتي أنها مؤقتة، كمن يجلس في عين العاصفة يستجمع قواه قبل أن تعصف به الرياح من جديد. كنتُ أتعلم أن أستمتع باللحظة دون أن أسأل نفسي إلى متى ستدوم، وهو درس لم أكن أجيده من قبل، فحياتي علّمتني دائمًا أن أترقب الضربة القادمة أكثر مما أستمتع بلحظة السكينة.في أحد الأيام، طلبت مني الجدة نورة مرافقتها إلى السوق القديم لشراء بعض التوابل النادرة التي لا تجدها إلا هناك، عادة سنوية تحرص عليها رغم تقدمها في السن. أثناء تجوّلنا بين الأزقة الضيقة المزدحمة بالباعة وروائح البهارات، توقفتُ فجأة أمام محل صغير لبيع الأقمشة، إذ لمحتُ امرأة تفحص قطعة حرير أزرق، وكان وجهها يشبه وجهًا أعرفه جيدًا.كانت سو







